قضايا أمنيةقضايا سياسية

تداعيات الأزمة الليبية على الامن الوطني الجزائري

انالوضع المنفلت من رقابة الدولة بتداعياته الاجتماعية والسياسية والعسكرية على دول الجوار، التي سينال كل منها نصيبه من زعزعة الاستقرار الداخلي، إذا ما استطاع تنظيم داغش زرع خلاياه، النائمة واليقظة على السواء، في الدول المحيطة بليبيا.

تعد الجزائر من البلدان المعرضة للخطر جراء تمدد «الدولة الإسلامية» غرب ليبيا، و تعارض الحكومة الجزائرية على أي تدخل عسكري في ليبيا، إن كان دولياً أم عربياً. لكن ما يجعل الجزائر أكثر مناعة في مواجهة تسلل عناصر «الدولة الاسلامية» إلى أراضيها هو خبرة جيشها وأجهزتها الأمنية في محاربة الجماعات المسلحة، وامتلاكها تجهيزات ومُعدات عسكرية متطورة لا يملك جيرانها مثيلاً لها. مع ذلك ليس مؤكداً أنها ستبقى في مأمن من تمدد «تنظيم الدولة الاسلامية» إلى داخل أراضيها بسبب استحالة مراقبة الحدود المشتركة الطويلة مع ليبيا. كما أن القيادة العسكرية المشتركة التي شكلتها مع دول الميدان (النيجر وموريتانيا ومالي إضافة الى الجزائر)، أثبتت قلة فعاليتها وبخاصة بعد عملية خطف الرهائن في الحقل الغازي تيغنتورين في المثلث الصحراوي الجزائري الليبي التونسي.

وباعتبار الجزائرصاحبة جوار مباشر مع ليبيا، وأمنها الوطني يتأثر بما يجري هناك، سواء من ناحية انتشار الجماعات الإرهابية التي تتخذ من فراغ الدولة في ليبيا فرصة لتثبيت أقدامها هناك، والإضرار بأمن الجزائر ، أو من ناحية تحويل ليبيا لساحة تصفية الحسابات النفوذ بين الدول الكبرى والإقليمية على الأراضي الليبية، ما يسمح بوجود عسكري أجنبي بجوار الحدود الجزائرية ما يمثل تهديدا استراتيجيا لها، خاصة إن لم تكن في حالة توافق مع هذه الدول.

كثرت المفاهيم في أدبيات العلوم السياسية التي تعرضت لمفهوم الدولة ذاتها، ومفهوم الدولة الفاشلة و العناصر الأساسية في هذا المفهوم حديث العهد، إلى جانب توظيف مثل هذه المصطلحات سياسيا لدى العديد من القوى الدولية.ويعرف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر الدولة بأنها “الوحدة القادرة على احتكار العنف وممارسة الضبط على كامل إقليمها”، ويركز هذا المفهوم على عنصر القوة وشرعية استخدامه، ومن القادر على فرضه الذي يرى أن الدولة تمتلك أداة القهر والعنف وحدها دون منافسة أو منازعة من أحد، وانضواء الجميع تحتها وقدرتها على فرض قوتها على الجميع وتطبيق قوانينها بقوة القهر .وبالنظر إلى الوضع في ليبيا حيث غياب حكومة موحدة وجهاز أمني واحد “جيش وشرطة” قادر على احتكار العنف، إلى جانب انتشار حالة العنف المسلح، فقد صنفت ليبيا وفق التقرير السنوي عن الدول الفاشلة/ الهشة لعام 2016، الصادر عن صندوق السلام التابع للأمم المتحدة بالتعاون مع مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، في قائمة الخمس دول الأكثر فشلا مع السنغال و اليمن و سوريا و مالي، خلال عقد من الزمان في الفترة من 2006 حتى 2016.ويلاحظ استخدام “فورين بوليسي” مصطلح الدول الهشة بدلا من “الدولة الفاشلة” في تقريرها منذ عام 2014، بعد أن كان يحمل اسم “الدول الفاشلة” منذ إصداره في عام 2005، كما يصنف التقرير 178 دولة في العالم، من خلال تحليل عدد من المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (12 مؤشراً)، إضافة إلى مؤشرات فرعية (100 مؤشر).

ويعتمد المؤشر على قياس مؤشرات اجتماعية مثل مستوى العنصرية و العنف الطائفي و الديني و الأمن الغذائي و توافر المياه، و حركة النازحين و المهاجرين و المخاطر الأمنية، ووضع حقوق الإنسان، و مؤشرات اقتصادية تتضمن دخل الفرد و العجز الاقتصادي و القوة الشرائية و الدين الحكومي و إجمالي الناتج المحلي و البطالة و التضخم، و الفساد و درجة المشاركة السياسية و مستوى الديمقراطية و العنف الداخلي و انتشار الأسلحة و الصراع على السلطة.

ضف الي ذلك عدم القدرة على الاعتماد على البلدان المجاورة قد يفسر حجم الإنفاق العسكري الواسع الذي تخصصه الجزائر. ونظراً لحدودها الطويلة مع دول الجوار – والتي تمتد ألف كيلومتر مع ليبيا، على سبيل المثال تتطلب الجزائر قدرات مالية وبشرية كبيرة لتأمين حدودهاومع الهزائم التي لحقت بـ نظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» [«داعش»]، هناك مخاوف من تحول ليبيا إلى بؤرة لهذا التنظيم، الذي قد يحاول الاستيلاء على الحكم في ليبيا وإعلانها كمركز للخلافة الإسلامية التي أعلن عنها في العراق. ، خاصة أن الجيش الجزائري لا يتخلى عن عقيدته [العسكرية] بـ “عدم التدخل” في القضايا الخارجية.غير ، أن الجيش لن يبقى مكتوف الأيدي بينما تستولي الجماعات السلفية -الجهادية على السلطة في ليبيا وتهاجم تونس. بل سيغزز منظومته الدفاعية لمواجهنه التهديدات و المخاطرالقادمة من الحدود اليبية لمواجهة التهديد الخطير القادم من وراء حدود البلاد.

 أدركت الدولة الجزائرية أن أمنها واستقرارها لا يتحقق بمجرد تامين إقليمها الجغرافي، بل يتعدى إلى الفضاءات الجيو-سياسية القريبة منها وحتى البعيدة، بسبب تنامي الفواعل غير الدولتية في الحركيات الأمنية، إذ لم يعد البعد الجغرافي عن التهديد يضمن الحماية المطلوبة للأمن، وأصبح من غير الممكن تحقيق أمن قومي بالنسبة للدول دون ضمان حدٍ أدنى من الاستقرار والتوازن الجيو- سياسيين في الأقاليم والدول المجاور لها،لذلك تطلب الأمر التعاون وتنسيق بين قيادات الأركان للحفاظ على الأمن المشترك، ولكن في ظل فشل وهشاشة دول الجوار الإقليمي، خاصة على مستوى الحدود الصحراوية مع دول الساحل الإفريقي التي تعاني من تفاعلات أمنية حساسة، وبذلك وجدت الجزائر نفسها في مأزق أمني كبير، لأنه حتى ولو تم تحقق التعاون في مجال مكافحة التهديدات في اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف، لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، ويرجع ذلك إلى ضعف المنظومة المؤسساتية وإنعدام أو محدودية القدرات المالية والعسكرية لدول الساحل الإفريقي،وهذا ما يجعل الجزائر تتحمل تكلفة أمنها وأمن جيرانها! عن طريق تقديم مساعدات لهذه الدول، مما يزيد من أعباء التصدي للتهديدات والأخطار المحتملة، ومن الناحية الإقتصادية هذه الدول أصبحت عبئ على ميزانية الجزائر من حيث تدفق اللاجئين والتهريب.

ونظرا لشساعة مساحة الجزائر 2831741كلم2 وطول حدودها 6343كلم، من غير الممكن ضبط كل حدود التراب الوطني، (ليبيا، مالي،النيجر، مورتانيا )وسيطرة الجريمة المنظمة على دول الساحل الصحراوي وتحالفها مع الإرهاب(تهديدات صلبة)،والإرتفاع الكبير لظاهرة تهريب المخدرات على مستوى الحدود الغربية (الكميات الكبيرة المحجوزة جعلت الخبراء يدقون ناقوس الخطر)،والهجوم الإرهابي على قاعدة الغاز(2013) ،وهو ما تطلب إعادة وضع إستراتيجية أمنية موسعة تتماشى مع ديناميكية التهديدات، التي عرفت تطورا كبيرا وسريعاً، بسبب الإنفلات الأمني في ليبيا، وعدم قدرة السلطات الليبية على التحكم في أسلحة الثوار، حيث أن التمرد والإنفصال في مالي مصدره السلاح الليبي، الذي كان بحوزة التوارق الذين حاربوا إلى جانب العقيد القذافي، بالإضافة إلى التجارة غيرالشرعية للسلاح في الساحل، وهو ما هدد الوحدة الترابية لدولة مالي والجزائر ونيجر وبوركينافاسو وموريتانيا والسنغال، وما زاد من خطورة التهديد هو دخول الطرف الثالث في المعادلة الأمنية، والذي يتمثل في التدخل الأجنبي الفرنسي في مالي، حيث تم الإستثمار في الصراع الإثني والقبلي والديني لإفتعال أزمة بين التوارق ودول المنطقة، وما الحرب التي قادتها فرنسا في مالي إلا بداية لمشاريع تقسيم لدول معينة والسيطرة على ثرواتها الطبيعية، وما إنفصال جنوب السودان إلا دليل على ذلك،وهو ما يطرح عدة تساؤلات تتعلق بالنفوذ الجيو-إستراتيجي للأمن الوطني وراء الحدود، خاصة وأن الدبلوماسية الجزائرية تصدت لمدة طويلة للتدخل الأجنبي في دول الجوار، والتدخل الأجنبي، الذي لعب كل الأوراق السياسية لأجل تحييد الدور المحوري للجزائر، عن طريق محاولة توريطها في مستنقع الساحل، وفي حرب ليست حربها، والهدف الأساسي من ذلك هو الضغط على الحكومة الجزائرية لكي تتخلى عن مبادئ تبنتها في سياستها الخارجية منذ الإستقلال،هذه المبادئ التي أصبحت تعرقل وتضر المصالح الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية والمغربية، خاصة فيما يتعلق بحق تقرير المصير، ودعم الشعوب المكافحة، ورفض تواجد القواعد العسكرية على التراب الوطني.

