مقدمة عامة

ظلت تجارة المنتجات الزراعية أحد أهم الملفات حساسية على المستوى الدولي، بحيث أظهرت حكومات الدول حذرها من التفريط في استعمال أدوات السياسة التجارية التي سمحت لها بالتأثير على الأسعار بأسواقها المحلية ورفع مداخيل مزارعيها. وذلك اعتبارا للبعد الاقتصادي الاستراتيجي لتدخلات السياسة الزراعية ومستهدفات تنمية القطاع الزراعي، والتي أصبحت تصنف في قضايا الأمن القومي، لدوره المحوري في توفير الغذاء وتكوين صناعة غذائية کرافد مهم يدفع القطاع الزراعي لتوسيع إمدادها بالمنتجات الزراعية الأولية (الأمن الغذائي، السيادة الغذائية)، وقد يرتفع سقف أهداف السياسات التدخلية في المجال الزراعي إلى رفع الإمكانيات التصديرية للدولة للتأثير إيجابيا على ميزاتها التجاري الزراعي، وتحسين موازين مدفوعاتها.

دفعت التحولات التجارية العالمية والاقليمية المتجهة نحو تحرير المبادلات التجارية بالدول النامية إلى البحث عن أوفق السبل للاندماج في الاقتصاد العالمي بأقل التكاليف، والمحافظة على إمكانياتها الاقتصادية، واستغلالها في تطوير إنتاجها الزراعي والصناعي الزراعي، حيث غدت قضية هشاشة وضعف دول الجنوب سيما ما ارتبط بمدى نجاعة القطاع الفلاحي أمام الانفتاح التجاري الزراعي – محورا رئيسيا في النقاش المتجدد حول التنمية، وأعيد طرح هذه القضية في إطار الأمن الغذائي، وعلاقتها بالتنمية الزراعية في إطار السياسات الاقتصادية الوطنية.

و تؤكد التغيرات الظرفية للأوضاع العالمية أهمية السياسات التدخلية وبعدها الاستراتيجي عالميا وإقليميا وقطريا، ويكفي أن نشير إلى أحدث هذه التغيرات والمتمثلة في الأزمة المالية والأزمة الغذائية العالميتين، وهذا ما دفع بالمؤسسات الدولية لإعادة بعث النقاش الدولي حول الأمن الغذائي العالمي والسياسات الكفيلة بضمانه، ويأتي تقرير البنك العالمي لسنة 2008 “الزراعة في خدمة التنمية” بأبعاده الظرفية العاجلة ، المتوسطة وبعيدة المدى في هذا السياق. وقد تحت باقي المؤسسات نحوه إذ ركزت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة على اختلالات السوق العالمي للغذاء وانعكاساتها على الجوع وسوء التغذية في العالم.

وفي نفس المسار كذلك؛ تركزت مساهمات بعض الهيئات الإقليمية المتخصصة مثل المركز الدولي للدراسات العليا في الشؤون الزراعية المتوسطية (CIHEAM)، من خلال تقييم السياسات الاقتصادية للتحرير التجاري الداخلي والمبادلات التجارية الخارجية للمنتجات الزراعية الغذائية الأولية أو منتجات عمليات التحويل الصناعي الصناعات الغذائية)، ومنتجات الصيد البحري، وانعكاساتها على الأمن الغذائي عموما والتوازنات التجارية الزراعية بصفة أخص.

 

تحميل الرسالة