إعداد: أميرة احمد حرزلي، باحثة متخصصة في الدراسات المتوسطية  – كلية الحقوق والعلوم السياسية ــ عنابة / الجزائر

  • المركز الديمقراطي العربي

مــقــدمة:

تتصاعد بشكل واضح حدة التوتر الفرنسي ــ التركي في الآونة الأخيرة، وهو ما توضحه الاتهامات المتبادلة لبعضهما نتيجة تضارب مصالحهما في ليبيا، فعملية الأطلسي الأمنية في بداية هذا الشهر لضمان الامن الأوروبي عبر محاكاة التهديدات العسكرية المختلفة كشفت حجم الخلاف الفرنكو ـ عثماني، حيث سرعان ما أعلنت فرنسا وقف مشاركتها فيها احتجاجا على ما أسماه إيمانويل ماكرون ” الدور الاجرامي ” لتركيا في ليبيا، في المقابل اتهمت تركيا فرنسا بلعب “لعبة خطرة” في ليبيا لدعمها قوات المشير خليفة حفتر.

لا يبدو أن انسحاب فرنسا من عملية الأطلسي الأمنية في المتوسط خطوة مؤقتة أو عابرة ولا تبدو فرنسا الوحيدها المنزعجة من تركيا، فالاتحاد الأوروبي بشكل عام يتوجس من الدور التركي الأحادي في منطقة المتوسط انطلاقا من مهاجمة تركيا للقوات الكردية في شمال سوريا والتي تعمل مع التحالف الدولي في مواجهة تنظيم ” داعش” ، مرورا بتنقيب تركيا عن الغاز في منطقة اقتصادية تابعة لقبرص الذي تعتبره أوروبا أمرا غير شرعي ، وصولا  إلى تحويل تركيا كنيسة ( متحف ) أية صوفيا الى مسجد الذي أزعج القادة الأوروبيون، لتأتي المسألة الليبية في صدارة الخلافات الأوروبية ( الفرنسية) ــ التركية عبر انتهاك تركيا حظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة في ليبيا ودعمها لحكومة الوفاق الوطني.

يرى محللون أن مناخ التصعيد والتوتر الحاد والجاري حاليا بين الطرفين يبعد خيارات التفاهم حاليا، وان وجدت ستستغرق وقت أطول، بحيث أنه يستوجب عليهما إيجاد أرضية مشتركة للتفاوض حول عدة قضايا مرتبطة ببعضها البعض وتجنب الذهاب نحو سينايوهات خطيرة غير متوقعة، خاصة في ملفات الهجرة واللجوء، الإرهاب والامن.

وعليه يناقش المقال الذي بين أيدينا الإشكالية التالية:

كيف يمكن لفرنسا ومن خلفها الاتحاد الأوروبي تخفيف التوتر مع تركيا بما يضمن التعاون الإقليمي لحل أزمات المتوسط في ظل تقاطع المصالح الاستراتيجية وتشابك القضايا الجيوسياسية؟

  1. عملية الناتو ” حارس البحر” في المتوسط وانسحاب فرنسا منها

معروفا عن منطقة المتوسط انها منطقة أزمات وصراعات مستمرة منذ عقود ، مع التحولات السياسية التي حدثت منذ 10 سنوات ، أصبحت المنطقة أكثر الأقاليم الدولية التي تشهد نزاعات عسكرية حادة تأتي في مقدمتها سوريا و ليبيا، ومنه فالحلف الأطلسي كقوة عسكرية أوروــأمريكية فاءنه يولي بالغ اهتمامه بالوضع الليبية أكثر من سوريا لاعتبارات القرب الجغرافي وما تشكله من تحديات ومخاطر، ولاعتبارات سياسية براغماتية فقد تدخل عسكريا بقيادة فرنسا عام 2011 للإطاحة بنظام معمر القذافي، و الان انعكست مجمل سياسات الحلف بنظر متابعين للشأن الليبي انعكست عليه سلبا وأنتجت له أزمة المهاجرين غير الشرعيين…

فتحرك الناتو في ليبيا لا يقتصر على البعد السياسي في دعم طرف سياسي على اخر وانما يتعداه الى ترتيبات أمنية عسكرية لقواته و وحداته في المتوسط، فقد أجرى الحلف العديد من التدريبات لمحاكاة التهديدات الأمنية ومجمل المخاطر القادمة من مناطق النزاع، كان اخرها عملية سي غرديانSea Gardian  ، فعملية حارس البحر مهمة أمنية بحرية وتدريبات مشتركة لدول الحلف الأطلسي في منطقة المتوسط، تستهدف الامن البحري لدوله، تم تمديدها سنة 2016 ، والهدف منها حسب تعريف الحلف:

  • الوعي بالمواقف البحرية,
  • ردع ومقاومة الإرهاب,
  • تعزيز القدرات العسكرية للحلف,
  • مراقبة الأسلحة المهربة لليبيا.

في حادثة تعكس حجم التوتر في ليبيا، أعلنت فرنسا تعليق مشاركتها بعد تعرض سفينتها لثلاث ومضات لإشعاعات رادار من سفينة تركية قبالة السواحل الليبية، وفي تفاصيل الحادثة التي ماتزال محل جدال مصادر تقول أن الفرقاطة الفرنسية “كوربية” كانت تقوم بتفتيش سفينة شحن ترفع العلم التنزاني تسمى “سيركين” للتأكد من عدم حملها لأسلحة مهربة الى ليبيا، لكن رادارات السفينة التركية هاجمت الفرقاطة الفرنسية ومصادر أخرى تقول ان الفرقاطة الفرنسية سالفة الذكر حاولت الاقتراب من سفينة مدنية تركية يشتبه بأنها متورطة في تهريب الأسلحة الى ليبيا والسفينة كانت ترافقها 3 سفن حربية تركية.

  1. ردود الفعل فرنسا وتركيا والحلف الاطلسي

في ردود الأفعال الدولية على الحادثة أعلنت فرنسا على لسان وزيرة دفاعها ” أن فرنسا الانسحاب المؤقت من عملية الامن البحري للحلف الأطلسي في منطقة المتوسط بسبب خلافات مع تركيا مستمرة منذ أشهر بسبب النزاع في ليبيا، وأعلنت ذات المتحدثة ” أنه في أجواء التوتر الشديد بين باريس وأنقرة، قررنا سحب وحداتنا مؤقتا من عملية سي غرديان في انتظار تصحيح الخطأ ” ، كما اعتبرت فرنسا الخطوة التركية تصرف عدائي بمقتضى قواعد الاشتباك المعمول بها في الحلف.

من جهتها نفت تركيا كل الادعاءات الفرنسية واعتبرتها باطلة، فيما علق قادة الحلف الأطلسي بأن عملية الحلف ستستمر رغم انسحاب فرنسا منها، وان مشاركة الدول فيها هو قرار سيادي، وحول الحادثة علق مسؤول في الحلف أن مسؤولون وعسكريون تابعين للحلف الأطلسي أعدوا تقريرا وسيتم التعامل مع التقرير السري مع الحلفاء” [1] .

  1. فرنسا وتركيا في ليبيا: تناقض المصالح وصدام الاستراتيجيات

بلغ التنافس الفرنسي ــ التركي أوجه في ليبيا الى حد الصدام الاستراتيجي هناك، فحالة الاصطفافات والتحالفات تشكل المشهد السياسي والعسكري في ليبيا، حيث تقف كل فرنسا وروسيا مصر والامارات الى جانب المشير خليفة حفتر قائد قوات الجيش الليبي المتمركز شرق ليبيا، تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج ومقرها العاصمة طرابلس، تقف الجزائر على الحياد.

ومع تطورات المشهد العسكري في ليبيا وتدخل تركيا بشكل مباشر في النزاع تعالت الانتقادات الفرنسية لتركيا متهمة إياها بنقل العديد من المقاتلين من سوريا الى ليبيا معتبرا ان دور تركيا في هذا البلد المغاربي دور “إجرامي” وقال ماكرون ” اعتقد أنها مسؤولية وإجرامية لبلد يزعم انه في عضو الحلف الاطلسي ” يذكر أن تركيا تقدم دعما سياسيا وعسكريا لحليفتها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والتي تتخذ من طرابلس مقرا لها في صد هجمات قوات المشير خليفة حفتر على العاصمة.

