قضايا أمنية

تصدع النظام الدولي والآثار الإستراتيجية

أحدث انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقيات الدولية (اتفاقية المناخ، الاتفاق النووي الإيراني، الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان، منتدى التعاون لدول أسيا المحيط الهادي) تصدعات في النظام الدولي، هي آخذة في التفاقم بفعل سياسة الإدارة الأمريكية الحالية إزاء قضايا التجارة الدولية، الهجرة وحتى حقوق الإنسان؛ بشكل جعل العالم يندفع نحو الاستقطاب الأمني وتصاعد المخاوف حول انهيار الأمن الدولي. أكثر التصريحات خطورة للرئيس الأمريكي هي المتعلقة برغبته في إنشاء سلاح جديد خاص بالفضاء، والذي يعني تسليح الفضاء الخارجي وتطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، وكان رد الفعل الروسي سريع وعنيفا بأن روسيا سوف تقوم بالمثل إذا مضى الرئيس الأمريكي قدما في تسليح الفضاء الخارجي. من الناحية التاريخية، فكرة الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية بدأت خلال الحرب الباردة من قبل كل من الصين، الولايات المتحدة، والصين (تحدثت عنها في كتابي “الفكر الإستراتيجي”، الذي سيصدر قريبا).


المفارقة الإستراتيجية الأكثر تعقيدا أن كل خطوة يتخذها الرئيس الأمريكي تقابل بخطوة مضادة من قبل القوى العظمى الأخرى بما فيها حلفاء أمريكا التقليديين (الحرب التجارية التي بدأت لتوها مثلا)، وهذا يعني السير نحو هاوية الانهيار الأمني الكلي (الصدام بين القوى العظمى في حروب محدودة ويمكن أن تتحول إلى شاملة) أو الجزئي (الحروب بالوكالة). وإذا كانت الأطراف الأكثر اندفاعا لمواجهة القوة العسكرية الأمريكية هي روسيا والصين، فإن حتى الدول الأوربية لديها شكوك كبيرة حول مصداقية التحالف مع الولايات المتحدة في ظل السياسة الأمريكية المناهضة لأوربا (حول الهجرة، التجارة، الاتفاق النووي الإيراني).


من الناحية التناظرية، تشبه المرحلة التي يمر بها النظام الدولي الحالي تلك التي سادت خلال عشرينيات القرن العشرين أو التي سماها إدوارد كار “بأزمة العشرين عاما”، التي تنصلت فيها الولايات المتحدة من تعهداتها في مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وتصاعدت الخلافات بين القوى العظمى الأوربية إزاء الأزمات الدولية (احتلال إيطاليا للحبشة، غزو اليابان لمنشوريا، إعادة تسليح ألمانيا نفسها، ضم المقاطعات الناطقة باللغة الألمانية إلى سيادة ألمانيا في مؤتمر ميونيخ)؛ وكانت النتيجة انهيار النظام الأمني الذي بني عام 1919 ونشوب الحرب العالمية الثانية.


الحقيقة أن الولايات المتحدة تعيش أزمة اقتصادية ناتجة عن عدم القدرة على المنافسة الاقتصادية العالمية ضمن نظام منظمة التجارة العالمية، لذلك لجأت إدارة ترامب إلى مقاربتين: الأولى حماية اقتصادها بحزمة من الموانع الجمركية لحرمان الاقتصاديات الأخرى من النمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد الأمريكي؛ والمقاربة الثانية دفع العالم نحو سباق التسلح والنزاعات الدولية لإنهاكه عسكريا بواسطة الأسلحة الأمريكية أو حتى استخدام القوة العسكرية للمحافظة على التفوق الإستراتيجي الأمريكي.


طالما أن الحرب النووية لحد الآن تبدو غير عقلانية ولكنها ليست مستبعدة تكتيكيان، إلا أن الحروب الإقليمية في المناطق التي تقع فيها الدول المنافسة للولايات المتحدة تكون أكثر احتمالا لظهور التصدعات في النظام الدولي؛ ومن ثم، سوف تكون المناطق الهشة أمنيا مجالا لانتشار الأزمات والحروب بالوكالة أو التورط المباشر لأحد أطراف القوى العظمى فيها.

عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock