خلفت التعليمة الأخيرة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي حول إجراءات مناقشة أطروحة الدكتوراه تذمرا واسعا لدى المعنيين بالدراسة في هذا الطور، حيث أعادت معاناة انتظار نشر المقال العلمي قبل مباشرة الإجراءات التي تسمح بمناقشة المعنيين لرسائلهم، بعد أن سمحت تعليمة مماثلة في 2019 بإعطاء العملية مرونة كثيرة وتمكنت الجامعات الوطنية من التخلص من تكدس آلاف الرسائل.

“في إطار تبسيط الإجراءات التنظيمية”.. هذه العبارة حملتها تعليمة وزارة التعليم العالي الصادرة يوم 9 مارس 2022 من المديرية العامة للتعليم والتكوين، خلفت غضبا واسعا تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة منتديات الطلبة والأساتذة ومجالات التعليم العالي، حيث علق معظمهم بأنه كان يجدر بالوزارة القول “تعقيدا للمهمة أكثر أو جعلها صعبة للغاية” وغيرها من العبارات التي تصب في أن التعليمة الجديدة وقعت كالصاعقة على طلبة الطور الثالث أو ما يعرف بالدكتوراه كونها أعادت سنوات الانتظار والتعب، وهو ما نقله عدد مهم من هؤلاء لـ”الخبر”، حيث أكدوا أنه منذ ثلاث سنوات وبالتحديد من فيفري 2019 اكتسى عملية التحضير لهذه الشهادة نوع من المرونة، بعد أن سمحت الوزارة لطلبة الدكتوراه بمناقشة أعمالهم مباشرة بعد تقديم المعنيين لوثيقة تثبت قبول نشر مقالهم العلمي من مشرف مجلة علمية مصنفة لدى اللجنة العلمية الوطنية لاعتماد المجلات العلمية، وتتوج بتسليم الشهادة التي تثبت ذلك دون انتظار صدور العدد الذي يضم المقال العلمي، إلا أن التعليمة الجديدة -حسبهم- شددت على أن إصدار وثيقة الترخيص بمناقشة أطروحة الدكتوراه يتم بعد نشر المقال العلمي في المجلة العلمية المعنية.

والمعروف -حسب المحتجين- أن عملية النشر تتأخر عادة وهناك من تبقى سنة أو سنتين وأحيانا أكثر لمعضلات لم تتمكن الوزارة لحد الآن من حلها، فأحيانا رؤساء تحرير المجلات العلمية “يتماطلون” في النشر ويكونون وراء تكدس الطلبات، وأحيانا أخرى يفوق عدد الطلبات قدرة المجلات العلمية، وبتعليمتها الجديدة تكون قد وضعت آلاف طلبة الدكتوراه في مأزق؛ لأن هناك الكثير منهم قطع أشواطا في الإجراءات بعد حصوله على وعد بالنشر من مجلة علمية ووصل بالبعض أنه تم تحديد موعد لمناقشة رسالته لتأتي التعليمة الجديدة وتنسف كل هذا المجهود.

هذا التذمر نقله المعنيون للتنظيمات الطلابية التي عجت مكاتبها الوطنية بتقارير ولائية تطالبهم بالتدخل لدى الوزارة وحسبما أفاد به ممثلو التنظيمات الطلابية لـ”الخبر”، فإن المطلوب هو العدول عن القرار لأن مستوى غضب الطلبة في تزايد –حسبها- وهنا ذكر الأمين العام للمنظمة الوطنية للطلبة الأحرار، رياض بوخبلة، أن التعليمة تكتسي بعض التحفظات خاصة فيما يتعلق بضرورة نشر المقال العلمي وصدوره في المجلات العلمية المصنفة كما جاء في البيان حتى يتم إصدار وثيقة الترخيص بمناقشة أطروحة الدكتوراه، حيث كان في السابق يكفي (الوعد بالنشر) في إحدى المجلات المصنفة لمباشرة إجراءات المناقشة، وكان ينتظر من الجهة الوصية مواصلة العمل بهذه الطريقة في ظل الظروف الصعبة والبيروقراطية التي يواجهها أغلب طلبة الدكتوراه.

الأساتذة بدورهم اعتبروا القرار الجديد لن يخدم التعليم في الطور الثالث، وحسبما ذكره الناشط في قطاع التعليم العالي والأستاذ المحاضر بجامعة المدية، الدكتور الشاذلي سعدودي، فإن التعليمة تتضمن قرار إلغاء المناقشة بوعد بالنشر لكنه ليس شجاعا، فكيف يتم تقديم ملف المناقشة يتضمن وعدا بالنشر ثم لا يصدر قرار المناقشة إلا بعد نشر المقال، وهذا دليل –حسبه- على تخبط الوزارة في مسألة معالجة مشاكل القطاع، وهي معالجة تعتمد التجزئة وتفتقد إلى النظرة الكلية الشاملة من جميع الزوايا، فمسألة نشر المقال مرتبطة بقلة عدد المجلات المتاحة للنشر وكذا غياب الشفافية أحيانا، ومنها أيضا عدم ضبط عمل الأساتذة في هذه المجلات من مدير المجلة إلى رئيس التحرير وفريقه والمراجعين وللعلم -يضيف المتحدث- فهي أعمال تطوعية من قبل الأساتذة ليس لها تثمين لا مادي ولا معنوي، ما عدا تلك الشهادات التي تمنح لأغراض الترقية وتسوية الملفات.

ومن جهة أخرى، فالحقيقة تقال إن وعد بالنشر لا معنى له والأصل هو النشر ولكن يجب توفر العدد الكافي من المجلات العلمية المحكمة المصنّفة للنشر أمام التزايد الهائل لعدد طلبة الدكتوراه، وهذا ليس معناه العودة إلى التسيب، بل لا بد من التصنيف والتزام المعايير العالمية قدر المستطاع مع الوفرة وتشجيع المجلات غير المصنّفة على التصنيف والارتقاء، يضيف الدكتور سعدودي.