و هكذا أصبحت تعد من أبرز التهديدات الأمنية الجديدة للجزائر، والتي مصدرها العمق الجنوبي لصحراء الجزائر المتمثل في منطقة الساحل الإفريقي، بالإضافة إلى الأزمة الليبية، والأزمة في مالي، وما نتج عنها من زيادة كبيرة وتصاعد لهذه التهديدات التماثلية واللاتماثلية . أن الجزائر تعد دولة محورية على الصعيد العربي والإفريقي والمتوسطي، لما تمثله من أهمية جيو- إستراتيجية، في المنطقة وتنامي التهديدات اللاتماثلية،والتي أصبحت عابرة لحدود، ولا تمس الدولة ككيان مستقل فقط،وإنما لها إنعكاسات على دول الإقليم، وهذا يستدعي تعاون أمني إقليمي للتصدي لهذه التهديدات. خاصة فيما يتعلق بتجارة السلاح في ليبيا و الساحل الافريقي والهجرة غير الشرعية، ومؤشرات الفشل الدولاتي، والهشاشة، والتخلف التنموي، وتجارة المخدرات. للمواجهة هذه التهديدات وهو أمر لا يتحقق إلا بوجود أطر نظرية تفسر الأمن والتهديدات إنطلاقا من الواقع وبالإستفادة من التجارب التاريخية،لأن مفهوم الأمن أصبح مرناً وديناميكياً خاضعاً لسيطرة التهديدات فكلما ظهرت تهديدات جديدة توسع مفهوم الأمن ليشملها، هذه الأخيرة التي لم تعد تقتصر على القوة العسكرية ( مصدر تهديد تقليدي) بل توسعت إلى تهديدات لاتماثلية (من غير الدول) وهي في حدِّ ذاتها الأبعاد الجديدة للأمن. اما فيما يتعلق بالتهديدات الإقليمية التي أصبحت تشكل خطراً على الأمن القومي الجزائري، وتم تبني مقاربة شاملة لمككافحة التهديدات رئيسية عابرة للحدود وعلى رأسها ظاهرة الإرهاب التي تخترِق أمنياً كل دول المغرب العربي ودول الساحل الإفريقي، إذ استطاعت التغلغل والسيطرة على دول الساحل الهشة لتكون خلفية لنشاطها الإجرامي، بالتحالف مع الجريمة المنظمة (تهديدات صلبة). والتي تُعد المصدر الرئيسي لكل التهديدات والمخاطر، وبذلك تُعتبر دول الساحل الإفريقي الحلقة المفقودة لأمن دول الجوار، وأكبر تحدي للأمن الوطني.

وهو ما جعلها من أهم مصادر التهديد لأمن دول الجوار وعلى رأسها الجزائر، باعتبارها دولة محورية لأن فشل هذه الدول أدى إلى تفاقم الفساد بكل مستوياته وأنواعه، وهو ماساهم في إنتاج بيئة للتوتروالإنقلابات العسكرية والتمرد والصراعات الطائفية والإثنية، وتحالف الجريمة المنظمة مع الدولة على مستوى دول الجوار، ، حيث وصل الأمر إلى درجة التشابك والتعقد في المصالح بين الدول الفاشلة والجريمة المنظمة والإرهاب،مما جعل هذه الدول قواعد خلفية للجماعات المتطرفة ومافيا السلاح والمخدرات، فدول الساحل الصحراوي أصبحت تهدد وحدة التراب الوطني بأزماتها المستعصية والحادة،ومصدرلكل التهديدات الإقليمية،بل الفشل الدولاتي في حد ذاته تهديد للأمن الإقليمي،لأن ضعف الدول أدى إلى بروز تهديدات متعددة المصاد ر مع أولوية المصلحة الوطنية الداخلية قبل أهداف السياسة الخارجية خاصة على مستواها إقليميا،لأن الأمن الإقليمي لايتحقق إلَابتحقق الأمن الوطني(أولوية الأمن الوطني) مع الإعتماد على آليات العمل والتعاون الإقليمي وتفعيلها للتصدي للتدخل الأجنبي في دول الجوار، لأن أمن الجزائر من أمن جيرانها. مع إعادة النظر في إستراتيجية محاربة المخدرات، لأن الكميات المحجوزة خيالية وتدعونا لدق ناقوس الخطر . واخير تبقى المقاربة الجزائرية في الحل السياسي للأزمة. الليبية الانسب و الاصح

الدكتور حكيم غريب

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock