عنوان المقال :اليابان نموذجاً: لماذا تصاعد الاعتماد على الجيوش في مواجهة “كورونا”؟

بقلم  د. رادومير كومبل – مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

لم تعد المؤسسات المدنية في الدول الغربية والآسيوية قادرةً  بمفردها على مواجهة الانتشار واسع النطاق لفيروس كورونا، إذ تزايد الاعتماد على الجيوش نتيجةً لأمننة التهديدات الوبائية، والحاجة لفرض إجراءات الحجر الصحي وحظر التجوال في مناطق تفشي الأوبئة، وإلزام المواطنين بتطبيق القوانين والقواعد المنظِّمة للحركة، بالإضافة لتعزيز ودعم قدرات قطاع الرعاية الصحية المدني، وتشييد مستشفيات ومنشآت صحية جديدة بصورة سريعة وغيرها من المهام غير التقليدية للجيوش في مواجهة الأزمات الصحية. وتُعد اليابان من أبرز الدول التي سارعت إلى الاستعانة بقوات الدفاع الذاتي في مواجهة “أزمة كورونا”، وهو ما يتصل بالتغير التدريجي في وظيفة قوات الدفاع الذاتي اليابانية، والتوسع في اختصاصاتها، وتعزيز تسليحها، وذلك ضمن تحولات فارقة تشهدها العلاقات المدنية العسكرية في طوكيو.

انتقاد “سياسات الاستجابة”:

ظهرت أولى حالات فيروس “كورونا” في اليابان في 16 يناير 2020، وذلك بعد عودة طالب ياباني كان يدرس في “ووهان” الصينية، ولم يمضِ سوى أسبوع على عودته حتى تم التأكد من إصابته بالفيروس، وكانت هذه هي الحالة الثانية المشخصة بالفيروس خارج الصين في ذلك الوقت، ولذلك أعلنت اليابان في 24 يناير 2020 نيتها إرسال رحلات جوية إلى ووهان لإجلاء مواطنيها. وانطلقت أول طائرة بعد أربعة أيام، وبالتحديد في 28 يناير 2020، وقررت الحكومة سريعًا إِشراك قوات الدفاع الذاتي اليابانية في عمليات التخطيط لإجلاء المواطنين اليابانيين، كما قامت وزارة الدفاع بتوفير عبّارات لكي تكون بمثابة حجر صحي لمدة أسبوعين للأشخاص الذين تم إجلاؤهم.

ومع تفشي فيروس “كورونا” على متن باخرة الرحلات “أميرة الألماس” (Diamond Princess) البريطانية، والتي ضمت العديد من الجنسيات ووصلت إلى الموانئ اليابانية، أعلنت الحكومة اليابانية في 5 فبراير 2020 أن الفيروس منتشر على متن هذه السفينة، وتمسّكت طوكيو بقانون “الحجر الصحي” لمنع إنزال 3711 شخصًا يتضمنون الركاب وأفراد الطاقم من على متن الباخرة. وفي هذا السياق، شكل رئيس الوزراء “شينزو آبي” فريق استجابة للكوارث بالتعاون مع وزارة الصحة والعمل والرفاهية، وبدعم من قوات الدفاع الذاتي التي قامت بتوفير عدد كبير من العمالة ودعم لوجستي ضخم لتنفيذ عملية الحجر الصحي.

وعمل هذا الفريق منذ بداية وصول السفينة على دعم إجراءات الوقاية، فتم في البداية الكشف عن 10 مصابين بالفيروس على متن هذه السفينة، وتم إدخالهم المستشفى على الفور؛ إلا أن الحجر الصحي لم يُلَبِّ التوقعات واستمرت الحالات الجديدة في الظهور لتتراوح ما بين 80 إلى 99 حالة يوميًّا في الأيام الأخيرة من فترة الحجر الصحي التي استمرت أسبوعين. وفي 20 فبراير 2020، تم الإعلان عن أول حالتي وفاة على متن السفينة، ووصل عدد الحالات المؤكدة إلى 634 حالة.

