في مساء يوم 3 ديسمبر 1971 تطور النزاع الهندي الباكستاني إلى صراع مسلح حيث بدأت الجولة الرابعة في المواجهة الهندية ـ الباكستانية. ولم تكن هذه المرة حول كشمير التي تعتبر حجر الزاوية في العلاقات بين البلدين، بل كانت في باكستان الشرقية. وقد أدت إلى قيام دولة ثالثة في شبه القارة الهندية هي “بنجلاديش”.

وكان النزاع الباكستاني الهندي الذي أدى إلى هذه المواجهة فريداً من نوعه، فقد بدأ النزاع في أول الأمر بمشكلة داخلية بين باكستان الغربية وباكستان الشرقية، ثم تحول إلى نزاع ثنائي بين باكستان والهند. وقد أدى هذا إلى مشكلة دولية تدخلت فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين.

وكانت مشكلة الملايين من اللاجئين الذين فروا من باكستان الشرقية إلى الهند نتيجة حملة القمع التي قام بها الجيش الباكستاني في 26 مارس 1971 هي سبب تحول النزاع إلى نزاع ثنائي بين الهند وباكستان أدى في النهاية إلى قيام الحرب بينهما.

تميزت الجولة الرابعة عام 1971 عما سبقتها من جولات بأنها كانت ذات طبيعة شاملة. فقد دارت لأول مرة في الجبهة الشرقية والجبهة الغربية وعلى مواجهة واسعة. واشتركت القوات الجوية والبحرية في العمليات بشكل فعال وعلى نطاق واسع، وانتهت الحرب على الجبهة الشرقية في 16 ديسمبر 1971 بعد استسلام القيادة الباكستانية في الجبهة الشرقية، وانتهت في الجبهة الغربية في 17 ديسمبر 1971 باتفاق الدولتين.

وكانت للحرب نتائج عسكرية خطيرة بالنسبة للجانبين. فبالنسبة للقوات الهندية استطاعت أن تحقق نصراً ساحقاً على باكستان، بعكس حرب عام (1947ـ 1948) وحرب عام 1965. وحررت بنجلاديش وأسرت حوالي 93.000 أسير باكستاني(اُنظر جدول خسائر القوات الهندية والباكستانية في حرب ديسمبر 1971)، كما استولت على أجزاء هامة من باكستان الغربية وتوغلت في قطاع “راجستان” محددة المواصلات بين شمال وجنوب باكستان الغربية. أمّا بالنسبة لباكستان فكانت هزيمة عسكرية فادحة أدت إلى ضياع الجناح الشرقي وتقلص باكستان إلى باكستان الغربية فقط. وقد عمل ذلك على إضعاف عدو الهند الأول باكستان. فمن الصعب الآن أن تصبح باكستان قوة مناهضة للهند في شبه القارة الهندية. ولن تستطيع باكستان في المستقبل القريب تغيير الوضع القائم في كشمير، سواء بالعمل العسكري أو السياسي.

وتمثل الهند بعد هذه الحرب مركز ثقل دولي في جنوب آسيا، بعد أن غير قيام دولة بنجلاديش الموقف وميزان القوى في المنطقة. وتم للهند تأمين حدودها الشرقية، وأصبح لا يوجد منافس لها إلاّ الصين.

أولاً: تطورات القضية الكشميرية خلال الفترة من ديسمبر 1971 ـ فبراير 1999

كان من أهم النتائج المباشرة لهزيمة باكستان في حربها في ديسمبر 1971 مع الهند، انهيار حكم المؤسسة العسكرية التي سيطرت على الحياة السياسية الباكستانية منذ سنوات طويلة دون انقطاع. فلقد أجبرت ثورة الرأي العام في باكستان الغربية، غداة الهزيمة العسكرية، الجنرال “يحيى خان” على الاستقالة من رئاسة الجمهورية، وجاء “ذو الفقار علي بوتو”، وزير الخارجية السابق، وزعيم حزب الشعب الباكستاني، ليخلفه في قيادة البلاد، وهي في أحلك أيامها.

لقد اتبع الرئيس الباكستاني “ذو الفقار علي بوتو” منذ بداية توليه الحكم سياسة إيجابية سلمية تهادنية، تقوم على أساس احترام الواقع بكل ما فيه من مرارة، مع بذل جهد ضخم للحفاظ على ماء الوجه. واجه “بوتو” مهمة جسيمة وعسيرة: تصحيح أخطاء العسكرية الحاكمة من خلال تغيير نظام الحكم في البلاد تغييراً جذرياً، ثم تخفيف الآثار السياسية للهزيمة العسكرية، ثم التغلب على المصاعب الاقتصادية القائمة. وبدأ “بوتو” بالفعل بإجراء إصلاحات حقيقية في شتى الميادين، ابتداء من الجيش إلى الإدارة، المصارف والبنوك، إلى القطاع الزراعي. كما شرع “بوتو” في تطبيق فلسفته الاجتماعية التي يطلق عليها “الاشتراكية الإسلامية” فأصدر قرارات عدة بتأميم قطاعات هامة من الاقتصاد الباكستاني. وعلى عكس الاستبداد السابق، أصبحت الإدارة العامة في باكستان تعمل عن طريق قنوات اتصال مباشرة مع الجماهير هناك.

وبالنسبة للجانب الهندي المنتصر في حرب ديسمبر 1971 على باكستان، نجد أنه حقق الأهداف الإستراتيجية للسياسة الهندية في تلك المنطقة من آسيا. فلقد أمنت الهند حدودها الشرقية، وضمنت التبادل الاقتصادي والتجاري الوثيق مع جارتها الجديدة الغنية في مواردها الطبيعية، كما أضعفت خصمها الباكستاني إضعافاً شديداً طويل المدى، ثم تخلصت من مشكلة طوفان اللاجئين البنغاليين ولو مكانياً. كما نجحت السياسة الهندية في إقامة دولة بنجلاديش الموالية لها.

1. معاهدة السلام والصداقة والتعاون بين الهند وبنجلاديش

وفيما يتعلق بالسند العسكري الضروري الذي تلتزم به الهند تجاه بنجلاديش فقد وضعت أسسه الأولى في “معاهدة السلام والصداقة والتعاون” التي أبرمتها الهند وبنجلاديش في 19 مارس سنة 1972، وجاءت على غرار معاهدة السلام والصداقة والتعاون الهندية السوفيتية الموقعة في 9 أغسطس 1971. وتقضي المعاهدة الجديدة بين الهند وبنجلاديش بأن تجري مشاورات فورية بين الدولتين، بهدف اتخاذ الإجراءات الفعالة، في حالة وقوع هجوم أو تهديد بهجوم على أي منهما. وتنص المعاهدة على أنها قابلة للتجديد عن طريق الاتفاق المتبادل بين الطرفين بعد انتهاء أجلها، وهو 25 عاماً. وأكدت المعاهدة أيضاً إيمان الهند وجارتها الجديدة، والتزامهما بسياسة عدم الانحياز والتعايش السلمي كعاملين هامين في تخفيف حدة التوتر الدولي. وتعلن الدولتان في المعاهدة التزامهما بعدم الدخول أو الاشتراك في أية أحلاف عسكرية تكون موجهة ضد أي منهما.

2. اتفاقية سيملا

لقد جاء اتفاق سيملا خاتمة لمجهودات طويلة في ميدان التفاوض والتباحث والنقاش بصدد المسائل المعلقة بسبب حرب ديسمبر 1971 وقيام دولة بنجلاديش، فيما بين الأطراف الثلاثة المعنية في تلك المنطقة. إلا أن سير التفاوض اتسم بالثنائية، ما بين “ذو الفقار علي بوتو” و”مجيب الرحمن” أولاً، ثم ما بين “مجيب الرحمن” و”أنديرا غاندي” ثانياً، وأخيراً ما بين “ذو الفقار علي بوتو” و”أنديرا غاندي” في يونيه 1972.

ففي 22 ديسمبر 1971، أي بعد 5 أيام فقط من استسلام القوات الباكستانية، اتخذ الرئيس الباكستاني قراراً بإطلاق سراح الزعيم البنغالي “مجيب الرحمن”، وفي 24 ديسمبر 1971 بدأت في راولبندي ـ حيث حددت إقامة الشيخ “مجيب الرحمن” بعد خروجه من سجنه ـ المحادثات بين الرئيس الباكستاني “ذو الفقار علي بوتو” والزعيم البنغالي حول مشكلة باكستان الشرقية. وعرض “بوتو” على “مجيب” منح البنغال الاستقلال الذاتي في إطار اسم باكستان الموحد. ثم عاد “بوتو” وعرض على الشيخ “مجيب” صيغة اتحاد بين باكستان الشرقية وباكستان الغربية، وذلك في محاولة للحفاظ على وحدة باكستان في الشؤون الاقتصادية والمؤسسات السياسية والعلاقات الخارجية. إلا أن الشيخ “مجيب” رفض رفضاً قاطعاً إلا أن تستقل البنغال الشرقية استقلالاً تاماً عن باكستان.

وأعلن الشيخ “مجيب الرحمن” عند وصوله إلى داكا في يناير 1972، قطع كل علاقة سابقة كانت تربط شطري باكستان. كذلك رفض الشيخ “مجيب الرحمن” بعد أن أصبح رئيساً لوزراء بلاده، العرض الذي قدمه إليه الرئيس الباكستاني “بوتو” بالنزول لمجيب عن السلطة في باكستان في سبيل الاحتفاظ بوحدة باكستان. وقال الزعيم البنغالي في هذا الشأن: “لا أريد باكستان؛ فقد أصبحت بنجلاديش واقعاً. وإنني أريد أن تظل الدولة الجديدة مستقلة”. وهكذا قطع مؤقتاً حبل المحادثات بين بنجلاديش وباكستان. لتبدأ جولة المباحثات الهندية الباكستانية، مع الأخذ في الاعتبار أن الجانب الهندي يمثل مصالح الجانب البنجلاديشي في تلك المباحثات.

وبدأت بوادر موقف الهند من التفاوض مع باكستان بتصريح أنديرا غاندي في مؤتمر صحفي عقدته في بداية عام 1972، ذكرت فيه “إن المحادثات مع باكستان سوف تبدأ عندما تستقر نسبياً الأوضاع السياسية في المنطقة، وأن هذه المحادثات ستدور حول تعديل خطوط وقف إطلاق النار في كشمير، وربما أيضاً حول تعويضات الحرب، لأن باكستان هي التي هاجمت الهند”.

كذلك أعلن “ذو الفقار علي بوتو” في منتصف فبراير 1972، انه يعتزم الاجتماع قريباً بكل من “أنديرا غاندي” والشيخ “مجيب الرحمن”، وأعلن أن بعض الترتيبات قد اتخذت بالفعل من أجل عقد هذين الاجتماعين. إلا أن إجراءات التلاقي لم تتبلور إلا مع نهايات أبريل 1972. وبدأت بمدينة موري بباكستان المحادثات بين مبعوثي الهند وباكستان للإعداد لعقد اجتماع قمة بين الرئيس الباكستاني ورئيسة الوزراء الهندية. ثم أعلن بيان هندي باكستاني مشترك في 30 أبريل 1972 أن الرئيسين سيجتمعان في نهاية مايو أو أوائل يونيه 1972 في نيودلهي للسعي لإقامة “سلام دائم في شبه القارة الهندية”. وفي راولبندي صرحت المصادر الدبلوماسية بأن الموضوعين الأولين في جدول أعمال أنديرا ـ بوتو هما انسحاب القوات من الأراضي التي تحتلها على الجانبين، وتبادل الأسرى وأنه ما إن يتم الاتفاق على هاتين النقطتين حتى تعاد العلاقات الدبلوماسية بين الهند وباكستان، ثم تأتي مرحلة ثالثة تتناول موضوعات الاعتراف ببنجلاديش، ومشكلة كشمير ووسائل الحيلولة دون نشوب حرب أخرى بين الهند وباكستان.

ولكن اجتماع القمة لم يبدأ إلا يوم 28 يونيه 1972 في مدينة سيملا. وكان لمحادثات القمة بسيملا الطابع الشامل السياسي والفني في آن واحد، فلقد طلبت “أنديرا غاندي” من وزراء الخارجية والزراعة والدفاع والمالية في حكومتها حضور المحادثات بينها وبين “بوتو”. وعقب انتهاء اليوم الأول للمحادثات، صدر بيان مشترك أكد فيه الجانبان رغبتهما في بدء صفحة جديدة للعلاقات بينهما. وجاء في البيان أن الرئيسين قررا إحالة بعض المسائل المتنازع عليها إلى الخبراء، وانهما لن يجتمعا مرة أخرى إلا بعد تقديم خبراء الوفدين لتقاريرهم. ثم استؤنفت المباحثات بين الوفدين وسط تطورات مفاجئة، فقد أصيب “دهار” رئيس الوفد الهندي ومستشار “أنديرا غاندي”، بنوبة قلبية نقل على أثرها إلى المستشفى. وقد أعاد مرض “دهار” للأذهان وفاة “لال بهادور شاستري” رئيس وزراء الهند الذي توفى نتيجة إصابته بنوبة قلبية فور انتهاء آخر مؤتمر قمة هندي باكستاني في طشقند عام 1966. وقد فشل خبراء الوفدين في الاتفاق على المسائل التي ستبحث في اجتماع القمة، فعاد الأمر ثانية إلى رئيس الجمهورية الباكستاني ورئيسة الوزراء الهندية[1].

وأعلنت المصادر الهندية والباكستانية على السواء أن ما يعرقل سير المباحثات هو أن باكستان تحبذ مناقشة استئناف العلاقات الدبلوماسية والتجارية وإعادة توطين الأسرى الباكستانيين أولاً، في حين أن الهند تفضل مناقشة عقد اتفاقية سلام بين البلدين. والواقع في ذلك الشأن أن وجهة النظر الهندية كانت تتركز في ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة لكافة جوانب الصراع القائم بينها وبين باكستان، أي إبرام اتفاق إجمالي يتضمن تبادل الأسرى والأرض، مقابل اعتراف من باكستان بضم كشمير للهند، واعترافها ببنجلاديش كدولة مستقلة. بينما تطالب باكستان بالاقتصار على إدخال تحسينات تدريجية في علاقات الدولتين، من خلال تسويات متفرقة لمختلف مشكلاتهما، تلك المشكلات التي لا يمكن أن تحل دفعة واحدة، وإنما بسياسة مرحلية على مدى طويل.

والملاحظ أن بعض مشكلات شبه القارة الهندية قد تم إيجاد الحلول المناسبة لها فيما قبل انعقاد مؤتمر القمة بسيملا، وأهمها مشكلة اللاجئين العشرة ملايين البنغاليين في الهند، ثم مشكلة الوجود العسكري الهندي في أراضي بنجلاديش. ففي نهايات فبراير 1972، ذكر متحدث باسم الحكومة الهندية أن الغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين قد عادوا إلى بلادهم، ومن أجلهم أقيمت مئات المعسكرات لاستقبالهم، وذلك عن طريق مساعدات مالية ومادية ضخمة من الهند ومن وكالات الغوث التابعة للأمم المتحدة. أما القوات الهندية البالغة 40 ألف رجل والتي شاركت البنغاليين في تخليصهم من سيطرة البنجابيين. فقد ظلت في أقاليم بنجلاديش حتى يوم 12 مارس 1972، حيث انسحبت عن آخرها عائدة إلى بلادهم. ويرى بعض المراقبين أن من العوامل الرئيسية التي دفعت الرئيس الباكستاني “بوتو” لأن يطلق سراح الشيخ “مجيب الرحمن” بسرعة، رغبته في التعجيل بعمليات انسحاب القوات الهندية من باكستان الشرقية. وذلك لأن عودة “مجيب الرحمن” في داكا كانت كفيلة بالقضاء على أي مبرر قد تقدمه الهند لبقاء قواتها بأراضي الدولة الجديدة. ولقد قال مسؤول هندي عن مسألة الوجود العسكري الهندي في بنجلاديش: “لو أن جيشاً هندياً سار إلى داخل باكستان الشرقية وأخرج الباكستانيين الغربيين منها، فإنه سيعتبر طوال عشرة أيام بمثابة (جيش التحرير الهندي) وفي اليوم الحادي عشر سيعتبر بمثابة (جيش الاحتلال الهندوكي)”. ولقد حرصت الهند على ألا يأتي اليوم الحادي عشر، حيث يشعر البنغاليون الشرقيون أن جيش الهند تحول إلى قوة غازية تهدد استقلاله وسيادته وتراثه الثقافي الإسلامي، فأسرعت بسحب قواتها حتى قبل يوم 25 مارس 1972، الذي كان التاريخ المتفق عليه بين “أنديرا غاندي” و”مجيب الرحمن” إبان زيارتهما المتبادلة في فبراير ومارس 1972.

أما المشكلات التي ما زالت قائمة وعرضة للتفاقم في حالة استمرارها والتي كانت موضع اهتمام لقاء القمة الباكستاني الهندي، وان تعارضت وجهات النظر بشأن بعضها، وتلاقت إزاء بعضها الآخر، فأهمها ما يلي:

أ. مشكلة اعتراف باكستان بدولة بنجلاديش المستقلة.

ب. مشكلة إطلاق سراح الأسرى الباكستانيين العسكريين والمدنيين في أيدي الهنود والذين يبلغ عددهم أكثر من 93 ألف رجل.

وهاتان المشكلتان تربط الأطراف الثلاثة للأزمة، فيما بينهما ربطاً وثيقاً موضوعياً. فبينما يعلن “بوتو” منذ مارس 1972 أن بلاده لن تعترف رسمياً ببنجلاديش أو تقيم معها علاقات دبلوماسية إلا بعد إطلاق سراح الأسرى الباكستانيين، تصر “أنديرا” و”مجيب” على عدم إطلاق سراح الأسرى الباكستانيين إلا بصورة لاحقة زمنياً على الاعتراف الباكستاني الرسمي بقيام دولية بنجلاديش.

وواقع الأمر أن “بوتو” قد اعترف بالأمر الواقع إلا أن شكليات أو صورة الاعتراف الرسمية، تمثل لب التعارض بين الجانبين، فبوتو يرفض أن يتخذ الاعتراف شكل وثيقة استسلام باكستاني مهينة جديدة، بينما يصر الشيخ “مجيب” على ضرورة أن يصدر الاعتراف الباكستاني مصاحباً بتعويضات مالية ضخمة للبنغاليين. هذا على الرغم من أن الحكومة الباكستانية أعلنت مراراً في الفترة الأخيرة، أن بنجلاديش عليها التزامات تجاه الديون العامة التي كانت على عاتق الدولة الباكستانية الموحدة.

