يشهد النظام الدولي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتآكل خلالها ثوابت التحالفات التقليدية، وتتزايد الشكوك حول استدامة المظلات الأمنية التي حكمت العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب الباردة. وفي قلب هذه التحولات البنيوية، تجد أوروبا نفسها أمام لحظة استراتيجية فارقة تفرض عليها إعادة تقييم موقعها ودورها، ليس فقط في علاقتها مع روسيا، بل أيضًا في إطار شراكتها التاريخية مع الولايات المتحدة، التي باتت سياساتها – خصوصًا في ظل عودة دونالد ترامب – مصدرًا متناميًا لعدم اليقين الاستراتيجي.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن أوروبا لم تعد قادرة على إدارة أمنها القومي وفق المعادلات التقليدية، وأن البيئة الدولية الجديدة تفرض عليها إعادة صياغة خياراتها الاستراتيجية عبر ثلاثة مسارات متداخلة: إعادة فتح قنوات الحوار مع روسيا، وإعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة، وتسريع بناء قدرات دفاعية ذاتية تقلل من هشاشتها في نظام دولي يتسم بتصاعد التنافس والصراعات غير المتكافئة.
أولًا: التحول الأوروبي نحو الحوار مع روسيا – السياق والدوافع والقيود
1. كسر المحظور السياسي وبداية إعادة التوازن
شهدت السياسة الأوروبية تجاه روسيا تحولًا تدريجيًا من منطق العزل والردع الصارم إلى مقاربة أكثر براغماتية تميل إلى إعادة فتح قنوات التواصل. وقد تجلّى هذا التحول في تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرز، التي دعا فيها إلى ضرورة “إعادة التوازن” في العلاقات مع موسكو، في خطوة تمثل خروجًا واضحًا عن المحرمات السياسية التي سادت منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيرًا في الخطاب، بل يعبر عن إدراك متزايد داخل العواصم الأوروبية بأن استبعاد روسيا من المعادلة الأمنية الأوروبية بشكل كامل لم يعد خيارًا واقعيًا، خاصة في ظل تعقيدات الحرب واستمرارها دون أفق حاسم.
2. الضغوط الاقتصادية والأمنية كعامل دافع
تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية في تفسير هذا التحول. فقد أدت الحرب الأوكرانية إلى تداعيات عميقة على الاقتصادات الأوروبية، خصوصًا ألمانيا، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي. كما ساهمت الأزمة في ارتفاع تكاليف الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع القدرة التنافسية الصناعية.
إلى جانب ذلك، تصاعدت التهديدات غير التقليدية، مثل الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل، واستهداف البنية التحتية الحيوية، ما عزز الشعور الأوروبي بالحاجة إلى مقاربة أكثر مرونة تجاه موسكو.
3. انقسام أوروبي واضح حول مسار الحوار
رغم هذا التوجه، لا يزال الموقف الأوروبي منفتحًا على انقسامات حادة. ففي حين يدعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني فكرة إعادة التواصل مع موسكو، ترفض دول أخرى – خصوصًا في شرق أوروبا – أي انفتاح قبل تحقيق شروط واضحة تتعلق بالأمن والسيادة.
وتبرز في هذا السياق مواقف متشددة من دول مثل بولندا ودول البلطيق، التي ترى في روسيا تهديدًا وجوديًا، وتدعو إلى تعزيز الردع العسكري بدلًا من الانخراط الدبلوماسي.
4. قيود مؤسسية: أزمة الإجماع الأوروبي
تواجه السياسة الخارجية الأوروبية تحديًا بنيويًا يتمثل في شرط الإجماع، الذي يعرقل اتخاذ قرارات حاسمة. وقد دفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن صيغ بديلة مثل “تحالف الراغبين”، بما يسمح بتجاوز اعتراضات دول مثل المجر وسلوفاكيا.
يمثل هذا التوجه تحولًا مؤسسيًا مهمًا، قد يعيد تشكيل آليات صنع القرار داخل الاتحاد، لكنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات حول وحدة الموقف الأوروبي على المدى الطويل.
ثانيًا: أوروبا والولايات المتحدة – من الشراكة الأطلسية إلى أزمة الثقة الاستراتيجية
1. إعادة تعريف الالتزام الأمريكي
شكّلت عودة دونالد ترامب إلى السلطة نقطة تحول في العلاقات عبر الأطلسي، حيث تبنّت الإدارة الأمريكية رؤية أكثر براغماتية وقائمة على منطق “الكلفة والعائد”، ما أدى إلى تقويض الافتراضات الأوروبية التقليدية بشأن الضمانات الأمنية الأمريكية.
وقد تجلى ذلك في التشكيك المتكرر في التزامات حلف شمال الأطلسي، وربط الحماية الأمريكية بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، ما أضعف الثقة المتبادلة.