وتعرضت اليابان لانتقادات متعددة من وسائل الإعلام الدولية بسبب إخفاق إجراءاتها في التعامل مع أزمة السفينة، ووُجّه اللوم لهم بسبب ما وصفه الإعلام بــ”تقييد حقوق الإنسان” الطبيعية للركاب، وخلق بيئة خصبة تتيح انتشار المرض سريعًا. وتصاعدت هذه الانتقادات، لا سيما أن بعض الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة أعادت جميع مواطنيها على متن طائرة في 16 فبراير 2020، فيما لم تتمكن بعض الدول من القيام بهذا الأمر، إلا أن الضغوط ازدادت على الحكومة اليابانية والمطالبات من جانب بعض الدول بإعادة مواطنيها، بالإضافة إلى مطالبات الداخل الياباني بإعادة المواطنين اليابانيين العالقين على متن السفينة.

وتزامن مع النزول النهائي لجميع الركاب من على متن السفينة انتشار وتفشي المرض في جميع أنحاء اليابان من خلال الحالات التي لم يتم اكتشافها، بالإضافة إلى انتقال الفيروس بواسطة مصادر أخرى. ومع ذلك، ساهمت قوة النظام الصحي الوطني والتضامن الشعبي في السيطرة على الوضع داخل اليابان. ونتيجة حملة الانتقادات التي تعرضت لها اليابان في أزمة السفينة، سعت الحكومة اليابانية إلى التقليل من دور قوات الدفاع الذاتي في أعمال مكافحة الفيروس لبعض الوقت.

أمننة “إدارة الأزمة”:

على الرغم من أن قوات الدفاع الذاتي اليابانية لها وضع خاص في الدستور، وهناك حساسية دائمة بشأن توسيع أدوارها؛ إلا أن الحكومة اليابانية قامت بإشراكها هذه المرة في مواجهة فيروس “كورونا”. وعلى الرغم من الانتقادات المحتملة التي قد تتعرض لها جراء ذلك، إلا أن الحكومة تبنت هذا الخيار، خاصة مع الوضع الدستوري الضعيف لقوات الدفاع الذاتي، حيث سعت الحكومة المحافِظة لمدة 73 عامًا إلى إصلاح الدستور الوطني، وتنظيم وضع قواتها المسلحة وفقًا لقواعد قانونية صارمة.

حيث تنص المادة التاسعة من الدستور على أنه “يتطلع الشعب الياباني بصدق وإخلاص إلى السلام العالمي القائم على أسس من العدل والنظام، ويتخلى إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للدولة، وعن القيام بأية أعمال عدوان أو تهديد بواسطة العنف كوسيلة لحل النزاعات الدولية. ومن أجل تحقيق الغاية من البند السابق، لا يتم امتلاك قوات برية أو بحرية أو جوية أو غيرها من القوات العسكرية، ولا تعترف الدولة بحقها في خوض الحروب”، أي إن الدستور الياباني يتخلى عن حق خوض الحروب، ويحظر أي نوع من أنواع القوة العسكرية. وجاء هذا الدستور بعد الإصلاحات القانونية التي أُجريت بعد الحرب العالمية الثانية، وتم إنشاء قوات الدفاع الذاتي اليابانية من خلال ثغرة قانونية تُفرّق بين “القوة العسكرية” و”قدرة الدفاع عن النفس”.

فقوات الدفاع الذاتي -وفقًا للمادة السابقة من الدستور- لا تُعتبر “جيشًا” بالمعنى التقليدي، على الرغم من أنها تظهر في الواقع على العكس من ذلك. وقد سبق وأن واجهت الحكومة اليابانية ضغوطًا من الولايات المتحدة وبعض الحلفاء الآخرين لتوسيع دور هذه القوات، ومن ثم تعرضت لوقت عصيب تشرح لهم القيود الدستورية المفروضة على قواتها المسلحة.

وبالرغم من جهود الحكومة اليابانية في إنشاء قوات الدفاع الذاتي وتدريبها؛ إلا أن الداخل الياباني يتمسك بالوضع الراهن، ولا يميل إلى دعم اتجاه تعزيز قوة الجيش، ولهذا اضطرت الحكومة إلى إسناد بعض الأنشطة لهذه القوات، التي يتضمن بعضها أبعادًا مدنية، مثل: حفظ السلام الدولي، والمساعدات الإنسانية، والإنقاذ من الزلازل، والاستجابة لقضايا الصحة العامة من أجل زيادة ثقة الشعب في هذه القوات، ومن ثم السماح لهم بإجراء بعض التعديلات على دورها التي قد تتضمن توسيع صلاحياتها لاحقًا. هناك حرص دائم من الحكومة اليابانية على تحسين صورة هذه القوات، ولهذا في حالة الباخرة (أميرة الألماس) كانت الحكومة مستعدة تمامًا لتوظيف هذه القوات لحل الأزمة، ولكن بعد موجة الانتقادات التي تعرضت لها تجنبت الإشارة إلى دورها.