ومشكلة الأسرى الباكستانيين بأعدادهم الضخمة هي الشغل الشاغل للشعب البنجابي الذي ينتمي إليه هؤلاء الأسرى. وتمثل هذه المشكلة قوة ضاغطة ثقيلة على “ذو الفقار علي بوتو” وحكومته، وورقة رابحة في يد الهند تجاه باكستان. أما بنجلاديش فتعتبرهم مجرمي حرب، ويطالب الرأي العام البنغالي بإعدام قادتهم فوراً، وتقديم الآلاف منهم للمحاكمات العسكرية. ولقد حاولت باكستان أقصى ما تستطيعه للالتقاء في منتصف الطريق مع بنجلاديش، فأعلن الرئيس “بوتو” قبوله لفكرة محاكمة “الجنود الباكستانيين الذين تملكتهم نوبة جنون في الشهور السابقة على الحرب في باكستان الشرقية”، ولكنه طالب أن يحاكم المسؤولون عن مذابح البنغاليين أمام محكمة دولية، على أن تعقد في باكستان. ومن جهة أخرى نجح نسبياً في إقناع البنجابيين، أهالي هؤلاء الأسرى، بأن الإلحاح الكثير في تلك المشكلة لن يؤدي إلا إلى تقوية مركز الهند إزاءهما، وانتزاع المزيد من التنازلات من باكستان.

ج. مشكلات الأقليات التي تهم الطرفين، وهم البيهاريون أو البهرة في بنجلاديش، والبنغاليون في باكستان. فالبهرة الموجودون في بنجلاديش يعانون اضطهاد مرير، لأنهم كانوا عملاء للحكم العسكري الباكستاني السابق. كما أن هناك نصف مليون بنغالي ما زالوا يعيشون داخل باكستان، وتعتبرهم حكومة “بوتو” ورقة للمساومة في مقابل الأسرى الباكستانيين داخل الهند، والبهرة داخل بنجلاديش. ومشكلة الأقليات هذه إنما تتوقف في المقام الأول على تصميم الشيخ “مجيب الرحمن” على محاكمة الأسرى الباكستانيين، وفي المقام الثاني بمدى استعداد الهند التي يوجد هؤلاء الأسرى بأراضيها للاستجابة لاصرار الشيخ “مجيب”. وهكذا تبدو مشكلة الأقليات كطريق مسدود في الوقت الحاضر.

د. مشكلة الحدود المشتركة الدولية بين باكستان والهند وما يرتبط بها من مشكلة انسحاب قوات كل منها فيما وراء خطوط وقف إطلاق النار التي تحددت يوم 17 ديسمبر 1971. ولاشك أن هذه المشكلة هي صاحبة النصيب الأوفر من الحلول الناجمة الفعالة التي تمخض عنها مؤتمر سيملا. فلقد اتفق الرئيسان رسمياً على الكيفية والتوقيت الدقيق والتحديد الجغرافي الواضح لعمليات انسحاب قوات بلديهما إلى الحدود الدولية لهما التي كانت قبل ديسمبر 1971.

هـ. مشكلة كشمير وهي المعضلة القديمة والمستمرة في شبه القارة الهندية منذ سنوات طويلة دون حل أو تسوية.

وقبل حرب ديسمبر 1971، كان موقف الهند من مشكلة كشمير هو المطالبة بالإرجاء والتأجيل، بينما كانت باكستان ترى ضرورة إيجاد الحل الجذري لتلك المشكلة المستعصية. وبعد هزيمة باكستان في حربها عام 1971 مع الهند، تبدلت مواقف الدولتين، وأصبحت كل منها تأخذ مكان الأخرى إزاء مشكلة كشمير، فلقد أصبحت الهند تنادي بالمواجهة الفعالة الحاسمة والإنهاء القاطع لمسألة كشمير، بينما تسعى باكستان إلى التسويف والإبطاء بشأنها. ولقد أمسك “بوتو” أثناء المؤتمر عن أي تصريح أو تعهد يختلف عن موقفه السابق، فيما يتعلق بممارسة الكشميريين حق تقرير مصيرهم، ويقول “بوتو” في ذلك الصدد: “إننا لم نمنح الكشميريين حق تقرير المصير، ومن ثم فلسنا نملك أن نحرمهم منه، فهو حقهم الطبيعي، وبصفة عامة تتمسك باكستان رسمياً باللجوء إلى وسيلة التحكيم الدولي لحل مسألة كشمير”.

ثانياً: التوقيع على الاتفاق

وبعد جهود مضنية طيلة خمسة أيام (بدءاً من يوم 28 يونيه 1972) توصل الجانبان إلى اتفاق أذيعت بنوده يوم 2 يوليه 1972. وجاءت نتائجه تفوق أكثر التوقعات تفاؤلاً بصدد تلك المحادثات. وكانت أهم نقاط التلاقي بين الرئيسين الهندي والباكستاني ما يلي:

1. استعادة باكستان لكل الأقاليم التي فقدتها في حرب ديسمبر 1971 مع الهند، باستثناء المناطق الواقعة على طول خط وقف إطلاق النار بينهما في إقليم كشمير. وتقدر هذه الأراضي بنحو 8620 كيلومتراً مربعاً، معظمها في المناطق الصحراوية من إقليم السند ومنطقة مراعي كوتشي وقطاع البنجاب.

2. انسحاب القوات الهندية إلى مواقعها قبل الحرب في السند وكوتشي والبنجاب، لتستعيد باكستان أراضي تبلغ مساحتها 8220 كم مربع، وتستمر الهند في احتلال المساحة المتبقية، وهي تقع في كشمير.

3. أن تعيد باكستان إلى الهند الأراضي التي احتلتها في قطاع البنجاب وصحراء راجستان، وتبلغ مساحتها حوالي 600 كم2.

4. اتخاذ الخطوات اللازمة لاستئناف الاتصالات السلكية واللاسلكية والبريدية والبحرية والبرية ـ بما فيها مراكز الحدود ـ والجوية بما فيها تحليق طائرات، كل منها في أجواء الأخرى، وتسهيل تبادل سفر مواطني البلدين.

5. استئناف التجارة والتعاون في المجالات الاقتصادية والتبادل في المجالات العلمية والثقافية.

6. ترك مسألة إعادة العلاقات بين البلدين لأحوالها الطبيعية لمزيد من المحادثات بين ممثلي البلدين.

