وليد عبد الحي

هل يمكن للقرار الامريكي أن يصل بالتصدير الايراني للبترول الى مستوى الصفر كما يسعى ترامب وهو الذي يشكل 40% من الريع الايراني ؟ وهل هي محاولة لنسخ السياسة الامريكية تجاه محمد مصدق في خمسينات القرن الماضي والتي انتهت بسقوط حكومته رغم افتقارها حاليا للاجماع الدولي الذي حدث ضد مصدق؟ وهل القرار سيغير من السياسات الأيرانية اقليميا وداخليا؟
يمكن القول بأن قرار ترامب بالحصار على ايران ثم الوصول به لوقف اية اعفاءات عن اية دولة تستورد النفط الايراني لبلوغ هدفه ب” تصفير” الصادرات الإيرانية النفطية سيكون له تداعيات تجعل من ايران ” موضع تفاوض وابتزاز من الآخرين” وهو ما سيؤثر على مساحة الفضاء الاقليمي بعامة والداخلي بخاصة الذي اعتادت ايران ان تتحرك فيهما، لكن ذلك لا ينفي أن ايران ستحاول توظيف بعض المعطيات الاقليمية والدولية لتطويق آثار القرار الامريكي.
للاجابة عن هذه التساؤلات الوعرة نقول:
أولا: ملابسات السوق النفطية والفرص الايرانية:
تشير البيانات المتوفرة الى أن نصيب ايران في السوق النفطي العالمي تراجع منذ 2016 من حوالي 2.44 مليون برميل يوميا ، الى 2.1 في عام 2017، ثم الى 1.7 مليون برميل او 1.9 مليون برميل طبقا لتقديرات أخرى مع نهاية 2018، أي ان ايران فقدت 740 الف برميل يوميا من نصيبها السوقي خلال 3 سنوات، وهو ما يعني ان استجابة دولية ولو نسبية لشروط ترامب الجديدة قد يجعل نصيب الصادرات النفطية الايرانية يتراجع أكثر ليصل الى دون المليون برميل خلال الفترة المتبقية من عهد ترامب الأول( وقد تزداد الامور سوءا لو تمكن من الفوز بالرئاسة الثانية)، وهذا المستوى من الانتاج(مليون برميل يوميا) هو الهدف الذي تسعى ايران الى عدم الوصول له او دونه .
لكن استراتيجية ترامب تعتورها ثغرات عدة:
أ‌- تعويض نقص المبيعات بارتفاع الاسعار: تتمثل العوامل الدافعة لارتفاع الاسعار حاليا في:
1- نقص العرض النفطي في الاسواق بسبب القيود على ايران + الاضطرابات في ليبيا لا سيما بعد تقارب ترامب مع حفتر وتوتر موقف حكومة الوفاق الوطني الليبي من هذه السياسة + الاضطرابات في فنزويلا التي تراجع انتاجها الى قرابة مليون برميل يوميا ، واحتمالات اتساع قاعدة الاضطراب فيها وهي صاحبة اكبر احتياطي نفطي في العالم + الاضطراب العام في منطقة الشرق الاوسط+ المشهد السياسي الغامض في الجزائر ( وهي كلها دول نفطية).
2- أثار الاتفاق الذي عقد في ديسمبر 2018 بين روسيا ودول الاوبك على تخفيض الانتاج 1.2 مليون برميل لضبط انخفاض الاسعار.
3- ان خروج السعودية والامارات (حسب اقوال الادارة الامريكية) عن القرار السابق بين الاوبك ومعها روسيا قد يخلق نوعا من الفوضى داخل الاوبك فتصبح القدرة على التعاقدات طويلة الأجل في القطاع النفطي موضع تردد كبير وهو ما قد يربك السوق النفطي ويجعل كلا من السعودية والامارات أقل ميلا للاستجابة لرغبات ترامب.
4- ان بعض الدول مثل الصين(المستورد الاول من ايران) قد لا تثق في استمرار السياسية السعودية بتزويدها بالنفط إذا تصاعدت الخلافات الامريكية الصينية مستقبلا بينما هي اكثر ثقة في هذا الموقف بالسياسة الايرانية، لان السياسة السعودية اكثر قابلية للتكيف مع الضرورات الامريكية مما هو حال ايران.
5- وقوع حوادث مفتعلة ولو أن احتمالاتها قليلة لكن تأثيرها سيكون هائلا: مثل
– لو عاد الحوثيون لمهاجمة سفن بترولية بخاصة خليجية كما حدث خلال الحرب الحالية في اليمن.
– لو قام الإيرانيون باقفال مضيق هرمز او افتعال مشكلات فيه بطريقة او اخرى، وهو المضيق الذي يمر منه حوالي 30% من النفط العالمي.
– خلق اضطرابات في العراق تعرقل تصدير بعض النفط العراقي أو ان تضغط على الحكومة العراقية لانتهاج سياسات مواتية لايران ومعادية للولايات المتحدة،بخاصة ان النفوذ الايراني في العراق ليس امرا يسهل تجاوزه.
– قيام ايران بهجمات الكترونية على شركات النفط بشكل يخلق نوعا اضافيا من
الاضطرابات في السوق
– لو سعت ايران الى تعطيل او عرقلة او حتى افشال المحادثات بين واشنطن وحركة طالبان لخلق مزيد من المشكلات للوجود الامريكي في المنطقة.
