بقلم د. أحمد الصفتي

تسببت جائحة كوفيد-19 في اضطرابات شديدة للنظام المالي العالمي، حيث شهدت الأسواق المالية العالمية تراجعاً حاداً منذ أوائل مارس 2020، وبما جاء مصاحباً لتراجع حاد في أسعار النفط العالمية بسبب انهيار اتفاق أوبك+، ومتزامناً مع توقعات بقرب دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة للركود.

وقد أدّت جائحة كوفيد-19 إلى تراجع حاد لأسعار الأسهم ومؤشراتها، مع زيادة حدّة تقلبات أسعارها. كذلك، ارتفعت الهوامش العاكسة للمخاطرة سواء داخل الدول بين اصدارات الديون الخاصة وأدوات الدين الحكومي، أو الهوامش العاكسة للمخاطرة بين إصدارات الدين الحكومي للاقتصادات المتقدمة وإصدارات الدين الحكومي للأسواق الناشئة.

وتسببت الجائحة في خسائر مالية فادحة للمستثمرين الماليين، وإلى حدوث قصور ملحوظ في السيولة بالأسواق، وشهدت العديد من الأسواق الناشئة خروجاً كبيراً لاستثمارات الأجانب في الحافظات المالية، وقد أدّى ذلك بدوره إلى أثر سلبي على التصنيف الائتماني للعديد من الدول وعلى نظرته المستقبلية، بما انعكس بدوره على ارتفاع تكلفة التمويل التي قد تواجهها هذه الدول وقت الحاجة للاقتراض الخارجي.

أيضاً، تسببت الجائحة في تآكل الملاءة المالية للشركات الخاصة، وتسببت في ارتفاع خسائرها وحاجتها للاقتراض، وأيضاً إلى صعوبة في تلبية الاحتياجات النقدية قصيرة الأجل لخدمة قروضها ولسداد الضرائب وتغطية المصروفات التشغيلية.

وقد عانت العديد من الأسواق الناشئة من ضغوط على احتياطاتها من الصرف الأجنبي وضغوط على أسعار صرف عملاتها، وشهدت بالتالي العديد من الاقتصادات الناشئة والدول النامية ارتفاع حاد في الاحتياجات التمويلية بالعملات الأجنبية، مما استدعى ردّ فعلٍ قوي من الداعمين الماليين الدوليين سواء المؤسسات المالية الدولية، أو الاقتصادات المتقدمة.

وعمل صندوق النقد الدولي على حماية استقرار النظام المالي العالمي، من خلال التحرك لتوفير الدعم للدول الأعضاء المتأثرة سلباً بجائحة كوفيد-19، وذلك من خلال عدد من التسهيلات التمويلية والأدوات القائمة والمستجدة، مثل “التسهيل الائتماني السريع – Rapid Credit Facility (RCF)” و”أداة التمويل السريع – Rapid Financing Instrument (RFI)” لتوفير ما يمكن أن يصل إلى 100 مليار دولار من المساعدات المالية الطارئة غير المشروطة ببرامج إصلاح، للدول الأعضاء.

وقامت السلطات المالية المحلية في غالبية الدول بدورها باستخدام كل من السياستين النقدية والمالية، من أجل حماية الأسواق من الانهيار التام، ومن أجل ضخ السيولة الميسّرة في الأسواق لتقليص الأثر السلبي لجائحة كوفيد-19 على الاقتصادات الوطنية. كما قامت البنوك المركزية في غالبية دول العالم بإجراءات استثنائية لتيسير السياسة النقدية، من خلال تخفيض أسعار الفائدة الرسمية إلى مستويات قياسية، وصلت في بعض الحالات إلى الصفر، في حالة الاقتصادات المتقدمة. كذلك قامت العديد من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة والدول النامية بتخفيض أسعار الفائدة الرسمية بصورة ملحوظة.

وقامت العديد من البنوك المركزية بتوفير السيولة بصورة استثنائية للأسواق، سواء من حيث أدواتها التقليدية كعمليات السوق المفتوحة، أو من خلال برامج غير تقليدية لشراء الأصول الخطرة بصورة مشابهة لما تمّ بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وصور أخرى مستحدثة، مثل تسهيلات للأزمات الخاصة وبرامج لشراء سندات الشركات، وإتاحة الائتمان بسعر معتدل لقطاعَي أعمال الخاص والعائلي.

ومن أجل ضمان عدم انهيار أسعار الصرف واستمرار تدفق السيولة في الأسواق، اتفق عدد من البنوك المركزية على زيادة تقديم السيولة الدولارية عن طريق ترتيبات خطوط لتبادل العملات بينها. وقد عملت السياسة المالية على تحفيز الاقتصادات من خلال إنفاق استثنائي على البرامج الاجتماعية، والمساعدات المالية المباشرة للمتضررين من أثر الجائحة الاقتصادي، إضافة لتقديم تسهيلات ضريبية متعددة، وهو الأمر الذي نجم عنه تزايد العجوزات في الميزانيات الحكومية، وارتفاع مستويات الدين العام.

وعلى الرغم من الجهود التي بذلت من قبل المؤسسات المالية الدولية والوطنية لمواجهة الآثار السلبية لجائحة كوفيد-19 على مكونات النظام المالي العالمي، إلا أنه من المحتمل أن تتواجد تحديات مستقبلية كبيرة تواجه النظام المالي العالمي، أهمها الارتفاع الملموس في الأصول الرديئة بقوائم المركز المالي للبنوك المركزية، وارتفاع مستويات كل من الدين العام والدين الخاص، واحتمالات تصاعد مستويات القروض المتعثرة بمحافظ البنوك، إضافة لتدهور ملموس في مقاييس ومعدلات المخاطرة والربحية وملاءة رأس المال لهذه البنوك

كذلك، هناك تحدي اختلاط المصالح والأعمال العامة والخاصة، حيث أدّت برامج دعم القطاع الخاص إلى استحواذ بعض السلطات الحكومية على أصول مصدرة من القطاع الخاص، وربما يؤدي هذا الوضع مستقبلاً لمزيد من النفوذ الحكومي في مجال الأعمال الخاص. أيضاً، هناك مخاوف من تصاعد التوجهات نحو الانغلاق الاقتصادي، والابتعاد عن الانفتاح والعولمة الاقتصادية، بغرض حماية الصناعات المحلية.

وفي المقابل، أوجدت جائحة كوفيد-19 عدداً من الفرص أمام أطراف النظام المالي العالمي، تتمثل أهمها في  زيادة الطلب على التقنيات الرقمية في كل من التجارة والتمويل، وزيادة التوجه نحو مجتمعات لا تتعامل بالنقود السائلة، وزيادة فرص تطوير الخدمات المالية والمصرفية عبر الهواتف النقالة بما يخدم المجتمعات التي لا تستطيع عادة الوصول لهذه الخدمات بصورتها التقليدية، وزيادة درجة التعاون الدولي لحماية النظام المالي العالمي، من خلال التوسع في إجراءات مثل نظم مقايضة العملات مع دول العملات الاحتياطية الرئيسية.

تحميل الدراسة