في المقابل تحمل تركيا مسؤولية تدهور الأمور في ليبيا لفرنسا عندما تدخلت على رأس الحلف الأطلسي للإطاحة بنظام القذافي سنة 2011 وادخلت البلاد في فوضى وصراع على السلطة، وجاء على لسان الناطق باسم حامي اكسوي ” بالدعم الذي تقدمه لسنوات لأطراف غير شرعية” وبالتالي فرنسا هي من تلعب لعبة خطرة بدعمها قوات المشير خليفة حفتر شرق البلاد الذي هزمت قواته في طرابلس على إثر تدخل طائرات ومستشارين عسكريين أتراك يحدث هذا وسط جو مشحون باتهامات متبادلة بخرق اتفاق حظر السلاح لليبيا و وقف اطلاق النار فيها الذي أعلنته الأمم المتحدة في قمة برلين في وقت سابق.

يبدو أن مصالح فرنسا وتركيا مختلفة ومتناقضة في ليبيا، فكل منهما تدعم حليفتيهما للتقدم وتحقيق انتصارات عسكرية على الأرض تدعم فيما بعد خياراتهم التفاوضية السياسية فيما بعد هي من تؤجج الأوضاع أكثر في ليبيا إلى مزيد من المواجهة مع تدخل أطراف أخرى كمصر وروسا والامارات.

  1. أبعاد الخلافات الفرنسية ـ التركية وتشابك القضايا الجيوسياسية

في سياق الجدل الدائر بين فرنسا وتركيا الواضح ليست موضوع النزاع في ليبيا هو من يوتر علاقتهما ، فالنزاع في سوريا كذلك يشكل مصدر من مصادر توتر العلاقات الأوروبية ــ التركية رغم اتفاقهما على مواجهة النظام السوري الحال وتحميليه مسؤولية الجرائم المرتكبة …، فعندما توجه تركيا قواها العسكرية لمواجهة القوات الكردية التي تعتبرها ” منظمات إرهابية ” مثل “قوات سوريا الديمقراطية” المعروفة اختصارا ب قسد …غيرها المتمركزة في شمال سوريا تراها تركيا تحدي أمني على حدودها وجب محاربتها ، بحيث تجرت عدة عمليات عسكرية داخل العمق السوري لمواجهتها، في المقابل ترى فرنسا ومعها الأوروبيون أن تركيا تتصرف بشكل غير عقلاني، فمحاربة تركيا للقوات الكردية التي تتعاون مع التحالف الأمريكي الدولي لمواجهة التنظيمات الإرهابية على رأسها تنظيمي ” داعش و النصرة..” يعد أمرا غير مقبول وتشتيتا لجهود القضاء على الإرهاب في سوريا بحسب الرؤية الأوروبية.

قبرص ساحة أخرى من ساحات التوتر السياسي الأوروبي ــ التركي، لكن هذه المرة ليست في تأجيج النزاع الإقليمي ولا ضخ السلاح و المقاتلين، وانما السبب اقتصادي خالص ، في وقت تواصل فيه تركيا بكل جهودها التنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة السواحل القبرصية و تقوم سفينة يافوز بالحفر قبالة سواحل قبرص منذ نهاية أفريل الماضي، وأكد في هذا الصدد وزير الطاقة التركي فاتح دونماز لوكالة الاناضول أن عمال الحفر لن تتوقف و ستواصل تركيا نشاطاتها في الحفر و الاستكشاف الجيولوجي في شوق المتوسط. هذا وتلقى الخطوة التركية معارضة أوروبية شديدة، حيث وجهت تحذيرات لتركيا من مواصلة أنشطتها غير الشرعية لأنها تتداخل مع المنطقة الاقتصادية لقبرص العضو في التكتل الأوروبي.

يذكر أن الحكومة القبرصية والاتحاد الأوروبي اتهمت تركيا بانتهاك المنطقة الاقتصادية البحرية عبر التنقيب قبالة السواحل المقسمة منذ تفجر الصراع العرقي 1974 الذي قسم الجزيرة الى قسمين قبارصة أتراك و قبارصة أتراك، من جهتها تبرر تركيا أعمال التنقيب بان ذلك يحدث داخل جرفها القاري للقبارصة الاتراك حق فيها.