ب- العوامل السابقة تفسر الارتفاع السريع في سعر النفط بعد القرار الامريكي الأخير بحوالي 3% ليستقر – حتى الآن- عند 74 دولارا للبرميل، وقد يكون مرشحا للارتفاع ، وهو ما سيضر باقتصاد كل الدول المستوردة للنفط والتي ستجد في السياسة الأمريكية سببا فيما تواجهه، فلو ارتفع سعر النفط 3 دولار ، فانه يعني تكلفة تقدر ما بين 15-20 مليون دولار يوميا للاقتصاد الصيني(أي ما بين 5-7 مليار دولار سنويا) او 75 مليون دولار سنويا للاردن…فإذا ارتفع السعر الى مائة دولار كما يتوقع بعض المحللين فإن الامر يصبح للبعض كارثة اقتصادية.
كل ما سبق سيجعل الدول الاخرى تسعى لايجاد مخرج من هذه الازمة وهو ما سيفتح للإيرانيين أبوابا يلجوا منها بطريقة او أخرى للاسواق.
ت- من زاوية اخرى فان النفط الايراني الثقيل سيؤدي في حالة غيابه عن السوق الى مشكلة لمصافي التكرير في الدول التي تعتمد على هذا الصنف من البترول، وهو ما سيجعلها امام خيارين إما تغيير مصافيها أو البحث عن نفس النوع من النفط وهو ما يفتح المجال ثانية لايران .
ثانيا_ العوامل الدولية المساعدة لايران:
1- الصين: قد تستخدم الصين ( بصفتها المستورد الاول للبترول الايراني) القرار الامريكي لابتزاز ترامب ووضعه امام أمرين احلاهما مرُ، فإما تغيير او تعديل ترامب لقيوده التجارية تجاه الصين او ان الصين لن تلتزم بقيود الاستيراد النفطي من ايران، أي ان تربط الصين هذه بتلك.
2 – الاتحاد الاوروبي : ثمة شعور قوي بين النخب السياسية الأوروبية يمكن تلمسه من أدبياتها السياسية بأن سياسة ترامب تجاه اوروبا خلقت تثاؤبا واضحا في كل من ألمانيا وفرنسا بشكل خاص وبقية اوروبا بشكل عام( قيوده التجارية ، مواقفه من الانفاق الدفاعي في الناتو، سياساته في الشرق الاوسط لا سميا انسحابه من الاتفاق النووي مع ايران ، سياساته مع دول امريكا اللاتينية …الخ)، ولعل تأثير القرار الامريكي في موضوع الاتفاق النووي على اقتصاديات واتجاهات سياسة أوروبا الغربية بخاصة هو ما دفع اوروبا الى طرح فكرة نظام INSTEX الذي تسعى اوروبا من خلاله لتجاوز تأثير العقوبات الامريكية على الشركات الاوروبية التي ستواصل تعاملها مع ايران، كما نه يركز على استمرار التجارة مع ايران في نطاق المواد الانسانية( الغذاء والأدوية او الآلات الطبية..الخ)، كما ان ارتفاع الاسعار النفطية سيكلف اوروبا مبالغ هائلة ، فاوروبا تستورد حوالي 15 مليون برميل يوميا، وهو ما يعني ان قرار ترامب الأخير سيكلفها- في ظل زيادة 3 دولار فقط في سعر النفط- حوالي 45 مليون دولار يوميا(قرابة 16 مليار دولار سنويا).
3- تركيا: يلاحظ ان العلاقات التركية الإيرانية تعرف تطورا وتكيفا ايجابيا (رغم بعض التباينات) ، لكن اردوغان يطمح لايصال العلاقات التجارية بين البلدين الى 20 مليار دولار، كما ان علاقاته مع أمريكا اصبح فيها سُحب كثيرة من شراء الاسلحة الروسية الى الموقف من صفقة القرن الى الخلاف في ليبيا والموقف من الاكراد…الخ.
4- روسيا: كل ارتفاع في سعر النفط سيدخل الى جيوب بوتين وهو أمر يخفف من الآثار السلبية لسياسات ترامب تجاه روسيا.
كل هذه العوامل ستشكل ضاغطا عكسيا على سياسة ترامب تجاه ايران.
ثالثا: العوامل الفرعية: ثمة بعض المتغيرات التي قد تساهم في تخفيف الآثار على ايران مثل:
أ‌- – تهريب النفط من خلال ما يسمى ” الناقلات الشبح” “ghost tankers” والتي لها طرائق عديدة للتهرب من المراقبة رغم صور الاقمار الصناعية التي تلاحقها، وتشير الفايننشال تايمز ان لايران سبع ناقلات نفط ( من الناقلات الشبح)، كما ان التهريب يتم احيانا من خلال ناقلات تأخذ نفطا من بعض الدول المسموح لها التصدير وتبقي مساحة من خزاناتها لتملأها بطريقة غير منظورة من نفط دول اخرى غير المسموح لها التصدير كايران او لتمريرها عبر تجار السوق النفطية في امستردام او غيرها.
ب‌- احتمالات أن تعزز الأزمة الأيرانية الاخيرة من توجهات بعض الدول الاوروبية(كألمانيا) وروسيا والصين وايران وفنزويلا لاعادة النظر في دور الدولار كعملة لتجارة النفط واستبداله بعملة اخرى مثل اليورو او غيره رغم ان هذا الموضوع يحتاج لفترة طويلة لانجازه.
ذلك كله يعني ان الاقتصاد الايراني سيواجه مزيدا من المشاكل لكن ذلك قد يدفع لسياسات اكثر تطرفا ويمهد لعودة المتشددين للسلطة في ايران، وهو ما سيزيد الامور توترا مع الادارة الامريكية القادمة ايا كانت، ولا أظن ان النظام الايراني سينحني لترامب انحناءة ” استراتيجية” لا في الداخل ولا في الخارج في المدى المنظور على اقل تقدير وخلال وجود خامنئي في أعلى الهرم السياسي الايراني….ربما.

 

Print Friendly, PDF & Email