ويرتبط سعي اليابان لإشراك قوات الدفاع الذاتي في هذه الأزمة وتوسيع دورها بشكل عام بسبب آخر يتعلق بالاتجاه العالمي لتوسيع الأدوار غير التقليدية للقوات المسلحة و”أمننة القضايا المدنية” (Securitization of civilian issues) و”عسكرة قوات الشرطة” (Militarization of Police Forces)، حيث شهد القرنان الماضيان تمكن الدول من “احتكار القوة” بشكل أساسي، وتوزيع المهمات ليصبح دور الجيش مقصورًا على الدفاع الخارجي، وليقتصر دور الشرطة على الحفاظ على السلام الداخلي، على أن يعمل كل منهما وفقًا لإطار قانوني منفصل وبمهام ومعدات متمايزة مع القيام بتدريبات خاصة لكليهما. ولكن مع بداية السبعينيات واجه هذا “المنظور التقليدي” (Paradigm) تحديات عديدة ازدادت بعد الحرب الباردة بسبب العديد من التحديات غير التقليدية التي ترتبط بتماهي الحدود بين الدول، وتجارة المخدرات، والهجرة غير الشرعية، والهجمات الإلكترونية، وغسيل الأموال، وتدهور الأوضاع البيئية، بالإضافة إلى انتشار الأوبئة كظاهرة دولية عابرة للإقليمية (trans-regional).

ومع تزايد تداعيات “العولمة السلبية” (negative globalization) لم يعد الفصل التقليدي بين مهام الجيش والشرطة ممكنًا. ففي إطار العمليات الخاصة قامت قوات الشرطة باستخدام المعدات العسكرية، والتدريب شبيه بالتدريبات العسكرية التي تتلقاها القوات المسلحة. في المقابل، لم تعد تقتصر مهام الجيش على القتال في مناطق الحروب، بل امتدت لتشمل الحروب على المخدرات، ومواجهة التمرد والإرهاب، والكوارث، والأزمات البيئية والطبيعية، بالإضافة إلى مواجهة مثل هذا الفيروس باعتباره تهديدًا بيولوجيًّا، ولهذا لجأت معظم دول العالم -بما فيها الصين والولايات المتحدة- للاستعانة بخبرات ومعدات الجيش في مواجهة الطوارئ، حيث قام الجيش في العديد من الدول بالسيطرة على الحدود الوطنية وحدود المدن، واستُخدمت المرافق العسكرية لتطبيق أنظمة الحجر الصحي.

دروس “ما بعد كورونا”:

قامت اليابان بالاعتماد على سلسلة من التدابير الوقائية لمواجهة انتشار فيروس كورونا، واعتمدت خلالها على قوات الدفاع الذاتي اليابانية بسبب تدريبها وجاهزيتها لمواجهة هذا الفيروس، كما جاء هذا الاعتماد على الجيش كإجراء شبيه بما فعلته العديد من الدول الأخرى، وتماشيًا مع أجندة الإصلاحات الداخلية التي تسعى الحكومة اليابانية لتطبيقها لاحقًا. ومع ذلك فإن الأنظمة السياسية الشبيهة بالنظام الياباني تعتبر كل الإجراءات الطارئة تدخلًا في الحقوق الأساسية للناخبين، وبالتالي تنطوي على مخاطر سياسية عالية.

خلاصة القول، إنه إذا اعتبر المواطنون مثل هذه الإجراءات ملائمة وفعالة فإنها توفر “رأس مال سياسي” (Political Capital)، أما إذا واجهت انتقادات متعددة من المواطنين وتم اعتبارها غير ملائمة أو غير فعالة فقد تؤدي إلى الانتقاص من شعبية الحكومات في بعض الدول الغربية والآسيوية. غير أن رد فعل الحكومة اليابانية المرن في هذه الحالة، وحرصها على إشراك الجيش بشكل تدريجي؛ يُبرز مدى وعيها بأهمية رأس المال السياسي، والمخاطر التي قد ينطوي عليها عدم الاهتمام به.