تعود الخلافات القبرصية والاتحاد الأوروبي عموما مع تركيا حول أعمال التنقيب الى عام 2011 وتسلسلت تباعا كالتالي[2]:

السنة الحدث / الموضوع
18/08/ 2011 مسؤولون قبارصة يقولون ان شركة أمريكية ستبدأ التنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة ساحل قبرص في أكتوبر، رغم تحذيرات من تركيا بأن مثل هذه الخطوة قد تضر بمحادثات السلام.
19/09/ 2011 قبرص بدأت في التنقيب عن الغاز في المناطق البحرية.
26/04/ 2012 تركيا تبدأ التنقيب البري في منطقة شمال قبرص الانفصالية مثيرة للتوترات مع قيرص.
22/03/2017 وزير الطاقة القبرصي يورجوس لاكوتريببيس يقول أن قبرص مضت قدما في منح تراخيص للتنقيب عن النفط بعد تحليل نتائج أحدث أعمال الاستكشاف ، و إعلانها استكمال الجولة الثالثة لترسية تراخيص حفر الابار و التي فازت فيها أكسون موبيل وايني الإيطالية وتوتال الفرنسية بمناطق بحرية إضافية.
9/02 / 2018 البحرية التركية توقف خلال مناوراتها في البحر الأبيض المتوسط سفينة سايبم 12000 التي استأجرتها ايني بينما كانت في طريقها للتنقيب في مياه قبرص ما أثار أزمة دبلوماسية.
23/ 02/ 2018 قبرص تتهم تركيا بالتهديد باستخدام القوة ضد السفينة سايبم 12000
21/ 02 /2019 مولود جاويش أوغلو وزير الخارجية تركيا تبدأ بالتقيب عن النفط والغاز قرب قبرص في الأيام المقبلة.
ماي 2019 تركيا ترسل حفر سفينة فاتح الى منطقة غرب قبرص.
09/05/2018 رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك يقول ” ان الاتحاد الأوروبي يقف الى جانب قبرص في نزاعها مع تركيا بخصوص عمليات التنقيب.
13/06/ 2019 مسؤول في وزارة الخارجية يقول ان قبرص أصدرت أوامر احتجاز طاقم سفينة فاتح والسفن المساندة لها التي ترسو بالقرب من سواحل قبرص، بسبب انتهاك المنطقة الاقتصادية التي تمتلك حقوقا للتنقيب فيها.
20/06/2019 مليح خان بيلجين المدير العام لشركة التنقيب عن النفط التركية (تباو) يقول ان سفينة حفر تركية ثانية ” يافوز” ستعمل قبالة شبه جزيرة كارباس شمال شرقي قبرص.
08/ 07/ 2019 الاتحاد الأوروبي إن خطة تركيا للتنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص تبعث على القلق بشدة وتعد تصعيدا غير مقبول حول قبرص.
15/07/2019 وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يجمدون المفاوضات المتعلقة بالاتفاق الشامل للنقل الجوي ويتفقون على عدم عقد اجتماعات رفيعة المستوى مع تركيا في الوقت الحاضر.
07/ 08/ 2019 اليونان و (إسرائيل) وقبرص والولايات المتحدة الامريكية تتفق على تعزيز التعاون في محالات الطاقة والامن الالكتروني حسبما قال وزير الطاقة اليوناني كوستيس هاتزايداكيس بعد اجتماع بوزراء الدول الأربع في أثينا.
27/09/ 2019 وزير الطاقة التركي فاتح دونميز يقول إن السفينة يافوز استكملت العمليات في كارباس، بينما تواصل السفينة فاتح عملياتها غربي قبرص.
03/ 10/2019 تركيا أرسلت يافوز قبالة الساحل الجنوبي لقبرص حيث منحت السلطات القبرصبة بالفعل حقوق تنقيب لشركات إيطالية وفرنسية.
04/10/2019 قبرص تقول إن إرسال تركيا سفينة حفر إلى منطقة منحت فيها نيقوسيا تراخيص تنقيب عن النفط والغاز يشكل “تصعيدا خطيرا” لما وصفته بانتهاكات أنقرة للحقوق السيادية للجزيرة.
05/10/2019 وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يقول إن هناك قواعد للتنقيب عن موارد الطاقة في البحر المتوسط، محذرا تركيا من القيام بنشاط حفر “غير قانوني” و”غير مقبول”.
14/10/2019 وزراء خارجية الاتحاد الأوربي يتفقون على وضع قائمة بعقوبات اقتصادية على أنشطة تركيا للتنقيب عن النفط والغاز قبالة قبرص.