كذلك أوضح الاتفاق، أن يبدأ انسحاب قوات الطرفين إلى الحدود الدولية للدولتين، بمجرد أن يصبح ساري المفعول بعد التصديق عليه من السلطة التشريعية في البلدين، وأن يتم هذا الانسحاب خلال 30 يوماً من بدايته. كما اشتمل الاتفاق على المبادئ العامة لحسن الجوار بين الدول، ومنها نبذ استخدام القوة لتسوية المنازعات بين البلدين، ومراعاة تطبيق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة في العلاقات بينهما، واللجوء للوسائل السلمية في حل خلافاتهما، واحترام كل منهما لسلامة ووحدة أراضي الأخر، وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

لقد عقدت اتفاقية سيملا بين الهند وباكستان في 2 يوليه 1972، إثر الحرب التي أفضت إلى انفصال بنجلاديش واحتلال الهند لمساحة أخرى من كشمير الواقعة تحت سيطرة باكستان تقدر بـ 34.088 ميلاً مربعاً. وشكلت الاتفاقية تحركاً من البلدين نحو تطبيع العلاقات بينهما بهدف إقرار السلم والأمن الإقليميين عبر الاستعداد لحل المشاكل بينهما، وفق روح الاتفاقية، وربما يبعد دول الإقليم عن الاعتماد على القوى الخارجية لتأمين أمنها وسلامتها الإقليمية(أُنظر ملحق اتفاقية بشأن العلاقات الثنائية بين حكومة باكستان وحكومة الهند).

ولم يترتب عن اتفاقية سيملا أي تغيير إزاء مشكلة كشمير، حيث تذكر الفقرة (6) من الاتفاقية “التسوية النهائية لمشكلة جامو وكشمير” باعتبارها من المسائل المعلقة التي تنتظر إيجاد حل لها. وبموجب الفقرة (ب) الفرعية من المادة (4)، يعتبر خط السيطرة متميزاً من خط الحدود الدولية. كما أن هذه الفقرة تحمي الموقف المعترف به من كلا الجانبي، باعتبار أن باكستان تفسر الموقف المعترف به بأنه هو الذي تعترف به الأمم المتحدة بالنسبة إليها، حيث لا تحول اتفاقية سيملا دون إثارة قضية كشمير في الأمم المتحدة، إذ تنص الفقرة الفرعية (أ) من المادة (1)، بوجه خاص، على أن ميثاق الأمم المتحدة يحكم العلاقات بين الأطراف، وفي ضوء ذلك، تعتمد الوسائل السلمية في حل الخلافات والمنازعات بين الهند وباكستان، في حين ترى الهند أن جميع الخلافات بين البلدين، بما في ذلك قضية كشمير، يمكن حلها بشكل ثنائي فقط بموجبة المادة 1(ب) من اتفاقية سيملا، وبالتالي لم يعد من حق باكستان إثارة القضية أمام الأمم المتحدة[2].

وفي الواقع، فإن حل المشكلات عبر المفاوضات الثنائية أو أي طرق سلمية أخرى يتفق عليها الجانبان إنما يؤكد مبدأً عاماً منصوصاً عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وهو لا يلغي حق باكستان كدولة عضو ذات سيادة في أن تنقل شكواها إلى الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى طالما لم يتم التوصل ثنائياً إلى حل مرضي لطرفي النزاع.

وتأسيساً على ما تقدم، ترفض الهند الخضوع لقرارات الأمم المتحدة في إجراء استفتاء يضمن لسكان كشمير حق تقرير المصير في الوقت نفسه الذي عجزت فيه عن تنفيذ سياسة تحقق لها الاستقرار في الإقليم[3].

تلك كانت أهم الموضوعات التي طرحت على بساط البحث أثناء مؤتمر القمة الهندي الباكستاني في سيملا. وجاءت بنود الاتفاق لتترك جانباً مشكلة كشمير، وتتجاهل مسألة الأسرى الباكستانيين ولتخلو من أدنى إشارة أو تلميح إلى موضوع اعتراف إسلام آباد ببنجلاديش. ولذلك اتسم اتفاق سيملا بالطابع العام من حيث مغزاه بالنسبة لتغيير طبيعة العلاقات الباكستانية الهندية من التوتر الشديد إلى الهدوء المرتقب الحذر، وكذلك اتصف ذلك الاتفاق بالصيغة المحدودة.

ولا يعتبر إغفال مشكلتي كشمير والأسرى الباكستانيين في الهند، نقطة الضعف الحقيقية الوحيدة في اتفاق سيملا، بل أن النقص الجوهري في ذلك الاتفاق يكمن في غياب الطرف الثالث في النزاع، والذي لا يقل أهمية ولا خطـورة عن طرفي اتفاق سيملا، ألا وهو دولة بنجلاديش أو رئيسها. فمباحثات القمة بسيملا بين “بوتو” و”أنديرا”، رغم أن الأخيرة تمثل تمثيلاً صادقاً مصالح واعتبارات وأهداف الدولة الجديدة، إنما تفتقد الركن الثالث والأساسي من أركانها، والذي لا يستقيم بدونه سير العلاقات الطبيعية بين دولتي الهند وباكستان.

ثالثاً: فشل الهند في وادي كشمير

ومع تصاعد المشاكل الداخلية في الهند، مثل مشكلة السيخ في البنجاب، واهتمام صانع القرار السياسي الهندي بالحفاظ على الاتحاد الهندي، فإن موضوع كشمير أصبح أكثر تعقيداً، ذلك أن الإقرار بحق تقرير المصير لكشمير يمكن أن يشكل سابقة لخطوات لاحقة في إقليم البنجاب لصالح السيخ ، الأمر الذي شكل دافعاً رئيسياً لاستمرار الهند في سياستها إزاء كشمير.

وشهد النصف الثاني من عقد السبعينيات تصاعد الصعوبات التي واجهتها الهند في وادي كشمير، إذ أخفقت كل الوسائل في فرض السيطرة على الإقليم، وبدت الهند في مأزق صعب، ناتج من مجموعة أسباب أبرزها:

1. زيادة فاعلية النشاط الباكستاني في دعم شعب كشمير.

2. تراجع فعالية السلطة المركزية في الهند اثر تصاعد حركات التطرف، وبخاصة السيخ في البنجاب الذين يطالبون بإقامة دولة “خالستان” على غرار ما تحقق للمسلمين في باكستان.

3. تصاعد حركات العنف في إقليم جامو وكشمير بشكل بات يهدد علاقته بالهند.

إزاء ذلك تصاعدت اتهامات الهند لباكستان بالتدخل في شؤونها الداخلية عبر إنشاء قواعد لتدريب قوى التمرد الهندية ومدهم بالأسلحة ومتطلبات الثورة.

وقد ارتبط القلق الهندي أيضاً بإنجاز طريق “تاراتورم” العام بين الصين وباكستان عام 1978 الذي اعتبرته الهند تهديداً عسكرياً لها، وطريقاً للالتفاف حول الوضع الهندي في لاداخ.