2. اختلاف بنيوي في مفهوم الأمن
يكمن جوهر الخلاف بين ضفتي الأطلسي في اختلاف الرؤية لمفهوم الأمن ذاته. فبينما تنظر أوروبا إلى الأمن باعتباره منظومة جماعية طويلة الأمد قائمة على الردع والتكامل المؤسسي، تتعامل الإدارة الأمريكية معه بمنطق تعاقدي يقوم على تبادل المصالح المباشرة.
هذا التباين لا يقتصر على أوكرانيا، بل يمتد إلى قضايا أوسع، مثل تنظيم الفضاء الرقمي، والعلاقات مع الصين، وأولويات السياسة الدفاعية العالمية.
3. أوكرانيا كنقطة اختبار للانقسام الغربي
كشفت الحرب في أوكرانيا عن تصدعات عميقة داخل المعسكر الغربي. ففي حين ترى أوروبا أن دعم كييف مسألة وجودية لأمنها القاري، تميل واشنطن – في ظل إدارة ترامب – إلى الدفع نحو تسوية سريعة، حتى لو تطلبت تنازلات أوكرانية.
وقد أثار هذا التوجه مخاوف أوروبية من احتمال عقد صفقة أمريكية-روسية على حساب المصالح الأوروبية، ما يعزز الحاجة إلى دور أوروبي مستقل في أي تسوية مستقبلية.
4. أزمة غرينلاند: اختبار السيادة الأوروبية
مثّلت التصريحات الأمريكية بشأن غرينلاند تصعيدًا غير مسبوق، حيث انتقلت من منطق التفاوض إلى التلميح بإمكانية استخدام القوة. وقد أثار ذلك رد فعل أوروبي موحد نسبيًا، أكد على احترام سيادة الدنمارك وحق سكان الجزيرة في تقرير مصيرهم.
تعكس هذه الأزمة تحوّلًا نوعيًا في طبيعة التوترات عبر الأطلسي، حيث لم تعد تقتصر على الخلافات السياسية، بل امتدت إلى قضايا السيادة الإقليمية.
ثالثًا: الاستقلال الدفاعي الأوروبي – بين الطموح والقيود البنيوية
1. من الفكرة إلى الضرورة الاستراتيجية
لم يعد مفهوم الاستقلال الدفاعي الأوروبي مجرد طرح نظري، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية في ظل تراجع الالتزام الأمريكي. وقد تسارعت الدعوات لإنشاء قوة عسكرية أوروبية مشتركة، مدعومة بمبادرات مثل “PESCO” وصندوق الدفاع الأوروبي.
2. التحديات البنيوية أمام المشروع الدفاعي
رغم هذا الزخم، يواجه المشروع الدفاعي الأوروبي تحديات عميقة، أبرزها:
- غياب عقيدة عسكرية موحدة
- تباين التهديدات والإدراكات الأمنية بين الدول
- تعدد أنظمة التسليح وضعف التكامل الصناعي
- القيود السياسية والدستورية الوطنية
هذه العوامل تجعل من الصعب تحقيق تكامل دفاعي كامل في المدى القصير.
3. إشكالية القيادة والحوكمة
تطرح مسألة القيادة العسكرية الأوروبية تحديًا جوهريًا، إذ يصعب التوافق على دولة أو إطار قيادي دون إثارة حساسيات سياسية. كما أن غياب آلية قرار موحدة يعقّد من فعالية أي قوة مشتركة.
4. العلاقة مع الناتو: تكامل أم تنافس؟
لا يزال حلف شمال الأطلسي يشكل الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، ما يجعل أي مشروع دفاعي أوروبي مطالبًا بأن يكون مكملًا له، لا بديلًا عنه. غير أن تراجع الثقة في واشنطن يدفع نحو إعادة تعريف هذا التوازن.
خاتمة واستشراف
تكشف التحولات الراهنة عن دخول أوروبا مرحلة “إعادة تموضع استراتيجي”، حيث لم يعد بإمكانها الاعتماد على الضمانات التقليدية، ولا تجاهل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.
وعليه، يمكن استخلاص عدد من الاتجاهات المستقبلية:
- تصاعد دور أوروبا كفاعل تفاوضي مستقل في حال نجاحها في فرض حضورها في تسويات الأزمات.
- تزايد الاعتماد على صيغ مرنة مثل “تحالف الراغبين” لتجاوز الجمود المؤسسي.
- تسريع مسار الاستقلال الدفاعي مع الحفاظ على إطار الناتو.
- استمرار التوتر مع الولايات المتحدة في ظل اختلاف الأولويات الاستراتيجية.
- اتباع سياسة مزدوجة تجمع بين احتواء الخلافات مع واشنطن والانفتاح الحذر على قوى دولية أخرى.
في المحصلة، تقف أوروبا أمام اختبار تاريخي: إما أن تنجح في التحول إلى قوة استراتيجية مستقلة قادرة على حماية مصالحها، أو أن تبقى رهينة توازنات دولية يعاد تشكيلها دون مشاركتها الفاعلة.