من ناحية أخرى أثار تحويل تركيا مؤخرا كنيسة ” آية صوفيا “ الى مسجد بمرسوم موقع من قبل الرئيس التركي رجب طيب أدوغان أثار حفيظة الاتحاد الأوروبي، حيث أبدى جوزيف بوريل كبير مسؤولي السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي آسفه للقرار التركي ” إن حكم مجلس الدولة التركي بإبطال أحد القرارات التاريخية لتركيا الحديثة و قرار الرئيس أردوغان بوضع هذا الأثر تحت إدارة رئاسة الشؤون الدينية مؤسفان”، كذلك انتقدت وزيرة الثقافة اليونانية لينا مندوني ” إن القرار التركي بتحويل آيا صوفيا الى مسجد يمثل استفزازا صريحا للعالم المتحضر”، وأضافت ” أن النزعة القومية التي يبديها الرئيس التركي تعيد بلاده 6 قرون الى الوراء” ، في المقابل ترى تركيا أن قرارها سيادي ولا يحق لأحد التدخل في شؤونها الداخلية.

هذا وقد حولت كنيسة آية صوفيا الى مسجد أول مرة مع فتح العثمانيين للقسطنطينية “إسطنبول” عام 1453 ، ثم صار متحفا عام 1935 على يد رئيس الجمهورية الأسبق مصطفى كمال أتاتورك بهدف اهدائه للإنسانية.

يضاف الى كل تلك القضايا جيوسياسية المتداخلة و المتشابكة مسألة جوهرية مهمة جدا لتركيا و الاتحاد الأوروبي وهي مسألة انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي التي ما تزال معطلة ومتعثرة منذ بداية التفاوض حول عضويتها في 3 / 10 / 2005  على اعتبار عدة عوامل تؤثر مستقبلا على عملية صنع القرار داخل التكتل الأوروبي من بينها الكتلة الديمغرافية في تركيا المرتفعة بلغت سنة 2015 حوالي 78 مليون نسمة التي من شأنها قلب الموازين لصالح تركيا على حساب دول أوروبية اخرى اذا ما نظمت للاتحاد الأوروبي  أي انها تصبح ثاني أكبر عضو في الاتحاد بعد ألمانيا ويصبح لها اكبر تعداد وممثلين في البرلمان الأوروبي.

كذلك تشكل مسألة الدين الإسلامي والحضارة التركية عائقا أمام انضمام تركيا للتكتل الأوروبي لأنها الدولة الوحيدة المسلمة في حال تم قبولها، وهذا من شأنه أن يصعد من ظاهرة ” الاسلاموفوبيا” في أوروبا من طرف الأحزاب اليمنية المتطرفة، كما ان هناك معايير الاقتصادية التي تعتمدها أوروبا غير متوفرة لدى تركيا فضلا عن العمالة و السلع الرخيصة وبالتالي تساعد على تدني الأجور الذي ينتج البطالة، من ناحية أخرى منذ الانقلاب الفاشل الذي تعرض له الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في سنة2016 أصبح الاتحاد الاوروبي ينتقد بشدة  وضعية حقوق الانسان في وانتهاك القانون على خلفية الاعتقالات الكبيرة في صفوف العسكريين والصحافيين والموظفين من مختلف القطاعات بشكل عشوائي.

كل ذلك رسخ معارضة جماعية لمعظم دول الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا له ، في حين أصيبت الأخيرة بخيبة أمل إزاء تعامل أوروبا مع ملف عضويتها مشيرة الى وجوب اتباعه استراتيجيات بناءة تضمن الربح المتبادل.