رابعاً: العنف في جامو وكشمير

ومنذ بداية الثمانينيات أصبح العنف مستوطناً في جامو وكشمير، وقد ترافق ذلك مع تصاعد المد الإسلامي الذي عبر عن نفسه من خلال قوى سياسية جديدة بدأت تفرض نفسها على ساحة الصراع ضد الهند، الأمر الذي دفعها نحو محاولة التحكم بالموقف عبر فرض الحكم المباشر للدولة وتعليق الجمعية التشريعية في جامو وكشمير عام 1986، على رغم أن “راجيف غاندي” أبدى استعداده لاستئناف المفاوضات مع باكستان التي توقفت عام 1984، وقد عقد بالفعل اجتماعاً مع “ضياء الحق” عقب تشييع جنازة “أنديرا غاندي”. وفي هذا الوقت كانت باكستان تسير باتجاهين متلازمين.

1. التأكيد على عرض الموضوع أمام الأمم المتحدة.

2. الدعوة إلى عقد اتفاق عدم اعتداء.

بيد أن العلاقات بينهما ظلت متوترة، وقد ترافق ذلك مع تصاعد اتهامات الهند لباكستان بدعم “الإرهاب والتطرف” في كل من جامو وكشمير والسيخ في البنجاب.

وفي هذه الفترة تأسس العديد من الأحزاب، ومنها الجبهة المتحدة الإسلامية التي جمعت في عام 1987 حوالي 13 حزباً، وجيش تحرير كشمير المرتبط بجبهة تحرير جامو وكشمير، ومجموعات أخرى قادت حالة اضطراب واسعة في الإقليم، الأمر الذي أثار أعمال شغب طائفية واسعة بين المسلمين والهندوس والبوذيين في مقاطعة الإقليم، مما دفع الهند إلى تعزيز قواتها هناك واعتماد أسلوب العنف الدموي في مواجهة الثورة. وقد دفع ذلك نحو تصعيد الأزمة مع باكستان. وفي أجواء التهديد بحرب رابعة بين الهند وباكستان، التقت “بي نظير بوتو” مع نظيرها “راجيف غاندي” في إسلام آباد عام 1990 في محاولة لرأب الصدع بين البلدين، وتكررت اللقاءات من دون تغيير جوهري في موقف الطرفين إزاء كشمير.

والملاحظ على سياسة باكستان إزاء الإقليم خلال هذه المرحلة تأثر الحكومات فيها بالشعور العارم للرأي العام الباكستاني المؤيد لثورة شعب كشمير، ومساعيها لاستثمار ذلك في تحقيق تأييد واسع لسياساتها، وبالمقابل ظلت المشكلة تشكل قضية كرامة ومصير بالنسبة للهند، حيث يشكل أي تنازل في جامو وكشمير تهديداً لمستقبل الاتحاد الهندي بتعدد الطوائف والأعراق[4].

حرب غير معلنة

ومع عقد التسعينيات لم يبد هناك حل واضح في المنظور للمشكلة، بيد أن الواقع يفرض نفسه في التقسيم الواقعي للولاية إلى مناطق (لا تختلف بصورة أساسية عن مختلف المكونات التي تفحصها أوين ديكسون عندما صمم اقتراحاته للاستفتاء الإقليمي في عام 1950)[5].

إن جامو رقعة هندوسية تحمل عبئاً إضافياً من اللاجئين الهندوس من وادي كشمير، ولاداخ ذات التقاليد البوذية التيبتية هي الشق الخلفي الهندي للمواجهة الصينية ـ الهندية على طول القطاع الغربي للحدود المتنازع عليها بين الأمتين، وأن كتلة البونش (بدون مدينة بونش) وهي قلب إزاد كشمير إلى جانب ميربور، ومظفر آباد، مقترنة بتحالفها الوثيق مع باكستان، والمناطق الشمالية. وكانت غيلغيت القديمة وتوابعها الإضافية إلى بالتستان اندمجت بباكستان التي قدمت لها الطريق الذي يشكل الرابطة الإستراتيجية الحيوية مع الصين، ولذلك فإن منطقة الصراع الحقيقية تتركز عند وادي كشمير الواقع تحت سيطرة الهند.

وفي ضوء استمرار الخلافات الإقليمية يعيش وادي كشمير حرباً غير معلنة، حيث يوجد جيش هندي قوامه نصف مليون جندي في مواجهة شعب كشمير الذي لا يزيد عدده على أربعة ملايين نسمة[6]. ويتصدر كفاحه فئتان رئيسيتان هما جبهة تحرير جامو وكشمير بزعامة “آمان الله خان” و”د. فاروق حيدر”، والتي تؤيد الاستقلال التام لكامل جامو وكشمير عن كل من الهند وباكستان. وحزب المجاهدين الذي يؤيد صورة ما من التحالف مع باكستان. وقد اتحدت الفئتان تحت راية “الجبهة الإسلامية المتحدة” بزعامة “علي الجيلاني” إثر الانتفاضة الواسعة التي عمت أنحاء كشمير الواقعة تحت سيطرة الهند عام 1990 لتبدأ كفاحاً مسلحاً يحقق لشعب كشمير حقه في تقرير المصير. وقد اقترن الكفاح المسلح باعتماد الجانب السياسي والإعلامي عبر إنشاء “حركة تحرير كشمير العالمية” من أجل طرح القضية في الوسط الدولي الشعبي والرسمي، ومن أهدافها السعي لتمكين شعب كشمير من ممارسة حقه في تقرير المصير وفق قرارات الأمم المتحدة بهذا الشأن، وتوفير الدعم والمساندة من قبل الرأي العام العالمي لنضال الحركة، وحماية حقوق الإنسان لشعب كشمير، وتقديم كل أشكال المساعدات الإنسانية له.

وقد استطاعت الحركة بمؤازرة باكستان من تقديم القضية لمختلف الأوساط الدولية، من بين ذلك مناقشة الموضوع لدى الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي، وإبداء بريطانيا رغبتها لمناقشة الموضوع لدى الكونجرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي، وإبداء بريطانيا رغبتها لمناقشة الموضوع في قمة الكومنولث، فضلاً عن محاولة الوفود الكشميرية طرح وجهة نظرها في المؤتمر العشرين لوزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي في استانبول في أغسطس 1991 ومشاركته أيضاً في مؤتمر القمة الإسلامي في داكار في ديسمبر 1991 الذي دعا لإيجاد تسوية سلمية للقضية وفق قرارات الأمم المتحدة والدعوة لاحترام حقوق الإنسان وتقرير المصير[7]. هذا فضلاً عن المشاركة الأولى في مؤتمر دول حركة عدم الانحياز في هراري. وفي مواجهة ذلك اعتمدت الهند أسلوبين في آن واحد:

الأول: استخدام وسائل العنف والقمع والتهجير في الإقليم ومنه.

الثاني: اتهام باكستان بدعم ما سمته “الإرهاب” داخل الإقليم.

وهي في مواجهتها تلك تكون مدفوعة بعوامل أساسية، أبرزها:

1. إن العداء التقليدي مع باكستان أدى إلى معادلة صفرية في قضية كشمير، بحيث أن الربح لأحد الطرفين يعني خسارة مؤكدة للطرف الآخر.

2. إن الإقرار بمبدأ حق تقرير المصير وفق ما تريده باكستان يمكن أن يفضي إلى سلسلة من الحركات الانفصالية تهدد عموم الاتحاد الهندي القائم على أساس التعدد العرقي والديني.

3. إن التفوق في الميزان التقليدي والنووي لصالح الهند يجعلها تشعر بتوفر الضمانة للحفاظ على الوضع الراهن، حيث تسيطر على ثلثي إقليم كشمير.

4. إن التنازل عن قضية كشمير لا يتناسب وطموحها في الظهور كقوة كبرى تسعى لتمثيل دائم في مجلس الأمن الدولي.

وإزاء الضغط الهندي المشفوع بالمصالح المتبادلة مع مختلف دول العالم اضطرت باكستان في مناسبات عديدة إلى سحب مشاريع القرارات التي كانت تتقدم بها إلى المؤتمرات الدولية.

وبالمقابل شهدت سياسة باكستان في التسعينيات استمرارية الطروحات السابقة ذاتها ووفق المبادئ ذاتها التي سبق لباكستان التأكيد عليها إزاء كشمير. وفي استمرارية سياستها المذكورة تسعى باكستان لتحقيق ما يلي:

1. التأكيد على دورها كدولة مركز إقليمي عبر نجاحها في إيجاد حل مشرف لقضية معقدة شغلت اهتمام السياسات الإقليمية والدولية منذ عام 1947.

2. ضمان الأمن عبر ما يحققه حل المشكلة لصالحها من ترجيح لعملية التوازن الإقليمي على حساب التفوق الإقليمي للهند فضلاً عما يمكن أن يرتب ذلك من نتائج لصالحها داخل الهند حيث يعيش 150 مليون مسلم بدأت باكستان تثير اهتمام الرأي العام الإسلامي نحوهم عبر التأكيد على حقوقهم المشروعة داخل الهند. وهي في سبيل تحقيق أهدافها تعتمد وسائل عدة، أبرزها:

أ. الاستمرار في تقديم كل أشكال الدعم للمقاومة الكشميرية.

ب. استثمار المتغيرات الدولية والتأكيد على ورقة حقوق الإنسان في مجلس الأمن الدولي لطرح موضوع حقوق الإنسان في كشمير والسعي لتدويل القضية عن مطالبة مجلس الأمن بفاعلية أكبر إزاء قراراته السابقة.

ج. تكثيف الجهود باتجاه تبني الدول الإسلامية الفاعلة منها بشكل خاص مثل المملكة العربية السعودية وتركيا، فضلاً عن مجموعة التعاون الاقتصادي لوجهة نظر باكستان إزاء كشمير.

د. استثمار المصالح المشتركة مع الصين إزاء كشمير وفق اتفاقية 1963 لكسب دعم صيني مستمر لمواقفها إزاء كشمير.

هـ. استمرار المساعي إزاء الولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية من أجل تفهم هذه الدول لوجهة نظر باكستان ودعمها في المحافل الإقليمية والدولية.

وفي الواقع فإن كل الجهود الآنفة الذكر لم تسفر عن تغيير حقيقي في السياسة الإقليمية للهند وباكستان إزاء كشمير، وإنما أفضت إلى محاولة مواجهة الضغوط الخارجية عبر الإعلانات المستمرة من كليهما عن الاستعداد لعقد مفاوضات دبلوماسية بينهما، لم يسفر عقدها عن تغيير حقيقي لما كانوا يعلنونه عنه سابقاً[8].

وعلى أية حال، فتبعاً للمتغيرات الدولية وانعكاسها على النظام الإقليمي في جنوب آسيا، وفي ضوء تغير المركز الإقليمي لباكستان مترافقاً مع استمرار الضغوط داخلياً وإقليمياً ودولياً كما سلف ذكره، فإن حكومة باكستان قد تستجيب للضغوط الأمريكية ـ الهندية، وربما تتخذ خطوات باتجاه المشروع الذي تطرحه بعض الأطراف القاضي بتقسيم كشمير بين الأطراف المعنية، وربما بصورة تقترب من مقترحات “أوين ديكسون” لعام 1950 وهو ما نرجحه في مستقبل العلاقات الهندية ـ الباكستانية للاعتبارات التالية:

(1) إن توازن الردع التقليدي والنووي يجعل من الصعب اللجوء إلى خيار القوة والحرب في حسم الموقف لما يعنيه ذلك من التهديد باحتمالات حرب شاملة بين البلدين تهدد السلم والأمن الدوليين.

(2) إن انتهاء الحرب الباردة والتغييرات التي شهدها النظام الدولي لصالح الولايات المتحدة باعتباره قطباً وحيداً، ورغبة الولايات المتحدة في تطوير علاقاتها مع الهند من جهة، وعدم خسارة باكستان من جهة أخرى، يجعل الظروف مهيأة دولياً لإيجاد تسوية خارج حدود المعادلة الصفرية.

(3) إن رغبة الولايات المتحدة في أن يترافق الحل مع اتفاق بحظر الانتشار النووي في جنوب آسيا، ولطبيعة الضغوط التي تمارسها إزاء البرنامج النووي الباكستاني بشكل خاص، قد تدفع باكستان إلى القبول بتسوية وسط للمشكلة مقابل إيجاد حل يرضي الطرفين الهندي والباكستاني بخصوص برنامجيهما النوويين.

(3) إن باكستان ترتبط بعلاقات إقليمية عديدة مع دول الجوار، ومن بينها الدول الإسلامية، ولاسيما الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي، وبعضها يرتبط بعلاقات ود ومصالح مشتركة مع الهند، كما هو الحال بالنسبة لإيران والمملكة العربية السعودية وأقطار الخليج الأخرى، فضلاً عن تركيا، الأمر الذي يولد ضغطاً على باكستان باتجاه القبول بحل وسط لمشكلة كشمير، ويمنعها من التفكير بخيار آخر. يؤكد ذلك أن باكستان لم تفلح في تأمين تبني موقف موحد من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي في قضية كشمير لعرضه على المنظمات الدولية ومنها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.

(4) إن رغبة كل من الصين والهند في تطبيع العلاقات بينهما وتطويرها لصالح البلدين وبما يحقق الأمن والاستقرار في جنوب آسيا يحقق هدفين في آن واحد. ففي الوقت الذي يشكل فيه ذلك ضغطاً على باكستان نحو قبول تسوية سلمية كحل وسط مع الهند للأهمية التي تشكلها الصين لباكستان حاضراً ومستقبلاً، فإنها من جهة أخرى تدفع الهند نحو القبول بتقسيم الإقليم الذي يقع جزء منه تحت سيطرة الصين وفقاً للاتفاق الصيني الباكستاني الموقع عام 1963.

(5) إن وجود كل من الهند وباكستان في عضوية منظمة “سارك”[9]، ولطبيعة الاعتماد المتبادل كمبدأ أساسي في مستقبل العلاقات الإقليمية والدولية ربما يدفعهما نحو القبول بحل وسط يرضي الطرفين.

(6) إن التفسير الإقليمي لمقترحات أوين ديكسون في إجراء انتخابات إقليمية كما أسلفنا يمكن أن يتناسب وتفسيرات حق تقرير المصير الذي يجد مطاطية واسعة في استخدامه من قبل مجلس الأمن الدولي في الوقت الراهن، الأمر الذي يلبي جوهر قرارات الأمم المتحدة لعامي 1948 و1949 الآنفة الذكر، في الوقت نفسه الذي يحقق فيه حلاً وسطاً لطروحات باكستان والهند إزاء ادعائهما الأحقية في إقليم كشمير.

إعلان لاهور

في أول زيارة قام بها رئيس وزراء الهند “أتال بيهاري فاجباي” إلى باكستان في فبراير 1999، حيث توصلا رئيسا وزراء الدولتين في 20 فبراير إلى حل كثير من المشاكل التي تسبب توتر العلاقات بين الدولتين، وأصدر الطرفان إعلاناً سمي “إعلان لاهور” في 20 فبراير 1999. وقد تضمن البيان عدداً من المبادئ العامة، منها: تعهد زعيمي البلدين بالتعاون، عن قرب، لتهدئة التوترات القائمة بين بلديهما طوال خمسة عقود سابقة، والعمل على تخفيض المخاطر التي قد تنشأ عن أي نزاع، والعمل بجد، على حل كل النزاعات القائمة بين البلدين بشكل سلمي وعادل، واتخاذ خطوات فورية لتقليل المخاطر التي قد تنشأ عن الاستخدام غير المسؤول، أو العارض للأسلحة النووية، أو الصواريخ البالستية، ومناقشة المفاهيم والعقائد من أجل تطوير مقاييس لبناء الثقة فيما يتعلق بالأسلحة النووية والتقليدية، ومنع أي صراع مستقبلي يمكن أن ينشب بين البلدين بالطرق الدبلوماسية.

[1] بدأت محادثات القمة بين الرئيس الباكستاني “ذو الفقار علي بوتو” ورئيسة وزراء الهند “أنديرا غاندي” في مدينة سيملا الهندية التي تقع عند سفح جبال الهيملايا على بعد 220 كمً إلى الشمال من العاصمة الهندية نيودلهي في محاولة للتوصل إلى تسويات للمشاكل المعلقة الناجمة عن حرب ديسمبر 1971 وعن قيام دولة بنجلاديش. والجدير بالذكر أن مدينة سيملا هذه هي التي تقرر فيها تقسيم شبه القارة الهندية عام 1945.

[2] ونصت اتفاقية سيملا على ضرورة التزام طرفي النزاع باحترام خط الهدنة في ولاية جامو وكشمير من دون الاعتداء على الأوضاع المعترف بها من كلا الطرفين: “ولا يحق لأي من الطرفين تغيير من جانب واحد على رغم الخلافات بينهما حول القضية وحول الظلال القانونية للاتفاقية”.

[3] يتكون الإقليم تحت سيطرة الهند من ثلاث مناطق متميزة: لاداخ البوذية، وجامو الهندوسية والسيخية، ووادي كشمير المسلم.

[4] أكد “أمان الله خان”، رئيس جبهة جامو وكشمير أن أغلبية الكشميريين يسعون للاستقلال الذاتي وليس للانضمام إلى أي من الهند أو باكستان.

[5] اقترح “أوين ديكسون” ممثل الأمم المتحدة عام 1950 خطة الأخذ بالاستفتاء بالأقسام أو المناطق ومن ثم وضع كل قسم أو منطقة في دولة حسب نتيجة التصويت فيها، أو خطة يمكن بها التسليم بأن بعض المناطق كان من المؤكد أن تصوت للانضمام إلى باكستان أو الهند، وهكذا تحول كل منها دون تصويت فيها إلى الدولة المعنية، والاستفتاء يجب أن يكون مقصوراً على المناطق غير المؤكدة التي ظهر أنها في وادي كشمير وربما بعض المناطق المتاخمة.

[6] تشير التقديرات الهندية أن عدد سكان جامو وكشمير لعام 1991 بلغ 7.718.700 نسمة، عن معلومات أرشيفية في سفارة الهند، القاهرة.

[7] انبثقت عن مؤتمر القمة الإسلامي لجنة المساعي الحميدة بإشراف رئيس المؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية ، وأجرى الاتصالات اللازمة مع حكومة الهند التي رفضت ذلك، فضلاً عن رفضها استقبال بعثة تقصي الحقائق الإسلامية وزيارة إقليم جامو وكشمير معتبرة ذلك تدخلاً في الشؤون الداخلية للهند.

[8] في 30 ديسمبر 1993 أعلن مجلس النواب الباكستاني وبالإجماع تأكيده على ضرورة الحل السياسي للمشكلة ولكنه كرر الشروط التي طرحتها باكستان في المناسبات السابقة.

[9] منظمة سارك: هي منظمة جنوب آسيا، نشأت عام 1985 كحاجة إقليمية لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين.

المصدر: الصراع الهندي ـ الباكستاني – Al Moqatel

Print Friendly, PDF & Email