  1. التصعيد الفرنسي ــ التركي إلــى أيـــن؟

    كما أسلفنا الذكر أكثر ما يصعد التوتر الفرنسي والأوروبي عموما مع تركيا هو اختلاف المصالح و تناقضها في إدارة النزاع في ليبيا، وفي خضم ذلك يسأل متابعون للشأن الليبي والمتوسطي ماذا بعد هذا التصعيد ؟ أية سينايوهات ؟ هل هناك أية بوادر للتهدئة بين الطرفين لتسوية نزاع دام 10 سنوات أنهك فيه المواطن الليبي البسيط وهدمت فيه مؤسسات الدولة، وهدد فيه الامن القومي للدول المجاورة، ما يبدو جليا في الراهن هو تتداوله أفواه قادة فرنسا وباقي دول الاتحاد الأوروبي وتركيا أنه لا نريد أن تسوء الأمور أكثر مما هي عليه ولا نية لنا بمواجهة بعضنا البعض.

ومنه تبقى الخيارات محدودة فدول الاتحاد الأوروبي تتخوف من استعمال تركيا ورقة الهجرة واللاجئين من سوريا وليبيا كضغط عليها لتقديم تنازلات وهو ما يبدو واضحا في العديد من تصريحات الرئيس التركي في حال فتحت أنقرة حدودها المغلقة مع أوروبا منذ اتفاق 2016 وفعلا فتحت تركيا حدودها مع اليونان وتدفق عشرات الالاف اليها، ألمانيا هي الأخرى تنظر للتهديد التركي بجدية كبيرة حيث أفادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها عازمة على تفادي أزمة هي جديدة تهدد التكتل الأوروبي، فالاجتماعات الماراثونية في دوائر صنع القرار الأوروبية ودعوات المتكررة للقادة الأوروبيين بفرض عقوبات على تركيا لوقف نشاطها الزائد وسياساتها الأحادية في المنطقة، و بين الشذ و الجذب تبقى السياسات على أرض الواقع على حالها، فالكل يهدف الى تحقيق مصالحه دون مراعاة لجهود التسوية الأممية ولا للجانب الإنساني هناك ولا حجم الدمار.

خــاتــمـة:

تشكل مسألة كيفية تسوية النزاع في ليبيا و وقف التدخلات العسكرية الخارجية الاخرى فيه وكبح تداعياته على دول المتوسط ، المسالة الأولى التي صعدت الخلاف الفرنسي ــ التركي نظرا للتضارب مصالح الاستراتيجية فيها، كما أن الخلاف يأخذ أبعاد أخرى اقتصادية و دينية…، وعليه تمسك تركيا و دول الاتحاد الأوروبي بمواقفهم ومصالحهم في ليبيا وفي القضايا التي سبق ذكرها لا يهيئ على الأقل حاليا مساحة للتعاون الإقليمي لحل الازمات السياسية التي تتخبط فيها منطقة البحر الأبيض المتوسط منذ سنوات، فالأمر مرهون بتوفر إرادة سياسية حقيقية تعي حجم مخاطر استمرار جرائم القتل وتدفق السلاح والمقاتلين من و الى ليبيا تدفع نحو تعاون إقليمي في مواجهة تحديات أزمة المهاجرين غير الشرعيين والارهاب…ومنه وجب اقتناع تلك الفواعل بضرورة تقديم تنازلات والجلوس الى طاولة المفاوضات لإيجاد حلول لجدية لازمات المتوسط بما يخدم أمن جميع دول حوض الأبيض المتوسط.

[1] ـ الناتو : عملية ” حارس البحر” تواصل أنشطتها رغم انسحاب فرنسا، وكالة الاناضول، على الرابط الالكتروني:

https://www.aa.com.tr/ar/%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%A3%D9%86%D8%B4%D8%B7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%AD%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7/1897122

[2] ـ تسلسل زمني: تنقيب تركيا عن الغاز قبالة قبرص يثير التوترات ، موقع الجزيرة مباشر، على الرابط الالكتروني:

http://mubasher.aljazeera.net/news/%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84-%D8%B2%D9%85%D9%86%D9%8A-%D8%AA%D9%86%D9%82%D9%8A%D8%A8-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D9%82%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D9%82%D8%A8%D8%B1%D8%B5-%D9%8A%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA