من اعداد  عبدالله بن معمر بن عبدالله آل معمر، رسالة دكتوراه بعنوان بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة العربية السعودية (دراسة حالة وزارات التعليم والإعلام والصناعة)، جامعة القاهرة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية قسم العلوم السياسية، 1999م.

 تقع شبه الجزيرة العربية، التي تشكل المملكة معظم مساحتها،  في الركن الجنوبي الغربي من القارة الآسيوية يحدها من الجهة الشمالية دولة  الكويت والعراق والأردن ، ومن الجهة الجنوبية الجمهورية العربية اليمنية وسلطنة عمان ، ومن الجهة الشرقية الخليج العربي ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين ، ومن الجهة الغربية البحر الأحمر .

    وتضم شبه الجزيرة العربية مجموعة من الدول أكبرها مساحة المملكة العربية السعودية التي تبلغ مساحتها 2.253.300 كيلومتر مربع في الوقت الذي تبلغ فيه مساحة دولة قطر 11.000 كيلومتر مربع، ومساحة دولة البحرين 598 كيلومتر مربع ( ). 

    وتطل المملكة على شواطئ مفتوحة وصالحة للملاحة طول العام شرقاً و غرباً في الخليج العربي والبحر الأحمر . وكان لاتساع رقعة المملكة واختلاف المناخ بين أقاليمها أثر على تنوع الإنتاج وعلى صعوبة المواصلات وعلى اختلاف المستوي الاجتماعي بين السكان مما أدى إلى التباين بين مختلف قبائل المجتمع السعودي، وكانت محدداً رئيسياً لنظرة أفراد المجتمع للتطورات التي يشهدها .

    لقد كانت الأوضاع الداخلية للمملكة قبل توحيدها تتلخص في أنها عبارة عن أقاليم مختلفة ومتخلفة ومقسمة إلى إمارات وزعامات ذات ارتباطات مع قوى خارج الجزيرة .وكان المجتمع في الجزيرة العربية آنذاك مفككاً، والقبائل مختلفة في أهدافها وفي قدراتها المادية ، ولا يحكمها سوى القبلية والعادات التقليدية .

    والمملكة اليوم بحدودها المترامية الأطراف وثرواتها الطبيعية الضخمة ما هي إلا نتيجة لصراعات كبيرة استمرت عشرات السنين حيث بدأ مؤسسها الملك عبدالعزيز( ) يحكم من نجد ومنها استطاع أن يوحد معظم أنحاء الجزيرة العربية .

    ومنذ نشأة المملكة عام 1932 ، ظلت بعيدة نسبياً عن موازين النقد السياسي قرابة الأربعين عاماً ،  ولكن مع حلول السبعينات الميلادية ، كرس الإعلام الغربي أجهزته النقدية بكثافة على النظام السياسي في المملكة . فالموقع الاستراتيجي للمملكة ، وفوائضها النفطية الهائلة، وتواجد الحرمين الشريفين الذي يأوي إليه المسلمون من كافة أنحاء المعمورة جعل للقرار السياسي السعودي مكانة هامة في الأوساط السياسية العالمية .

    وفي ضوء هذه المعطيات لم تعد المملكة دولة بدائية في صحراء شاسعة ليس فيها ما يغري أطماع الدول الكبرى ، وإنما هي دولة ذات استراتيجيات وتطلعات تقترن بمستقبل المنطقة ، أي أن المملكة اليوم لم تعد تلك الدولة التي يسكن أطرافها عدد قليل من البدو الرحل وعدد أقل من سكان المدن المحصورين في ثقافات بدائية . ومن هذه المنطلقات تبلورت استراتيجية المملكة على الساحة الدولية .

    والسؤال هنا كيف استطاع النظام السياسي في المملكة في فترة وجيزة من عمر التطورات السياسية أن يشكل ثقلاً كبيراً في موازين القوة  السياسية المعاصرة .

    إن الأداة التي تصل بنا إلى الإجابة على هذا التساؤل هي الدراسة العلمية للنظريات الغربية التي صممت لدراسة الأنظمة السياسية في الدول النامية من وجهة النظر الغربية . 

    ومما يساعد على إمكانية تطبيق هذه النظريات على المملكة  هو أن المملكة حالها حال جميع الدول النامية تقريباً تعيش في ظل الحضارة الغربية ، وكل ما يحيط بالحياة العادية والسياسية يتأثر بماى يصدره الغرب، على الرغم من تمسك المجتمع السعودي بمبادئه الإسلامية وتقاليده الاجتماعية. وإذا كان المفكرون في  الدول الإسلامية والسعودية على وجه الخصوص حريصون على استنباط قوانين مجتمعاتهم من مبادئ الدين الإسلامي ، إلا أنهم يبنون مؤسساتهم وفقاً للعلوم والنظريات المستقاه من الغرب( ).

    لذلك يقدم هذا الفصل تطوراً لبناء المؤسسة التنفيذية  السعودية في ظروف مجتمعية واقتصادية وثقافية كان لها الأثر في ما وصلت إليه هذه المؤسسة ، وسيتم ذلك من خلال ثلاث مباحث :-      

المبحث الأول :- تطورات البيئة الداخلية لعملية البناء . 

المبحث الثاني :- تطورات البيئة الخارجية لعملية البناء .

المبحث الثالث :- التكامل السياسي وعملية بناء المؤسسة التنفيذية .

المبحث الأول : تطورات البيئة الداخلية لعملية البناء

إن هناك مؤثرات كثيرة ومتنوعة كان من شأنها توجيه عمليات بناء المؤسسات السعودية ، من هذه المؤثرات ما هو ذو طابع خارجي ومنها ما هو ذو طابع داخلي نابع من المجتمع ذاته ، ويقصد بالأخيرة هنا تلك التطورات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كان لها أثرها في تكوين الدولة السعودية الحديثة وفي توجيه عملية بناء المؤسسة التنفيذية خلال مراحل هذا التكوين .

وسيتم الوقوف على تطورات البيئة الداخلية للمملكة من خلال : – 

أولا : التطور التاريخي .

ثانيا : التطور الاقتصادي .

ثالثا : التطور الاجتماعي .

رابعا : التطور السياسي .

أولاً : التطور التاريخي :

    كانت جزيرة العرب مقسمة في أوائل القرن التاسع عشر إلى أربعة أقاليم هي نجد والحجاز والإحساء وعسير ، وكانت نجد هي مقر الوحدة السعودية عندما كون محمد بن سعود تحالفاً مع الشيخ محمد عبدالوهاب التميمي عام 1745 ، ذلك التحالف الذي قام على توعية الناس بأصول الدين الصحيح ونشر تعاليم السلف الصالح ، والذي كان من شأنه أن عزز وحدة نجد ( )، حيث أيدت قبائلها ذلك التحالف الذي كانت أهدافه تحقيق السيادة والرخاء ، وقد ترجمت هذه الوعود التي قدمها الحليفين إلى واقع مادي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، حيث أدى توحيد نجد إلى زيادة القوة العسكرية وجعلها تغزو وتسيطر على باقي الأقاليم ( ).

    ويمكن تقسيم تاريخ تطور الدولة السعودية الحديثة إلى ثلاث فترات تاريخية : 

   الفترة الأولى تبدأ بالاتفاق التاريخي السابق ذكره بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد التميمي عام 1745 ، ذلك الاتفاق الذي أدى ثماره حينما تمكن السعوديون من السيطرة على معظم شبه الجزيرة العربية ( )، إلا أن سيطرتهم على مكة والمدينة أثارت السلطان العثماني الذي طلب من محمد علي والي مصر أن يخرج السعوديون من الحجاز ، وقد استغل محمد على – الذي كان قوة ناهضة آنذاك – هذه الفرصة من أجل زيادة نطاق سيطرته ، وحرك جيوشه تجاه نجد عام 1811  بقيادة ابنه إبراهيم باشا ، وبحلول عام 1818 تمكن إبراهيم باشا من هزيمة السعوديين في نجد واسترداد الحجاز ( ). وهذا العام شهد نهاية الفترة الأولى التي بدأت عام 1745 . 

   الفترة الثانية تبدأ بانتصار السعوديين على قوات محمد علي الغازية لنجد عام 1825 ، إذ تمكن السعوديون من السيطرة على نجد بعد الهزيمة الأولى ، واستمرت هذه الفترة حتى كان الخلاف بين السعوديين على السلطة الذي كان أحد أسباب ضعفهم وانتصار محمد بن الرشيد المنافس لهم على السلطة في نجد عام 1891 ( ). وبعد ذلك التاريخ عادت نجد تحت سيطرة ابن الرشيد ، بينما الإحساء والحجاز تحت السيطرة العثمانية ، وباقي إمارات الخليج تحت السيطرة البريطانية . وخلال العقدين الأولين من القرن العشرين شهدت السعودية نموذجاً جديداً من الصراع بين القبائل واستعانت جميعها بقوى أجنبية تركية كانت أم بريطانية .

   الفترة الحديثة تبدأ عام 1902 باسترداد الملك عبدالعزيز الرياض وانتصاره على ابن الرشيد ، حيث تمكن انطلاقاً من الرياض من توحيد أرجاء الجزيرة العربية مستفيداً من الظروف  الدولية التي سادت المنطقة آنذاك ،ومنطلقاً من ثوابت عقدية هدفها توحيد الأمة  في ظل حكم القرءان والسنة.

    وشهد نهاية القرن التاسع عشر  وبداية القرن العشرين جهوداً تركية ضخمة لحشد قوتهم ، وتم إعطاء أهمية خاصة لشبة الجزيرة العربية ، وفي نفس الوقت واجهت بريطانية منافسة جديدة ليس فقط من جانب العثمانيين ، ولكن من فرنسا وروسيا وألمانيا ، ومن ثم أصبح الخليج العربي ساحة للمتنافسين الدوليين . وقد كان للعامل الخارجي دوراً في التأثير على توازن القوى بين الإمارات الخليجية ، وذلك من خلال المساعدات والمعونات ، خاصة وأن سكان هذه المناطق كانوا يعيشون في مستوى أدنى من باقي مناطق العالم ، وكانت المساعدات تعني مزيدا من النفوذ والتأثير ( ).

    واستراتيجياً وتجارياً كان الخليج مهماً جداً منذ بداية القرن العشرين، وكان ذلك واضحاً مع بريطانيا ، حيث أنه في الفترة من 1895-1897 كان 80% من إجمالي تجارة الصادرات مع الممتلكات البريطانية. ومن بين 2161 سفينة كانت تدخل الخليج كان هناك حوالي 2036 سفينة بريطانية، وقد كانت منطقة الخليج إحدى ساحات التنافس الدولي بين القوى الاستعمارية في بداية القرن العشرين، حتى تفجرت الحرب العالمية الأولى ووجدت بريطانيا والعثمانيين أن السيطرة على وسط الجزيرة العربية شيئاً صعباً . وخلال الفترة من 1904 – 1914 حدثت تطورات كبيرة في العلاقات الدولية ومن أمثلة ذلك العداء البريطاني الألماني  في مراكش والبوسنة ، والثورة التركية الصغرى عام 1903، واتحاد كريت مع اليونان عام 1908 ، وفشل الثورة المضادة للسلطان عبد الحميد ، والغزو الإيطالي لليبيا عام 1911 ، وبداية حرب البلقان ( ). 

    وفي ظل هذه الظروف تمكن الملك عبدالعـزيز من ضـم نواحي نجد القريبـة من الرياض ثم امتد إلى المناطق البعيدة من نجد كالإحساء وعسير حتى سنحت له الظروف أن يضم إقليم الحجاز . ويتضح ذلك على النحو التالي :- 

1- توحيد نجد وملحقاتها :

    بعد أن أرسى الملك عبدالعزيز قواعد الأمن والاستقرار في الرياض وما جاورها اتجه نحو الجنوب ، فضم الخرج والحوطة والحريق والافلاج ووادي الدواسر ( ). وتتابعت الأحداث بين الملك عبدالعزيز وابن رشيد ، واستطاع الملك عبدالعزيز القضاء على خصمه . الأمر الذي أثار الدولة العثمانية ، لأنها ترى في قوته خطراً يهدد ممتلكاتها في شبه الجزيرة العربية ، فسعت إلى القضاء عليه  من خلال دعمها لابن رشيد ( ) .

    وبتولي متعب بن رشيد الإمارة عام  1906،  تفاوض مع الملك عبدالعزيز ، فعقد صلحاً تنازل بموجبه عن حقوقه في القصيم وسائر بلاد نجد مقابل اعتراف الملك عبدالعزيز له بالإمارة على حائل وتوابعها( )، لكن هذا الموقف لم يستمر ، حيث وافق بن رشيد – في مفاوضاته مع الدولة العثمانية – على أن تكون القصيم تابعة لهم ( )، فرفض الملك عبد العزيز أثناء المفاوضات التي دارت في البكيرية بينه وبين سامي الفاروقي الممثل العثماني هذا الاقتراح ( ). وعلى أثر ذلك (1906) قرر الممثل التركي الرحيل من القصيم ، وبذلك دخلت بلاد القصيم تحت حكم الملك عبدالعزيز ، وترتب على اتساع نفوذه وازدياد قوته ردود فعل داخلية ، تساندها قوى خارجية ممثلة في الدولة العثمانية ومشيخة الكويت. وهكذا لم يدم الصلح الذي عقد بين الملك عبدالعزيز وابن رشيد طويلاً ، الذي بدأت بوادر نقضه عندما أعطى ابن الرشيد القصيم للدولة العثمانية أثناء مفاوضاته مع سامي الفاروقي ( )،إلا أن ذلك الصلح جدد في الظاهر وهو يبطن العداء في الداخل ( ).

    وفي عام 1909 لم تعد أسرة بن رشيد تشكل خطراً على الملك عبدالعزيز ، فقد تراجع نفوذ حائل أمام قوته التي أصبحت القوة المسيطرة على وسط شبه الجزيرة العربية. أما الدولة العثمانية فقد استمرت على سياستها التقليدية في مقاومة الملك عبدالعزيز عن طريق أعدائه ، فجعلت من الإحساء قاعدة لأعمالها السياسية والعسكرية ، هذا بالإضافة إلى الحصار الاقتصادي، إذ عملت على إرباك خطوط التجارة مع نجد من جهتي الحجاز والكويت بواسطة القبائل المعادية ( ).

    لذلك أخذ الملك عبدالعزيز يعد العدة لإنهاء الوجود العثماني في الإحساء ، لتأمين دولته من الشرق وإيجاد منفذ لها على الخليج . وبعد ضمان حياد الحكومة البريطانية تجاه هذا التحرك عن طريق الشيخ مبارك أمير الكويت ، توجه الملك عبدالعزيز إلى الإحساء في 1913 واستطاع هزيمة الحامية التركية ، وبذلك تم استرداد الإحساء بعد حكم العثمانيين لها قرابة اثنين وأربعين عاماً( ) . مما أضعف من مركز آل رشيد وحلفائهم، وكان من نتيجة هذه الأحداث أن أقرت الدولة العثمانية الأمر الواقع ، واعترفت بالملك عبدالعزيز والياً على نجد ومتصرفاً للإحساء عام 1914 ( ). كما فاوضته بريطانيا خوفاً على مصالحها في المنطقة ( ).

    وفي عام 1914 قامت الحرب العالمية الأولى فوقف الملك عبدالعزيز منها موقف الحياد ، فلم ينضم إلى بريطانيا رغم إلحاحها عليه ، ولا إلى الحكومة العثمانية التي أرسلت إليه وفود كثيرة ( )، ولم يتعرض للشريف حسين في الحجاز ، ولا للقوة العثمانية في عسير واليمن( )، مما جنب مناطق نفوذه آثار هذه الحرب.

    وفي ظل هذه  الظروف كان الملك عبدالعزيز مضطراً إلى اتخاذ موقف عسكري ضد بن رشيد الذي ساندته الدولة العثمانية سراً بالسلاح والمال فنقض الصلح ( ) الذي أبرمه أسلافه مع الملك عبدالعزيز ، فتوترت العلاقة بين الطرفين دون حسمها . كما دخل الملك عبدالعزيز في حرب مع أطراف أخرى كالعجمان وابن صباح ( ).

    وفي أثناء هذه الحرب قدم السير برسي كوكس Barcey Cox الوكيل البريطاني في الخليج إلى القطيف وطلب مقابلة الملك عبدالعزيز ، فتم الاجتماع في دارين( ) ، وتم عقد معاهدة بين الطرفين أطلق عليها معاهدة دارين في ديسمبر  1915، تحتوي على سبع مواد تتضمن اعتراف بريطانيا باستقلال الملك عبدالعزيز وضمان مناطق نفوذه من أي اعتداء خارجي مقابل تعهده بالمحافظة على أمن الحجاج ، وعدم الاعتداء على مناطق نفوذها في الخليج ( ). 

    وتعد هذه المعاهدة أول اتفاقية دولية أعطت الملك عبدالعزيز  اعتراف دولي بمكانته وزعامته في المنطقة ، كما أنها أفادته في ضمان بلاده من أي اعتداء خارجي ، فتفرغ لعلاج مشاكله الداخلية من أجل إرساء قواعد حكمه، كما أن هذه المعاهدة أيضاً أفادت الحكومة البريطانية في حماية مناطق نفوذها في الخليج عندما تعهد لها بعدم الاعتداء أو التدخل في مشيخات الخليج( )، وفي هذه الفترة انتهت الحرب العالمية الأولى وانهزمت دول الوسط ، وعقدت الهدنة ، وتم الشروع في مفاوضات الصلح وتوقفت أيضاً العمليات الحربية المناهضة للاستعمار في البلاد العربية ( ). 

    إلا أن مشكلات الحدود بين نجد والحجاز – التي هدأت فترة بسبب انشغال الشريف حسين في الحرب ، والجهود التي بذلتها الحكومة البريطانية بين الطرفين – عادت مرة أخرى ، وكان الخلاف هذه المرة على بلدتي تربة والخرمة ، التي تتواجد فيها قوات سعودية، ذلك الخلاف الذي سعت الحكومة البريطانية أيام الحرب لإيقافه مؤقتا ( ). وقد لجأ الشريف حسين إلى الحملات العسكرية التي منيت جميعها بالفشل، مما أضعف نفوذ حكومة الشريف حسين وزاد من قوة وسمعة القوة السعودية ( )، وأرسل الملك عبدالعزيز إلى الحكومة البريطانية عدة مرات يطلب منها إيقاف الإمدادات للشريف، فرفض الشريف حسين هذه الوساطة السلمية ( )، وأعاد الكرة بالتوجه إلى تربة التي تمكن من دخولها. وحيال هذا الاعتداء أخذ الملك عبدالعزيز كافة الاحتياطات اللازمة ، ووجه قوة إلى تربة والخرمة، فحققت أهدافها ، وهزم الشريف عبدالله ( ). وتعد هذه المعركة من المعارك الفاصلة في تاريخ شبه الجزيرة العربية ، لأنها أنهت مطامع الشريف حسين، بينما أعطت جيش الملك عبدالعزيز قوة وهيبة بانتصاره على جيش أحدث وأكثر تسليحاً. 

    وفي هذه الظروف وجد بن رشيد نفسه وحيداً منعزلاً ، فحاول تعزيز مركزه بالتوجه إلى الحكومة البريطانية في العراق والشريف حسين في الحجاز الذي أمده بعد هزيمة معركة تربة بالمال والسلاح ، فعزم على نقض عهده مع الملك عبدالعزيز، فأعد قوة من أجل هذا الغرض ( )، وتوترت الأوضاع بين الطرفين ، في نفس الوقت الذي دب الصراع فيه بين ابن رشيد وذويه( ) ، وأثناء ذلك وافق الملك عبدالعزيز على طلب الصلح من قبل ابن رشيد (الحاكم الجديد) بشروط أملاها الملك عبدالعزيز، لكن رفض ابن رشيد لذلك  أدى إلى تحرك الملك عبدالعزيز نحو حائل، خصوصاً وأن الظروف المحيطة مساعدة لمثل هذا التحرك ، فالبريطانيون  مشغولون بمحاربة الثورات العـربيـة في بلاد العـراق وبلاد الشام، والشريـف حســين مشـغــول بالمشــكلات الداخـليـة ، وعلاقات الملك عبدالعزيز تتحسن مع الكويت، وهذا مما يجعله يأمن جناحه الشرقي عندما يزحف نحو حائل( ). 

    وسار جيش الملك عبدالعزير في مارس 1921 كل حسب مهمته . واشتد الحصار على حائل ودارت مناورات بين الجانبين. وأحكم الحصار على حائل حتى استسلمت في نوفمبر 1921 وانتهى بذلـك حكـم ابن رشيد ( )، وبهذا استقر الأمر في حائل للمـلك عبدالعزيـز ، وأصبح لقبه سلطان نجد . وفي أثناء تحركاته كانت هناك ردود فعل بريطانية ، حيث دعت إلى عقد مؤتمر في القاهرة عام 1921 برئاسة ونستون تشرشل Wanston Tcherchell وزير الخارجية البريطانية لدراسة التدابير التي يجب اتخاذها لمعالجة الوضع المضطرب في مناطق نفوذها ، فكان من قرارات هذا المؤتمر إقامة دولة ملكية في العراق تحت الانتداب البريطاني ، واستفتاء الشعب العراقي في قبول فيصل بن الحسين ملكاً على العراق ، كما قرر المؤتمر إقامة إمارة في  شرق الأردن يعهد بها  إلى الأمير عبدالله بن الحسين ( ) .

    أما بالنسبة لعسير فكان انسحاب العثمانيين منها دافعاً جعل كلاً من الإدريسي ، حاكم جازان، والملك حسين ، حاكم الحجاز يتطلعان إلى مد نفوذهما عليها ( ). وفي تلك الأثناء كانت مكانة الملك عبدالعزيز تزداد قوة وانتشاراً ، خاصة في الجهات المجاورة لتلك المنطقة مثل انتصار قواته على قوات الملك حسين في تربة سنة 1918 . كما أن حدوث خلاف بين قبائل منطقة عسير وأميرها حسن بن عائض، أدى إلى اتصال قادة تلك القبائل بالملك عبدالعزيز ( )، ولعدم رغبة الملك في امتداد نفوذ الملك حسين إلى المنطقة  أرسل جيشا إلى هناك عام 1919 ، ودارت بين الطرفين معركة في حجلة هزم فيها أمير عسير( ). لكن أمير عسير أعاد الكرة وحاصر الحامية السعودية في أبها ، في نفس الوقت الذي استسلمت فيه حائل للملك عبدالعزيز ،وترتب على ذلك أن جهز الملك عبدالعزيز جيشا بقيادة ابنه فيصل قوامه ستة آلاف مقاتل معظمهم من  الإخوان. وانطلق ذلك الجيش من نجد في عام 1921 . وما إن اقترب من منطقة عسير التحق به أربعة آلاف مقاتل من قبائل المنطقة. ثم واصل زحفه نحو أبها، وحسم الموقف وسلمت عسير للملك عبدالعزيز وتوحدت تحت سلطته ( ). واعترفت به الحكومة البريطانية في أغسطس 1921 ، وبعد ضم عسير وحائل أصبح لقبه سلطان نجد وملحقاتها ( ).

2- ضم الحجاز  :

    نتيجة للسياسة البريطانية في نظام الانتداب في العراق وفلسطين وشرق الأردن ، ظهرت مشكلات الحدود ، وتطورت بشكل معقد بين سلطنة نجد وملحقاتها وبين المناطق المجاورة وتعددت الغارات التي هددت حدود السلطنة النجدية ( ) . وفي مـارس 1922 تمكنـت القوات السعوديـة من هزيمـة القبائـل العراقيــة ، وعقد على أثرها مؤتمر المحمرة في مايو 1922 لتسوية الخلاف بين الملك عبدالعزيز والمندوب البريطاني ( ) ، ثم عقد اجتماع آخر في العقير أسفر عن توقيع بروتوكولين الحقا باتفاقية  المحمرة في ديسمبر 1922 ، وفي اليوم الثاني عقدت أيضاً اتفاقية الحدود بين السلطنة النجدية وملحقاتها ومشيخة الكويت في العقير ( ).

    وفي الفترة ما بين معاهدة المحمرة وبروتوكول العقير توسع الملك عبدالعزيز في حدوده الشمالية والغربية ، وضم تيماء وخيبر في يوليو 1922، وكذلك الجوف ووادي السرحان في الشهر نفسه ( ).

    أما حكومة شرق الأردن فقد أرسلت قوة عسكرية لاحتلال موقع حدودي يسمى كاف بموافقة الحكومة البريطانية ، ورأى الملك عبدالعزيز ضرورة استردادها لتأمين الحدود ، فتدخلت الحكومة البريطانية وإتفقت مع الملك عبدالعزيز على حل المشكلة بالطرق السلمية فوافق على طلبها. وكذلك الأمر بالنسبة للحجاز ، فقد أخذت الحوادث فيه تتطور بشكل لا يقل خطورة عن المشاكل على حدود العراق وشرق الأردن ( ). وإزاء تطورات الأحداث تلك ، سعت  الحكومة البريطانية التي يهمها استقرار هذه المنطقة إلى حل هذه المشاكل سلمياً، وأدي ذلك إلى عقد مؤتمر في الكويت في ديسمبر 1923 بين السلطنة النجدية وملحقاتها والعراق وشرق الأردن، ولم يحضر وفد الحجاز أو يقدم اعتذاره ( )، واستمر المؤتمر 36 يوماً.

   وانتهت جلسات المؤتمر في دورته الأولى دون اتفاق ، وتمت مكاتبات بين رئيس المؤتمر والملك عبدالعزيز بشأن مشاكل تتعلق بالعراق وشرق الأردن ، ولكنها لم تحسم الموقف بسبب انحياز الرئيس مع مطالب مملكة العراق وإمارة شرق الأردن . وفي مارس 1924 افتتح الرئيس المؤتمر في دورته الثانية بين السلطنة النجدية وملحقاتها وشرق الأردن ، بينما لم يحضر وفدي الحجاز والعراق. ونتيجة لمطالب وفد العراق المجحفة تم إعلان انتهاء المؤتمر . 

    وبهذا فشلت جميع الجهود السلمية في حل مشكلات الحدود ، فرأى الملك عبدالعزيز أن الحرب العسكرية هي الحل الحاسم لهذا الموقف ، خصوصاً أن الشريف حسين لم يكن يتمتع بمكانة مرموقة عند أهل الحجاز ، لإتباعه سياسة القوة والعنف خصوصاً بعد إعلانه الثورة على العثمانيين، ولسوء معاملته للحجاج ، ولمنعه لحجاج نجد من أداء الحج لفترة دامت خمس سنوات ( ). وفي يوليو 1924 عقد مؤتمر في الرياض قرر الزحف إلى الحجاز ، واستطاع الملك عبدالعزيز دخول الطائف في سبتمبر 1924 وتوجه بعدها إلى مكة ، فطلب الشريف حسين العون من الحكومة البريطانية ، لكنها تخلت عنه بحجة أن الخلاف ديني ، وفي مواجهة هذه الأوضاع الحرجة في منطقة الحجاز اجتمعت هيئة من كبار أعيان مكة وجدة وقررت مطالبة الشريف حسين بالتنازل عن الحكم لابنه علي لحسم الموقف ( ).

    وفي أكتوبر 1924 أعلن الشريف حسين تنازله عن الحكم ، فغادر مكة إلى جدة ومنها إلى العقبة، فخلفه ابنه الشريف علي الذي لم يستطع المقاومة فانسحب إلى جدة في أكتوبر 1924، فدخل الجيش السعودي مكة المكرمة في هدوء وسكينة. ووصل إلى الملك عبدالعزيز كتاب من قنـاصل الدول الأجنبية  في نوفمـبر 1924 يفيـد التزام حكوماتـهم موقف الحياد من هذه الحرب ( ). 

    وفي ديسمبر 1924 وصل الملك عبدالعزيز من الرياض إلى مكة ، وفي اليوم الثاني عقد اجتماع في  مكة خطب فيه الملك عبدالعزيز خطبة دينية سياسية اجتماعية أشار فيها إلى سياسته وأهدافه بوضوح ، ودعا إلى التمسك بالعقيدة الإسلامية وتطبيق أحكام الشريعة في كافة المجالات، ثم قام الجميع وبايعوه على الكتاب والسنة ( ) .

    أما الشريف فقد تحصن في جدة وأعلن الحرب ضد الملك عبدالعزيز بمساعدة والده المستقر في العقبه. وفي يناير 1925 تحرك الجيش السعودي متوجها لحصار جدة ، ودارت بين الطرفين معارك كان أهمها معركة المصفحات في مارس 1925 ، هزمت فيها القوات الهاشمية ( )، ودارت على إثرها مفاوضات للصلح ، لم تؤدي إلى وفاق ، وأثناء ذلك احتلت الحكومة البريطانية العقبة ومعان ، وأعلنت ضمها إلى شرق الأردن بعد أن نقلت الشريف حسين منها إلى قبرص ( ).

    واستمر الحصار على مدينة جدة والمدينة المنورة ،  يتخلله بعض المناوشات الحربية بين الطرفين، وأخذ العالم  يتطلع إلى هذه الـحرب بشيء من الـخـوف والحذر حيث أرسل العديد من البعثات والوفود للبحث في هذا الشأن ( ) ، مما دفع الملك عبدالعزيز إلى توجيه خطاب إلى ملوك ورؤساء المسلمين والجمعيات الإسلامية في أكتوبر 1925 أوضح فيه نظام الحكم والإدارة في الحجاز ، وطلب إرسال مندوبين لحضور المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة ( )، وفي ديسمبر 1925 أعلنت المدينة المنورة التسليم بعد حصارها عشرة أشهر ( ).

    أما جدة فبلغ بها  الحصار أشده وأمر الملك عبدالعزيز قواته في ديسمبر 1925 بالاستعداد لاقتحام أسوارها ، مما أوجد اليأس في نفس الشريف علي فطلب من الوكيل البريطاني جوردن Jordan  التوسط لإجراء شروط التسليم مع الملك عبدالعزيز . وفي نفس الشهر اجتمع الملك عبدالعزيز مع الوكيل البريطاني في الرغامة ، واتفقا على شروط التسليم التي تنص على تنازل الشريف علي عن الحكم ومغادرة الحجاز إلى أي مكان يشاء ، حيث غادر الشريف علي مدينة جدة عن طريق البحر إلى عدن ، ومنها إلى البصرة في العراق ، وفي حينه دخل الملك عبدالعزيز جدة ( )، وبذلك أسدل الستار على الحكومة الهاشمية ، لتبدأ منطقة الحجاز عهداً جديداً في ظل الحكم السعودي .

    وهكذا تمكن الملك عبدالعزيز من توحيد نجد وضم كل من الإحساء وعسير والحجاز الأمر الذي تمكن من خلاله في السيطرة الفعلية على باقي أجزاء الجزيرة العربية مكوناً ما يعرف اليوم بالمملكة العربية السعودية .

    وفي عام 1932 صدر الأمر الملكي رقم 2716 بتاريخ 17/5/1351 هـ (18/9/1932) بالموافقة على تسمية إقليم الدولة باسم المملكة العربية السعودية اعتباراً من يوم الخميس الموافق 22/9/1932 ( ). إلا أن عناصر وحدة أقاليم المملكة لم تتكامل آنذاك فكان الملك يدير دفة الحكم في مملكته من الرياض ولم يقم جهازاً مركزياً للدولة ، بل كان الملك يعين حكاماً لإدارة الأقاليم ويصدر إليهم تعليماته وتوجيهاته مباشرة وفقاً لما تقتضيه ظروف كل إقليم، وكان حاكم الإقليم بمثابة ممثل شخصي لجلالة الملك في إقليمه ، وقد شملت صلاحيات الحكام جميع الأمور التي تتعلق بأقاليمهم عدا ما اختص منها بالمسائل العسكرية والأمور الخارجية حيث كانت محصورة بيد الملك ، وبذلك تحققت وحدة الأقاليم من الناحيتين العسكرية والخارجية ( ).

ثانياً : التطور الاقتصادي :

    خلال فترة قصيرة نسبياً تحقق للمملكة تقدم إقتصادي واجتماعي كبير. فقبل اكتشاف النفط -منذ أكثر من ستين عاماً- كان المورد الأساسي للمملكة من عوائد تصدير التمور ومن الرسوم المجباة من الحجاج والمعتمرين . وكان الحضر في البيئة السعودية يمارسون الأنشطة التجارية في المدن ، والزراعة في الواحات والمناطق الزراعية ، كما تمارس بعض المهن اليدوية . بينما يعتمد البادية على رعي المواشي وتجارتها.

    وكان كلاً من الحضر وساكني الأرياف والبدو يحتاج بعضهم لبعض،فأهالي المدن يحتاجون أهل القرى من أجل الطعام والمواد الخام للصناعات البدائية،هذا من جهة،ومن جهةٍ أخرى يعتمد سكان البادية على سكان المدن والأرياف في الحصول على التمور والملابس وأدوات المعيشة،بينما يعتمد سكان المدن على البادية في الحصول على الغنم والإبل ومنتجاتها.وبصفةٍ عامة يشكل البدو والحضر بنية اقتصادية اجتماعية سياسية متوافقة على بعض( ).ومع بداية إنتاج النفط قبل الحرب العالمية الثانية باشرت السعودية دوراً جديداً في البناء والتطوير وبدأت الدولة تنمو بشكل بطيء حتى أواخر الخمسينات. 

    ويتمحور الاقتصاد السعودي في قطاعين رئيسيين أحدهما تقليدي (الرعي والزراعة) والآخر حديث (البترول والتجارة والخدمات)، ففي بداية الستينات كان أغلبية السكان في السعودية يعملون في رعي الأغنام والزراعة أو يتاجرون في أنواع الصناعات اليدوية التي توارثوها منذ قرون . وبالنسبة للقطاع الأول ينمو في المملكة قليل من أنواع الحبوب وبعض الفواكه  والخضراوات ونسبة كبيرة من التمور، حيث تعتبر المملكة رابع أكبر دولة منتجة للتمور في العالم، إلا أن شح المياه  سيطر على قطاع الزراعة وجعل من ذلك قطاعاً يشكل نسبة قليلة جداً من الناتج الإجمالي ( ) .

    أما بالنسبة للقطاع الثاني (الحديث) فإن النفط والصناعات البترولية تشكل الجزء الأكبر من الناتج الإجمالي حيث يعتمد الاقتصاد السعودي بصفة خاصة على الصناعات البترولية التي تعتبر المحفز الرئيسي وراء التحديث في المملكة . فقد تم اكتشاف البترول في أراضي المملكة بكميات تجارية ابتداء من عام 1938 ، وازدادت نسبة إسهام قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي السعودي من 54.4% في عام 1970 إلى 84% في عام 1974 ( ). وقد أدركت الحكومة أهمية وضرورة تنويع الاقتصاد ، بإنقاص الاعتماد على عوائد النفط وتشجيع الزراعة والصناعة والتعليم وتشجيع القطاع الخاص لتوسيع وامتداد نشاطاته . ويعد إنتاج البترول هو النشاط الاقتصادي الأكثر أهمية في المملكة ، وتعد صناعة البترول جزءا من القطاع العام ، فالحكومة السعودية تملك كل مواردها الطبيعية واستطاعت من خلال استغلال الاحتياطي الكبير من البترول أن تحول البلاد إلى مستوى عالي من الرفاهية المادية . ومنذ عام 1970 تم توجيه الاقتصاد السعودي من خلال سلسلة من خطط التنمية الاقتصادية الخمسية وكان التأكيد الأساسي لهذه الخطط على دعم وتشجيع الصناعات البتروكيماوية التي أصبحت المملكة من خلالها إحدى الدول الرائدة في ميدان هذه الصناعات . فالسعودية ذات اقتصاد حر يشجع الاستثمار الخاص عن طريق رأس المال الأجنبي والمحلي خصوصاً قطاع المشاريع الصناعية . 

    أما بالنسبة لقطاع المقاولات والتجارة والخدمات والنقل والاتصالات ، فقد أولتها الحكومة اهتماماً كبيراً ، وكان من نتيجة ذلك أن حدثت فجوة بين العرض والطلب على القوى العاملة من مختلف المهارات ( ). وعلى مستوى التجارة الخارجية، فالمملكة تستورد العديد من السلع والبضائع والآلات والمعدات الاستهلاكية منها والمعمرة ، حيث أن العوائد المتزايدة للبترول السعودي  مكنت الاقتصاد من القدرة على شراء هذه الحاجات في ظل سوق عالمي متضخم ، تلك الحاجات المرتفعة الأسعار  نقلت إلى المملكة ذلك التضخم الذي تشهده أسواق دول المصدرين نفسها ( ).

    إن الانتقال الكبير من الريف إلى المناطق المدنية سبًّبَ تكدساً بشرياً في معظم تلك المناطق خصوصا المدن ، كما أن التضخم المرتفع تزامن مع الأجور المتزايدة ومع تزايد إنتاج النفط ، فبين عام 70-1975 كانت النسبة في زيادة أسعار الأراضي 200% و 300% . ومقارنة بالدول الأخرى مرت السعودية بمعدلات عالية للتضخم الذي غير مواقف الناس حيث أصبح المال أعظم حافز لتوجه الفرد السعودي للعمل ( ) .

    إن تزايد إنتاج النفط في السعودية بعد الحرب العالمية الثانية أدى إلى اختفاء الأنشطة التقليدية في الاقتصاد السعودي وذلك أمام القدر المتسع من الاقتصاد الحديث المعتمد أساساً على عوائد النفط وإنتاجه، ففي عام 1971 بلغت نسبة الزيادة في الإيرادات النفطية 69% عن العام الذي قبله، كما بلغت نسبة الزيادة في الإنفاق الحكومي 15%، كما سجل الإنتاج القومي الإجمالي في نفس العام زيادة بلغت 19% ( ).وبعد الارتفاع في أسعار النفط في منتصف السبعينات مارست الحكومة دوراً واسعاً في العملية الاقتصادية بصفة عامة، حيث مثَّل البترول ومشتقاته أهمية كبرى بالنسبة للاقتصاد السعودي ، ففي السنة المالية 75/1976 حققت إيرادات المملكة مبلغ قياسي وصل إلى 103384 مليون ريال سعودي مثَّل قطاع البترول حوالي 90.4% من إجمالي هذه الإيرادات ( ). ولوضع وجهة نظر الحكومة هذه محل التطبيق عُمِلَ بخطط التنمية التي تمكنت من خلالها من إكمال عملية بناء المؤسسات وتحديثها وتقديم الخدمات العامة المطلوبة لكافة قطاعات المجتمع.

    ويمكن القول هنا أن المملكة منذ بداية الستينات حتى منتصف الثمانينات كانت مسرحاً للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي خلق مشاكل في بعض العناصر الادارية حيث كان هناك عدد كثير من المشروعات تنفذ في وقت واحد . وكان من الأوجه البارزة لهذا النمو الديناميكي النمو السريع الهائل في الدخل القومي الذي يعد أحد أعلى معدلات النمو في العالم ، والمدنية السريعة ، والتبادل والحركية وسط المجتمع السعودي من خلال شبكة اتصالات وخدمات أفضل ، زيادة على التميز في المكانة الدولية  ، إلا أن هذا – وكما هو الحال في معظم الأمثلة حول التقدم السريع – أدى إلى مشاكل عديدة اعتمدت الحكومة السعودية خطوات متميزة لحلها ( )،كما سيتم تفصيله فيما بعد .

    وقد سعت الحكومة السعودية من خلال خطط التنمية إلى الحفاظ على اقتصادها ومشروعاتها التنموية بفرض رقابة صارمة على إصدار النقود والنظام البنكي، وذلك لأن معدل التضخم المرتفع يمكن أن يؤثر على العناصر الرئيسية لبناء النظام الاقتصادي متضمنة قطاع البترول، وهذا يمكن أن يقود إلى تخفيض مميز في النفقات الحكومية وزيادة في تكلفة برامج التنمية، وقد قامت الحكومة بوضع جدول لزيادة أسعار البترول مقابل زيادة الواردات. وتكمن أهمية خطط التنمية في كون أن البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي أصبح معتمداً بشكل زائد على تنفيذ خطط التنمية واستمرار النفقات الحكومية( ). 

    إن حقيقة أن الدخل القومي يتكون من عنصرين هما الأجور والمرتبات بالإضافة إلى الأرباح ، يعني أن الناتج المحلي الإجمالي ينمو بشكل أسرع من الناتج القومي الإجمالي، وقد يؤدي ذلك إلى تأثيرات ضارة على قطاع الإنتاج في الاقتصاد( ). ومن أجل حل هذه المشكلة فإن على الحكومة زيادة نفقات الإنتاج . إن من شأن طبيعة النفقات الحكومية الزائدة أن تجعل خطط التنمية تهزم هدف الاعتماد على المبادرات الخاصة والقطاع غير البترولي في الاقتصاد ، لأن هذين القطاعين تابعين أصلاً للإنفاق الحكومي. ولا شك أن تدفق البترول يجعل الحكومة قادرة على الوفاء بنفقاتها، ولكن في حالة توقف هذه العائدات سيكون الوضع حرجاً، إذ تكون الحكومة السعودية غير قادرة على استخدام أصولها المالية في تلبية مطالب الجماهير، وسيكون البناء الاجتماعي قد تغير جذرياً ( ). 

    ومن جهة أخرى ينظر المجتمع السعودي – كأحد مجتمعات البلدان النامية – إلى العمل اليدوي والفني في مختلف المشروعات الصناعية والزراعية على أنه أقل مستوى من الأعمال الأخرى كالتجارة والوظيفة في القطاع العام أو قطاع الخدمات، رغم أهمية العمل الفني واليدوي لنمو وتقدم المجتمعات .

    وتعاني المملكة من بعض المظاهر التي تخلق ظروفاً غير مواتية لعملية التنمية الحقيقية كظاهرة الاكتناز أو التهافت على شراء العقارات والكماليات الترفيهية الأمر الذي يؤدي إلى نقص رؤوس الأموال التي يمكن تسخيرها في التنمية الاقتصادية( ).

ثالثاً: التطور الاجتماعي :

    الشكل الشائع للمؤسسة الاجتماعية في السعودية هو القبيلة وهي الوحدة التي تشكل النشاط العسكري والسياسي والاقتصادي ، وكل قبيلة لها قائدها المعروف  “بالشيخ” والذي يكون له سلطات واسعة ، ويمثل القبيلة في التعامل مع القوى الخارجية . ويسجل التاريخ المعاصر للمملكة إن القبائل كونت فيما بينها تحالفات عديدة وشكلت هذه التحالفات إمارات قبلية ، وكانت بعض هذه الإمارات تحكم وتسيطر على مساحات شاسعة ، وكانت الظروف الاقتصادية والصراع من أجل البقاء محددات للعلاقة بين الإمارات القبلية.

    وتعتـبر السعـودية مجتمـعاً قبليـاً حيـث استوطنـت بعض القبائـل المراكز الحضـرية وكونت الحاضرة،ويسكنون في قرى صغيرة ويتجهون للزراعة،أو على طول الشواطئ ويشتغلون بالصيـــد وجمع اللؤلؤ،والبعض الآخر بقي في المناطق الرعوية مكونين ما يسمى بالبدو ([1])،وتضم المتجولين في الصحراء الذين يمتهنون الرعي ويتسمون بشن الحروب فيما بينهم بسبب الندرة الناجمة عن حالات الجفاف المتكررة ([2]).وكانت ثروة البدو منهم تعتمد على أعداد الغنم والإبل التي يمتلكونها ومصادر المياه  المتوافرة،حيث يتنقلون حيثما يكون الماء والكلأ.ولا يرغب البدوي البقاء في مكان ثابت يرتبط معه بالأرض،كالزراعة التي تتصف بالاستمرار على مدار السنة،كما لا يرغب في القيود التي تمارسها عليه السلطة في شئون كثيرة ([3]).

    ويشترك الحضر والبدو إلى حد ما في قدر كبير من القيم المشتركة ([4])ويرى كل من الحضر والبدو أنهم ينتمون إلى قبائل محددة كمصدر للهوية والفخر،وذلك لأن الانتماء القبلي هو مصدر لهوية الجماعات في غياب الكيان السياسي المركزي،فكل فرد لا ينتمي لقبيلة لأي سبب كان،لا يكون له أهمية في اعتبارات رجل القبيلة،ويلقى على عاتقه الأعمال اليدوية التي تعتبر حقيرة، بل وقد تكون مقر إقامة هؤلاء في ناحية معروفة من المدينة ويتضح ذلك في منطقة نجد على وجه الخصوص([5]).

    وهكذا تنتشر القبائل والجماعات القبلية على امتداد أراضي المملكة ويمثلون معظم سكان مجتمع الجزيرة. وكان من السمات التقليدية لمجتمع الجزيرة العربية الفقر والجهل والأمية والوسائل الزراعية البدائية . وكانت العلاقة بين ساكني الصحراء والمدن من جهة، وبينهم وبين الأرياف من جهة أخرى غير منسجمة ، فالبدو يزدرون حياة أهل المدن والأرياف بينما الحاضرة (أهل المدن وساكني الريف) يعيبون على البدو تطفلهم حول المدن والقرى أوقات الزروع .

    إن عملية توطين البدو التي تمت في السعودية في عهد الملك عبد العزيز غيرت شيئاً من الأنشطة الاقتصادية لهؤلاء البدو، ولكن لم يتغير شيء من تنظيمهم الاجتماعي ، ويتضح ذلك في منطقة نجد ، أما الحجاز فالصورة مختلفة إلى حد ما ، بسبب انفتاحية هذا الإقليم على العالم الخارجي حيث يفد إليه الحجيج من مختلف بقاع المعمورة بمختلف الثقافات والأنماط الاجتماعية ، الأمر الذي كسر من حدة العلاقات القبلية لساكني الحجاز ([6]) .

    وكانت ظروف تواجد هذه الهجر ساعدت على تكوين قوة عسكرية ذات إيمان راسخ ومعتقد قوي . حيث أن المؤسسة الدينية للملك عبدالعزيز آنذاك ( المشايخ ) يقومون بالتدريس والتعليم في هذه الهجر وتوضيح أحوال الإمارات والقبائــل  المحيطة ، وما هم عليه من ضلالات وتفريط في أمور الدين ، حتى تشكل من هذه الهجر رجالاً أشداء ذوي منطلقات عقدية وروحانية قوية حققوا بها ضم أرجاء الجزيرة العربية تحت ظل حكم واحد .

    والملك عبد العزيز لم يتمكن من تكوين دولة قوية موحدة إلا بعد أن وحد الولاءات التقليدية المختلفة لشخصه واستخدمها كأحد آليات تكوين الدولة الموحدة ، فعملية التوطين هذه عملية ذات صبغة دينية محلية تهدف أساساً لتمكين البدو من عيش حياة دينية صحيحة تنعكس على حياتهم وسلوكهم .

    ومنذ أن تكونت بدايات الدولة السعودية الحالية كانت القرى الزراعية أو الهجر أكثر أهمية حيث ركزت الحكومة على دعم مصادر المياه  وتوطين أغلب البدو في مستعمرات زراعية ([7]). وبعد توحيد الجزيرة تبدل حال ساكني الصحراء بواسطة جهود الحكومة بإنشاء المستعمرات والمراكز  الزراعية (الهجر) حول مناطق تواجد المياه ، وباكتشاف البترول زاد نزوح البدو إلى مناطق اكتشاف النفط وهيئت لهم آبار ماء تضخ بالمولدات مما دفع إلى مزيد من تحضر البدو الأمر الذي زاد من سكان هذه المراكز وتحولت إلى مدن .

    وبعد تدفق ثروات النفط وانسياب التحديث ، نمت كثير من البلدان والقرى خارج حدودهم التقليدية وارتفع عدد السكان واستمر التغير الاجتماعي بمعدل كبير على الرغم من مقاومة التقليديين . وتعد كل من مكة والمدينة وجدة والرياض والدمام بعض البلدان التي أصبحت مدناً.

    لقد كانت عملية توطين البدو في السعودية ذات أهداف دينية ، ولعل ذلك يتضح من اسم المستعمرات أو المراكز التي هاجر إليها البدو وسميت باسم الهجرة، حيث ارتباط هذا الاسم بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة هرباً بدينه من مشركي مكة. والهجر عبارة عن واحات يوجد فيها منازل دائمة وتمارس فيها حياة زراعية مستمرة ، وتكثر هذه الهجر في منطقة نجد ، وقد أوجد الملك عبد العزيز هجر متعددة لكافة البدو قرب منابع المياه ، واستبدلت  الخيام بالمنازل الطينية الدائمة، وشجع هؤلاء البدو على ممارسة الزراعة ([8]).

     وكان من نسق هذه التجمعات وجود المسجد والإمام وإحلال قانون الشريعة الإسلامية مكان القانون القبلي لفض النزاعات وإدارة شئون الحياة العامة ، إذ غيرت تقاليد الإسلام حياة وقيم البدو القبلية وأصبح مسجد البلدة هو المركز الثقافي الذي يأوي إليه الناس مؤكداً الولاء القومي الديني على الولاء القبلي ، ويساعد المسجد السوق الذي يقام حوله ، يتجمع الناس فيه ويتبادلون السلع تحت مظلة تعاليم المسجد ([9]).

    والقيم الاجتماعية في المملكة تعتمد على مصدرين رئيسيين الأول الدين والثاني العائلة ([10]). فكل مظهر في المجتمع يشتق من جوهر وروح تعاليم الإسلام، فالإسلام يؤثر على كل جزء من حياة الفرد السعودي حتى معظم الأجزاء الدقيقة في الروتين اليومي تعتبر مهمة للمسلم، وكل خطوة تؤخذ يعتبرها الأفراد محسوبة لهم أو عليهم تجاه قدرهم يوم الآخرة، كما أن نجاح وفشل الفرد في الإتيان بفرائض الدين تعتمد على معنويات اجتماعية وعرقية ([11])، لذلك أصبح الإسلام مصدراً للسياسات والشرعية، وهو الجسد السياسي والاقتصادي والاجتماعي الأساسي للمرجعية،لذلك فالسلطة الدينية لها صوت في تشكيل السياسة الداخلية والخارجية، فهي تقوي المعنويات العامة وتسيطر على تعليم المرأة وتستشار بواسطة الملك([12]).

    إن القيم الدينية تؤثر أيضاً على دور المرأة في المجتمع . وعلى الرغم من أن الدين يحض على تعليم وعمل المرأة ، إلا أن هناك عدد قليل من الوظائف المسموح للمرأة العمل فيها كالتعليم أو التمريض أو عمل اجتماعي.

    إن النسق الاجتماعي السعودي يتسم بمجموعة من الأعراف الفريدة شكلتها الشريعة الإسلامية ولهذا فإن الزعماء الدينيين يمارسون دوراً أساسياً في الحياة الاجتماعية ، وأن الأهداف الحالية للمجتمع لا تتصارع مع التقاليد التي تمتد جذورها بعمق ، ولكن هذه الأهداف تسعى إلى جعل هذه التقاليد أكثر عمقاً ، ولهذا فإن التقدم يتم بناءه على أساس قوي. ومع التحديث السريع والزيادة الحادة في الدخل الفردي فإن بعض جوانب الحياة الاجتماعية قد تغيرت ورغم ذلك يدرك الفرد السعودي أن التحضر والتحديث لا يعني التخلي عن التقاليد والعادات والقيم الاجتماعية الأصيلة أو التخلي عن تعاليمه الإسلامية الموجهة ([13]).

    إن عملية البناء في المجتمع السعودي تخضع للإطار الثقافي الإسلامي وتقاليد وقيم المجتمع السعودي في إطار ظروف تتغير من قلة السكان وندرة الموارد إلى رخاء مادي أحدثته موارد النفط .

    فبالنظر إلى السياسات العامة وخطط التنمية نجد أنها متوافقة مع القرآن والسنة مثل النصوص التي تحض على توزيع الثروة على المجتمع ، وعلى التعاون بين أفراده ، والقيم التي تحدد علاقة المواطن بالدولة وعلاقة أفراد الأسرة برب الأسرة والقيم التي تحمي الأمومة والطفولة والتأمين والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية ، وهذه القيم يرجع أساسها إلى القيم الدينية . وهكذا انتقلت إرادة التكامل والتعاون من عرف المجتمع المسير بظروفه الاجتماعية والطبيعية إلى إطار مؤسسي التزمت به الدولة ، كان من نتيجته بناء مؤسسات متعددة وتبني برامج موسعة للتنمية الشاملة ([14]).

    أما العائلة كمصدر للقيم الاجتماعية في السعودية فتتميز بحقيقة أن ولاء الافراد وواجباتهم تجاه عائلاتهم أكبر من أي تعهد اجتماعي آخر ، ذلك ان الولاء للعائلة والقبيلة أكثر سيطرة في الثقافة العربية ([15]) . وفي المملكة جميع العلاقات الاجتماعية مباشرة أو غير مباشرة ذات علاقة باعتبارات العائلة . كما أن اعتبارات العلاقات الاجتماعية التقليدية تعد محدداً رئيسياً لعمليات اختيار كبار البيروقراط والتجنيد للوظائف العامة في الدولة ([16]).

    فالعلاقات الاجتماعية في السعودية ترتبط مباشرة أو غير مباشرة باعتبارات العائلة التي هي المخزن الأساسي والرئيسي لهوية الفرد ، والفرد مطلوب منه أن يدين بالولاء كاملاً لعائلته أو لقبيلته، والأفراد يبحثون أن يكون لهم عائلة وأصدقاء ليكونوا مسئولين اجتماعياً، فإذا كان المنصب الشاغر يعطي مسئوليات إشرافية أو يمكن من فرص للتقدم ، فإن رب العمل يقوم بالبحث أولاً في عائلته عمن يعينه في هذه الوظيفة، ثم يبحث في دائرة رفقائه وأصدقائه الأقربين من أجل عمليات التجنيد المحتملة، ويشدد الكثير من المراقبين على أن الروابط العائلية لا تزال تلعب دوراً متميزاً في تقدم المسيرة وحتى الشباب السعودي خريجي أرقى الجامعات الغربية لايزالون يتعاملون مع بيئة عمل ذات توجه عائلي وشخصي بدرجة كبيرة([17]).

    إن التغييرات المتسارعة في الاقتصاد السعودي كان لها أثرين على المملكة الأول هو تراجع النماذج الاجتماعية القديمة ، والثاني هو التغير الاجتماعي السريع والاتجاه الحديث نحو التصنيع والتجارة ،وحتى أواخر الستينات لم يكن هناك أي قواعد اقتصادية معتبرة بالمملكة ، كما كان السلوك الاقتصادي مندمجاً في مؤسسات أخرى في المجتمع، وكان انفصال الاقتصاد عن النظام القبلي بداية لتكوين الدولة، حيث بدأت المؤسسات الجديدة في قيادة التغيير ، ولاشك أن نمو هذه القواعد الجديدة قد أدى إلى تراجع القواعد القديمة ([18]).

    إن المجتمع السعودي مجتمع في حالة تغير اجتماعي متسارع ، فالتغير الاقتصادي الذي نشأ في المملكة باستغلال موارد النفط أدى إلى اختلال التوازن في العلاقات التقليدية التي كانت تربط بين موارد الثروة الطبيعية والقوى العاملة في هذا المجتمع ، ومن خلال هذا التغير الاجتماعي لابد للقيم أن تتغير ، ولكون تغير القيم ليس من اليسر والسهولة ، فإن المجتمع  السعودي (كمجتمع نفطي) يواجه صراعاً بين التغير الاجتماعي وبين التخلي عن القيم والعادات والتقاليد التي لم تعد تنسجم مع التغييرات الجديدة في المجتمع ([19]) ، لذا يمكن القول أن القيم الاجتماعية في المجتمع السعودي تتفاعل مع برامج التنمية الاجتماعية ، فبعض هذه القيم قد تتعارض مع أهداف هذه البرامج وهنا يتخلص المجتمع منها، أما القيم التي تتفق وبرامج التنمية الاجتماعية فيتم تشجيعها والانطلاق منها لدفع عمليات هذه التنمية ([20]).

    وقامت الحكومة بجهود كبيرة من أجل تنويع الاقتصاد والتخصص في سوق العمل ، كما تغيرت طبيعة العلاقات والتفاعلات بين الأفراد وقبائلهم ، كذلك تم التوسع في بناء المؤسسات التي غيرت من هيكل وطبيعة هذه العلاقات وأصبحت المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ضرورة للخدمات المختلفة كإمدادات الطاقة والمياه والنقل والاتصالات..الخ، في حين كانت هذه الخدمات في السابق مسئولية القبيلة كوحدة.

    وبنظرة سريعة على البناء الطبقي في المملكة نجد أن هذا البناء الطبقي قد تبدل جوهريا عقب الستينات ومازال يتبدل تحت تأثير الطلب المتزايد على التوسع في التعليم والتعبئة الاجتماعية والحاجة إلى العمالة المدربة غير السعودية ، وتتوسع الطبقة الوسطى في طريقها لتحتل مركز الأغلبية بين الطبقات العليا والدنيا من المجتمع السعودي لأن الكثير من السعوديين يجدون وظائف في الخدمة العامة وقطاعات الصناعة وغيرها ، ونمو هذه الطبقة الوسطى ليس هو الناتج الوحيد للتطور الاقتصادي السريع ، فقد حدثت تغيرات في البناء التنظيمي الذي أصبح أكثر تعقيداً في ظل الوضع الجديد.

    إن المجتمع السعودي قد شهد تحولاً في البناء الاجتماعي خلال الخمسينات والستينات ، فقد ظهرت طبقة عليا من كبار الأسر الاجتماعية وعدد صغير من التجار الأثرياء في المناطق الساحلية، أما الطبقات الدنيا فتكونت من البدو والقرويين والعمالة غير الماهرة ونصف الماهرة والتي لم يتغير وضعها الاجتماعي ، وبدأت طبقة وسطى تظهر تدريجياً ارتبط نموها بتحول الدولة من الاقتصاد التقليدي القائم على الرعي إلى دولة متطورة قائمة على استغلال البترول وتوسع دور الحكومة والقطاع الخاص في بناء مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات ([21])، وتكونت هذه الطبقة من أصحاب الأصول في المدن الذين يملكون تجارات صغيرة ، ثم الشباب الذين ذهبوا للخارج من أجل التعليم والتدريب المتقدم ، وهؤلاء المتعلمين في الخارج وجدوا فور عودتهم وظائف في القطاع العام والخاص وأصبحوا قوة جديدة تناضل من أجل التغيير ، وكان ذلك إستجابةً لما تعرضوا له من أفكار سياسية واجتماعية مختلفة . إن المطالبة بالتغيير نشأت في الطبقة الوسطى والعليا (القطاع الرأسمالي) على حد سواء ويعني التغيير التحديث والمؤسسية وإصلاح وتطوير الإدارة .

    أما الطبقات الدنيا فكانت في حالة قلق من تيارات التغيير المنهمرة . وقامت الحكومة ببرنامج نشط بمنح بعض الامتيازات للمطالب الشعبية وذلك تلبية لمطالبات القطاعات المختلفة للمجتمع السعودي ([22]) .

    وكان من شأن التحديث ذاته الذي تعرضت له البيئة الاجتماعية السعودية أنه كان تحديثاً غربياً أدى إلى خلق أنماط جديدة من الإنتاج وأعطيت العناصر الجديدة مصادر جديدة لأدوات القوة بحيث أصبحت اقتصادياً مستقلة عن القوى القديمة السابقة، واكتسبت مظهراً خاصاً ووضعاً اجتماعياً أعلى، ترتب عليه حيازة مواقع في السلطة، ومن ثم أصبح هناك تعارض بين القوى القديمة والحديثة وأصبح الوضع الاقتصادي الجديد يفرض توقعات وسلوكيات واتجاهات وقيم جديدة، جاءت في مجملها في صالح الطبقات الجديدة الآخذة في النمو على حساب القوى القديمة السابقة، كذلك فإن سياسة التنمية المفروضة من الحكومة جعلت المواطن السعودي يتحول فجأة ليتكيف مع مجتمع آخر في ظل تفاعلات جديدة وطرق حياتية جديدة ([23]).

رابعاً: التطور السياسي :

     إن نظام الحكم في المملكة مستقى من النظام الإسلامي ، فلا انفصال لأمور الدين عن أمور الدنيا، وكل المعاملات والممارسات يجب أن لا تتعارض مع تعاليم الإسلام. وطبقاً للنظام الإسلامي يحكم القاضي في كل النزاعات ومع كل الأطراف، ويجب أن يكون لدى القاضي معرفة عميقة بتعاليم الإسلام وقواعده وتأويلاته واختياراته التي يتم احترامها وقبولها، إلا إذا تم إثبات أن محتواها غير إسلامي ، وفي هذه الحالة فإن للسلطة السياسية – بعد موافقة مجلس الشورى – أن ترتب لمحاكمة جديدة([24]). ذلك أن مصادر الشريعة لم تحدد في القرآن والسنة فقط ، ولكنها أيضا تتضمن الإجماع والقياس، وتستخدم هذه المصادر الأربعة للشريعة الإسلامية لاستنتاج حلول للمشكلات الخاصة الجديدة من خلال ممارسة الاجتهاد من قبل فقيه مؤهل في علوم الشريعة الإسلامية . فبعد ظهور الإسلام بفترات طويلة أصبح الباحثون يراعون باب الاجتهاد، وبعد أن كان القضاة مقيدين بقبول وجهات نظر كبار العلماء ، أصبح منهم من ينادي بأن باب الاجتهاد لم يغلق وأنهم أنفسهم مارسوا الاجتهاد فعلياً ، لذا ليس من الدقة أن نعتبر الشريعة الإسلامية قانون إلهي مستوحى من الله في القرآن وأكمل بالسنة فقط ، بل تحتوي على العديد من العناصر التشريعية الإنسانية والتي سنت بواسطة علماء مؤهلين من خلال الاجتهاد والتأويل ، والاستنتاج والقياس ([25]).

    في بدايات تأسيس المملكة كانت الجزيرة العربية مقسمة إلى إمارات صغيرة تحكم بخليط من قانون الشريعة الإسلامية والعادات العربية العريقة ، وكان هناك أمير وقاض واحد في كل إقليم،  حيث يقضي القاضي في النزاع طبقاً للشريعة الإسلامية والأمير ينفذ قراره إذا تطلبت الضرورة ذلك ، والقاضي لم يكن له دار للعدل(محكمة)، وكان يأخذ قراراته إما في بيته أو في المسجد ، والقاضي كان يسمع الادعاء من الأطراف المتقاضية ويسأل الشهود ثم بعد ذلك يأخذ القرار ، وعادة ما يفعل ذلك في جلسة واحدة، كما لم يكن متخصصاً في أي حقل من حقول القانون أو التشريع ، لكنه كان يحكم في عدد كبير من القضايا المختلفة التي تعرض أمامه ، وهذا نشأ جزئياً من حقيقة أن الشريعة الإسلامية تعد كتلة من الأحكام تشمل كل من الدين وشئون الدنيا، وكانت قلة المشاكل سبباً في بلورة هذا النمط البسيط لممارسة القضاء ([26]).

    وفي مجتمع البدو اتسم نظام الحكم بالسهولة ، حيث كان لرئيس القبيلة واجبات متشابهة مع التي يبت فيها بواسطة القاضي في المدينة . فقد كان يقرر في القضايا طبقاً للعادات التقليدية المعروفة وللشريعة التي كانت مفهومة لدى البدو منذ العصور الوسطى([27]) . فشيخ القبيلة ([28]) يلجأ إلى الأحداث السابقة (السوابق) والتشريعات المكتوبة التي فهمت في المجتمع على أنها قانون، وغالباً ما يكون العريفة قادراً على تعزيز حكمه ليس بسبب امتلاكه قوة تنفيذية فعلية فقط ، ولكن لأنه كان إما رئيس قبيلة أو شخص بارز يحترم من قبل قبيلته بسبب تقواه وعفته ومآثره الجيدة ([29]). والقبائل الكبيرة كان لها أكثر من قاضي، والقضاة لم يستمدوا سلطتهم من قبل هيئة أعطتهم مثل هذا التميز، ولم يتم تعيينهم بواسطة سلطة عليا ، لكنهم كانوا يختارون من قبل الخصوم كحكام ([30]).

    وأثناء حكم الملك عبد العزيز انطلقت الأنظمة الشرعية في المجتمعات البدوية في معظم الجزيرة العربية نحو تغيير معتبر، فقد عين القضاة في كل مدينة وقرية وكلفهم بمسئولية الحكم طبقاً للشريعة الإسلامية ([31]). وتم إبدال نظام العريفة بمجموعة من المعلمين (المتطوعين والمرشدين)، الذين كانوا يمتلكون بعض معارف الشريعة ، وكانت وظيفتهم الأولى تحريك الدوافع الدينية لدى البدو لتدعيم الحكومة الجديدة ([32])، وهذه السياسة مثلت الاختراق العميق لحكم الملك عبد العزيز في الهيكل الاجتماعي للبدو ([33])، والذي كان أحد أهم آلياته إنشاء الهجر، التي سبق ذكرها.

    ولقد لعب الملك عبد العزيز دوراً حيوياً في إدارة العدالة ، فقد حكم شخصياً في معظم القضايا التي عرضت أمامه خاصة التي كانت تخص البدو ، وكان عادة يوفد قاضي السلطة لكي يهتم بالدعاوى القضائية الروتينية الموجودة في المدن ، لذلك كان الملك عبد العزيز رئيساً للقضاة ورئيساً للإدارة العليا في وقت واحد ، وهذه الوظيفة الثنائية منحته خبرة عظيمة اكتسبها  من معايشته لشئون حياة الناس. ولأنه اعتمد أولاً على التطبيق الصارم لقانون الشريعة ، فإنه لم يكن مهتماً بتوريث تشريع جزائي جديد ، فالمقاييس التأديبية تنفذ بأمر الشريعة، فالقاتل يقتل ، والزاني إما يرجم أو يجلد حسب حالته الاجتماعية، والسارق تقطع يده اليمنى ، لأنهم يعتبرون ظالمين ويجب أن يعوضوا المتضرر  ، إما طبقاً لمبدأ الجروح قصاص أو عن طريق تعويض الخسائر ([34]).

    بالإضافة لذلك، فالجرائم الأخرى كانت تنتهي إما بالغرامة أو بالسجن ، وقد كان هناك شعور بأن هذه الطريقة سريعة وعملية لإنهاء الصراع ([35]). وهكذا فبمجرد أن تصل الشكوى للملك يقوم بتكليف القاضي باستدعاء المدعي والمدعى عليه ويسمع الاتهام والدفاع عن التهمة الموجهة  بدون أي توسط من محامين ، ويستجوب الشهود ، والقرار النهائي كان يصدر معتمداً أساساً على رجحان أو كفاية الأدلة . كل هذه الأعمال غالباً ما تستغرق يوماً واحداً ([36]). ويستند القاضي عادة على الفقه الإسلامي الحنبلي لتبرير أحكامه ([37]) ، وكما ذكر آنفاً فالملك عبد العزيز كان رئيساً للإدارة العليا وللقضاة ، فقد لعب دور ديوان المظالم الذي كان موجوداً خلال الحكم الأول للإسلام، والمساوي حاليا لمحكمة الاستئناف ([38]). فمثلاً إذا لم يقتنع المدعي بقرار القاضي فيمكنه أن يستأنف أمام الملك عبد العزيز . وهكذا فالملك قد صان حق أي شخص يتحدى بجهل القاضي أو عدم التزامه بقانون الشريعة الجزائي ([39])، ولكن إذا أصبحت النزاعات بين القبائل خطيرة، فالملك كان يتعامل مع البدو في هذه الحالة بقسوة وموضوعية على أمل أن يصل إلى طريقة يقضي بها  على ممارسات الثأر والعادات القبلية الهدامة، وذلك عن طريق إحلال قواعد الشريعة الإسلامية ([40]). إذاً فممارسات الملك عبدالعزيز لنظام حكمه لا يمكن فصل القضاء ( السلطة القضائية) فيها عن السلطة التنفيذية .

    وعلى ذلك يمكن القول أنه قبل عام 1927 كان هناك ثلاث تجارب مختلفة في المملكة بشأن القضاء ، التجربة الأولى كانت في الحجاز التي تميزت بالتأثير العثماني الكبير ، والتجربة الثانية هي نظام المدن الصغيرة في نجد، حيث كانت تسوية النزاعات مسئولية الأمير المحلي (الحاكم) والقاضي. والتجربة الثالثة ، هي القانون القبلي العرفي حيث كل قبيلة لها رجال قانون خاصين بها يرجعون أحكامهم إلى السوابق ومصدرها نظام التحكيم في قضايا النزاعات داخل القبيلة ([41]).

    وفي محاولة لتوحيد هذه النظم الثلاث تحت نظام شرعي قانوني واحد ، أصدر الملك عبد العزيز أمراً عام 1927 بتصنيف المؤسسات المسئولة عن القضاء إلى ثلاث درجات هي المحكمة المستعجلة، والمحكمة الكبرى، وهيئة الإشراف القضائي([42]). وقد جرت عدة تشريعات قانونية حكومية في أعوام 1931 و1936 و1952 تعلقت بتنظيم نظام المحاكم والإجراءات القضائية ، لكن لم يبد عليها أي تغييرات جذرية من حيث الهيكل التنظيمي للإطار الشرعي . وقبل تأسيس وزارة العدل عام 1970 كان مكتب رئيس القضاة هو المشرف على كل مستويات المحاكم تلك([43]).

    بعد أن تمكن الملك عبد العزيز من فرض سيطرته على أرجاء الجزيرة العربية كما أشير سابقاً، بدأ الاستقرار يسود الدولة الناشئة وتغير إسمها من سلطنة نجد ومملكة الحجاز إلى مملكة واحدة في ظل سلطة مركزية تحت اسم المملكة العربية السعودية . وهذا الاسم الجديد يعكس طبيعة النظام السياسي الجديد ، والى حد ما يعكس شكل هياكلها ([44]) .

    وبغياب أي مؤسسة سياسية فاعلة آنذاك،كانت الدولة على إطلاقها هي المؤسسة الوحيدة،وتركزت القوة السياسية بيدها،وبغياب المؤسسات والوكالات الحكومية أصبحت الدولة كيان يتميز بالطابع الشخصي،وكانت القوة السياسية تتمركز في قمة هذا الكيان([45]).ولم يكن هناك في عهد الملك عبد العزيز مؤسسات على الرغم من وجود أول وزير له (وزير المالية) كما أن ضعف الإمكانات وبساطة العيش أدى بدوره إلى غياب مؤسسات الدولة ، وذلك ينطبق على ما ذكره هنتنجتون بأن ” القدرة على خلق مؤسسات سياسية هي القدرة على خلق المصالح العامة ([46]) ”  .

    في الفترة التي سبقت إنشاء مجلس الوزراء السعودي عام 1953 كانت الإدارة في نجد تقليدية تمثلت في شخص الملك عبد العزيز وكان يعين حكام الأقاليم من أبنائه وأقاربه ومن يثق فيه([47]) وكان جميع المستشارين المقربين للملك من غير السعوديين وذلك لعدم وجود النخب الوطنية القادرة على بناء المؤسسات([48])، ويمكن وصف الحال حتى بداية الخمسينات بأن الحكومة السعودية سعت إلى تحقيق الذات دون إدارة مركزية ، وكان همها الأول الحفاظ على النظام والقانون في مجتمع مفكك إلى حد ما ، وكان تركيز الحكومة خلال عمليات بناء الدولة محدود بالحفاظ على الوضع القائم أكثر من تحقيق التكامل القومي([49]) لذلك يمكن وصف الوضع بأنه سلطة مركزية ناشئة دون هوية قومية ، فغياب هوية مثل تلك يمكن أن يشير بوضوح إلى غياب مؤسسات سياسية حديثة – بل وإلى غياب الاهتمام بإنشاء مثل هذه المؤسسات – قادرة على ربط المجتمع غير المتحد بالنظام السياسي([50])  .

    والناس في الجزيرة العربية مثلهم مثل أي مجتمع عربي بحاجة إلى قيادات قوية لمنع القوى الطبيعية المهددة للاستقرار من البروز ، لذلك فالقائد القوي في السعودية مرادف للوحدة ، التي قدر الملك عبد العزيز على إعطائها دون غيره ، وهذه الحقيقة عززت منزلة أسلافه ،  الذين تمكنوا من تحسين الرفاه العام باستغلال عوائد النفط ، الأمر الذي عزز شرعيتهم . فالسعودية لم تتأثر بأحداث الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط منذ الخمسينات([51]) ولم تحرك ساكناً للبحث عن نظام سياسي بديل ، فقد شهدت السعودية استقراراً سياسياً مستمراً يعد انعدام القمع والاحتجاجات الجماهيرية أحد مؤشراته ويعود ذلك إلى أن النسق السعودي في الحكم هو استجابة وانعكاس لقيم وحاجات المجتمع([52]) .

    لقد كان التعبير السياسي للحالة السعودية أثناء الخمسينات من هذا القرن أنها تركيبة من القيم السياسية التقليدية لمنطقة نجد مع مؤسسات أكثر كمالاً في منطقة الحجاز ([53]). حيث كان الملك عبدالعزيز يعتمد على الأمراء الذين يعينهم في الأقاليم ، وبجانب كل أمير قاضي ومأمور مال يساعدونه في إدارة كافة شئون الإقليم ما عدا الشأن الخارجي والعسكري ، وكل حاكم يتصل بالملك مباشرة فيما يصعب عليه ، أما الحجاز فقد كان هناك وجود لمؤسسات سياسية أكثر كمالاً كمجلس الشورى ومجلس الوكلاء والمجالس الأهلية .

    ومن زاوية المشاركة السياسية فإن الأفراد يتدخلون مباشرة مع المسئولين الحكوميين من خلال مجلس الملك والجلسات غير الرسمية التي تقوم بها  المستويات العليا ، وكذلك سياسة الباب المفتوح التي سمحت للجمهور بالدخول إلى أي مكتب حكومي متى أراد ([54])، إن مجلس الملك أو حاكم الإقليم هو وسيلة الاتصال المباشر بين الحكومة والناس ، والأفراد يرون أن هذه المؤسسات غير الرسمية تعطيهم صوتاً في عمليات النظام السياسي وأداة للضغط لتحقيق حاجاتهم . وعلى الرغم من أن هذا المجلس لازال يؤثر ، إلا أن المجتمع يمر بمرحلة اكتساب تيار التغير واكتساب خبرات جديدة ، ومصالح الناس أصبحت أكثر تعقيداً واختلافاً ، ولأن هذه التطورات تتطلب إجراءات رسمية أكثر ضماناً لتمثيل كافٍ لمختلف المصالح ولخلق نظريات منظمة لدراسة المواضيع الخلافية ([55]) ، لذا قررت الحكومة إنشاء مجلس الشورى ومجالس المناطق ذات العضوية الكبيرة عام 1995 . إن النظام السياسي في المملكة يعتبر في حالة انتقال تعكس التغيرات الاقتصادية والاجتماعية منذ عام 1953، وربما تكون الحاجة أكثر إلحاحاً لمؤسسات سياسية جديدة في المستقبل ([56]).

    إن غياب المؤسسات السياسية في السعودية خلال الخمسينات يجعل من المستحيل على الفرد أن يتخلى عن تبعيته وهويته التقليدية ( القبلية )، وذلك لعدم وجود البدائل أمامه ، تلك البدائل -وهي الهوية القومية – لا يمكن تحقيقها بدون مؤسسات موضوعية قادرة على نسخ المؤسسات التقليدية،  فمنذ البداية لم يكن لدى الحكومة السعودية اهتمام ببناء مؤسسات سياسية بديلة وتحقيق الهوية القومية ، إلا أن الحكومة قامت بتحطيم استقلال المؤسسات التقليدية مع الاحتفاظ بهياكلها سليمة لأسباب أمنية ، ومن أجل بقاء النظام الجديد ([57]).

ويمكن القول أن هناك ثلاث مؤسسات تقليدية تشكل على ضوئها سمة النظام السياسي في المملكة، وهذه المؤسسات هي:-

1- القبيلة :

    تتشكل السعودية قبل توحيدها من إمارات ومشيخات مختلفة ، وذلك انعكاساً لثنائية التركيبة السكانية التي تتميز بها حاضرة وبادية ، وهذه الإمارات والمشيخات تقام على أساس من العلاقات القبلية التي تعكس علاقات المسيطر والتابع ،  وهي انعكاس وإدراك لعلاقات التحالف القبلية حضراً وبدواً . وزعيم الإمارة والمشيخة هو رئيس أقوى قبيلة ([58]) ، وسلطته قضائية في مسألة صناعة القرار ، ويمثل القبيلة في التعامل مع القوى الخارجية ، ويساعد بعناصر قبلية استشارية تعرف  “بالمجلس”، وهذا المجلس  يتكون من قدماء القبيلة وله سلطة الاستشارة فقط، والقرار الأخير بيد زعيم الإمارة أو المشيخة([59])، وزعيم الإمارة يحرص دائما أن يكون له قدراً من السيطرة على القرى والأرياف للحصول منهم على الضرائب اللازمة لتمويل أنشطته ضد الإمارات والقبائل الأخرى ([60]) . إن ولاءات قبائل الإمارات والمشيخات خصوصاً البدو ، لم تكن مستقرة ولم تكن موجهة للإمارات والمشيخات ككيانات سياسية ، فالولاء الوحيد المستقر لرجل القبيلة كان لقبيلته ، أما الولاءات الأخرى فكانت تتحدد بالمصالح خصوصاً المصالح الاقتصادية ، لذلك فإن توازنات القوى بين المشيخات أو الإمارات تتبدل بصفة مستمرة بتبدل تحالفات القبيلة ([61]) .

    في مثل هذه البيئة يظهر أنه من المستحيل تكوين دولة مركزية فالهيكل القبلي وتشعباته تشكل عائقاً لتكوين شكل أكبر وجديد لحكومة على أساس أنواع مختلفة من الولاءات([62])، وبمعنى آخر كانت القبيلة كمؤسسة تقليدية سلبية في ظهور دولة قومية حديثة .  إن اعتماد البدو في أنشطتهم الاقتصادية على الرعي وعلى الغارات التي يشنونها على قوافل الحضر التجارية أدى إلى خلق صراع مصالح بين الفئتين ، فالحضر يرغبون في السلام والنظام بينما البدو يمارسون الغارات على قوافلهم ، وهذا الصراع أدى إلى قيام الحضر بتوسيع نطاق زراعاتهم ، كما أدى إلى خوف البدو من أن تستولي الحاضرة على مصادر مياههم ، وهذا الخلاف حل عن طريق ترتيبات مالية (إتاوات) بين الفئتين ، وهذه الترتيبات تمثل شكلاً من التحالف بين مجموعة محددة من الحضر ، ومجموعة محددة أخرى من البادية ضد تحالفات أخرى([63]) ، وهذه التحالفات اعتبرت الخطوة الأولى في تكوينات الجغرافيا السياسية التي قادت إلى هيكل الدولة السعودية ([64]) أن هذه الإتاوات تدفع للقوي من الضعيف وللمسيطر من المسيطر عليه ، وقد ضمنت هذه الإتاوات للحضر الأمان والنظام الضروري لحرية حركة البضائع والأفراد خلال المناطق ذات السيطرة البدوية ، كما ضمنت مصادر المياه لهؤلاء البدو . أن من شأن هذه الإتاوات أن كانت نموذجاً لشكل محدد بدائي للسلطة السياسية ([65]) .

    ومن الناحية السياسية تنتظم القبائل البدوية في السعودية بطول الخطوط التقليدية ممثلين بمشائخهم الذين يوصلون حاجاتهم إلى الحكومة ، إلا أن الاستقرار جعل مشائخ القبائل يفقدون سبب وجودهم ، فهم مستوعبين من قبل الحكومة المركزية ، وإذا كانت أهمية البدو ووزنهم النسبي قد اختفى في السعودية ، إلا أنهم لم يفقدوا أهليتهم كزعماء وقادة لجماعاتهم وقت العسرة ([66]).

2- الإسلام:

    يعتبر الدين هو العامل الوحيد الأكثر أهمية في الثقافة السياسية في المملكة ([67]) حيث إن الإسلام تجاوز كونه دين إلى أن أصبح منهجاً للحياة ، والإسلام في المملكة وفي دول إسلامية أخرى يظل المرجع الأساسي للتفاعل الاجتماعي ، ودلالته العريضة تفوق وزن الاختلافات الطائفية ([68]). فالإسلام هو مصدر الشرعية في النظام السعودي ، وهو النظام القضائي والسمة المعنوية للمجتمع ، وهو الإطار المرجعي الأساسي في الشئون السياسية والاجتماعية ، وهو الدين الأساسي للدولة ومبادئه هي السلطة العليا ، ومن جانب آخر هو المؤسسة الاجتماعية والثقافية التي تعبر عن سلوك وإرادة المجتمع والقوة الروحية التي تتخلل كل مظـاهر حيـاة المسلم ([69]). فالإسلام ينتشر في المساجد والمحاكم والمدارس التي تركز على التعليم الديني خصوصاً في المرحلة الابتدائية والثانوية ، لذلك فهو لايزال وكالة اجتماعية ذات قوة ومصدر معروف للمعتقدات والذي يحل الاختلافات الضيقة ،وبإعطائه قاعدة عامة للقيم فإنه يعزز الإجماع والتآلف ، فالقرآن كأداة دستورية في المملكة يحدد الحقوق والواجبات على القائد والمواطنين على حد سواء. والإسلام لا يقف عقبة أمام التحديث والتطور التكنولوجي([70]). فمبدأ الإسلام في السعودية ، الذي ينتمي إلى المذهب الحنبلي ، أن كل شيء مباح إلا أن يكون محرماً بنص من القرآن والسنة .

    إن أحد التفسيرات التي تبرر عدم حماس القيادات الدينية في المملكة لبوادر التكنولوجيا الحديثة هو أن معظم هذه الظواهر لا تأخذ في الاعتبار العلاقة مع الممارسات الدينية حيث يكون العلماء في  السعودية أكثر حماساً عند الحديث عن الأمور الدينية بينما يكونون أكثر تحرراً من المذاهب الإسلامية الأخرى حينما يكون الحديث عن شئون دنيوية كالتطور الصناعي وخلافه ([71]). فمثلا للدولة الحق أن تبني الطرق والمصانع الحديثة وما شابهها حيث لا تعتبر تلك الأمور دينية يجب الرجوع فيها إلى القرآن والسنة ، أما عن عمل الرجال مع النساء فإن العلماء يصرون على منعه استناداً إلى القرآن والسنة، كما لا يمانعون في بناء الجامعات وتعليم الناس لأن القرآن والسنة حثا على ذلك ، كما يسمحون بدخول التليفزيون لكنهم يحتفظون بحق مراقبته ([72])، إذ أن استخدام التليفزيون مباح إذا كان ما يعرضه لا يتعارض مع تعاليم القرآن والسنة والأخلاق الإسلامية ، أما إذا كان المعروض خلاف ذلك فإن الحديث عن الحرمة هنا يتسع مجاله .

    والسمات المميزة للمجتمع الإسلامي على العموم أن العقيدة الدينية والسياسية مرتبطين أبدياً ، وهذا لأن الإسلام يهتم بشئون الأفراد والمجتمعات على حد سواء ، وهذان الجانبان في الإسلام ، الدين والمجتمع متلازمان وضروري كل منهما للآخر([73]) . والمملكة العربية السعودية حكمت بطريقة عكست هذه الحقائق ، خاصة وأن العقيدة تلعب دوراً حيوياً في حياة الناس ، فالملك عبدالعزيز عندما وحد البلاد جعل من الواضح أنه يخطط أن الشريعة هي أساس الحكم ([74]). وإذا أراد أي شخص أن يفهم أي جانب من جوانب الحكومة بما فيها البيروقراطية السعودية يجب أن يأخذ في حسبانه الثقافة وبالأخص الدينية وقيم المجتمع التي تحدد نظام الحكومة ([75]) .

    فعملية توطين البادية التي قام بها الملك عبدالعزيز في العقدين الأولين في هذا القرن كانت ذات أهداف دينية شكلت أحد أهم الآليـات التي استخدمها الملك عبدالعزيز لتكوين دولته.فعملية التوطين هذه توافقت مع طموحات سياسية ودينية([76]).

    والمملكة العربية السعودية كدولة إسلامية ليس لديها دستور دنيوي ينظم ويحدد العلاقة بين الحكومة والشعب وبدلاً من ذلك يوجد الشرعية السياسية المنبثقة من الشريعة الإسلامية . إن الشريعة الإسلامية تنظم طبيعة استخدام القوة السياسية بنفس الطريقة التي يقوم الدستور القومي بتنظيمها في الدول الغربية ([77]).

    3- العائلة :

    تمثل العائلة وصلة القرابة العامل العام المشترك في بلدان الشرق الأوسط عموماً والتي تجاوزت الحدود الوطنية ونوعت الخلفيات التاريخية ([78]) . إن حركية النماذج البنائية القبلية المبكرة كالقرابة والنسب بقيت جوهر العلاقة الاجتماعية في المجتمع السعودي ، ونتيجة لذلك أفرزت قيماً عامة مثل الالتزامات المتبادلة والمتوقفة على بعض ، والتي لا تزال هي القيم الأساسية الاجتماعية في الدولة ([79]) ففي الولايات المتحدة مثلاً حرية واستقلال الفرد تتجاوز التزامه العائلي ، بينما في السعودية العكس هو الصحيح ، ففي السعودية كما في الدول العربية الأخرى ، عضوية الفرد في العائلة هي التي تحدد هويته ، وتحدد علاقته الاجتماعية الأساسية وتعطيه الأمان والمكانة ، بل وإن حريته الشخصية تكون ثانوية أمام حاجات ومطالب جماعات النسب الخارجي التي تحيط بكل شيء بصفة لا سبيل للخلاص منها منذ الولادة وحتى الوفاة ([80]).

    مما سبق اتضح أن المملكة شهدت تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية في إطار تطور تاريخي اتضح من خلاله الدور الذي لعبته التطورات الاقتصادية في التأثير على التطورات الأخرى التي بدورها أثرت في تشكيل وتوجيه بناء المؤسسات السعودية .

    ولما لواقع البيئة الخارجية في كل مستوياتها من دور في أثر هذه البيئة على عملية بناء المؤسسات السعودية ، فستقدم الدراسة تغطية للبيئة الخارجية للمملكة كما سيأتي في المبحث التالي .

المبحث الثاني: تطورات البيئة الخارجية لعملية البناء

    تعد البيئة الخارجية للنظام السياسي في المملكة بمستوياتها (العالمية، الإسلامية، العربية) وتطوراتها أحد العوامل التي تساهم في عملية بناء المؤسسات السعودية ، ويهتم هذا المبحث بتوضيح تطورات البيئة الخارجية للمملكة بمستوياتها الثلاثة وأثرها على عملية بناء هذه المؤسسات، وبالتالي لن يتم التطرق إلى سرد البيئة الخارجية وتطوراتها والتحدث عن تفاصيلها من منظور تأثيرها على عملية صنع السياسة الخارجية للمملكة.

    وسيتم الوقوف على تطورات البيئة الخارجية من خلال :-

    أولاً: تطورات البيئة الخارجية على المستوى العالمي .             

    ثانياً: تطورات البيئة الخارجية على المستوى الإسلامي .

    ثالثاً: تطورات البيئة الخارجية على المستوى الاقليمي والعربي .

أولاً : تطورات البيئة الخارجية على المستوى العالمي :

    يمكن دراسة تطورات البيئة الخارجية للمملكة على المستوى العالمي من خلال تطور العلاقات السعودية مع الفاعلين الدوليين الرئيسين المتمثلين في بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (السابق) والإتحاد الأوروبي.

    وبصفة عامة كان لتطورات البيئة الخارجية على المستوى العالمي التأثير البالغ على نشأة المؤسسات الحديثة في المملكة ، وتمثلت تلك التطورات في ظروف الصراعات الدولية التي واكب أحداثها قيام الملك عبدالعزيز بتحركاته نحو توحيد المملكة العربية السعودية. فمنذ اشتعال الحرب العالمية الأولى، تسابقت القوى المتنافسة على المنطقة العربية آنذاك متمثلة في بريطانيا والدولة العثمانية على كسب ولاء القيادات المحلية في شبه الجزيرة العربية لتحقيق مصالحهم في المنطقة، وكان من شأن ضعف الدولة العثمانية منذ بداية الحرب أن تخلت عن دعم ابن رشيد الذي كان ينافس الملك عبدالعزيز في شمالي نجد، الأمر الذي مكن الأخير من الإنتصار وضم حائل إلى مناطق حكمه. كما أن ضعف الدولة العثمانية مكن الملك عبدالعزيز من طرد حاميتهم في الإحساء وضمها إليه.

    إن انشغال بريطانيا لإخماد الثورات العربية في العراق والشام بعد نهاية الحرب العالمية الأولى والرغبة الفرنسية في توسع سيادة الملك عبدالعزيز لحفظ التوازن مع النفوذ البريطاني في بلاد العرب ([81])، أفسح المجال للملك عبدالعزيز في أن يوسع نطاق حكمه شمالاً باتجاه الأراضي المحاذية لبادية الشام الذي جعل منه قوة رأت فيه بريطانيا أن يكون زعيماً يخلق الإستقرار في المنطقة لضمان مصالحها في إمارات الساحل المتصالح ( إمارات الخليج ) . ومما ساعد الملك عبدالعزيز في بدايات توحيده للمملكة، الضعف الذي شهده نظام حكم الشريف حسين في الحجاز، بسبب فشل إدارته لشئون الحج واستياء الحجاج لسوء معاملته، مما جعل من الملك عبدالعزيز البديل المرتقب لتحسين أحوال الحج، وذلك عزز من فرص نجاح الملك عبدالعزيز في ضم الحجاز.

    كما كان للأهمية الإستراتيجية والتجارية لشبه الجزيرة العربية  أهمية خاصة لبريطانيا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ،نظراً لقربها  من مستعمراتها في الهند، ولذلك عملت بريطانيا على منع أية قوة استعمارية من إقامة قاعدة بحرية  لها على الخليج العربي ومداخل البحر الأحمر خصوصاً العثمانيين والفرنسيين ، إلا أنه مع مطلع القرن العشرين أصبح لمنطقة الخليج العربي أهمية اقتصادية كبيرة جداً – بجانب أهميتها الاستراتيجية كممر مائي عندما كانت القوات البحرية هي التي لها الغلبة في قلب موازين القوى في المعترك العسكري الدولي آنذاك -حيث تم إكتشاف النفط وقدر مخزونه في المنطقة بكميات كبيرة فاقت كل التصورات، لذلك أخذت بريطانيا على عاتقها إحتكار ذلك المورد الهام ومنع مشاركة أو سيطرة أي قوة أخرى عليه كالولايات المتحدة. وبعد الحرب العالمية الأولى كثرت إكتشافات النفط في منطقة الخليج العربي في الوقت الذي أصبحت فيه القوة البريطانية أكبر من ذي قبل ، لذا سعت للسيطرة على الخليج العربي وبعض الإمارات المهمة بالمنطقة وحتى شمال العراق عسكرياً، والسيطرة على قلب الجزيرة العربية سياسياً ، فقد قامت بريطانيا بمساعدة القوى الناهضة بالمنطقة ضد القيادات أو القوى التقليدية في مقابل الحصول على إمتيازات إحتكار النفط في هذه الأراضي، وكان من أهم القوى التي ساندتها بريطانيا هو الملك عبدالعزيز فساعدته على تكوين دولته سياسياً ومالياً ، مقابل حصول بريطانيا على حق امتياز التنقيب عن النفط في المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية، وذلك في أوائل العشرينيات من هذا القرن .

    وخلال الفترة من 1925-1950 اقتصرت العلاقات السعودية البريطانية على تنفيذ إتفاقيات الحدود المبرمة بين الدولتين فيما يخص الحدود مع إمارات الخليج، وقد إنتعشت العلاقات بين بريطانيا والسعودية في السنوات الاخيرة، وكانت بريطانيا من جملة البلدان الصناعية التي وفرت للمملكة عدداً كبيراً من العمال الأجانب المهرة لمساعدة المملكة في تنفيذ خططها التنموية وبناء مؤسساتها الحديثة، وظفر كثير من الشركات البريطانية بتعاقدات كبيرة في المملكة مع اتساع القاعدة الصناعية والتجارية للبلاد ([82]).

    وفيما بعد وخصوصاً منذ 1955 وحتى نهاية فترة الدراسة 1985 ،حلت العلاقات الأمريكية السعودية محل العلاقات البريطانية السعودية من حيث درجة الإهتمام من قبل الحكومة السعودية ، فلم يعد لبريطانيا أي مزايا سياسية أو عسكرية وإن تكن الأنشطة التجارية البريطانية في المملكة صادفت إزدهاراً، وبدأت علاقات بين البلدين تسوء بسبب قضية واحة البريمي،وفي عام 1956 قطعت الحكومة السعودية علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا بسبب عدوان الأخيرة على مصر،ولم تستأنف هذه العلاقات إلا في عام 1963 ([83]).وفي عقد الثمانينات تم إكتشاف النفط في بحر الشمال وبدأ إستغلاله  وأصبحت بريطانيا من كبار مصدري النفط وظلت على خلاف مع السعودية بسبب رفض الأولى البحث في إمكان تعاونها مع منظمة البلدان المصدرة للنفط(الأوبك)للعمل على إستقرار سعر النفط من خلال تكييف حجم الانتاج منه ([84]).

    وبالنسبة للعلاقات السعودية الأمريكية،فإن جذورها تعود إلى عقد الثلاثينيات من هذا القرن،فبعد إتصالات بين المسئولين الأمريكيين والسعوديين إعترفت الحكومة الأمريكية بحكومة الملك عبدالعزيز في إبريل1931،إلا أن هذه العلاقات بعد هذا الإعتراف لم يتلوها أي خطوات جدية لتنشيطها، إلى أن منح الملك عبدالعزيز إمتياز البحث عن النفط في منطقة الإحساء في مارس1933لشركة نفط كاليفورنيا الأمريكية،متخطياً بذلك نفوذ الشركات البريطانية العاملة في المنطقة والتي كانت تحتمي بنفوذ الحكومة البريطانية المهيمن على منطقة الخليج العربي آنذاك ([85]).ولقد تمخض عن منح هـذا الإمتيـاز فيما بعد دخول الرأسمال الأمريكي والخبرة الفنية الأمريكية بل والنفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربي، وفتح هذا النفوذ الأمريكي الباب أمام الولايات المتحدة للدخول في منطقة الشرق الأوسط كلها، وكان هذا التوغل الأمريكي هو بداية النهاية للسيطرة البريطانية في الخليج العربي([86]).

    ومع تفجر النفط في المملكة في عام 1938، إزدادت قناعة الإدارة الأمريكية بأهمية التمثيل الدبلوماسي مع المملكة، وهو ما تم بالفعل في فبراير 1940 في عهد الرئيس روزفلت، ونظراً لظروف الحرب العالمية الثانية لم يتمكن البلدين من تطوير العلاقات فيما بينهما إلا في عام 1942 عندما تم إفتتاح أول مفوضية أمريكية دائمة في جدة ([87])، وبحلول عام 1948 رفعت درجة التمثيل الدبلوماسي بين السعودية والولايات المتحدة إلى مرتبة سفارة ([88]). ومنذ ذلك التاريخ بدأت الخارجية الأمريكية ترى أن أحد أهداف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هو إبعاد البريطانيين عن المملكة، وفتح أبواب الشرق الأوسط للأستثمارات الأمريكية، وأخذت البعثات الإقتصادية الأمريكية تفد إلى المملكة لدراسة أحوالها الإقتصادية مثل بعثة هوسكتر([89]). كما وفد العديد من الفنيين للمساعدة في التخطيط المؤسسي والإداري مثل لجنة فورد. وفي المجال العسكري وصلت بعثة أمريكية لمعرفة الإحتياجات العسكرية السعودية ([90]).

    إلا أن تطور العلاقات بين البلدين ظل بطيئاً وذلك لإستمرار الوجود البريطاني في منطقة الخليج وإعتباره مسئولاً عن الإستقرار والأمن فيها إلى أن تم الإنسحاب البريطاني في نهاية 1968. ومع بداية السبعينات أخذت العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة تصبح أكثر عمقاً وشمولاً، وأصبحت المملكة من أكبر المصدرين للنفط في العالم والذي يذهب معظمه إلى الدول الغربية واليابان، وفي عام 1974 كان الإعتماد المتبادل في التجارة بين السعودية والولايات المتحدة قد حقق مرتبة من النمو أدت إلى توقيع إتفاقية أنشئت بمقتضاها “اللجنة الأمريكية السعودية المشتركة للتعاون الإقتصادي”، وقد إهتمت هذه اللجنة أساساً بنقل التكنولوجيا الأمريكية إلى المملكة([91]).وفي ظل هذه اللجنة نفذت في المملكة برامج كثيرة في المجالات الزراعية والصناعية والعلمية،الأمر الذي أعان المملكة على تحقيق تنميتها الشاملة بأحدث الأساليب العلمية المتطورة([92]).

    وبالرغم من أن العلاقات السعودية الأمريكية أصبحت وثيقة، هناك بعض المشكلات المتبادلة مثل القضية الفلسطينية التي شغلت حيزاً هاماً في العلاقات بين البلدين، لكن هذه العلاقات الثنائية في تطورها وسياقها العام لم تتأثر بتلك المشكلات وظلت الأولوية لتطوير وتدعيم هذه العلاقات ([93]).

    أما العلاقات السعودية مع الكتلة السوفيتية(السابقة)،فلم يكن للسعودية علاقات دبلوماسية معها،ومع ذلك فكان الإتحاد السوفيتي من بين أوائل الدول التي إعترفت بالسلطة الجديدة للملك عبدالعزيز في الثلاثينات،هذا بالإضافة إلى مناصرة الكتلة السوفيتية للقضية العربية سواء في مواجهة الإمبراطوريات الإستعمارية القديمة أو في مواجهة إسرائيل([94]). يرجع غياب العلاقات السعودية السوفيتية وانحصارها إلى التناقضات الأيديولوجيـة بين الطبيعة الروحيـة للإسـلام الــتي تتمســك بهـا المملكة وبين الطبيعة الإلحادية المادية للشيوعية التي تمسكت بها الكتلة السوفيتية، وطبقاً لهذا المنطق فقد استغلت المملكة تدخل القوات السوفيتية في أفغانستان في أواخر عام 1979 في التأكيد على المخاطر الإستراتيجية السياسية للتحرك السوفيتي كتهديد موجه ضد الشعوب الإسلامية ككل ([95]). ولعبت المملكة دوراً بارزاً في الدعوة لإنعقاد المؤتمر الإسلامي بإسلام أباد في باكستان في أواخر يناير 1980 ([96])، وقد تبنى المؤتمر وجهة النظر السعودية تجاه التدخل السوفيتي في أفغانستان. ولذا لم يكن للمملكة أي علاقات تعاون مع الكتلة السوفيتية (السابقة) .

    أما العلاقات السعودية الأوربية –فيما عدا البريطانية التي تم ذكرها سابقاً- فلها جذور تاريخية، إلا أن العدوان الثلاثي على مصر الذي إشتركت فيه إسرائيل وفرنسا بجانب بريطانيا 1956 عمل على إنحصار تلك العلاقات وعدم تطورها. وجعلت الأزمة النفطية التي أعقبت حرب 1973 الشعوب الغربية تستشعر مدى اعتمادها الإقتصادي ورفاهية مجتمعاتها على الطاقة التي كانت تستوردها من العالم العربي بأسعار متدنية، كل ذلك ولّد لدى الجماعة الأوروبية الرغبة في فتح الحوار العربي الأوربي،وكانت فرنسا أولى الدول الأوربية التي تتقارب مع السياسة السعودية،وتعززت العلاقات الفرنسية السعودية بصورة واضحة مع تزايد التبادل الفني والتجاري والإقتصادي مع بداية السبعينيات حيث أصبحت فرنسا شريكاً إقتصادياً هاماً بالنسبة للمملكة،وأصبح الفكر والتقنية الفرنسية هي البديل المناسب للفكر والتقنية الأمريكية ([97]).وتنظر المملكة لعلاقاتها مع  أوربا نظرة سياسية تتمثل في كسب التأييد الأوربي للقضية الفلسطينية، كما تنظر المملكة لتلك العلاقات نظرة إقتصادية تتمثل في عقد إتفاقية للتجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوربي، وذلك بهدف السماح للمنتجات البتروكيماوية التي تصنع في السعودية إلى الدخول في الأسواق الأوربية دون قيود.وعموماً فقد تطورت العلاقات السعودية الأوربية تطوراً حسناً بحيث إستعانت المملكة بالخبرات الأوربية في تحقيق أهدافها التنموية الشاملة ([98]).

ثانياً: تطورات البيئة الخارجية على المستوى الإسلامي :

    تولي المملكة أهمية بالغة بالأحداث الجارية في البيئة الخارجية في المجال الإسلامي، وينبع هذا الإهتمام من إرتباط المملكة بالإسلام الذي يعد مصدر الشرعية للنظام السياسي السعودي([99]).إلا أن تفاعل المملكة مع تلك الأحداث وتأثرها بها وتأثيرها فيها لم يأخذ أبعاده الأساسية إلا مع بدايات حكم الملك فيصل([100])الذي تتضمن رؤيته الإسلامية للعالم ثلاثة عناصر هي:-

    1- المركز، حيث يوجد العالم الإسلامي على الرغم من عدم توحده وضعفه. 

    2- الهامش، حيث يوجد أهل الكتاب المتمثلين في دول العالم الغربي، وهنا يرى الملك فيصل   أن الولايات المتحدة هي دولة مسيحية أكثر من كونها دولة ديمقراطية علمانية،وبالتالي فإن عليها التزاماً معنوياً يتمثل في حماية والدفاع عن كل العالم الحـر بما فيه العالم الإسلامي([101]).وعلـى هـذا النحـو يدافع السعوديون عن علاقاتهم الوطيدة مع الغرب رغم كونه يمثل القوة

الرئيسية المساندة لإسرائيل، فالغرب من وجهة النظر السعودية ليس فقط مصدراً لإمداد المملكة بالتكنولوجية المتقدمة والإساليب العلمية الضرورية لعملية التنمية والتحديث، بل يمكنه أيضاً أن يخفض من دعمه ومساندته لإسرائيل أو على الإقل الضغط عليها للتخفيف من حدة سياساتها المتطرفة ضد الحقوق العربية والإسلامية في المناطق المحتلة . 

    3- الجانب المقابل للهامش، حيث توجد القوى الشيوعية والصهيونية والتي تمثل تهديداً للبلدان الإسلامية والمسيحية على السواء ([102]).

    وتنبع الرؤية السابقة للملك فيصل من المفهوم الإسلامي التقليدي حول تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وهي رؤية تتوافق مع الدور المركزي الذي يلعبه الإسلام كأيديولوجية للنظام السياسي السعودي، وقد عكست تلك الرؤية نفسها في نجاح المملكة في عقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط 1969 والذي تمخض عنه إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي كتجمع للدول الإسلامية يهتم بقضايا التضامن بين الدول الإسلامية ([103]).

    ويمكن القول أن حرص المملكة على وقف المد الشيوعي يأتي من الإلتزام بالقواعد الإسلامية،  وكذلك فإن مواجهة الصهيونية بتكتيل الجهود والثروات العربية والإسلامية معاً هو إمتداد لنفس السياسة ([104]).

    لكن لا يجب أن يفهم مما سبق ذكره أن المملكة تعطي أولوية للعالم الإسلامي  على المنطقة العربية، ذلك لأن العالم العربي يشكل جزءاً من الأمة الإسلامية، وبالتالي فمن الصعوبة بمكان الفصل أو التمييز بينهما ([105]).

    إلا أن تفاعل المملكة مع تطورات الأحداث في المجال الإسلامي يظهر أن هذا التفاعل لا يعني بالضرورة الإلتزام بالقواعد الإسلامية فقط أو أنها تخدم أهدافاً إسلامية وحسب، يل يخضع أحياناً لإعتبارات سياسية وإقتصادية وإستراتيجية . ويتضح هذا الأمر في الإستخدام المكثف لفكرة الحلف الإسلامي في منتصف الستينيات من قبل الملك فيصل لمواجهة فكرة القومية العربية التي كانت ترفعها آنذاك القيادة الناصرية المصرية، ولإحتواء الآثار الناتجة عن التواجد المصري في اليمن، ثم تقلص هذا التوظيف السعودي إلى أقل درجاته بعد هزيمة يونية 1967 والتي أدت إلى تخفيف القيادة المصرية من إستخدامها الشعارات القومية في المجال العربي([106]).

    وعلى الرغم من هذا الإختلاف في المراحل الزمنية المختلفة، إلا أنه يمكن القول بأن هناك حرصاً عاماً للمملكة على إظهار الطابع الإسلامي لتحركاتها الدولية، إذ أنه يؤكد على إتساق العمل (داخلياً وخارجياً) بالمنهج الإسلامي الذي يعد مصدراً للشرعية السياسية في المملكة وهدفاً تلتزم به المؤسسة التنفيذية في بنائها وأدائها لوظائفها ([107]).

   ويجب القول أن تطورات بيئة المملكة الخارجية على المستوى الإسلامي أتاح للمملكة فرص التميز والتفوق بإعتبارها الدولة التي تنتهج مبدأ التضامن الإسلامي من بين مجموعة الدول الإسلامية، إلا أن تلك التطورات مثلت أحد عناصر التحدي على النظام السياسي في المملكة. فمثلاً ساهمت الثورة الإيرانية – بإعتبارها النموذج الإسلامي الراديكالي في العالم الإسلامي-في إيجاد مجالاً للمقارنة مع النهج السعودي –بإعتباره النموذج الإسلامي المحافظ في العالم الإسلامي، الذي يستمد شرعيته من هذا النموذج -ليس فقط في فلسفتها وتفاعلاتها في المجال الخارجي بل في المجال الداخلي، الأمر الذي يمثل تحدياً

أمام قناعة المواطنين السعوديين بعملية التنمية والتحديث السعودية والتي من بينها القناعة بماهية المؤسسة التنفيذية ذاتها ومصادر وأدوات بنائها وأدائها لوظائفها ([108]). كما جعلت الثورة الإيرانية الالتزام السعودي بضرورة تطوير ممارسات الدولة على الأسس الإسلامية -بما يتناسب مع مجريات التغير الإجتماعي السريع في المملكة- أمراً ملحاً ومكلفاً سياسياً.   

ثالثاً: تطورات البيئة الخارجية على المستوى الاقليمي والعربي :

    للبيئة الخارجية وتطوراتها على المستوى الاقليمي والعربي وخصوصاً التطورات في منطقة الخليج أهمية بالغة بالنسبة للمملكة، حيث أن إستقرار الأوضاع وتحقيق الوئام في البيئة العربية والقضاء على الخلافات بالطرق الودية ونبذ الصدامات والحروب التي تمزق أواصر الأخوة، وإحترام إرادات الدول الأخرى ، تؤدي إلى إستقرار الأوضاع السياسية الداخلية في الدول ([109]). ومن ثم يدعم من قوة واستمرار عملية البناء والتنمية .

    ومنذ أن اتصل الملك عبد العزيز بالعالم الخارجي بعد فتح جدة عام 1926 حرص على أن تكون الدولة الناهضة على علاقة منتظمة مع الدول العربية، فكانت مفوضية القاهرة هي أول ممثلية عربية سعودية خارج البلاد وذلك في عام 1926([110]).

    وفرضت ظروف بدايات نشأة الدولة السعودية إقتصار تأثير البيئة الخارجية على المستوى الاقليمي والعربي على المجال الحيوي للمملكة في منطقة الخليج العربي، إلا أن ذلك لم يمنع المملكة من الوقوف أمام تجاوزات الإمام يحيى إمام اليمن عام 1934 على سيادة المملكة على أقاليمها وخصوصاً الإقليم الجنوبي  الغربي المجاور لليمن([111])، كما اهتمت المملكة بالحصول على إعتراف بريطانيا بحدودها الشمالية والشرقية ([112]).

    وبصفة عامة مرت علاقات المملكة بمنطقة الخليج العربي بمراحل تميزت كل منها بخصائص أساسية، وهذه المراحل تتمثل فيما يلي ([113]):-

1- المرحلة الأولى من نهاية القرن الـ18 وحتى نهاية القرن الـ19: وأدى تطور  الأحداث في تلك المرحلة إلى تثبيت الدعائم الأولية لإقامة الدولة السعودية الحديثة بين الكيانات السياسية في الخليج العربي، وذلك عن طريق نشر الدعوة السلفية بين هذه الكيانات، والحصول على مركز قوة وفرض الأتاوة السنوية للخزينة السعودية.

2- المرحلة الثانية من بداية القرن العشرين وحتى بداية الستينيات من هذا القرن: وهي تتطابق مع بدايات بناء مؤسسات الدولة السعودية الحديثة، وفيها أدى تطور الأحداث إلى حصول المملكة على مكاسب تجارية وإن كانت بكميات لا تسمح ببناء جاد وحديث لمؤسسات الدولة- تتلخص في تحويل التجارة من ميناء المنامة والكويت إلى ميناء القطيف والعقير، هذا بالإضافة إلى ظهور النفط الذي حول العلاقة بين المملكة وإمارات الخليج من صراع على مناطق النفوذ والمكاسب المادية ونشر الدعـوة السلفيـة ، إلى طبيعـة تتســم -إلى حـد مـا- بالإستقـرار النسـبي والذي جاء نتيجة للإيرادات النفطية التي لم تكـن بالحـد الـذي يسمح بتنمية شاملة إلا في السبعينيات والثمانينيات ، فأصبحت المشاكل تنحصر في تحديـد الجرف القاري والمياه الإقليمية بين المملكة وتلك الدول، وهكذا إتاحت تلك المرحلة ظروف إستقرار نسبي بجانب إيرادات نفطية في نهاية تلك المرحلة- أدت إلى العمل على الشروع في البدايات الأولى لبناء مؤسسات الدولة الحديثة.

3- المرحلة الثالثة والتي تأتي في أعقاب الإنسحاب البريطاني من منطقة الخليج العربي عام 1968 حتى نهاية فترة الدراسة، ونتج عن هذا الإنسحاب أن إنتقلت العلاقة بين المملكة ودول الخليج من التركيز على حل مشاكل المياه الإقليمية إلى المساهمة في تنظيم الأوضاع الإقليمية المتعلقة ببقية إمارات الخليج وتقف ضد المطالب الإيرانية في البحرين، ومواقف بعض قادة العراق من المطالبة بضم الكويت، بالإضافة إلى الدخول في علاقات تعاون مع تلك الدول على أساس نشر الإستقرار والمناهضة للإتجاهات الراديكالية المعاكسة لطبيعة الأنظمة السياسية في الخليج العربي . كما اتسمت علاقة المملكة بالعراق في تلك المرحلة بالحساسية منذ العهد الملكي الهاشمي في العراق، فبالرغم من أن مشاكل الحدود وجدت الحل في تلك الفترة، إلا أن جو العلاقات تعرض لمواقف محرجة ، نتيجة للأطماع العراقية في الكويت ، ودور المملكة في المحافظة على كيان الكويت من جهة ومنع إمتداد النظام العراقي إلى حدودها من جهة أخرى . أما علاقات المملكة بإيران فقد أتصفت بالكثير من عوامل التناقض على الرغم من وجود مقومات التعاون بحكم المحافظة على النظام السياسي في الدولتين والأنظمة التقليدية في المنطقة في آن واحد. وتمحورت عوامل التناقض في الصراع على النفوذ في منطقة الخليج ولعب دور الدولة الكبرى في المنطقة ، وبلغ هذا التناقض قمته حينما إنهار النظام الإمبراطوري الإيراني، وقامت على أنقاضه حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، مما أدى إلى تقارب في العلاقات السعودية العراقية بدأ إثر توقيع “إتفاقية الجزائر 1975” بين ايران و العراق، وهدفت المملكة من هذا التقارب الحيلولة دون حدوث تقارب عراقي إيراني يهدد مصالح المملكة، في المحافظة  على إستقرار الأوضاع السياسية والحيلولة دون نشر الأفكار الراديكالية في الخليج العربي. ونتج عن قيام الجمهورية الإيرانية احتدام الصراع في منطقة الخليج تمثل في أشد صوره في نشوب الحرب العراقية الإيرانية ووقوف الدول الخليجية مالياً وسياسياً بجانب العراق . وبصفة عامة كشفت الثورة الإيرانية نقاط الضعف على المستوى السياسي ومستوى التركيبة الإجتماعية لبعضها، ولم يساهم التهديد الأيديولوجي الإيراني إلا في مزيد من التأكيد عليها وإستغلالها، ومثلت الحركات الإسلامية المعارضة والأقليات الشيعية في دول الخليج (كمنظمة الثورة الإسلامية-الجزيرة العربية داخل السعودية) أهم نقاط الضعف، حيث أن تلك الحركات شكلت تهديداً لشرعية النظم السياسية طارحة بدلاً إسلامياً للنماذج التحديثية والتنموية ([114]). لكن كانت هناك نتائج إيجابية للثورة الإيرانية لصالح المملكة ودول الخليج ، فمع بروز وقائعها إنهارت صناعة النفط الإيرانية، مما أدى إلى إرتفاعات هائلة في أسعار النفط العالمي فمثلاً إرتفع سعر البرميل من الزيت الخفيف في السوق الحاضرة من 13.50 دولار أمريكي في الربع الأخير من عام 1978 إلى 38.63 دولار أمريكي بحلول الربع الأخير من عام 1980، وهذا الإرتفاع في الأسعار وفر إيرادات مالية ضخمة للميزانية السعودية في السنتين الأخيرتين من خطة التنمية الثانية والثلاث سنوات الأولى من خطة التنمية الثالثة ([115]).

    وحتى تاريخ نهاية فترة الدراسة 1985 تميز توجه الثورة الإيرانية تجاه المملكة ودول الخليج الأخرى بالحماس الحركي الذي هدف إلى تصدير الثورة الإسلامية ، وكان إنشاء مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981 من أهم نتائج الثورة الإيرانية([116]).

    أما عن تطورات البيئة الخارجية على المستوى الإقليمي العربي الأشمل وتفاعل المملكة معها، فإنه بدأ منذ النصف الأول من هذا القرن، وإن كان هذا التفاعل محدوداً مقارنة بالنصف الثاني من هذا القرن بسبب محدودية إمكانات الدولة ، إلا أن ذلك لم يمنع المملكة من التفاعل مع الأحداث العربية وخصوصاً الأحداث التي تؤكد شرعية الوجود السعودي ذاته، فمثلاً تعد المملكة أحد الأعضاء المؤسسين لجامعة الدول العربية ([117])، كما شاركت المملكة بوحداث رمزية في حرب فلسطين عام 1948([118])، وفي المؤتمرات العديدة التي عقدت لنصرة القضية الفلسطينية فيما بعد، وتحالفها مع القاهرة لمقاومة فكرة إقامة حلف بغداد، كذلك عندما إتضح لحكومة المملكة أن مصر تنتهج النهج الراديكالي في المنطقة العربية تحت مظلة المعسكر الشرقي فإنها قاومت ذلك النهج، وكان تفاعل المملكة مع تلك التطورات فرصة لتكريس وجودها الخارجي وإرساء دعائمها الداخلية، وذلك عن طريق التأكيد على هويتها العربية والاسلامية التي تعد أساس شرعيتها السياسية ([119]).

    ومع بداية الستينيات من هذا القرن بدأت المملكة تدخل في دائرة تطور الأحداث العربية، وخصوصاً تلك الأحداث التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر على نظامها السياسي الداخلي، فبعد هزيمة يونيو 1967 فتح المجال أمام الدول العربية المحافظة ومن بينها السعودية بكل ثقلها من أجل إحتواء الهزيمة ورفع أثار العدوان، وكان مؤتمر الخرطوم عام 1967 فرصة لبروز دور المملكة في السياسة العربية كدولة إقليمية رائدة تدعو إلى التضامن العربي وتصفية الخلافات العربية ([120])، وهذا الأمر أدى إلى خلق مناخ من التعاون العربي إستفادت منه المملكة في بداية خطتها التنموية الأولى بتكثيف بالإستعانة بالخبرات والعمالة العربية.

    وفي حرب اكتوبر  1973 تفاعلت المملكة تفاعلاً كثيفاً، حيث شاركت القوات السعودية في المعركة إلى جانب القوات السورية، كما أدارت معركة النفط التي سارت في إتجاهين أحدهما تخفيض إنتاج النفط والآخر فرض حظر كلي  على الدول المؤيدة لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة وهولندا ([121]). وبصرف النظر عن تقييم إستخدام النفط كسلاح إقتصادي في الأزمات الدولية، فقد نتج عن ذلك إرتفاع أسعار النفط العالمية بنسبة كبيرة في الربع الأخير من عام 1973 عن الأعوام السابقة، وإستمر هذا الإرتفاع حتى نهاية فترة الدراسة خلال سنوات خطط التنمية الأولى والثانية والثالثة -بإستثناء إنخفاض الاسعار في بعض السنوات-،وزاد إنتاج المملكة النفطي([122])،مما أدى إلى زيادة الإيرادات الإجمالية السعودية، وكان ذلك بمثابة قوة دفع هائلة لعملية بناء المؤسسات والتنمية في المملكة، كما سيتضح في الفصل التالي من الدراسة.

    وإستمرت المملكة بعد الفترة التي تلت حرب أكتوبر وحتى نهاية فترة الدراسة في التعامل مع تطورات البيئة الخارجية في المجال العربي من منطلق تحقيق التضامن والتعاون العربي،ويمكن تمثيل ذلك من خلال جهود  المملكة لتطويق الخلافات بين الجزائر والمغرب بشان الصحراء المغربية،وجهود حل المشكلة اللبنانية،وجهود تطويق الخلافات السياسية بين سوريا والأردن وسوريا والعراق،وحتى الموقف المعادي التي إتخذته المملكة من إتفاقية كامب ديفيد قصد منه الحفاظ على التضامن العربي.وقد نتج عن سياسة التضامن العربي الذي تبنته المملكة في تعاملها مع تطورات البيئة الخارجية في المجال العربي،عدم تورط المملكة أو إعتبارها طرفاً في أي نزاع عربي عربي([123])،وهذا كله يؤدي إلى تثبيت دعائم الدول السعودية التي تتخذ من العروبة والإسلام أساساً لشرعيتها السياسية، كما أنه يخلق  المجال للإستقرار الداخلي وللتعاون والإستفادة من الخبرات والمقدرات العربية التي تحتاجها السعودية في خططها التنموية والبناء الداخلي.

   اتضح مما سبق أن لتطورات البيئة الخارجية -بجانب تطورات البيئة الداخلية- أثر كبير على عملية بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة، وهناك عوامل مساعدة عظمت من هذا الأثر . فعلى المستوى الروحي أكدت تلك التطورات على كون المملكة منشأ الإسلام والعروبة، فهي تقع في قلب الجزيرة العربية  ويوجد فيها الحرمين الشريفين، وهذا مهد الطريق لكي يرتبط النظام السياسي في المملكة إرتباطاً وثيقاً بالعالمين العربي والإسلامي من خلال تأثيره فيهما وتأثره بتطورات أحداثها([124])، الأمر الذي أعطى للمملكة ثقل سياسي خارجي الذي بدوره أكد على الثقل السياسي الداخلي للمؤسسة التنفيذية، ويبدو جانب تأثر المؤسسة التنفيذية بهذا المجال في ظهور وزارة الحج ووزارة الشؤون الإسلامية . أما على المستوى المادي، فتعد المملكة بكل المقاييس عملاق نفطي تعتمد عليه الدول المتقدمة في امداداتها من الطاقة، أدى ذلك إلى سعي الدول المتقدمة لبناء علاقات سياسية تجارية مع المملكة مما أدى إلى خلق بيئة مناسبة ساعدت المملكة على الإستعانة بالخبرات الغربية في تنمية وتحديث مؤسساتها، في نفس الوقت الذي ظهرت فيه وزارات للتكيف والتفاعل مع هذا الجانب كوزارة الصناعة والتجارة والبترول والثروة المعدنية، وكان التحديث الذي تبنته المملكة يتسم بالطابع الغربي وخصوصاً الأمريكي. كما نتج عن تلك التطورات بروز أهمية الجانب المؤسساتي المختص بالتعامل مع البيئة الخارجية، ويتأكد ذلك بشكل أوضح في بروز وزارة الخارجية كأول وزارة أنشئت في المملكة قبل مجلس الوزراء نفسه كان الهدف منها هو التصدي لتفاعلات المملكة الخارجية([125]). وعندما تولى الملك فيصل الحكم اختار أن يجمع طوال عهده بين منصب الملك ومنصب وزير الخارجية ([126]) للتعبير عن تعاظم الإهتمام بالجانب الخارجي للإعتقاد بأنه هو الذي يضمن الإستقرار والرخاء الداخلي، ويكون محدداً لعملية بناء المؤسسات وتطويرها .

    وكان للأوضاع الجيوبوليتيكية المباشرة للمملكة دور في إرتباطها بالعالم الخارجي المحيط مباشرة بها، نتيجة لقربها من إيران وإشتراكها في الحدود الدولية مع العراق، وكلاهما يتبنى توجهات تهدف إلى تغيير الأمر الواقع في منطقة الخليج([127])، وهذا ما يتعارض مع توجهات المملكة القائمة على المحافظة على الأوضاع الراهنة. كما أكدت الأوضاع الديموغرافية من هذا الارتباط، فالمملكة تعاني من نقص كمي وكيفي في القوى العاملة الوطنية ([128])، وعلى الرغم من الجهود المبذولة لتنمية الموارد البشرية  إلا أن هذا النقص يظل عقبة رئيسة أمام التنمية الشاملة بوجه عام وعملية البناء المؤسسي وكفاءتها وفعاليتها بوجه خاص ، وهذا أدى إلى إعتماد المملكة في جزء كبير من حاجتها للعمالة الاجنبية على العمالة العربية في تنفيذ مشاريع التنمية وبناء المؤسسات .

    وبعد الوقوف على هذه التطورات في البيئتين الداخلية والخارجية للمملكة التي تبلورت من خلالها عملية بناء المؤسسة التنفيذية ، فكيف تمت عملية البناء تلك ؟ وما هي ظروف هذه العملية وإفرازاتها ؟ هذا هو موضوع المبحث التالي في هذه الدراسة .

المبحث الثالث
التكامل السياسي وعملية بناء المؤسسة التنفيذية
    يتبنى هذا المبحث وجهة النظر التي تتجه إلى إضفاء الطابع الإداري على النظام السعودي ، فالمملكة ليس فيها نظام انتخابي ولا مجلس منتخب أو حتى أحزاب سياسية بالمعنى الغربي المعروف ، لذا فإن هذا الغياب لتلك الأشكال المختلفة من المشاركة في السلطة ، سواء من قبل مؤسسات رسمية أو غير رسمية ، أعطى النظام السياسي في المملكة وجهة إدارية ، وترتب على ذلك وجود صعوبة في التفريق بوضوح بين السياسة العامة والإدارة العامة . فالسياسة العامة في المملكة تصنع وتنفذ من خلال المؤسسات الإدارية ( ).
    وعدم وجود مؤسسات سياسية في المملكة بمعناها الغربي المعروف له ما يبرره استناداً إلى عاملين رئيسيين الأول أن المملكة تطبق الدستور الإسلامي المتمثل في الشريعة الإسلامية ، وهذا النظام يحظر تعدد الأحزاب ( ). العامل الثاني تمثل في طبيعة الهيكل الاجتماعي للبلاد ، فالسعودية مجتمع قبلي لو سمح فيه بتعدد الأحزاب فإن هذا سيقوي النزعة العصبية لدى كل قبيلة لتجعل لنفسها حزباً تضعه تحت سيطرتها ، مما يتنافى مع مبدأ توحيد الأمة وصهرها في كيان قومي واحد ، أو بالمعنى الأكاديمي حل أزمة التكامل وبسط سيطرة النظام على كافة أرجاء الدولة وتوجيه الولاء نحو الدولة ككل وليس القبيلة ، وبالتالي لن يساهم هذا في العملية الديمقراطية المقصودة من تعدد الأحزاب ( ).
    إن تطور النظام السعودي قد تشكل بواسطة عاملين رئيسيين الأول هو الشكل الملكي للنظام السياسي ، والثاني يتمثل في عوائد البلاد الضخمة من النفط الذي كان من أهم آثاره فرض الاقتصاد المخطط بمفهومه الحديث ، مما أثر في نهاية الأمر على عملية البناء المؤسسي ( ). ومن الممكن أن نرى آثار هذين العاملين بوضوح على نظام البلاد منذ توحيد المملكة عام 1932 . فقبل عوائد النفط لم يكن الملك يستطيع أن يقدم أو يزود البلاد بالسلع والخدمات ، والشعب لم يمارس عليه أي تأثير، عدا إقليم الحجاز ، فمعظم المواطنين من البدو والمزارعين ذوي التوقعات ومستوى التعليم المنخفض ، لذا فالملك لم يكن بحاجة إلى أجهزة إدارية معقدة لإدارة البلاد باستثناء إقليم الحجاز الذي مثل ، كما سيتضح لاحقاً ، أول تجربة مميزة في مجال النظام الإداري للمملكة ( ). كما أن المملكة لم تكن تستطيع أن تتجه إلى التخطيط الاقتصادي الذي هدف إلى تحديد الأهداف العامة لتحقيق التنمية الشاملة ، إلا بفضل الثروة الهائلة التي أتيحت من إيرادات النفط في بدايات السبعينات عندما شرعت الحكومة في تنفيذ أول خطة خمسية 70-1975. 
    ومن خلال هذا المبحث سيتم دراسة وتحليل التكامل السياسي وبناء مؤسسات الدولة وتطورها ، وظهور الاقتصاد المخطط في المملكة وذلك من خلال المحاور الآتية :-
أولاً : المحاولات الأولى لبناء المؤسسة التنفيذية من 24- 1953 .
ثانياً : التكامل السياسي وبناء المؤسسة التنفيذية من 53- 1985 .  
ثالثاً : ظهور وتطور التخطيط الاقتصادي في المملكة ، وتأثيره على البناء والتكامل المؤسسي . 
أولاً : المحاولات الأولى لبناء المؤسسة التنفيذية من 24- 1953 :
1- الفترة بين  1924 و1932:
    كان أهم حدث في تلك الفترة هو اكتمال نشر سيطرة الملك عبدالعزيز على أرجاء الجزيرة العربية بالكامل وتكوين الدولة السعودية الناشئة وتسميتها باسم المملكة العربية السعودية ، وقد كانت الأولوية عند الملك عبد العزيز – حيث كان يلقب آنذاك بالسلطان عبدالعزيز قبل  تسمية الدولة باسم المملكة العربية السعودية عام 1932- في تلك الفترة هي الحفاظ على وظيفة الأمن فعمل على إنشاء المؤسسات التي تحافظ على أمن واستقرار الدولة سياسياً وجغرافياً ( )، ثم العمل على إنشاء تنظيمات حكومية  أو تطوير القائم منها بما يتوافق ووظائف الدولة الحديثة ، وتمشياً مع هذا النهج بقيت كل منطقة محافظة على سياساتها الإدارية كما كانت قبل عملية توحيد الدولة ( )، بل إن انتقال السكان وتبادل المنتجات والاتصال مع الأمم الأخرى كان محدوداً للغاية بسبب العديد من العوائق أهمها العوائق الجغرافية مما منع كل منطقة من تغيير تقاليدها وتحسين أنظمتها ( ). 
    وخلال فترة ما قبل التوحيد، كان هناك نظامين للإدارة الأول في الحجاز والثاني في الأقاليم الأخرى. وكانت الإدارة في الإقليم الغربي (الحجاز)ذات نمط متميز -مقارنة بالأقاليم الأخرى- لأنها تحتوي علي المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة قلب العالم الإسلامي التي يحج إليها المسلمون من أقطار مختلفة كل عام ، فالإدارة في هذا الإقليم كان عليها عبء تقديم الخدمات اللازمة لهؤلاء الحجيج. والنظام الإداري في الحجاز قد تأثر بنظام الإمبراطورية العثمانية، لذلك حينما سيطر الملك عبدالعزيز على مكة عام 1924 لم يقم بفرض نظام جديد، بل ترك الناس يختارون هيكلهم الإداري، ووعد أنه لن يغير شيئاً وسوف يدير المقاطعة بموجب التقاليد الإسلامية. وقد تمثلت المحاولات الأولى لبناء المؤسسات فيما يلي :-
    أ- المجلس الأهلي في مكة :
حينما تمت السيادة للملك عبد العزيز على مكة عام 1924 أمر الأهالي بتكوين مجلس أهلي . ذلك المجلس الذي تكون من 25 عضو ورئيس مثل أهم المؤسسات النظامية التي تم إنشائها في تلك الفترة ( ). وقد حددت اختصاصات المجلس كما يلي( ):- 
    1) تنظيم شئون مكة المكرمة .
    2) مراجعة النظام القضائي واستبدال القانون العثماني بالقانون الإسلامي .
    3) مراجعة الأنظمة حول الحج والأوقاف .
    4) الإشراف على المدارس الدينية .
    5) صياغة قوانين جديدة حول الاتصالات والتجارة .
    6) تشكيل لجان دائمة لحل المشاكل الداخلية التي يرجع فيها إلى العرف الذي لا يخالف أصلاً من أصول الشريعة الإسلامية .  
    ويستدل من هذه الصلاحيات أن اختصاصات المجلس شملت جميع الأمور والمسائل التي تهم البلاد عدا الأمور العسكرية والخارجية التي بقيت ضمن صلاحيات الملك ، حيث كان يشرف على تنظيمها وإدارتها بنفسه ، ويعد المجلس الأهلي في مكة أول مؤسسة أنشأها الملك عبدالعزيز بعد دخوله الحجاز وشكل نواة مجلس الشورى العام الذي تألف فيما بعد ( ) . 
    ب- المجالس الاستشارية :
بعد دخول الملك عبد العزيز جدة عام 1925 أنشأ فيها لجنة أهلية مكونة من 14 عضواً من الأهالي اختصت بالإشراف على أمور المدينة الداخلية ( ) .وبعد ضم المدينة المنورة وإعلان إنهاء الحرب في الحجاز ( )، قام الأهالي بمبايعة الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز ( )، واستلم الأمير فيصل( ) زمام الأمور في الحجاز اعتباراً من 28/6/1344هـ (1925)، وساعده في المهمة مجلس استشاري من ثلاثة أعضاء عينهم الملك ، وكان من مهام هذا المجلس أن يتعامل في المقام الأول مع الشئون المحلية لكل إقليم الحجاز وليس له تعامل مع القضايا الخارجية أو الدفاع التي قصرت على الملك عبدالعزيز( ). كما أصدر الملك عبدالعزيز بعد ذلك بلاغاً رسمياً يدعو فيه لانتخاب مجالس استشارية( )، وقد نص البلاغ على تأليف مجالس استشارية في كل من مكة والمدينة وجدة وينبع والطائف تختص بالنظر في المسائل المحلية على أن يتألف مجلس مكة من عشرة أعضاء ومجلس المدينة من ستة أعضاء ومجلس كل من ينبع والطائف من أربعة أعضاء ، وعلى أن تختار الحكومة رئيساً لكل مجلس ، وحدد البلاغ حق الانتخاب بالعلماء والتجار وأعيان البلاد ورؤساء الحرف والمهن واشترط في العضو المنتخب أن يجيد القراءة و الكتابة ويكون متمتعاً بسيرة حسنة ( ).
    بالإضافة إلى ما سبق نص البلاغ أيضا على تأليف مجلس عام يدعي مجلس الشورى العام ، يتألف من ثلاثة عشر عضواً ، أربعة أعضاء من مكة ، عضوان من المدينة ، عضوان من جدة ، عضو واحد من ينبع ، عضو واحد من الطائف ، وثلاثة أعضاء من رؤساء العشائر ، يقوم بانتخابهم أعضاء المجالس الاستشارية ( ). إلا أن هذا المجلس لم يتشكل على أرض الواقع.
    وفي عام 1926 وكما جاء في التعليمات الأساسية،تم تشكيل مجلس شورى في مكة مكون من النائب العام ومستشاريه وستة أشخاص يعينهم الملك من ذوي العلم والتقوى لمدة سنة.وينعقد المجلس تحت رئاسة النائب العام أو أحد مستشاريه مرة في الأسبوع أو أكثر عند اللزوم للنظر في الأمور التي تحال إليه من النيابة العامة ويتخذ قراراته بشأنها بأكثرية الآراء. ويجوز لمديري الدوائر حضور جلسات المجلس أثناء انعقاده لبحث أمور تتعلق بدوائرهم وذلك بدعوة من النيابة العامة، وقرارات المجلس لا تكون نافذة إلا بعد أن تعرضها النيابة العامة على الملك ويوافق عليها( ).وقد تشكل المجلس على النحو السالف عام 1926 ولكنه لم يعمل سوى حوالي عشرة أشهر،إلا أنه وبعد سنة من تشكيلات الحكومة على النحو الذي جاء في التعليمات الأساسية ، اختار الملك عبد العزيز لجنة عرفت بإسم لجنة التفتيش والإصلاح ، وكان من توجيهات هذه 
اللجنة أن أعدت مشروع نظام جديد لمجلس الشورى وافق عليه الملك ، وصدر بلاغ من النيابة العامة يقضي بحل المجلس القديم في 7/7/1927 ( ) . وبعد يومين من حله ، صدر نظامه الجديد وفي نفس اليوم الذي صدر فيه هذا النظام تم تعيين أعضائه الجدد وافتتحت دورته الأولى .
    وقد تألف المجلس وفق نظامه الجديد من ثمانية أعضاء برئاسة النائب العام ، تنتخب الحكومة أربعة أعضاء بعد استشارة أهل الخبرة والمكانة ، وتنتخب الأربعة الآخرين بمعرفتها ، ويكون عضوان منهم من نجد ومدة عضوية جميع الأعضاء سنتان ، ويعقد المجلس جلستين عاديتين في الأسبوع ، ويتم نصاب جلساته بحضور الرئيس وأربعة أعضاء ويتخذ قراراته بموافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين ، وأثناء انعقاد المجلس يجوز للنائب العام أن يحضر معه أحد مستشاريه دون أن يكون له حق التصويت على قرارات المجلس ، كما ألزم مديري الدوائر الحكومية حضور جلسات المجلس أثناء انعقاده لبحث أمور تتعلق بدوائرهم وذلك بدعوة من النيابة العامة . وأعطى النظام للمجلس صلاحيات واسعة تمكنه عند ممارستها من الوقوف في وجه الحكومة، وتصل إلى حد نقض قراراتها في بعض الأمور . فإذا عرضت الحكومة على المجلس مشروعاً معيناً ولم يوافق عليه أو أجري عليه بعض التعديلات ولم تقتنع الحكومة برأيه وإعادته إليه مع ملاحظاتها ، يمكن للمجلس أن يرفضه ولا يجري عليه التعديلات التي طلبتها الحكومة ويتمسك برأيه ، وفي مثل هذه الحالات تكون الكلمة النهائية للملك ، ويحق للمجلس مراجعة الملك بواسطة رئيسه عن أي مشروع وافق عليه وأحاله إلى الملك ومضى عليه شهران قبل صدور الموافقة عليه ، وأجاز للمجلس أيضا أن يلفت نظر الحكومة عند وقوع أي خطا في تطبيق القوانين والأنظمة .واستناداً إلى نظام المجلس الجديد ، فقد اختص المجلس بما يلي ( ):- 
    1) موازنات دوائر الحكومة والبلدية وموازنة عين زبيدة .
    2) الترخيص للمشاريع الاقتصادية والعمرانية .
    3) الامتيازات والمشاريع المالية والاقتصادية .
    4) نزع الملكية للمنافع العمومية .
    5) سن القوانين والأنظمة .
    6) الموازنات التي تضاف إلى موازنات الدوائر في بحر السنة .
    7) النفقات العارضة التي تعرض لدوائر الحكومة في بحر السنة ، إذا زاد المطلوب عن مائة جنيه.
    8) قرارات استخدام الموظفين الأجانب .
    9) العقود مع الشركات أو التجار لشراء أو بيع لوازم دوائر الحكومة إذا زاد المبلغ عن مائتي جنيه .
    وقد مارس المجلس أعماله وفقاً لنظامه هذا حوالي سنة تقريباً ثم صدر أمر ملكي في عام 1928بنظام جديد له، يعتبر التعديل الثاني ، أجرى من خلاله عدة تعديلات وإضافات كان أهمها ما يلي ( ):-  
    1) أصبح المجلس يتألف من العدد الذي تصدر به الإرادة الملكية تحت رئاسة النائب العام ، وكان سابقاً يتألف من ثماني أعضاء برئاسة النائب العام .
    2) أصبح لرئيس المجلس نائب دائم يعينه الملك ونائب ثان ينتخبه المجلس ويقوم مقام النائب الأول أثناء غيابه .
    3) أصبح المجلس ينعقد يومياً للنظر في الأمور المعروضة عليه بدلاً من انعقاده مرتين في الأسبوع . وهذا التعديل يتيح للمجلس وقتاً أوسع لدراسة ومناقشة الموضوعات التي أمامه بحيث يكون قادراً على إنجاز أعماله . ومن جهة أخرى يكون لديه متسع من الوقت لدراسة الموضوعات ومناقشتها بطريقة أفضل .
    4) أصبح نصاب المجلس القانوني يتم بحضور ثلثي الأعضاء والرئيس بدلاً من أربعة أعضاء والرئيس . وهذا التعديل يكفل أن تتم دراسة الموضوعات المعروضة علي المجلس من قبل عدد أكثر من أعضائه وتكون بذلك قراراته نتيجة لآراء ومعلومات أوسع .
     5) أصبحت قرارات المجلس تصدر بموافقة أكثرية الأعضاء الحاضرين بدلاً من ثلثي الحاضرين. وهذا التعديل لا يضمن صدور قراراته بموافقة عدد أكبر .
    6) حدد النظام الجديد واجبات أمين سر المجلس وحدد مسئوليته ، إذ تقع عليه مسئولية توزيع جدول الأعمال والمذكرات التي تضعها الرئاسة على أعضاء المجلس قبل انعقاده بيوم واحد على الأقل ، كما أجاز النظام للمجلس أن يعين الكتبة اللازمين له .
    جـ- تنظيم المؤسسات بموجب التعليمات الأساسية : 
بطلب من الملك تألفت هيئة تأسيسية مكونة من ثمانية أعضاء تم انتخابهم بالاقتراع السري من قبل ممثلين عن جميع مدن الحجاز ، وأضاف الملك إلى الهيئة خمسة أعضاء آخرين وعين رئيساً لها ، وكان من مهام الهيئة التأسيسية وضع تشكيلات الحكومة الأساسية .
    وقد تابعت الهيئة التأسيسية عقد اجتماعاتها وتمكنت في مدة لا تزيد عن سبعة أشهر من وضع المواد الأساسية لنظام الحكم والإدارة ، وبعد عرضها على الملك صدرت مقترنة بموافقته عليها بتاريخ 30/8/1926 ، وقد اشتملت التعليمات الأساسية  على تسعة أقسام اختص القسم الأول منها بأن الدولة ملكية شورية إسلامية عاصمتها مكة ولغتها الرسمية اللغة العربية(1) ، والقسم الثاني بإدارة المملكة والأحكام والنيابة العامة ( ) ومسئولية الإدارة ، حيث أن الملك هو السلطة العليا التي تحكم المملكة ، وهو مقيد في أحكامه بالشريعة الإسلامية بموجب ما جاء في القرآن والسنة وما عليه السلف الصالح ، وعلى النائب العام الذي يعينه الملك ، تقع مسئولية إدارة جميع أمور المملكة الواردة في التعليمات ما عدا الأمور الخارجية والعسكرية فهي من اختصاص الملك ، والنائب العام مسئول أمام الملك عن حسن إدارتها ، والقسم الثالث بأمور المملكة، والقسم الرابع بالمجالس ، والقسم الخامس بديوان المحاسبات ، والسادس بالمفتشية العامة، والسابع بالمأمورين ، والثامن بالمجالس العمومية البلدية ، والتاسع بلجان الإدارة للبلديات ( ) ، وأصبحت مؤسسات الدولة.
    1)- أمور المملكة ( ):- 
    قسمت أمور المملكة بموجب ما جاء في التعليمات الأساسية إلى ستة أمور من خلال ست مديريات هي :-
     أ) مديرية الأمور الخارجية .
    ب) مديرية الأمور العسكرية .
    جـ) مديرية الأمور المالية التي يتفرع منها ثلاث أقسام :-
(1) أمانات الأموال للملحقات .
(2) مأموريات المحاسبة .
(3) الجمارك .
    د) مديرية أمور المعارف العمومية .
   هـ) مديرية الأمور الشرعية التي يتفرع منها أربع إدارات هي :
(1) إدارة القضاء .
(2) إدارة الحج .
(3) إدارة الحرمين .
(4) إدارة الأوقاف .
    و) مديرية الأمور الداخلية التي يتفرع منها أربع مديريات أصغر هي :-
(1) مديرية الأمن .
(2) مديرية الصحة العامة .
(3) مديرية البرق والبريد .
(4) مديرية البلديات .
2)- المجالس وهي المجالس الاستشارية ومجالس الإدارة ومجالس النواحي ومجالس القرى والقبائل ، وقد أشير إلى المجالس الإستشارية في فقرة سابقة لكون نشأتها سبقت التعليمات الأساسية ، أما المجالس الأخرى فهي :
    أ) مجالس الإدارة : يشكل مجلس الإدارة في كل من جدة والمدينة،وتتألف هذه المجالس من القائم مقام( )ومعاونه ورؤساء المأمورين وأربعة من الأعيان من ذوي اللياقة والاقتدار يعينهم الملك لمدة سنة.يجتمع مجلس الإدارة برئاسة القائم مقام مرة في الأسبوع أو أكثر للنظر في المسائل التي تحال إليه ويتخذ قراراته بشأنها بأكثرية الآراء ويرفعها بواسطة النائب العام إلى الملك لأخذ موافقته عليها،وبعد الموافقة تبلغ إلى النيابة العامة وهي بدورها تقوم بتعميمها على جميع الإدارات لتنفيذها ( ) .
    ب) مجالس النواحي : يشكل في مركز كل ناحية مجلس يتألف من رئيس الناحية ومعاونه ورؤساء المأمورين ومن يعينهم من الأهالي . ويجتمع مجلس الناحية برئاسة رئيسه مرة في الأسبوع أو أكثر للنظر في الأمور التي تحال إليه من رئيس الناحية ويتخذ قراراته بشأنها ، وفقاً لما تقتضيه المصلحة العامة ويرفعها إلى قائمقام المدينة التابعة لها الناحية والقائمقام يبدي عليها ملاحظاته ويرفعها بدوره إلى النائب العام ، والأخير يرفعها بدوره إلى الملك لأخذ موافقته عليها ، وبعد الموافقة تبلغ إلى النيابة العامة حيث يتم تعميمها على الجهات ذات العلاقة لتنفيذها ( ).
    جـ) مجالس القرى والقبائل : يشكل في كل قرية أو قبيلة ذات شأن مجلس برئاسة شيخها وعضوية نائب شرعي وشخصين يتم تعيينهم من الأهالي، ويختص المجلس في إدارة أحوال القرية أو القبيلة ضمن الأنظمة الخاصة بها ( ).
    3)- ديوان المحاسبات : 
    نصت التعليمات الأساسية على تشكيل ديوان المحاسبات في العاصمة من رئيس وثلاثة أعضاء يعينهم الملك من ذوي الأهلية والكفاءة في الأمور والمعاملات المالية والحسابية ، ويرتبط رئيس الديوان بالنائب العام ويختص بالتفتيش على جميع دوائر الحكومة ذات الواردات وإجراء التدقيق والمراقبة على جميع المصاريف العمومية وفقاً لنظام الموازنة العامة كما يقوم بالمراقبة المسبقة على جميع مصروفات خزينة الدولة ( ).
    4)- المفتشية العامة : 
    يرأس المفتشية العامة المفتش العام الذي يرتبط بالملك مباشرة ، ويساعد المفتش العام عدد من المفتشين يجري تعيينهم وفقاً للحاجة ويرتبطون بالمفتش العام ،وتكون مهمة المفتشية العامة إجراء التفتيش ومراقبة جميع دوائر الحكومة للتأكد من انتظام أعمالها ،ويخول المفتش العام ومفتشي المناطق صلاحيات واسعة تشمل توقيف المعاملات المخالفة للأنظمة والتعليمات 
السارية ، وكف اليد وطلب محاكمة المأمورين والمسئولين عن المخالفات . ويقوم مفتشوا المناطق بتقديم تقارير شهرية عن نتائج أعمالهم إلى المفتش العام ، وبعد إبداء ملاحظاته عليها يرفعها بدوره إلى الملك ( ).
    5)- المجالس العمومية البلدية : 
    نصت التعليمات الأساسية على تأليف مجلس عمومي بلدي في كل من مكة وجدة والمدينة على أن لا يتجاوز عدد أعضاء مجلس العاصمة ، مكة ، اثني عشر عضواً ، ومجلس كل من جدة والمدينة ثمانية أعضاء يتم انتخابهم لمدة ثلاثة سنوات ، ولا تكون عضوية أعضاء المجالس البلدية صحيحة إلا إذا اقترنت بالموافقة الملكية ، وينعقد المجلس البلدي مرة في الشهر أو أكثر تحت رئاسة أحد الأعضاء الذي يتم انتخابه في كل جلسة ، وينظر المجلس في جميع الأمور التي تتعلق بالبلديات ويتخذ قراراته بشأنها . وقرارات المجلس البلدي في مكة ترفع إلى النائب العام ، وقرارات المجلس في كل من المدينة وجدة ترفع إلى القائمقام لإبداء الملاحظات عليها ورفعها إلى النيابة العامة حيث يتم تحويلها إلى مجلس الشورى لدراستها واتخاذ قرارات بشأنها ومن ثم رفعها إلى الملك للموافقة عليها ( ).
    د- التعديلات التي طرأت على التشكيلات الأساسية : 
    بعد أن تشكلت الحكومة ومؤسساتها على النحو الذي جاء في التعليمات الأساسية ، كان النائب العام – كما أشير سابقاً – يشرف على تنظيم وإدارة جميع الأمور عدا ما اختص منها بالمسائل العسكرية والخارجية التي كان الملك يشرف عليها بنفسه . وبعد حوالي سنة من تشكيلات الحكومة وفقاً لما جاء في التعليمات الأساسية ، اختار الملك لجنة مؤلفة من سبعة أعضاء وسكرتير عرفت باسم لجنة التفتيش والإصلاح لتقوم بدراسة الجهاز الإداري والتعرف على مواطن الضعف فيه وتقديم الاقتراحات والتوصيات اللازمة لتحسينه وتعزيزه وفقاً لما تقتضيه مصلحة البلاد . وقد خولت اللجنة النظر في شكاوى المواطنين ضد أي موظف أو دائرة حكومية ( ).
    وبناء على الدراسات التي قامت بها  اللجنة، تقدمت بتوصياتها إلى الملك، ومن أهم هذه التوصيات التي تقدمت بها اللجنة ووافق عليها الملك نظام جديد لمجلس الشورى كما أشير سابقاً، وتأليف مجلس للمعارف مهمته الإشراف على شئون التعليم ووضع الأنظمة الخاصة بها، ونظام دائرة البلدية وتأليف مجلس إدارة لعين زبيدة، ومجلس تنفيذي لمساعدة النائب العام ( ).
    وفي هذه الأثناء وفي عام 1349 هـ (1930) تحولت مديرية الشئون الخارجية إلى وزارة خارجية كأول إدارة تأخذ مسمى وزارة .
    هـ- مجلس الوكلاء :
    صدر نظام مجلس الوكلاء في 8/1350هـ (12/1931) ( ) استجابة للحاجات الإدارية المتزايدة وعلى الرغم من المحدودية الإقليمية لصلاحياته إلا أنه يعد إضافة وتطوراً أدخل على التغييرات والتعديلات التي أوصت بها لجنة التفتيش والإصلاح ،وتكون المجلس من الرئيس وهو النائب العام الأمير فيصل وثلاثة أعضاء هم : الوكيل للشئون الخارجية ووكيل الشئون المالية ونائب رئيس مجلس الشورى ، وقد ألغى نظام مجلس الوكلاء النيابة العامة وحولها إلى وزارة الداخلية، وأصبحت الوزارة مرجعاً للدوائر التي كانت في السابق مرتبطة بالنيابة العامة ( ) وهي :
    1) مديرية الصحة العامة .
    2) مديرية المعارف .
    3) مديرية البرق والبريد 
    4) مديرية الشرطة .
    5) المحاكم الشرعية .
    6) البلديات .
وقسمت النيابة العامة إلى قسمين : قسم يتبع رئاسة مجلس الوكلاء ويشمل جميع الدوائر التابعة لرئيس المجلس بصفة الرئاسة مثل الديوان الملكي ومديرية الشئون العسكرية ، ووزارة الخارجية ووزارة الداخلية ووكالة المالية ورئاسة القضاء وأمراء الملحقات ومجلس الشورى ، والقسم الآخر يتبع وزارة الداخلية ويشمل جميع الدوائر التي تتبع الوزارة ( ). 
    1) جلسات المجلس ونصابه وقراراته :
    ينعقد المجلس يومياً في المساء عند وجود أكثرية الأعضاء في مكان واحد ، إلا أنه يجب أن يعقد جلسة واحدة في الأسبوع على الأقل سواء في الليل أو النهار لبحث ومناقشة المسائل التي يعرضها عليه الديوان ( ). ويتخذ المجلس قراراته بأكثرية آراء الأعضاء الحاضرين ، ولكن قراراته لا تلزم العضو الذي لم يحضر الجلسة التي اتخذت فيها القرارات ، ولا تكون قراراته نافذة إلا إذا كان الوكيل الذي تختص به القرارات من بين أكثرية الأعضاء الذين وقعوا على قرارات المجلس . وإذا اتخذ المجلس قرارات تتعلق بالوكيل الغائب ولم يعترض عليها إلى رئيس المجلس والأعضاء خلال أربعة وعشرين ساعة من تاريخ استلامه ، يعتبر عندئذ عدم اعتراضه خلال المدة المحددة ، إذا لم يكن لديه عذر شرعي أخره عن الاعتراض ، إقراراً منه بالموافقة على القرارات ويكون ملتزماً بتنفيذها ( ).
    وللمجلس ديوان عام يرأسه مسئول عن إدارة جميع أعماله ، ومن هذا الديوان تصدر جميع المعاملات إلى الإدارات الحكومية سواء كانت صادرة عن المجلس أو عن رئيسه أو عن الرئيس بوصفه نائباً عاماً للملك أثناء غيابه ، ويضم الديوان قسمين : قسم خاص بالنيابة العامة ويتبع وزارة الداخلية، وآخر خاص برئاسة المجلس ، فالمعاملات التي ترد من الدوائر التابعة لوزارة الداخلية تحال إلى قسم النيابة العامة والمعاملات التي ترد من الدوائر المرتبطة بالرئاسة مباشرة تحال إلى قسم الرئاسة في الديوان ، ورئيس المجلس هو حلقة الوصل بين المجلس والدوائر الحكومية وبالعكس وبين الدوائر نفسها ، ويحضر جلسات المجلس دون أن يكون له حق التصويت على قراراته . ويحتفظ الديوان بجميع محاضر الجلسات الموقعة من الأعضاء، ويقوم بتوزيع الصور اللازمة ويحتفظ بسجل كبير يبين فيه قرارات المجلس ويسجل المعاملات الواردة والصدارة مصنفة على أساس الدوائر الحكومية والمواضيع بحيث يسهل الرجوع إليها ( ).
    2) وظائف رئيس المجلس وسلطاته :
    لرئيس المجلس خمسة وظائف رئيسية ( ) :
     أ ) أثناء غياب الملك ، يكون نائباً عاماً له ولا يتمتع بصفة النيابة أثناء حضوره .
    ب) رئيس لمجلس الوكلاء .
    جـ) وزير للداخلية .
    د ) وزير للخارجية .
    هـ) رئيس لمجلس الشورى .
    كان لرئيس المجلس خاصة عندما كان يتولى النيابة العامة أثناء غياب الملك سلطات واسعة،ففي حالة اعتراض أي عضو من أعضاء المجلس على أي قرارا يتخذه المجلس بأكثرية الحاضرين،وخاصة إذا كان القرار يحمل صفة الأهمية والاستعجال،فلرئيس المجلس أن يأمر العضو الذي صدر عنه الاعتراض على القرار بتنفيذه،وفي حالة وقوع خلاف بين الوكلاء أو اعتراض أحدهم على قرار لا يمكن تأجيل تنفيذه،يرفع الأمر إلى الملك للبت فيه،وجميع الأوامر والتعليمات سواءكانت من المجلس أو من الملك،تصدر إلى جميع الدوائر الحكومية بواسطة رئيس المجلس وهو مرجع لجميع دوائر الحكومة( ).
    3) سلطات المجلس :
    وبالنسبة لسلطات المجلس فقد نص على أن الملك هو منبع السلطة وهو الذي يمد مجلس الوكلاء بها ، وأعضاء المجلس مسئولون بالتضامن عن السياسة العامة للدولة أمام جلالته ، وكل وكيل مسئول عن أعماله أمام رئيس المجلس ( ). 
    لقد خول مجلس الوكلاء صلاحيات واسعة كما سبق ذكره ، فكان من اختصاصه رسم السياسة العامة للدولة ، وبذلك أمكن للمجلس أن يبحث أي أمر يشاء ، ويكون ذلك في إطار السياسة العامة للدولة ، كما كان الرئيس يقوم بتنفيذ قرارات المجلس ، وكانت قرارات المجلس قابلة للتنفيذ دون أخذ موافقة الملك عليها ، وبذلك فمن الناحية النظرية كانت سلطاته أقوى من سلطات مجلس الوزراء الذي أعقبه ، إذ بإمكان مجلس الوكلاء أن يتخذ قراراته وينفذها في أي أمر شاء ، إلا أن سلطاته اقتصرت على الحجاز فقط ، وقد استمر هذا المجلس يمارس سلطاته في الحجاز حوالي ثلاثة وعشرين سنة إلى وقت تأليف مجلس الوزراء عندما وجد لأول مرة جهاز مركزي يبسط نفوذه على جميع أجزاء المملكة ( ).
    وبالنسبة للأقاليم الأخرى فقد كانت معزولة عن العالم الخارجي خصوصاً إقليم نجد الذي يحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية ، فقد كانت الإدارة في هذا الإقليم ذات أساس وشكل تقليدي قائمة على العادات والقيم ، لذا فالنظام الإداري ظل محدوداً ، فلا قوانين ولا أنظمة مكتوبة والناس كانت تتعامل قضائياً ومالياً بشكل بسيط للغاية ( ). وفي خطوة لدمج هذه الأقاليم مع إقليم الحجاز في مملكة واحدة أعلن الملك عبدالعزيز اسم مناطق نفوذه من مملكة الحجاز ونجد وملحقاته إلى المملكة العربية السعودية عام 1932 .
    إن سمة المؤسسات في تلك المرحلة تمثلت في بساطتها وسهولة إجراءاتها ، فالنظام السائد كان محافظاً وتقليدياً في الشكل والتطبيق مشكلاً الأجواء العامة للرأي العام آنذاك . كما أن مستوى الاقتصاد الوطني وميزانية الدولة كانت متواضعة نسبياً، ونتيجة لذلك فإن هيكل مؤسسات الدولة الضرورية كان متواضعاً أيضاً وكان يفتقر إلى الموارد المالية والفنية ( ).
    والعامل المهم الذي أثر على تطوير نظام الدولة تمثل في وجود هيكل مؤسسي أكثر تعقيداً في منطقة الحجاز في حين كانت المناطق الأخرى في الدولة الجديدة تدار ببساطة بواسطة حكام أو أمراء مسئولون عن الإدارة المحلية ( ).
    وباختصار فإن تطور مؤسسات الدولة الناشئة في تلك الفترة يمكن أن يوصف بأنه قبل ضم الحجاز كانت العلاقات الشخصية مع الملك عبد العزيز أساس الإدارة والحكم ، وبعد دخوله مكة عام 1924أنشأ الملك عبد العزيز المجلس الأهلي بمكة الذي استبدل عام 1925 بالهيئة التأسيسية التي أوصت بتوحيد المناطق الإدارية للدولة وخلق مجلس شورى يمثل مصالح المناطق،وتمخض عن هذه التوصيات إنشاء مجلس الشورى الذي كلف بصياغة السياسات الاجتماعية والاقتصادية ،وبمراقبة مصروفات إدارات الدولة ووكالاتها المختلفة،وأن يعمل كهيئة تشريعية ( )، وفي عام1927أعلن نظام جديد لمجلـس الشــورى بناء على توصية لجنة التفتيش والإصلاح التي عينها الملك،كما أقر الملك عبدالعزيز في عام 1930 إنشاء 
مجلس الوكلاء بناء على توصيات لجنة التفتيش والإصلاح ، ذلك المجلس الذي عمل كوكالة مركزية  لتنسيق أنشطة مختلف أفرع تنظيمات الحكومة في منطقة الحجاز ، وعمل أيضا كمجلس استشاري . ونتيجة لاتساع عمليات الحكومة في أرجاء الدولة ، اكتسب مجلس الوكلاء نفوذاً تشريعياً وتنفيذياً مفوضاً من قبل الملك ( )، واعتبر إنشاء مجلس الوكلاء خطوة كبيرة نحو تطوير مؤسسات البلاد الإدارية ، إذ كان يوصف بأنه المجلس الأعظم نفوذاً في المملكة العربية السعودية ، فقد كان يملك صلاحية رسم السياسة العامة للدولة وقراراته تعتبر نهائية بموافقة رئيسه دون ضرورة تصديق الملك ( ). إلا أن مجال صلاحياته لم يتجاوز إقليم الحجاز . 
2- الفترة بين 1932 و1953
    إن الفترة ما بين عام 1932-1953 من التاريخ السياسي للسعودية يمكن أن توصف بأنها فترة بدايات بناء المؤسسات، ففي عام 1932 توحدت أقاليم الحجاز وعسير ونجد والإحساء في مملكة واحدة هي المملكة العربية السعودية وأصبح الملك عبدالعزيز ملكاً عليها ، وكان الهدف الرئيسي للملك عبدالعزيز في تـلـك الفترة الحفاظ على وحدة أقاليم المملكة وتأمين حدودها ، وخلال هذه الفترة لم يكـن حجـم الـدولة كبيراً في مؤسساته وأنظمته فالعدد الإجمالي للموظفين الحكوميين لم يتجاوز 189 موظـف عام 1945 وهذا يؤكـد شبـه انعدام الأنشـطة الخدميـة وغير الخدمية . والملك كان هـو السلـطة المركزية ، وكان يسير معظم شئون الحكومة بنفسه على المستوى الشخصي ( ) . فخلال تــلـك الفـترة المـذكورة وحتى تكـوين مجـلس الوزراء عام 1953 كانت البلاد تحكم عن طريق ممثـلين للملك في الأربعة أقاليم الكبرى ( الحجاز – عسير -الإحساء- نجد) ولم يكن هناك جسد حكومي مركزي لتنسيق وتنظيم شئون الحكومة ، وكان السبب وراء ذلك هو صغر عدد الوكالات والإدارات الحكومية آنذاك  . فلم يكن هناك بروز كبير للمؤسسات عدا مؤسسات قليلة ذات صفة سيادية لم تتمتع بالكفاءة والشمول ، وكان ذلك تبعاً لظروف هذه المرحلة ، فالتطور الذي حدث في المملكة خلال هذه الفترة  وخصوصاً حتى عام 1946 ، كان تطوراً بسيطاً ، وكان ذلك نتيجة مباشرة للصعوبات المالية التي واجهتها حكومة البلاد مما جعلها غير قادرة على تزويد الشعب بكافة الخدمات اللازمة ، حيث تأثر الدخل الذي تتحصل عليه الحكومة من الحج نتيجة للكساد العالمي الكبير في الثلاثينيات ، وبعد ذلك بسبب الحرب العالمية الثانية ، ورغم اكتشاف البترول في الثلاثينيات إلا أن الإنتاج التجاري منه قد توقف بسبب الحرب العالمية الثانية لبضع سنوات ( ). وكان من المؤسسات الأولى والأنظمة التي ظهرت في هذه الفترة ( ) :
‌أ- وزارة الخارجية والتي أنشأت عام 1930 في وقت سابق دعت الأحوال السياسية لإنشائها
‌ب- وزارة المالية وأنشأت عام 1932 .
‌ج- وزارة الدفاع والطيران وأنشأت عام 1946 .
‌د- وزارة الداخلية عام 1951 .
هـ-  وزارة الصحة عام 1951 .
 و- تعديل نظام الشورى : حيث زُّوِد عدد أعضاءه إلى عشرين عضواً خلال تجديد دورته في عام 1952 . وقد مارس المجلس صلاحياته وقام بمسئولياته وفقاً لنظامه الذي صدر سنـة  1926 ( ) . وفي خلال ربع قرن مارس المجلس سلطات واسعة اقتربت كثيراً ، إن لم تماثل ، السلطات التشريعية ، فميزانيات جميع دوائر الحكومة ومشاريع القوانين والأنظمة ورخص المشاريع العمرانية والاقتصادية والامتيازات والأمور المتعلقة بنزع الملكية للمنافع العامة وقرارات استخدام الموظفين الأجانب وعقود بيع أو شراء لوازم دوائر الحكومة التي تزيد عن مبلغ معين ، كانت تعرض على المجلس، وتجدر الإشارة إلى أن جميع الأنظمة التي أصدرتها الدولة في خلال هذه الفترة ، وقسم كبير منها مازال معمولاً به إلى الآن، كان للمجلس فيها دور كبير، كما تشهد بذلك التقارير التي ينشرها المجلس بنتيجة أعماله لكل دورة ( ). فلم يكن يسن نظام وتقوم النيابة العامة بتنفيذه إلا بعد عرضه على المجلس لدراسته ومناقشته .
  ز- قانون نظام الوحدات المحلية : الذي صدر عام 1938 ، وقد فسر هذا النظام نظام الوحدات الصادر عام 1926 الذي نشأ في ظله ثلاث مجالس محلية فقط في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة . وعندما صدر نظام عام 1938 كان هناك خمس بلديات في كل من مكة المكرمة  والمدينة المنورة وجدة والطائف وتبوك ، وفي عام 1939 أنشأت بلدية الرياض وفي 1942 أنشأت بلديات الخرج والخبر والليث والعلا ، وفي 1944 أنشأت بلدية أملج وما بين 1950 و1960 تم إنشاء 11 بلدية في مناطق مختلفة من المملكة ( ). وقد تضمن نظام 1938 للوحدات المحلية 83 مادة اختصت بتعريف وتفسير النظام الذي اشتمل على بيان تشكيل  وأعمال أمانة العاصمة (مكة المكرمة) والبلديات وأمين العاصمة ورؤساء البلديات والمجلس البلدي والمجلس الإداري وهيئة الأمانة والبلديات والجمعية العمومية البلدية وأحكام عامة ، وقد ألغي هذا النظام الأحكام الخاصة بالمجالس العمومية البلدية التي تضمنتها التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية ، كما الغي نظام إدارة البلدية وكل الأنظمة والتعليمات السابقة التي تتعارض مع ما جاء فيه ( ) .
  ح- نظام المقاطعات : حيث صدر نظام أساسي شامل عُرِف بإسم نظام الإمارة عام 1939 ( ).  وقد ميز هذا النظام بغموض شديد بين القرى والمدن والإقاليم ، وطبقاً لهذا النظام تم استخدام مصطلح أمير ليشير إلى الحاكم الإداري للقرية ، والمدينة والمقاطعة أو الإقليم ، وأمير الإقليم طبقاً لهذا النظام كان يتمتع بسلطات إدارية كبيرة ، ولذا كان من المتوقع أن أمراء المدن والقرى الواقعة في نطاق إقليمه يراجعونه ولكن هذه المراجعة لم تحدث أبدا بسبب أن نظام الإمارات لم يوضح العلاقة بين أمراء الأقاليم وأمراء القرى والمدن ( ).
ثانياً : التكامل السياسي وبناء المؤسسة التنفيذية من 53- 1985 :
    بينما كان الهدف الرئيسي قبل عام 1953 هو الحفاظ على وحدة الأمة وحدود الدولة ، فإن فترة ما بعد 1953 يمكن إن توصف بأنها فترة الحكومة المركزية أو بناء المؤسسات . فالنمو السريع في صناعة البترول لم يؤدي فقط إلى زيادة دخول الحكومة بشكل حاد ، ولكنه أدى أيضا إلى تغيير نموذج حياة المجتمع في المملكة . وفي نفس الوقت فإن تأثير مؤسسات الحكومة المركزية قد تزايد نظراً لامتداد الخدمات الحكومية (المدارس والمستشفيات والطرق والبريد والزراعة والتجارة….إلخ) ( ).كذلك فقد عمل الاستقرار المتزايد للحكومة المركزية والمستوى التعليمي المتزايد للبلاد ككل على التقليل من مركز الحجاز الفريد وقاد الحكومة لأن تعيد تنظيم ومركزية إداراتها ( ).
    وقبل البدء في الحديث عن بناء المؤسسة التنفيذية للدولة السعودية الحديثة فإنه يجدر الإشارة بإيجاز إلى مؤسسة الملك ( ) باعتبار الملك رمز النسق السياسي في المملكة ، فمنه تنبع جميع السلطات والصلاحيات ، وتقع تحت يده مباشرة عدد من التنظيمات المؤسسة خصيصاً لمساعدته في مهامه في إطار ما يمكن إن نطلق عليه مؤسسة الملك .ففي بداية تكوين الدولة ، نصَّب الملك عبدالعزيز نفسه كشيخ لشيوخ قبائل البدو وقائد للجماعة الإسلامية ، وبالإضافة لهذا الدور التقليدي فقد كان الملك عبدالعزيز رئيساً للدولة وقائداً للقوات المسلحة ، وقد فوض وظيفة رئيس الوزراء لابنه وولي عهده الملك سعود الذي خلفه عام 1953 ، هذه الوظيفة ظلت تعمل حتى جاء الأمير فيصل ليصبح ملكاً عام 1964 وعين نفسه رئيساً للوزراء( ). واستمر الملك رئيساً لمجلس الوزراء حتى اليوم .
    وعلى ذلك فالملك أعلى سلطة رسمية في المملكة ، فهو يملك قوة سياسية ليس لها حدود ، ويملك قوة إدارية تم تنظيمها بواسطة المراسيم الحكومية ، فهو رئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء ، والقائد الأعلى للقوات المسلحة ، وهو يعين كل الوزراء ورؤساء المؤسسات العامة ، والحكام بالأقاليم ، وكل وظائف السلطة التنفيذية والتشريعية في النهاية تستمد من الملك، وباختصار فإن كل القوانين والمراسيم التشريعية لا تصدر إلا بعد توقيع الملك عليها(5) .
    والملك يمارس سلطاته من خلال مجلس الوزراء – الذي يعد أهم صانع قرارات في الدولة لأنه يحمل عبء الثلاث سلطات الرئيسية في الدولة (التشريعية ، التنفيذية ، الإدارية) – والديوان الملكي، الذي يتكون من ستة مكاتب هم المكتب الخاص ، مكتب البروتوكول الملكي ، مكتب الشئون الخاصة ، المكتب الملكي ، مكتب ولي العهد ، ومكتب شئون البادية( ). 
    وقد كان السبب الأساسي لإنشاء هذا الديوان هو الزيادة الكبيرة في مجال مهام الحكومة ، وقد أصبح هذا الديوان مصدراً مهماً للمعلومات اللازمة للملك لمساعدته على إدارة شئون البلاد، فمن خلال الديوان يقوم الملك بمعاينة شئونه اليومية ، ويطلع باستمرار على التطورات الرئيسية داخلية كانت أم خارجية ، ومن خلاله أيضا تصدر القرارات والتوجيهات والأوامر والمراسيم الملكية ( ).
    وهيكل المؤسسة التنفيذية في المملكة يتكون من مجلس الوزراء والوزارات والهيئات الحكومية والمؤسسات العامة . ويندرج تحت كل مستوى العديد من المؤسسات الفرعية المساعدة التي تعين على أداء الأعمال وتنفيذ برامج السياسة العامة، وذلك على النحو التالي :- 
1- مجلس الوزراء : 
    مجلس الوزراء هو قمة الأجهزة النظامية في المملكة العربية السعودية ويستمد مكانته من الملك مباشرة ، ويعد هذا المجلس حديثاً نسبياً ، إذ قد أنشئ في عام 1953 ، إلا أنه كان نتيجة طبيعية لقيام الملك عبدالعزيز بتوحيد المملكة وبسط نفوذه  عليها بصورة نهائية ( ).  
    والحقيقة أن الجذور الأولى لمجلس الوزراء نبتت في الحجاز أو ما يسمى اليوم بالمنطقة الغربية. ذلك أن الملك عبدالعزيز أنشأ هيئتين رئيسيتين تتوليان الإدارة في الحجاز ، الهيئة الأولى هي مجلس الشورى ، والثانية التي أنشأت فيما بعد ، هي مجلس الوكلاء الذي تم تحويله في عام 1953 إلى مجلس الوزراء ( ).  
    وترجع ظروف إنشاء مجلس الوزراء إلى عام 1933 ، حيث منحت الحكومة السعودية شركة ستاندرد أويل كومبني أوف كاليفورنيا (Standard Oil Co. Of California) امتياز التنقيب عن البترول في المنطقة الشرقية ( ). وبدأت الشركة أعمال التنقيب ، إلا أنها لم تتمكن من اكتشاف البترول واستخراجه بكميات تجارية إلا بعد عام 1357هـ – 1938، وفي هذه الأثناء قامت الحرب العالمية الثانية فتأثرت عمليات التنقيب عن البترول واستخراجه وتسويقه وتصديره إلى الخارج وقل دخل الدولة من هذا المورد ، كما أن عدد الحجاج القادمين من خارج المملكة لأداء فريضة الحج تأثر بالوضع السياسي العالمي آنذاك ، فقل عددهم  وقل بالتالي دخل الدولة من هذا المورد الذي كان يشكل مورداً هاماً من مواردها ويغذيها بالنقد الذي تحتاجه لدفع ثمن ما تحتاجه من الواردات . وعلاوة على ذلك حصل في البلاد جفاف بسبب قلة الأمطار فتأثرت مواسم المحاصيل الزراعية والحيوانية ( ) .
    كان من الطبيعي أن ينصرف هم الدولة إلى العمل على استمرار الأوضاع على ما كانت عليه، فالوضع الاقتصادي لم يسمح للدولة بالتوسع في أعمالها وخدماتها ، فاضطرت لإبقاء الأوضاع على ما كانت عليه( )،ولجأت الدولة إلى الاستدانة من شركة الزيت العربية الأمريكية لسد العجز المالي على أن تسدده من حصتها من البترول مستقبلاً( ).وكانت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية فترة تسارع،فصناعة الزيت أخذت في الازدهار وابتدأ الوضع المالي بالتحسن،وكان نفوذ الحكومة المركزية يزداد بازدياد اهتمامها في تحسين أعمالها وخدماتها وارتيادها أعمالاً وميادين جديدة.ففتحت المستشفيات والمدارس،وأنشأت طرقاً برية معبدة ومكاتب للبرق والبريد واهتمت بشئون الزراعة والتجارة وفي الطيران والجيش …الخ، فقبل عام 1370هـ-1950 لم يكن جهاز الدولة يضم إلا ثلاث وزارات (الخارجية والمالية والدفاع)، كان الحفاظ على أمن واستقرار الدولة سياسياً وجغرافياً هو المبرر لظهورها ، كما كان هناك عدد من الدوائر التي كانت تعمل في نطاق ضيق ، ونظراً لسياسة الدولة في توسيع نطاق أعمالها وخدماتها ظهر عجز الجهاز الإداري وبدأت الدولة في تجميع الأعمال المتشابهة في دوائر واحدة والعمل في تجميع الدوائر المتجانسة في وزارات . وما بين سنة 1370هـ (1950) وسنة 1373هـ (1953) نشأت خمس وزارات بالإضافة إلى الثلاث التي كانت موجودة من قبل وهي الداخلية والصحة عام 1951 والمواصلات والمعارف والزراعة عام 1953، وبالإضافة إلى هذه الوزارات نشأ عدد من الإدارات الجديدة مثل مديرية شؤون الزيت والمعادن ومديرية العمل والعمال . وهكذا كانت الحكومة المركزية تقوى شيئاً فشيئاً ، وشملت سلطتها جميع أجزاء المملكة ولم يبق سوى الخطوة النهائية لإكمال وحدة الأقاليم الحقيقية ( ).
    لقد تمت كما أوضحنا سابقاً الخطوة الأولى في سبيل وحدة أقاليم المملكة عام 1932 بتوحيد اسم المملكة ، ولكن وحدة الاسم لم يتبعها وحدة في سيادة جهاز مركزي على جميع الأقاليم ، وقد جاء في أمر تغيير الاسم الذي قضى بوحدة اسم المملكة إبقاء التشكيلات التي كانت موجودة عند صدور الأمر إلى أن يتم وضع تشكيلات جديدة تتلاءم مع وحدة الاسم ، وقد عهدت آنذاك مهمة وضع التشكيلات الجديدة إلى مجلسي الوكلاء والشورى ثم عرضها على الملك لأخذ موافقته عليها وأمره بتنفيذها( )، ولم ينفذ من الأمر التاريخي الذي قضى بوحدة اسم المملكة سوى مبايعة الأمير سعود أكبر أبناء الملك ولياً للعهد ( ) ، وبقيت الخطوة النهائية نحو اكتمال وحدة الأقاليم وإقامة إدارة حديثة مبنية على أسس علمية حديثة ، وكان ذلك عندما تألف مجلس الوزراء ( ).وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث كانت أعمال الدولة وخدماتها في ازدياد وتوسع، وبتأسيس ثماني وزارات وعدد من الإدارات المستقلة ، بقيت خطوة لضمان التنسيق فيما بين هذه الأجهزة ، وتحقق ذلك عندما أصدر الملك عبدالعزيز في 9/10/1953 مرسوماً يقضي بتأليف مجلس للوزراء ، وجاء في مقدمة المرسوم أن تأليف مجلس الوزراء تقتضيه مصلحة البلاد نظراً لتعدد وتنوع أعمال وخدمات الدولة ، الأمر الذي يتطلب تحديد المسئوليات وضمان القيام بالأعمال والخدمات على أفضل وجه ( ).    وقضى المرسوم أن يتألف المجلس من جميع الوزراء المكلفين بإرادة ملكية في إدارة شئون الوزارات برئاسة ولي العهد والقائد الأعلى للقوات المسلحة الأمير سعوــد ( )، وينعقــد المجلس مرة في الشهر أو أكثر بناءً على دعوة من رئيسـه للبحـث في شئون الدولة الداخلية والخارجية ، ويتخذ قراراته بشأنهــا بالإجـماع أو الأكثرية ويرفعها إلى الملك ، وأجـاز المرسوم لكبير المستشارين ومستشاري الملك حضـور جلسات المجلس بصفتهــم وزراء دولـة ، ولم يرد فيما إذا كان يـحق لهم التصويت علـى قـرارات المجلس ( ) . وللمجلـس أن يبحث جميـع الأمـور الـتي يعرضهــا عليـــه رئيـــس المجلــس أو الـــتي يتقـــدم بهـا خطيـــاً أي وزيـر مـن 
الوزراء إلى الرئيس قبل انعقاد المجلس بثلاثة أيام على الأقل . وأثناء غياب الرئيس يعين نائباً له أثناء غيابه وله حق الإشراف والهيمنة على جميع أعمال الوزارات وتدقيق أي قضية وإصدار التعليمات بشأنها ، كما أن اتفاقيات وعقود الوزارات لا تكون نافذة إلا بموافقة الرئيس عليها ( ) .
    وكان من المفروض أن يجتمع مجلس الوزراء مرة في الشهر ، إلا أن افتتاح المجلس تأخر نظراً لوفاة الملك عبد العزيز وانشغال الملك سعود بالقيام بمهام ومسئوليات تلك الفترة ، وفي 7/3/1954 افتتح الملك سعود الدورة الأولى لمجلس الوزراء في الرياض ، وقد رسم خطاب الافتتاح الخطوط الرئيسية لسياسة الدولة في الحقلين الداخلي والخارجي ، ففي الحقل الداخلي بيَّن خطاب الافتتاح أن الدولة ستعمل على وحدة الشعب ورفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ومحاربة الجوع والفقر والجهل والمرض( ) . وفي الحقل الخارجي بين الخطاب أن الدولة تعمل على جمع كلمة العرب وتأييد مصالحهم ضمن ميثاق الجامعة العربية والدفاع المشترك ، وتعمل على تحسين العلاقات السياسية مع جميع الدول التي تظهر رغبة أكيدة وصادقة في إيجاد العلاقات والصلات الطيبة ( ) .
    وفي الدورة الأولى للمجلس ، أصدر نظاماً شاملاً له(4) ، وبقي الملك سعود رئيساً للمجلس بعد إفتتاحه خمسة أشهر وأربعة عشرة يوماً إلى أن عين الأمير فيصل رئيساً للمجلس . والعديد من المراقبين قد نظروا إلى مجلس عام 1954 على أنه حل محل مجلس الوكلاء المؤسس عام 1931. 
    وفي الوقت الذي صدر فيه مرسوم تعيين الأمير فيصل رئيساً لمجلس الوزراء ، كان ديوان النائب العام ورئاسة مجلس الوكلاء مازال موجوداً في الحجاز ، وبعد مرور حوالي ستة أشهر من صدور نظام المجلس وتحقيقاً للتنسيق والانسجام فيما بين أجهزة الدولة ، أصدر الملك سعود مرسوماً يقضي بإلغاء ديوان النيابة العامة (ديوان النائب العام ورئاسة مجلس الوكلاء) وجعله ديواناً لرئيس مجلس الوزراء ( ). وفي نفس اليوم الذي صدر فيه مرسوم إلغاء ديوان النيابة العامة ، صدر مرسوم آخر يقضي بتثبيت رئيس ديوان النيابة العامة آنذاك رئيساً لديوان رئيس مجلس الوزراء برتبة وزير ( ).
    استمر مجلس الوزراء يمارس سلطاته واختصاصاته ويشرف على تنفيذ سياسة الدولة الداخلية والخارجية وفقاً لما جاء في نظامه القديم حوالي أربع سنوات ونصف،وخلال هذه الفترة كان جهاز الدولة ينمو بصورة مطردة ليواجه التوسع والزيادة في أعمال وخدمات الدولة ( ). واقتضى الأمر ضرورة المحافظة على تركيز المسئوليات وتدعيم جهاز الدولة وإعادة النظر في نظام مجلس الوزراء على ضوء ما طرأ في البلاد من تطور ، وفي أوائل سنة 1958 أصدر الملك سعود مرسوماً منح فيه رئيس مجلس الوزراء الأمير فيصل السلطات الكاملة لرسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية والمالية والإشراف على تنفيذها ، وقضى نفس المرسوم بإعادة النظر في نظام مجلس الوزراء ( ). وبعد صدور المرسوم المذكور بحوالي شهر ، اتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على نظام جديد للمجلس ، أقره الملك سعود وصدر بمرسوم ملكي( ) .
    ويختلف نظام عام 1954 عن نظام عام 1958 المنظم لأعمال مجلس الوزراء في الأمور التالية ( ): –  
    أ- في حين أن نظام مجلس الوزراء لعام 1958 قد ألغى نظام عام 1954 فقد استبقى أقسام المجلس الأربعة وهي الرقابة العامة وديوان المراقبة لحسابات الدولة والخبراء الفنيون وديوان المظالم. 
    ب- أصبح منصب نائب الرئيس منصباً دائماً في النظام الجديد . وولي العهد هو النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء سواء في النظام السابق أو الحالي . 
     جـ- لم ينص نظام عام 1958 على تحديد عدد جلسات المجلس ، في حين نصت المادة 10 من الباب الثالث من نظام 1954 نصاً صريحاً على ضرورة عقد الجلسات شهرياً . 
    د- أدخلت قاعدة جديدة مهمة تتصل بالاقتراع ضمن نظام عام 1958 وبمقتضاها يصبح صوت رئيس المجلس الصوت المرجح في حالة تساوي عدد الأصوات .
    هـ- كما أدخلت في نظام عام 1958 قاعدة جديدة لجعل قرارات المجلس نهائية. فقوانين المملكة ومعاهداتها واتفاقاتها الدولية والامتيازات والعقود الخاصة بالقروض الحكومية تخضع جميعاً للموافقة الملكية ولموافقة رئيس المجلس. وتعلن هذه الموافقة في مرسوم ملكي. وفيما عدا هذه الموضوعات، فإن موافقة المجلس على أي قرارات أخرى تكفي لجعلها قرارات نهائية 
    و- ازدياد سلطات المجلس بمقتضى المادة 48 من نظام عام 1958 التي خولت للمجلس إصدار لائحة داخلية لأعمال المجلس وكذلك لوائح داخلية لكل وزارة من الوزارات وللبلديات، وإصدار اللوائح الخاصة بمحاكمة الوزراء وببيع وتأجير أملاك الدولة وأخيراً اللوائح الخاصة بإدارة المناطق . 
    ز- يتألف النظام الجديد من 50 مادة في حين أن نظام عام 1954 كان قوامه 21 مادة . 
أ- تشكيل المجلس :
    تألف مجلس الوزراء في سنينه الأربع الأولى بموجب نظامه القديم من الوزراء العاملين ومستشاري الملك الذين يعينهم أعضاء عاملين في المجلس ، وأي أعضاء يرى الملك حضورهم المجلس برئاسة ولي العهد الأمير فيصل ( )، وفي حالة تغيب أي وزير عن حضور جلسات المجلس أو عن وزارته ينوب وزير آخر عنه في حضور جلسات المجلس أو إدارة شئون وزارته بناء على أمر ملكي ، ويجوز لأي وزير أن يطلب حضور أي موظف من الجهات المسئولة عنه جلسات المجلس أثناء بحثه أمورا تستدعي حضوره ، ولا يكون للموظف حق التصويت على قرارات المجلس ، ولا يقال أي وزير ولا تقبل استقالته إلا بأمر ملكي ، ورئيس مجلس الوزراء مسئول أمام الملك ، والوزراء مسئولون أمامه وأمام رئيس المجلس ( ).
    فوزراء الدولة بموجب النظام ليسوا أعضاء في مجلس الوزراء إلا إذا صدر أمر ملكي بتعيينهم في المجلس . فالمرسوم الذي صدر في 1954 وقضى بتعيين رئيس لديوان رئيس مجلس الوزراء بدرجة وزير، لم يعينه عضواً في مجلس الوزراء بينما المرسوم الذي صدر في 1953 الذي قضى بتعيين وزير دولة مستشاراً في الديوان الملكي، نص على تعيينه عضواً في مجلس الوزراء( ).
    وتألف المجلس بموجب نظامه الجديد من رئيس المجلس الذي يعين بأمر ملكي ، ونائبه والوزراء العاملين ووزراء الدولة ومستشاري الملك ، ويتم تعيين هؤلاء جميعهم بأمر ملكي في المجلس بناء على اقتراح رئيس المجلس ( ).
    ولا يكون عضواً في مجلس الوزراء إلا السعودي الذي يتمتع بالأخلاق الفاضلة ( )، ولا يباشر أعضاء المجلس مسئولياتهم إلا بعد حلف اليمين ( ).
    ولا يجوز للوزير الجمع بين عضوية مجلس الوزراء والوظائف الحكومية إلا بناء على موافقة رئيس المجلس إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، وأثناء تمتع الوزير بعضوية المجلس لا يحق له أن يبيع أو يؤجر شيئاً من أملاكه للدولة ، أو يزاول الأعمال التجارية، أو قبوله عضواً في مجلس إدارة أي شركة ( ). وعند غياب أي وزير عن جلسات المجلس أو عن وزارته لا ينوب عنه إلا وزير آخر يصدر بتعيينه أمر ملكي بناء على اقتراح رئيس المجلس ( ) .
ورئيس المجلس مسئول مباشرة أمام الملك عن أعماله وأعمال المجلس ، والوزراء مسئولون عن أعمالهم أمام رئيس المجلس . ويتم إعفاء أي عضو من أعضاء المجلس عن عمله بأمر ملكي بناء على طلب رئيس المجلس ، وعند استقالة رئيس المجلس يعتبر جميع الأعضاء مستقيلين تبعا لذلك ( ).
    فعندما استقال الأمير فيصل من رئاسة المجلس في 1960 ، اعتبرت الوزارة مستقيلة وتشكلت وزارة جديدة برئاسة الملك سعود ( ). وفي 1962 صدر أمر ملكي بإقالة الوزراء من مناصبهم ، ووجه الملك سعود خطاباً إلى الأمير فيصل يكلفه بتأليف وزارة جديدة ( ) وصدر أمر ملكي عقب إقالة الوزارة بوقت قصير بتشكيل الوزارة الجديدة بناء على اقتراح رئيس المجلس الأمير فيصل ( ) . 
    فطبقاً لهذا النظام الجديد تم إعادة تنظيم المجلس بحيث تحول من هيئة استشارية صرفة إلى هيئة رسمية لصنع السياسة لها كلا الوظيفتين التشريعية والتنفيذية ، هذه التعديلات الوظيفية والهيكلية كانت مشروطة بمسئولية مجلس الوزراء أمام رئيس المجلس، الذي كان بدوره مسئولاً أمام الملك ( ).
    وعندما أصبح الأمير فيصل نائباً عن الملك وتمتع بجميع الصلاحيات التي كان يتمتع بها  الملك، أصبح بموجب هذا التعديل هو الذي يملك حق تعيين رئيس المجلس والأعضاء العاملين فيه، وكذلك حل المجلس أو إقالة بعض أعضائه دون الرجوع إلى الملك ( ). وبقى الأمير فيصل نائباً لجلالة الملك وولياً للعهد ورئيساً لمجلس الوزراء .
    وبعد أن أصبح الملك فيصل ملكاً ( ) . استمر المجلس بجميع أعضائه السابقين برئاسته ، وطرأ تعديل على مادتين من نظام المجلس على النحو التالي ( ) :-
    1) نصت المادة السابعة من النظام على أن مجلس الوزراء هيئة نظامية وتعقد اجتماعاته برئاسة رئيس الوزراء أو نائبه ويباشر أعماله وصلاحياته حسب هذا النظام  ونظامه الداخلي ، ووفقاً للتعديل الأخير أصبحت هذه المادة تنص على أن مجلس الوزراء هيئة نظامية يرأسها الملك وتعقد اجتماعاته برئاسته أو نائب رئيس مجلس الوزراء ، وتصبح قراراته نهائية بعد تصديق الملك عليها.
    2) نصت المادة الثامنة على أن كل وزير مسئول عن وزارته أمام رئيس الوزراء ، ورئيس الوزراء مسئول عن أعماله وأعمال المجلس أمام الملك ، ولرئيس الوزراء أن يطلب من الملك إعفاء أي عضو من أعضاء مجلس الوزراء من عمله ، واستقالة رئيس الوزراء يترتب عليها استقالة جميع أعضاء المجلس ، ووفقاً للتعديل الأخير ، أصبحت هذه المادة تنص على أن يتم تعيين أعضاء المجلس وإعفائهم من مناصبهم وقبول استقالاتهم بأمر ملكي ، ويكون جميع أعضاء المجلس مسئولين عن أعمالهم أمام الملك .
وفي منتصف الثمانينيات تقريبا كان مجلس الوزراء يتألف من ( ) :- 
    1) رئيس مجلس الوزراء وهو الملك .
    2) نائب رئيس مجلس الوزراء وهو ولي العهد رئيس الحرس الوطني .
    3) النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وهو وزير الدفاع والطيران والمفتش العام . 
    4) بجانب 23 وزيرا منهم 3 وزراء دولة .
ب- انعقــــاد المجلــــس وقراراتــه :كــان المجلــــس يعقـــد اجتماعـــاً عاديـــاً مـــرة في الشهر ، وفي الحـــالات الاستثنائيـــة كـــان ينعقـــد بنـــاء علـــى دعـــوة رئيســـه ( ) ، ولم يرد في نظام المجلس الجديد تحديد لعدد جلسات المجلـــس ، إلا أن لائحـــة المجلس الداخليـــة حــــددت جلسات المجلس في ثلاث جلسات عادية في كل أسبوع، كما أجـــازت انعقـــاده بصفـــة استثنائيـــة بدعـــوة مــن رئيســـه ( ). كـــان نصـــاب المجلـــس القانونـي يتـم بحضــور ثلثي 
الأعضاء، ويتخذ قراراته بموافقة أغلبية الأعضاء الحاضرين، وكانت جميع قراراته تحتاج إلى مصادقة الملك قبل نفاذها(1) ، لكن وفقاً للنظام الجديد يتم نصاب المجلس بحضور ثلثي الأعضاء، ويتخذ قراراته بموافقة أغلبية الأعضاء الحاضرين، إلا أنه أصبح لرئيس المجلس صوت مرجح عند تساوي الأصوات، كما أن قراراته أصبحت نهائية إلا ما يحتاج منها إلى أمر أو مرسوم ملكي ( )، وبموجب نظامه القديم لا يتخذ المجلس قرارات تتعلق بأمور أي وزارة أثناء غياب وزيرها أو من ينوب عنه إلا عند الضرورة. وأثناء انعقاد المجلس يبحث في الأمور المدرجة في جدول أعمال الجلسة، ويوزع جدول الأعمال على الوزراء قبل موعد انعقاد المجلس بأسبوع أو بثلاثة أيام في المسائل العاجلة، وعند الضرورة يمكن عرض أي موضوع على المجلس أثناء انعقاده. ومداولات المجلس سرية، وقراراته تذاع إلا ما كان منها سرياً ( )، وأبقى النظام الجديد مفعول المواد التي لا تجيز للمجلس اتخاذ قرارات تختص بوزارة لم يحضر وزيرها أو من ينوب عنه إلا عند اللزوم، وكذلك سرية مداولات المجلس وعلانية قراراته، وأوجب نشر جميع المراسيم في الجريد الرسمية حيث تكون نافذة من تاريخ نشرها ( ). وكلا النظامين القديم والجديد أجاز للمجلس تأليف لجان فرعية مختصة من الأعضاء أو من غيرهم لدراسة مواضيع معينة قبل عرضها على المجلس( ).
    وكان يوجد بمجلس 1958 الجديد ثلاث لجان هي اللجنة المالية ولجنة الأنظمة واللجنة الإدارية ( ). 
جـ- اختصاصات مجلس الوزراء : 
    وفقاً لنظامه القديم ، والذي عمل بموجبه حوالي أربع سنوات ونصف ، أشرف المجلس على سياسة الدولة الداخلية والخارجية ، واختص بالموافقة على ( ):- 
     1) الميزانية السنوية والتصديق على الحساب الختامي للدولة ، وفتح الاعتمادات الجديدة .
    2) المعاهدات والاتفاقيات الدولية والإذن لوزير الخارجية لتوقيعها .
    3) عقود الامتياز والاحتكار التي تمنح للأفراد أو الشركات .
    4) كل عقد أو إجراء أو التزام له اعتماد في بنود الميزانية العامة قيمته ثلاثون ألف ريال سعودي فأكثر إذا رأت الوزارة المختصة عند تنفيذه أن الضرورة تدعو إلى تجاوز النظم المقررة في الدولة ، وكل اعتماد له بند في الميزانية المعتمدة تنفذه الوزارة المختصة وفقاً للأنظمة المقررة في الدولة بدون الرجوع إلى مجلس الوزراء .
    5) تكوين الشركات المساهمة والترخيص للشركات الأجنبية بالعمل في المملكة .
    6) الصلح في النزاعات التي تكون الدولة طرفاً فيها إذا ترتب عليه تحميل خزانة الدولة أو التنازل عن المطلوب للدولة ما يزيد عن خمسين ألف ريال سعودي فأكثر بصرف النظر عن أصل الالتزام .
    7) تعيين وفصل مديري المصالح وكذلك الموظفين الذين يشغلون المرتبة الرابعة فما فوقها.
    8) إنشاء وظائف أو مراتب أو درجات جديدة لم تدرج في الميزانية .
    9) جميع عقود استخدام الأجانب ، على أنه لا يجوز استخدام أجنبي إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك ولا يوجد من بين الرعايا السعوديين من يقوم بالوظيفة أو الأعمال موضوع العقد .
    10) قبول الهبات المشروطة . 
    ولا يجوز للوزارات أو المصالح التصرف في أموال الدولة سواء بالهبة أو بالبيع أو البدل أو غير ذلك ، أو الإيجار لمدة تزيد عن سنة طبقاً لنص العقد أو عن طريق التجديد  إلا بعد استئذان مجلس الوزراء ، وموافقته على العقود المذكورة قبل توقيعها، وينظر مجلس الوزراء في المسائل التي يقرر رئيس المجلس أو المجلس طلبها  من المرجع المختص لبحثها أو الفصل فيها كما ينظر في الأنظمة التي يضعها مجلس الشورى أو الدوائر المختصة لإقرارها أو تعديلها أو رفضها .
    ومن الاختصاصات السابقة يتضح أن المجلس كان يقوم بدور الإشراف على الأمور التي دخلت ضمن نطاق اختصاصاته عن طريق الموافقة على المسائل التي تعرض عليه ، وهو بذلك لم يكن يمارس رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية ، ولم يملك السلطة التنفيذية ، حيث كان يستمد صلاحياته من الملك ، وكانت قراراته بمثابة توصيات لا تكون نافذة المفعول إلا بعد الموافقة الملكية عليها أو في بعض الحالات بواسطة رئيس المجلس الذي يتمتع بصلاحيات بالإضافة إلى الصلاحيات التي يتمتع بها  من المجلس . 
    وعندما صدر نظامه الجديد عام 1958 أعطي المجلس سلطات تنفيذية وتشريعية وإدارية قوية، فقد عقد المجلس اجتماعاً حدد فيه أن مجلس الوزراء مسئولاً عن تقرير السياسات الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليم وأحوال الدفاع وكل الشئون العامة ويشرف على تنفيذها، وله السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والإدارية ، وهو مسئول عن إدارة الشئون المالية وكل الاعتبارات المرتبطة بعمل الوزراء والوكالات الحكومية ، ويقرر التدابير والإجراءات الضرورية اللازمة لهذه المسئولية، والاتفاقات الدولية لابد أن يصدق عليها المجلس( ). فجميع قرارات المجلس نهائية وقابلة للتنفيذ بعد إقرارها منه إلا ما يتعلق منها بالأنظمة والمعاهدات والاتفاقات الدولية والامتيازات وعقد القروض وميزانية الدولة ، فإنها تصدر بمراسيم ملكية ( ).
    ومعنى ذلك أن المجلس أصبح يملك سلطات واسعة شملت جميع شئون الدولة الداخلية والخارجية، فهو الذي يقوم برسم السياسة في الحقلين الداخلي والخارجي ، ويشرف على تنفيذها، وتركزت في المجلس تبعاً لذلك السلطات التنظيمية والتنفيذية والإدارية .
د- الهيكل التنظيمي للمجلس :-
    1) رئيس المجلس :
    جرت العادة تبعاً لنظام المجلس القديم ، أن يكون رئيس المجلس هو الذي يفتتح جلسات المجلس ويدير المناقشات وينهيها ويجري التصويت عليها ويعلن قرارات المجلس ، ويوقعها ويبلغها إلى الجهات المختصة ، ويشرف على جميع أجهزة الدولة من وزارات ومصالح ، كما يشرف على تنفيذ قرارات المجلس والمراسيم والأوامر الملكية وعلى تنفيذ ميزانية الدولة بواسطة مراقبة الحسابات ويصدر جميع التعليمات واللوائح اللازمة لتنفيذ قرارات المجلس والمراسيم والأوامر الملكية ( ).
    ووفقاً لنظام المجلس الجديد وما طرأ من تعديل فإن رئيس المجلس أو نائبه هو الذي يفتتح الجلسات وينهيها ويجري التصويت عليها ويعلن القرارات ويوقعها ، وهو الذي يقوم بتوجيه السياسة العامة للدولة ويعمل على التنسيق بين جميع وزارات ومصالح الدولة ويشرف عليها وعلى المجالس ويقوم بمراقبة تنفيذ كل ما يصدر عن المجلس من أنظمة وقرارات ( ).
2) ديوان رئاسة مجلس الوزراء :
    ذكر سابقاً أنه عقب تأليف مجلس الوزراء بمدة قصيرة صدر مرسوم بإلغاء ديوان النيابة العامة وجعله ديواناً لرئيس مجلس الوزراء وربط جميع الوزارات والمصالح في اتصالاتها بهذا الديوان ، وعندما صدر نظام مجلس الوزراء الجديد بقي ديوان الرئاسة في التشكيلات الإدارية للمجلس . ويرأس هذا الديوان رئيس مرتبط برئيس المجلس ويليه مدير عام يشرف على أعمال الديوان وترتبط به تسع شعب لكل منها اختصاص معين وهي : شعبة المشاريع ، شعبة المالية ، شعبة الأجانب ، الشعبة السياسية ، شعبة الأوراق ، شعبة المالية والموظفين ، الشعبة السرية ، شعبة البرقيات والشعبة الإدارية ( ). 
3) الأمانة العامة لمجلس الوزراء :
    نص مجلس نظام مجلس الوزراء القديم 1953 على تشكيل ديوان لمجلس الوزراء من أربع شعب منها الأمانة العامة للمجلس( ) . ويرأس الأمانة العامة أمين عام يعين بمرسوم ملكي وهو الذي يرشح الموظفين اللازمين للأمانة العامة ليتم تعيينهم بموافقة مجلس الوزراء ، ويختص الأمين العام بتنظيم الأمانة العامة داخلياً وفقاً لما يتطلبه العمل مثل إنشاء إدارات تختص بالأرشيف والشئون الإدارية وشئون الموظفين والمكتبة ، ويحضر جلسات المجلس ويوقع على محاضر الجلسات ويقوم بإعداد جدول الأعمال ومشروع ميزانية المجلس ، وديوانه ( ). والأمين العام هو المسئول عن جميع موظفي الأمانة وهو الذي يتولى توزيع العمل بينهم وفقاً لمقتضيات الأحوال ( ).
    وعندما صدر نظام مجلس الوزراء الجديد سنة 1377هـ – 1958 ، بقيت الأمانة العامة داخلة في تشكيلات مجلس الوزراء الإدارية ( ). ويرأس الأمانة العامة أمين عام مرتبط برئيس مجلس الوزراء ويساعده في القيام بأعماله أمين عام مساعد وترتبط به سبع شعب لكل منها اختصاص معين وهي : المستشارون ، المكتبة ، الإدارة ، محاضر الجلسات ، الإدارة المالية ، سكرتارية لجنة الأنظمة ، سكرتارية اللجنة الإدارية ( ).
    هـ-إجراءات عمل المجلس :إن أعمال وخدمات الدولة موزعة على عدد من الوزارات والأجهزة المستقلة ( ). وتقوم هذه الوزارات والأجهزة بممارسة اختصاصاتها وتحقيق أهدافها وفقاً للسياسـة العامـة ونطـاق السلطـات المخولة إليهـا ، فإذا اعترى أي وزارة أو جهاز حكومي أمر معين ، ولا يمكن اتخاذ قـرار بشأنــه نظـراً لأن القـرار الذي يحتاجـه الأمـر يخرج من السلطات المخولة إلى تلك الجهة، عندها ترفع الوزارة أو الهيئة المعنية المعاملة مع المشفوعات إلى ديوان رئاسـة مجلس الوزراء حيث يتم ترقيم وتسجيل المعاملة ، فإذا كانت المعاملة تتعلق في أمر يقع ضمن اختصاص رئيس مجلس الـوزراء تحـال إليــه رأســـاً حيـــث يتـــم اتخـــاذ قـــرار بشأنها وتبلغ إلى الجهات المختصة بواسطة ديوان رئاسة المجلس ( ). وأما إذا كانت المعاملة تتعلق في أمر يقع ضمن اختصـــاص المجلـــس ، فيحيــل ديــوان الرئاســـة المعاملــة إلى الأمانـة العامة للمجلس حيث يتــم ترقيمهـــا وتسجيلهـــا في الـــوارد ومـــن ثـــم تحـــال إلى أمين عـــام المجلس ، وبعد أن يطلع الأمين العام علــى المعاملـــة يقـــرر الجهـــة الـــتي يجـــب أن تحـــال إليهـــا ، فالمعامـــلات التي تختـص بالشئــون الماليـــة 
تحال إلى سكرتارية اللجنة المالية ، والمعاملات التي تختص بالشئون الإدارية تحال إلى سكرتارية اللجنة الإدارية، والمعاملات التي تختص بالشؤون التنظيمية تحال إلى سكرتارية لجنة الأنظمة ( ). وبعد ورود المعاملة إلى سكرتارية اللجنة المختصة يقوم سكرتير اللجنة بعرض المعاملات بالتسلسل على اللجنة ، وتقوم اللجنة بدراسة المعاملة مع بعض المستشارين عند اللزوم وتتخذ القرار المناسب بشأنها وتوقعه ، ثم يحيل سكرتير اللجنة المعاملة إلى الأمانة العامة حيث يتم ترقيمها وتسجيلها حسب الموضوع ثم يدرج الأمين العام المعاملة في جدول الأعمال حسب التسلسل ، ثم تعرض على المجلس حيث يتم اتخاذ قرار بشأنها ، ويعد الأمين العام القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء بشأن المعاملة ويوقع القرار من قبل رئيس مجلس الوزراء أو نائبه ويحال بعد ذلك مع خطاب رفع من الأمانة العامة إلى ديوان رئاسة مجلس الوزراء حيث يتم ترقيمه وتسجيله ثم يصدر من ديوان الرئاسة بتوقيع رئيس المجلس أو نائبه ويبلغ إلى الجهات المختصة ( ).
    إن من بين النتائج المترتبة على تأسيس مجلس الوزراء تأثر الثقافة السياسية للشعب السعودي ، حيث تغير أسلوب الحكم التقليدي ذو التاريخ الطويل . فغياب حكومة مركزية وعدم وجود مؤسسات سياسية ووجود علاقات غير رسمية بين الحكام والرعية قد شكل ثقافة سياسية فريدة للمجتمع السعودي طوال نحو ثلاثين عاماً مضت . وعندما أُسس مجلس الوزراء أُدخل نمطاً جديداً للحكم برز إلى حيز الوجود تمثلت فيه مؤسسات مركزية وبيروقراطية إدارية كانت غير مألوفة بالنسبة للمجتمع السعودي ( ).
    كما شهدت فترة ما بعد 1953 تغيراً في الأبنية السياسية ، ففي فترة سابقة كانت المؤسسات السياسية الرسمية الوحيدة موجودة فقط في الحجاز على المستوى المحلي . أما على المستوى القومي كانت الحكومة لا مركزية وكان الملك وحده هو نقطة التكامل بالنسبة لأقاليم المملكة المختلفة ، فالمؤسسات كانت قليلة قبل عام 1953 ، إلا أن مجلس الوزراء قد وحد ونظم الإدارات الإقليمية ، وأصبحت الحكومات المحلية السعودية تعتمد على الحكومة المركزية التي تمتلك كل الموارد الطبيعية ، في حين أن وزاراتها وإداراتها المختلفة هي التي تخطط وتدير وتنفذ سياسات التنمية القومية عبر أنحاء البلاد ( ). كما هيئ مجلس الوزراء المناخ لبناء المزيد من المؤسسات التنفيذية الخدمية . 
    وقد نتج أيضاً عن إنشاء مجلس الوزراء عام 1953 أن بدأت صلاحيات مجلس الشورى تضعف شيئاً فشيئاً لحساب مجلس الوزراء ، إذ أن سلطات مجلس الوزراء شملت الاختصاصات التي كان يزاولها مجلس الشورى . ومما يؤكد ذلك أنه عندما كان أعضاء مجلس الشورى خمسة وعشرين عضواً في عام 1955 ، صدرت أوامر بعد ذلك بإحالة بعض أعضائه إلى التقاعد والبعض الآخر إلى وظائف أخرى في وزارات ومصالح الدولة دون أن يعين بدلاً منهم أعضاء جدد في المجلس ( )، مما يعني في التحليل الأخير تقلص  أهمية المجلس  . 
    كذلك فإن السياسيات الجديدة لمجلس الوزراء قد شجعت ظهور نوع جديد من النخبة .فقبل عام1953كانت النخبة السياسية متمثلة في الأسرة الملكية،وعلماء الدين،والزعماء القبليين،لكن مع نمو البيروقراطية والاقتصاد بشكل سريع ، تولدت حاجة ملحة لملء المراكز في الوزارات الجديدة والمتزايدة الاتساع، وأدى ذلك إلى نمو نخبة تكنوقراطية جديدة . وقد تزايدت النخب الجديدة بدرجة كبيرة وبدأت تجند أعضاءها ، وأدت الحاجة إلى تدريب النخب الفنية إلى تغيير النسق التعليمي من تعليم ديني فقط إلى تعليم يشمل شتى علوم الحياة ( ). 
    من العرض السابق يمكن القول أن النظام المؤسسي الحكومي الحديث بدأ فعلياً في المملكة عام 1953 حين تكون مجلس الوزراء كسلطة سياسية مركزية ( ). وقد جاء تأسيسه استجابة لعملية خلق مؤسسات قوية ومركزية شقت الطريق نحو تغييرات مهمة في كل المجالات ، كما كان بداية مرحلة جديدة من التنمية في المملكة شكلت خطوة انتقالية أساسية من تجمع غير رسمي للمؤسسات القبلية إلى أسلوب حكومي بيروقراطي مركزي يعتمد على المؤسسات . فالمجلس قد مثل إدارة مركزية جاءت لأول مرة في السعودية ( ) ، حيث جمع في إطاره وكبادرة أولى مختلف الوزارات في هيئة واحدة موحدة لها سلطة على شئون كل الحكومة ( ).
    ولم يمارس المجلس وظائفه  التنفيذية والتشريعية إلا عام 1958 حيث عدلت مهام المجلس بمقتضى نظام جديد يتكون من خمسين بنداً وذلك خلافاً لما قبله الذي تألف من عشرين بنداً فقط ( )، وقد عمل المجلس المعدل كلية كهيئة تشريعية وكل وزارة تعمل منفردة كسلطة تنفيذية . 
    ويستمد هذا المجلس سلطاته التشريعية والتنفيذية من الملك الذي هو رأس النظام السياسي في المملكة ، ومنذ تولي الملك فيصل الحكم عام 1964 يُرأَسْ المجلس بالملك ، لذا فالمجلس يملك سلطة تشريعية قوية ، كما أن الوزارات المختلفة أعضاء في مجلس الوزراء ، وبالتالي فالمجلس يملك أيضا سلطة تنفيذية قوية ، فالوزارات مسئولة عن تنفيذ الأنظمة والقرارات التي يصدرها المجلس كل وزارة حسب اختصاصها ( ). فعام 1964 هو عام تغير هيكل مجلس الوزراء الذي أُعطِيَ المجلس فيه المسئولية لوضع السياسات الحكومية في الشئون المحلية والأجنبية وأصبح صانع السياسة ومصدر السلطة الإدارية وبذلك جمع المجلس بين المهام التشريعية والتنفيذية ( ).
    فمجلس الوزراء لم يتمتع بممارسة فعلية قوية لوظائفه التشريّعية والتنفيذية والإدارية إلا بعد التطور المهم الذي طرأ على المجلس عام 1964 ، أي عقب تولي الملك فيصل عرش المملكة السعودية ، حيث قام بسن قواعد قانونية جديدة جعلت من الملك رئيساً لمجلس الوزراء ، كما عزز موقعه في مجلس الوزراء وقصر قوة التعيين والإقالة وقبول الاستقالة من الوزراء على الملك وحده( ) .

– الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية الرئيسية : 

    سبقت الإشارة أن هناك خمس وزارات تم تأسيسها قبل تكوين مجلس الوزراء عام 1953 وهي وزارة الخارجية (1930)، وزارة المالية (1932) ، وزارة الدفاع (1946) ، وزارة الداخلية (1951) ، ووزارة الصحة (1951)، وبإنشاء مجلس الوزراء تجسدت بعده بأشهر قليلة ثلاث وزارات جديدة هي وزارة الزراعة والمياه  (1953) ، وزارة المواصلات (1953)، ووزارة المعارف  (1953) ، ثم وزارة رابعة هي وزارة التجارة (1954) ( ).

    وفي بداية الستينات ومع تزايد إيرادات النفط واتساع عمليات الامتياز والتنقيب وما ترتب على ذلك من تزايد وانتشار الجهود الحكومية في مجال الأنشطة الاجتماعية والعمل ، وكذلك في مجالات الحج والأوقاف ولتزايد دور الحكومة في الداخل والخارج ، ظهرت للوجود أربع وزارات هي وزارة البترول والموارد المعدنية (1960) ، وزارة العمل والشئون الاجتماعية (1961) ، وزارة الحج والأوقاف (1962) ، ووزارة الإعلام (1962) . وفي عام 1970 تم تأسيس وزارة العدل ، وفي منتصف السبعينات ومع التزايد الهائل في الإيرادات النفطية تزايدت الحاجة لبناء المزيد من المؤسسات لمواكبة التزايد المستمر في الطلب على الخدمات المختلفة والتخطيط لها ، توسع مجلس الوزراء ليشمل ست وزارات جديدة هي وزارة التعليم العالي، وزارة الصناعة والكهرباء ، وزارة الشئون البلدية والقروية ، وزارة التخطيط ، وزارة البرق والبريد والهاتف ، وزارة الإسكان والأشغال العامة ، لذا تزايد العدد الكلي للوزارات من 14 وزارة عام 1970 إلى عشرين وزارة عام 1975( )، بجانب ثلاث وزراء دولة ( )، وكانت هذه أكبر وزارة في تاريخ المملكة – حتى نهاية فترة الدراسة 1985 – ( ). لذا فهذا العام هو العام الذي نضج واكتمل فيه هيكل المؤسسة التنفيذية السعودية ، ونضجت فيه ممارساتها تجاه مهامها وتبلورت فيه المحددات الرئيسية التي أثرت على عملية البناء .

    ووعلى رأس كل وزارة وزير يساعده واحد أو أكثر من النواب وكانت وظيفة مساعد نائب الوزير موجودة في بعض الوزارات ، لكن في معظمهم كان هناك مديراً عاماً للإدارة يتعامل مع المشكلات الإدارية ، وفي كل وزارة كانت هناك إدارة متخصصة أو أقسام فيما يتعلق بالأحوال وشئون الوزارة مثل الإدارة ، هيئة الموظفين ، التنسيق ، التفتيش ..الخ ( ). 

    وفيما يلي عرض موجز لهذه الوزارات :-

    أ- وزارة الخارجية :  

    تأسست عام 1926 عندما كانت تحت اسم مديرية الأمور الخارجية وذلك بموجب التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية لتتولى إجراء سياسة الدولة الخارجية وكانت تحت إشراف وتوجيه الملك عبدالعزيز ، وتألفت المديرية من أربعة شعب مختصة هي الشعبة السياسية والشعبة الإدارية والشعبة القنصلية وشعبة حقوقية ، وبالرغم من ارتباط المديرية رأساً بالملك ، إلا أنها كانت تخضع لتعليمات النيابة العامة في اختصاص الشعبة الإدارية والشعبة القنصلية ( ). 

    ولم يكن هناك ممثليات خارج المملكة سوى مفوضتين هما مفوضية في القاهرة أنشأت عام 1926 ومفوضية في لندن أنشأت عام 1930 ( ).

    وفي عام 1930 صدر قرار ملكي بتحويل المديرية إلى وزارة للخارجية ، وبذلك كانت وزارة الخارجية أول وزارة تأسست في المملكة ( )، وأنيط بها مسئولية علاقات المملكة السياسية والثقافية والاقتصادية مع العالم الخارجي بما فيه من دول ومنظمات وهيئات مختلفة ، وذلك من خلال سفارات المملكة في هذه الدول ( ).   

    وفي عام 1955 تم إدخال بعض الإضافات على تشكيلات الوزارة لمراعاة التطور الذي طرأ في شئون المملكة الخارجية، وتشكلت الوزارة من الديوان العام الذي تألف من عشر إدارات وهي : الإدارة السياسية ، الإدارة العربية ، إدارة المؤتمرات، إدارة الشئون الاقتصادية والقنصلية، إدارة المعاهدات ، إدارة المطبوعات والصحافة والنشر ، إدارة المحفوظات ، إدارة الموظفين والشئون المالية ، إدارة الثقافة والشئون الصحية ( ). كما تشكلت الوزارة من البعثات السياسية والقنصلية التي تنشأ بمراسيم ملكية ، وتشمل السفارات والمفوضيات والمكاتب الدائمة لدى الهيئات الدولية والوفود المنتدبة لمهمات سياسية ورسمية سواء تم هذا الانتداب بموجب أمر ملكي أو بموجب اعتماد من الوزارة ، وبالنسبة للنيابات والوكالات القنصلية فتنشأ بقرار وزاري يحدد اختصاصاتها ( ) .

    ب- وزارة المالية والاقتصاد الوطني : 

    أُنشِأت وزارة المالية تحت مسمى مديرية المالية التي أُنشِأت بموجب التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية في 1926 لتتولى تنظيم واردات ومصاريف الدولة العمومية ، وكانت مرتبطة مباشرة بالنائب العام ( ) . وفي عام 1927 تحولت المديرية إلى وكالة عامة لتكون مرجعاً لجميع الماليات في المملكة الحجازية ( ). 

    ونتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية  في الثلاثينيات استدعت الحكومة خبيراً أجنبياً لتصحيح الأوضاع المالية للبلاد آنذاك، وكان من نتائج ذلك أن أصدر في عام 1932 أمراً بتحويل وكالة المالية إلى وزارة ( ) ، وأنيط بها إدارة جميع الشئون المالية للحكومة ، بما في ذلك إعداد الميزانية والمصروفات الخاصة بوزارتي الخارجية والداخلية والمديريات الحكومية الأخرى والإشراف على النمو الاقتصادي ( ). 

     كما يناط بها إدارة الزكاة والأمور المتعلقة بضريبة الدخل والرسوم الجمركية ، وتشرف على مصلحة الإحصاءات العامة والمركز الوطني للحاسب الآلي ( ). 

    وتتألف الوزارة من شعبة الإدارة وشعبة المحاسبات العمومية ومفتشية الماليات ( ) والصندوق العمومي الذي أنشئ نتيجة للأزمة المالية التي تعرضت لها البلاد إبان الخمسينيات ، ويعد المرجع الأساسي لجميع صناديق الماليات ( ). وتوجد دائرة خاصة في الوزارة سميت بمصلحة الزكاة والدخل ومقرها جدة أنشأت عام 1370هـ /1951 ( ) . وأنشئ أيضاً في عام 1370هـ/1951 ديوان تابع للوزارة يتولى الإشراف على الشئون الاقتصادية وقرارات المنظمات المختلفة التي تنشأ بتوصيات من مجلس الأمن الدولي وقرارات الأمم المتحدة والمؤتمرات الاقتصادية الإسلامية والعربية ( ).

   وتشرف الوزارة على مؤسسة النقد العربي السعودي ، وصندوق التنمية العقارية ، وصندوق التنمية السعودي( ) والبنك الزراعي العربي السعودي . بالإضافة إلى إشرافها على العديد من الهيئات والتنظيمات ذات الصبغة الاقتصادية والمالية الأخرى مثل معهد الإدارة العامة ، ووكالة معاشات التقاعد ، برنامج تمويل مقاولين ، والشركة السعودية للعقارات ، وبنك التسليف السعودي ( ). 

    جـ- وزارة الدفاع والطيران :   

    ففي الفترة الأولى لتكوين المملكة اعتمد الملك عبدالعزيز على جيش الإخوان وجيش الجهاد( )، ثم أنشأ بعد ذلك إدارة الأمور العسكرية في عام 1930 كانت بمثابة نواة لتكوين الجيش النظامي للمملكة ( ). وكانت تحت إشراف الملك عبدالعزيز في ظل التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية، وفيما بعد تكونت وكالة الدفاع ومديرية الأمور العسكرية في عام 1936 عندما زاد عدد القوات النظامية ، وتبع ذلك إلغاء جميع القوات غير النظامية ماعدا جيش الجهاد ( ).

    وفي عام1941ألغيت مديرية الأمور العسكرية وتشكلت رئاسة الأركان الحربية وتعين لها رئيس هيئة أركان حرب( ).

    وفي عام 1946 تحولت الوكالة إلى وزارة الدفاع والحق بها مصلحة الطيران المدني( )، وهي مسئولة عن جيش المملكة الذي يتكون من القوات البرية ، القوات الجوية الملكية السعودية ، القوات البحرية الملكية السعودية ، قوات الدفاع الجوي، كما أنها مسئولة عن إنشاء المطارات المدنية والقواعد العسكرية بجانب مسئوليتها عن الأرصاد الجوية ( ). 

    وتوجد ثلاث أكاديميات عسكرية تابعة للوزارة ، وهي مسئولة عن تخريج دفاعات من الطلبة الملتحقين بها في التخصصات العسكرية التي تناط بهذه الأكاديميات ، وهي ( ):-  

    1) كلية الملك عبدالعزيز العسكرية في الرياض ، وهي تمنح درجة البكالوريوس في العلوم العسكرية .

    2) كلية الملك فيصل الجوية في الرياض، وهي تمنح درجة البكالوريوس في علوم الطيران . 

    3) كلية القادة الأركان في الرياض ، وهي تمنح الماجستير في العلوم العسكرية وهي تعادل درجة الماجستير في العلوم . 

    هذا بالإضافة إلى وجود العديد من المعاهد والمدارس العامة داخل الجيش والتابعين للوزارة مثل معهد اللغات الأجنبية ، والمعهد الفني للطيران ، ومدرسة الخدمات الطبية … الخ ( ). 

    ويوكل للوزارة مهمة التوسع في تعليم أفرادها العسكريين تعليماً مدنياً ، وكذلك نشر تعليم الكبار في جميع الوحدات المختلفة للقوات المسلحة . كما أنها مسئولة عن إرسال بعثات تعليمية في مجال التدريب العسكري في بلدان مختلفة مثل مصر وبلجيكا وبريطانيا والولايات المتحدة ( ). 

    ويجب التنويه هنا أنه بالإضافة إلى الجيش النظامي للدولة التابع لوزارة الدفاع ، يوجد الحرس الوطني الذي أنشئ عام 1954 وهو غير مرتبط بالوزارة ويعد قوة مستقلة يرأسها ولي العهد ونائب رئيس الوزراء الأمير عبد الله، وهو مؤسسة عسكرية ثقافية متكاملة تسعى إلى تطبيق برامج خاصة بالشئون الدينية والإرشاد والتوجيه والخدمات الطبية والإسكان والمدن الجديدة ، وبرامج للثقافة والتعليم والإعلام والاتصالات والرياضة . كما أنه قوة عسكرية مقاتلة على درجة عالية من التطور والإلمام بأحدث النظريات العسكرية الخاصة بالتنظيم والأسلحة والتدريب، ويتبع الحرس الوطني كلية الملك خالد العسكرية بالرياض التي تمنح درجة البكالوريوس في العلوم العسكرية ( ) .  

     د- وزارة الداخلية :  

    شهدت بداياتها الأولى في الحجاز عام 1926 عندما كانت الأمور الداخلية تابعة للنيابة العامة التي أنشأت العديد من المديريات لتولي المهام التي كانت تشملها الأمور الداخلية آنذاك ، مثل أمور الأمن العام وأمور البرق والبريد وأمور الصحة وأمور البلديات وأمور التجارة والصناعة والزراعة والمعادن والمؤسسات الخاصة ( ). وفي ظل نظام مجلس الوكلاء الذي صدر عام 1930 تحول اسم النيابة العامة إلى وزارة الداخلية ( ) وارتبطت دوائر الصحة والمعارف والبرق والبريد والشرطة العامة والمحاكم الشرعية والبلديات بالوزارة ( )، وفي عام 1934 دمجت أعمال وزارة الداخلية بما فيها الدوائر التي كانت تابعة لها ضمن أعمال مجلس الوكلاء ( ) . 

     وفي عام1951أعيد تشكيل وزارة الداخلية( )،كما هو في الوقت الحاضر،ويناط بها مسئولية توفير الأمن وحماية الأرواح والممتلكات،وكذلك تطبيق قوانين المملكة المستندة إلى الشريعة الإسلامية وتنفيذ الأحكام التي تصدرها المحاكم على المخالفين للنظام،بالإضافة إلى مراقبة الأجانب أمنياً،ويخضع للوزارة أجهزة تساعدها في الاضطلاع بهذه الأمور ، مثل  قوات الأمن العام التي تشمل شرطة المرور والنجدة ، وحرس الحدود ،والدفاع المدني ، والشرطة ، والأمن الخاص ، والمباحث ، والمرور ، والجوازات ، والأحوال المدنية ، وإدارة مكافحة المخدرات( ).  

    كما تشرف الوزارة على كلية الملك فهد الأمنية ، التي تمنح درجة البكالوريوس في علم الأمن الداخلي( ) .  

    هـ- وزارة الصحة :  

    كانت شئون الصحة العامة في الأصل مديرية حكومية تابعة للنيابة العامة وذلك في عام 1926 ( )، وفي عام 1931 أدمجت مهام مديرية الصحة ضمن مهام وزارة الداخلية حتى عام 1934 عندما ارتبطت وزارة الداخلية بمجلس الوكلاء وارتبط تبعاً لذلك الشئون الصحية والإسعاف برئاسة المجلس ( ) . 

    وفي عام 1951 أُنشأت وزارة الصحة كوزارة مستقلة نتيجة لتشعبها إدارياً وفنياً ( )، وهي مسئولة عن توفير الرعاية الصحية والإشراف على المستشفيات – القطاع العام والخاص – في المملكة ( ).

    و- وزارة الزراعة والمياه :

    في عام 1948 تأسست مديرية خاصة بالزراعة في المملكة وكانت تابعة لوزارة المالية ( )، وفي عام 1953 انفصلت مديرية الزراعة عن وزارة المالية وتحولت إلى وزارة مستقلة ( )، ووظيفتها تتركز في تنفيذ خطط الحكومة وبرامجها الاقتصادية الخاصة بالزراعة وتنمية مصادر المياه وتحلية مياه البحر ، وصيانة المياه الشحيحة ، ومجالات الثروة الحيوانية ومصايد الأسماك، وصوامع الغلال ومكافحة الجراد ( ).  

     ز- وزارة المواصلات :  

    كانت في الماضي تابعة للنيابة العامة عام 1926 التي شكلت مديرية اختصت فقط بالبرق والبريد( ) ، أما بالنسبة للطرق فقد تأسست مصلحة الأشغال العامة والمعادن عام 1935 وألحقت بوزارة المالية ( ). 

    وفي عام 1953 أُنشأت وزارة خاصة بالمواصلات بغرض تجميع الأعمال التي توجد في الدوائر الحكومية الخاصة بالنقل والمواصلات ( )، ومهمة هذه الوزارة تتحصل في إعداد التصميمات اللازمة لشبكة الطرق في المملكة وبنائها وصيانتها . كما أن الوزارة مسئولة عن القيام بالتنسيق بين جميع وسائل النقل البرية ، بما في ذلك خدمة السكة الحديدية ( ). 

    وتعد الوزارة المسئول الأول عن التغييرات الكبيرة التي حدثت خلال العقود التي سبقت نهاية فترة الدراسة ، والتي نتج عنها تنمية شاملة في قطاع النقل والمواصلات كان لها تأثير كبير في عملية التنمية ( ) .

    حـ- وزارة المعارف :  

    عندما صدرت التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية عام 1926 ، تشكلت مديرية خاصة لشئون التعليم سميت بمديرية المعارف العمومية وكانت تابعة للنيابة العامة ( ). وفي عام 1938 صدر نظام خاص بمديرية المعارف وأصبحت المديرية على أثره تشرف على جميع شئون التعليم في المملكة فيما عدا ما اختص منها بالتعليم العسكري ( ). 

    وفي عام 1953 تحولت مديرية المعارف إلى وزارة المعارف ( )، وأنيط بها توفير التعليم العام المجاني في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، وتهيئة الخدمات التربوية اللازمة للمعاقين ، والاهتمام بشئون المعلمين والطلبة والمدارس . وتعطي هذه الدارسة أهمية كبرى لهذه الوزارة كمؤسسة تنفيذية ارتأت أن تخصص لها مبحثاً خاصاً في الفصل الرابع لما لها من دور سياسي وتنموي تحفل به أدبيات التنمية السياسية . 

    ط- وزارة التجارة :  

    كانت الأمور التجارية في الماضي تدخل ضمن الأمور الداخلية التي أشرفت عليها النيابة العامة طبقاً للتعليمات الأساسية للمملكة الحجازية عام 1926 ، وبعد ثلاثة أشهر من صدور التعليمات الأساسية صدر أمر ملكي بتشكيل مجلس للتجار مهمته فض المنازعات بين التجار ( ).

    ثم تلى ذلك إنشاء نظام تسجيل الشركات الذي كان بمثابة النواة لتنظيم الأمور التجارية في البلاد ، وتلى ذلك أيضاً صدور بعض الأنظمة التي تهتم بالشئون التجارية مثل النظام التجاري وشروطه وصفاته ونظام تسجيل العلامات الفارقة ..الخ( ). 

    وفي سنة 1946 صدر نظام الغرفة التجارية والصناعية بجدة الذي أنيط به العمل على تحسين التجارة والصناعة في البلاد وحمايتها من التنافس الأجنبي  .

    وفي عام 1954 تم إنشاء وزارة مسئولة عن الشئون التجارية في البلاد نتيجة لتزايد نمو واتساع التجارة والصناعة في القطاع الخاص ، مما استوجب الأمر إنشاء وزارة خاصة تتولى تنظيمها وتحسينها وتطويرها ( )، وأصبحت هذه الوزارة مسئولة عن مراجعة جميع الطلبات المقدمة لإنشاء جميع أنواع الشركات والتأكد من أن جميع التعديلات التي تدخل على التعاقدات التجارية تتفق مع اللوائح السارية . هذا إلى جانب مجالات التجارة المحلية والخارجية ( ).

    كما تهتم الوزارة بتقدير احتياجات المملكة من السلع الغذائية الأساسية وحساب مقدراً الكميات التي يتعين استيرادها لضمان توافرها بصورة مستمرة . كما تراقب مجال السلع الأساسية القائمة في المملكة وتمارس سلطتها عليها في تحديد الأسعار . أما حماية المستهلك ، فهي تدخل ضمن مسئولية الوزارة من حيث وجود مختبرات مراقبة الجودة ، ومنع الغش التجاري وتعقبه ، ووضع الأسعار  بصورة واضحة على السلع ، ومراجعة الطلبات المقدمة لإنشاء جميع أنواع الشركات والتأكد من أن جميع التعديلات التي تدخل على التعاقدات التجارية تتفق مع اللوائح السارية ( ).

   وتنقسم الوزارة إلى ثلاث أقسام رئيسية يتولى كل منها وكيل وزارة وتقوم بمهام ( التجارة ، التموين ، الشئون المالية والإدارية ) ( ).

    وللوزارة فروع في العديد من مدن المملكة . كما يوجد للوزارة أيضاً مكاتب للملحقين التجاريين في الخارج في كثير من الدول( ).

    ي- وزارة البترول والثروة المعدنية :   

    في عام 1935 أسست الحكومة مصلحة المعادن والأشغال العامة وألحقتها بوزارة المالية ، واختصت هذه المصلحة بالإشراف على جميع الأعمال التي تتعلق بشركات الزيت والمعادن في البلاد ( ) . وفي عام 1952 تأسست مديرية عامة تتولى شئون البترول والمعادن وكانت مهمتها آنذاك مراقبة الإنتاج والمحافظة على حقوق خزينة الدولة ( ). وفي عام 1960 تم تحويل المديرية العامة للبترول والمعادن إلى وزارة ( )، وأصبحت مسئولة عن إدارة الثروات النفطية والمعدنية في المملكة وتنميتها واستغلالها وتتعاون الوزارة في النهوض بتبعاتها هذه مع المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين) وشركة (سمارك)( ).

    ك- وزارة العمل والشئون الاجتماعية :  

    شهدت بداياتها الأولى عام 1948 عندما صدر لأول مرة في البلاد نظام العمل والعمال ( )، وكانت وزارة المالية هي المسئولة عن مشاكل العمل والعمال ( ).

    وفي عام 1961 تم إنشاء مصلحة العمل والعمال وارتبطت بوزير الدولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء ، وبعد ذلك وفي نفس العام تم تحويل المصلحة إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية ( )، وهي مسئولة عن تنمية الموارد البشرية في المملكة واستخدامها ، كما أنها تعد مسئولة عن التخطيط للقوى العاملة وعن العلاقات العمالية وعن المتابعة العامة لجميع المسائل المتعلقة بالاستخدام وكذلك شئون الضمان الاجتماعي . كما تهتم الوزارة بتوفير الرعاية الإنسانية للمواطنين السعوديين المحتاجين من المعوقين بدنياً أو عقلياً والمسنين والمشردين ( ).

 

 

    ل- وزارة الحج والأوقاف :

     كانت أمور الحج طبقاً للتعليمات الأساسية للمملكة الحجازية عام 1926 موكلة إلى لجنة إدارة الحج تحت رئاسة النائب العام ( )، وصدر عقب ذلك نظام إدارة الحج الذي نظم كافة الأمور المتعلقة بالحج ( ). 

    وفي عام 1948 تشكلت مديرية شئون الحج العامة تحت إشراف وزارة المالية ، وفي عام 1961 صدر قرار بربط المديرية بوزارة الداخلية بدلاً من وزارة المالية ( ). وفي عام 1962 تم إنشاء وزارة خاصة بالحج والأوقاف ( ) أنيط بها مسئولية تهيئة المرافق لاستقبال وإقامة الحجاج في الأماكن المقدسة في المملكة ، ومن أجل الاضطلاع بهذه المسئولية تقوم الوزارة بالعديد من المساعي منها ( ):-  

    1) اختبار مستوى الخدمات التي يقدمها المطوفون للحجاج والتأكد من مستواها .

    2) ضمان سهولة وتحسين الإجراءات المتعلقة بمراقبة جوازات الحجاج .

    3) تزويد المحطات البرية للحجاج ومراكز استقبالهم في البقاع المقدسة بالمساعدة اللازمة والتوجيه اللازم . 

    4) نشر المطبوعات المعدة لإرشاد الحجاج بكيفية أداء شعائر الحج على الوجه الصحيح . 

    5) إجراء صيانة سنوية لجميع المباني والمرافق المعدة للحجاج . 

والوزارة مسئولة أيضاً عن بناء المساجد وصيانتها وعن إدارة الأراضي الموقوفة للأغراض الدينية ( ). 

    م- وزارة الإعلام :  

    في عام 1949 تم افتتاح مديرية الإذاعة السعودية في مكة المكرمة ، وفي عام 1952 أصبحت مديرية شئون الحج والأوقاف هي المسئولة عن الإذاعة السعودية ( ).

    وفي عام 1954  أنشأت المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر ارتبطت بمجلس الوزراء( )، وباشرت بعد ذلك مهامها كوكالة إعلامية مركزية حكومية تعنى بتدفق المعلومات ونشر الأخبار عبر فروعها المنتشرة في العواصم الرئيسية في العالم الإسلامي ، ثم تحولت هذه المديرية بموجب مرسوم ملكي في عام 1962 إلى وزارة الإعلام ( ) .

   ووزارة الإعلام مسئولة عن البث التلفزيوني والإذاعي في المملكة والترخيص للصحافة والنشر بالنسبة للمواد المطبوعة والمسموعة والمرئية ، وهي مسئولة أيضاً عن علاقات المملكة بالصحافة الأجنبية ، وتقوم بتزويد المواطنين في المملكة بما يحتاجونه من معلومات وبيانات وإرشادات وذلك عن طريق مراكزها الإعلامية داخل البلاد ، كما توجد مراكز إعلامية حديثة في دول العالم المختلفة تتبع الوزارة مجهزة بالمكتبات وقاعات للمحاضرات وغير ذلك مما يوفر لمواطني الدول التي تتواجد بها هذه المراكز نفس التسهيلات التي توفرها المكاتب الداخلية للمواطنين السعوديين ( ).

    كما يوكل للوزارة مهمة الإشراف على المشاريع الإعلامية الخاصة بالإذاعة والتلفزيون وتمويلها وتقوم بتكليف الشركات الإعلامية بإعداد الأشرطة والأفلام الوثائقية والإرشادية عن الحج والتعريف بإنجازات المملكة وإصدار الكتب والكتيبات والنشرات الإرشادية ( ). وتشرف الوزارة على وكالة الأنباء السعودية (واس) ( ). 

     ن- وزارة العدل :  

    أنشئ طبقاً للتعليمات الأساسية للمملكة الحجازية عام 1926 إدارة خاصة بإدارة القضاء وكان يرأسها النائب العام( )، ثم بعد ذلك عندما تشكل مجلس الوكلاء عام 1930 أصبحت هذا الإدارة مرتبطة بمجلس الوكلاء ( ). وفي عام 1970 تم إنشاء وزارة العدل ( )، وأنيط بها مسئولية توفير الخدمات القانونية وتطبيق الشريعة الإسلامية ، بالإضافة إلى شئون المحاكم وكتاب العدل ( ). وتشرف الوزارة على مجلس القضاء الأعلى ، ومحاكم التمييز( ) ، والمحاكم العامة ، ومحكمة الأمور المستعجلة ( ).

    س- وزارة التعليم العالي :   

    تم إنشائها مع التوسعات الجديدة لمجلس الوزراء عام 1975 ( )، وذلك بعد إدراك المملكة لأهمية التعليم العالي في إيجاد العنصر البشري المتخصص القادر على حمل أعباء التنمية في المجالات المختلفة ، وتختص بالإشراف على جميع الجامعات ومعاهد التعليم العالي في المملكة ، وتضطلع بإرساء القيم والتعاليم والمثل الإسلامية لدي الطلاب ، وتمكينهم من تحصيل الجوانب المختلفة للمعرفة والمهارات ، وتشرف أيضاً على البعثات التعليمية والعلاقات الجامعية الدولية ( ). 

    ع- وزارة الصناعة والكهرباء : 

    أنشأت عام 1975 مع التوسعات الجديدة لمجلس الوزراء ( ) عندما تم فصل اختصاصاتها من وزارة التجارة ، وهي مسئولة عن تنمية التجهيزات الأساسية الصناعية للمملكة وموكول إليها مهمة الاضطلاع بجميع مشروعات توليد الطاقة الكهربائية، وإصدار الرخص الصناعية ، وحماية النشاط الصناعي الوطني وتشجيعه وتحليل الإحصاءات الصناعية وتجميعها( ).

    وتشرف الوزارة على الشركة السعودية للصناعات الأساسية ، وشركة الأسمدة العربية السعودية ، ومصنع درفلة الصلب، والمؤسسة العامة للكهرباء ( ).

    وترى الدراسة أن وزارة الصناعة كمؤسسة تنفيذية هي ذات أهمية كبرى بالنسبة للمملكة ولعمليات التنمية والبناء المؤسسي فيها ، حيث مسئوليتها في التغلب على سمة الاقتصاد الريعي الذي تتصف به المملكة ودورها في عمليات التصنيع التي من شأنها تحديث المجتمع السعودي وسيخصص لهذه الوزارة مبحثاً خاصاً لها في الفصل الرابع من هذه الدراسة . 

    ف- وزارة الشئون البلدية والقروية :  

    في عام 1926 تم إنشاء مديرية البلديات ضمن الأمور الداخلية التي كانت تشرف عليها النيابة العامة طبقاً للتعليمات الأساسية لمملكة الحجازية ( )، وبعد عام 1931 أصبحت مهام البلديات تابعة لوزارة الداخلية ( ).

    وفي عام 1975 تم إنشاء وزارة خاصة بالشئون البلدية والقروية ( )، وأصبحت مسئولة عن إدارة البلديات في جميع أنحاء المملكة ، وكذلك تخطيط المدن وتنمية التجهيزات الأساسية وصيانتها مثل الطرق ونظافة المدن والصحة العامة فيها – بما فيها الصحة البيئية – ( ).

    ص- وزارة التخطيط :

    كانت مهام التخطيط في الماضي موكلة إلى المجلس الأعلى للتخطيط الذي أنشئ عام 1960، الذي حل محله الهيئة المركزية للتخطيط عام 1964 ، ثم تبع ذلك إنشاء وزارة التخطيط عام 1975 التي حلت محل الهيئة المركزية للتخطيط ، وهي تتولى مهمة وضع الخطط الخمسية وتنفيذها والإشراف عليها ، وتعد هذه الوزارة من أهم الوزارات التي حملت على عاتقها عبء التعبير عن متطلبات التنمية وتنفيذها ( ). 

    ق- وزارة البريد والبرق والهاتف :

    أنشأت في عام 1975 وأنيط بها المسئوليات المتعلقة بالبريد والبرق والهاتف التي كانت ملحقة بوزارة المواصلات ، وكان لهذه الوزارة العديد من الإنجازات الفائقة في مجالات توفير خدمات المواصلات السلكية واللاسلكية ( ). 

    ر- وزارة الأشغال العامة والإسكان : 

   أنشأت بعد التوسعات التي شهدها مجلس الوزراء في عام1975( )،وهي مسئولة عن تشييد المباني الحكومية ومشروعات الإسكان وصيانتها والإشراف عليها وتقييم العطاءات وإرساء التعاقدات الخاصة بمشروعات الإسكان العامة( ).

    ش- وهناك العديد من الوكالات الحكومية المستقلة التي أنشأت في هيكل السلطة التنفيذية بالمملكة. و تنقسم هذه الوكالات إلى نوعين:

1) النوع الأول  مرتبط مباشرة بالملك من خلال رئاسة مجلس الوزراء أو الديوان الملكي . ومن أهم هذه المؤسسات :-

     أ )  الحرس الوطني .

    ب) مجلس الشورى .

    جـ) رئاسة الاستخبارات العامة .

    د ) الديوان العام للخدمة المدنية .

    هـ) الإدارة العامة للبحث العلمي والإفتاء والدعوة والإرشاد .

    و ) الرئاسة العامة لتعليم البنات .

    ز) الرئاسة العامة لرعاية الشباب .

    حـ) ديوان المظالم .

    ط) مكتب التأديب والتحقيق .

    ي) هيئة الرقابة والتحقيق ( )

    ك) ديوان المراقبة العامة .

    ل) الهيئة الملكية للجبيل وينبع .

2) والنوع الثاني من الوكالات المستقلة تعرف باسم المؤسسات العامة تكون مرتبطة بالعديد من الوزارات مثل :- 

    أ ) المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين) تتبع وزارة البترول والثروة المعدنية .

   ب) المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تتبع وزارة العمل والشئون الاجتماعية .

   جـ) صندوق النقد العربي السعودي (ساما) يتبع وزارة المالية والاقتصاد الوطني ( ).

   د ) معهد الإدارة العامة الذي تشرف عليه وزارة المالية والاقتصاد الوطني ( ) .

  هـ) الشركة السعودية للصناعات الأساسية وتشرف عليها وزارة الصناعة والكهرباء .

     وتمارس المؤسسة التنفيذية بتكويناتها الثلاث السابقة مهامها في ظل التقسيمات الإدارية للدولة . فكما سبق القول نظمت السلطات الإدارية في المملكة نظرياً في نظامين الأول عام 1939 وسمي بنظام الأمارات والثاني عام 1963 وسمي بنظام المقاطعات ، وقد اتسم الأول بالغموض في التمييز بين القرى والمدن والامارات أو (المقاطعات) ، والأمير بموجب هذا النظام يشير إلى الحاكم الإداري للقرية أو المدينة أو الامارة ( ). وأمير الامارة أو المقاطعة يتمتع بصلاحيات إدارية أكبر ومن ثم يعتبر أمير القرية أو المدينة تابعون له ( ). 

    وحينما صدر نظام المقاطعات عام 1963 عرف بدقة الاعتماد المتبادل بين حاكم المقاطعة وحكام القرى أو المدن،  ولكنه لم يحدد بالدقة عدد مقاطعات البلاد ([1]). وقد ظل هذا النظام أحد القواعد النظرية ليس إلا، بسبب أنه لم يوضع موضع التطبيق([2]).

    ومن ناحية أخرى لم يقوم نظام المقاطعات لعام 1963 بإلغاء نظام 1939 الخاص بالإمارات ، فنظام المقاطعات قد اشتق أساساً من النظام القديم للإمارات مع العديد من التطور والتعديل . فالتقسيم الإداري ما يزال رسمياً معروفاً حتى 1985 (تاريخ الدراسة) بالإمارات وليس بالمقاطعات أو الأقاليم .

    والميزانية الرسمية ربما تقدم المصدر الأكثر ثقة بشأن عدد الأقسام الإدارية بالبلاد . فميزانية عام 64-1965 قد حددت ست إمارات كبرى كأقاليم إدارية أساسية هي إمارات المنطقة الشرقية ، الرياض ، مكة المكرمة ، حايل ، الحدود الشمالية ، القصيم ، وبإضافة ثلاثة إمارات أخرى عام 74-1975 يصبح العدد الكلي تسع . وهذه الإمارات الجدد إمارات المدينة المنورة، وعسير ، وتبوك . ومنذ ميزانية 1975 قسمت المملكة إدارياً إلى أربع عشرة إمارة ، بإضافة خمس إمارات جدد هي الجوف، الباحة ، القريات ، جيزان ، نجران ([3]).

    إن التداخل الهيكلي قد أدى بما لا يدع مجالاً للشك إلى إرباك أو تداخل وظيفي . مع ذلك فإن وظائف الأمراء الذين يحكمون 14 إمارة قد نظمت وتم وضع قواعدها ، نظرياً ، بواسطة وزارة الداخلية ، وفي عام 1975 قامت الوزارة بزيادة سلطة الأمراء الذين يحكمون الإمارات ([4])،وباختصار فإن وظائف حكام الامارات قد حددت في كونهم يديرون اماراتهم طبقاً للسياسة العامة للبلاد، فالحاكم مطالب أن ينفذ قرارات المحاكم وأن يحافظ على التعليمات العامة والأمن، وأن يحمي الحقوق والحريات الفردية في إطار حدود الشريعة، وأن يشرف ويفتش رسمياً على إدارة الامارة والمحافظات الفرعية وأن يساعد الحكومة القومية في جمع العوائد وأن يشرف على شئون البلديات وان يراقب عمل كل الموظفين الحكوميين في الإقليم ([5])  .

    وبالنسبة للوحدات المحلية ، فقبل عام 1975 كانت هذه الوحدات المحلية الإدارية تحت سيطرة وزارة الداخلية ، لكن منذ ذلك الحين تم نقلها لتكون تحت وزارة الشئون البلدية والقروية. وفي عام 1977 تم إصدار قانون جديد ينظم تأسيس الوحدات المحلية ، لتنظيم وظائفها وتحديد سلطة رئيسها وكذلك مجلسها . بالإضافة لما سبق ، فإن كل وحدة من الوحدات الإدارية قدمت أيضاً لتكون تحت إشراف حاكمها الإقليمي ([6]) .

ثالثاً : ظهور وتطور التخطيط الاقتصادي وتأثيره على البناء والتكامل المؤسسي :

   1- أهمية التخطيط الاقتصادي :

ظهرت أهمية التخطيط الاقتصادي في الربع الأول من القرن العشرين وتزايد الاهتمام به بعد الحرب العالمية الثانية ، فقد بدأ الاتحاد السوفيتي (السابق)في عام 1928 باستخدام التخطيط الاقتصادي كأسلوب لتنظيم اقتصاده الوطني إلا أنه أصبح فيما بعد أسلوباً شائعاً بين جميع دول العالم ، وذلك بعد أن تبين للاقتصاديين والسياسيين على حد سواء بأن تحقيق التنمية الشاملة والوصول إلى معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي لا يتم بأسلوب عشوائي وإنما يتم بأسلوب مخطط مدروس شامل لكل المجالات وعلى كافة المستويات التنظيمية داخل الدولة ([7]).

    يمكن تعريف التخطيط الاقتصادي على أنه وضع وإعداد القرارات المنظمة للنشاط الاقتصادي واستخدام الموارد لتحقيق الأهداف التي ينشدها المجتمع ([8]). كما يمكن تعريفه على أنه العملية التي يتم فيها تحديد أهداف معينة مع وضع الأساليب والتنظيمات والإجراءات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف بأقل تكلفة اجتماعية ممكنة ([9]).

   ومن خلال هذه التعريفات للتخطيط الاقتصادي يمكن فهمه على أنه محاولة منظمة من قبل المؤسسات المسئولة في الدولة بهدف تحقيق أهداف معينة وتحديد الأساليب والتنظيمات والإجراءات الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف بأقل تكلفة اجتماعية ممكنة بدلاً من الارتجال الذي قد يؤدي إلى بذل الجهود وإنفاق الأموال فيما لا يعود على الاقتصاد القومي بالرخاء ([10]).

    وتتعدد تقسيمات التخطيط وأنواعه طبقاً لبعدين أساسيين هما ([11]):-

البعد الأول : تتعدد تقسيمات التخطيط طبقاً للغرض منه ، ويتفرع التخطيط الاقتصادي في ضوء هذا البعد إلى ما يلي :-

    أ- قد يكون التخطيط مؤقتاً ، بهدف التغلب على بعض المشاكل الاقتصادية التي غالباً ما تعترض طريق الدول النامية على المدى القصير والمتوسط مثل الكساد والتضخم .

    ب- قد يكون متواصلاً، وذلك من أجل الوصول إلى مكانة مرتفعة من التنمية الشاملة حسب الأهداف الموضوعة .

    جـ- قد يكون التخطيط جزئياً ، بمعنى أنه يوجه إلى قطاعات أو أنشطة اقتصادية معينة ، أو قد يكون شاملاً حيث يوجه إلى كل قطاعات وأنشطة الاقتصاد .

    د- قد يكون التخطيط مركزياً ، بحيث تقتصر الخطة الاقتصادية على تحديد عدد من الأهداف الكلية التي يتسنى بتحقيقها بلوغ الغايات العامة للخطة ويترك تنفيذ ذلك للوحدات الاقتصادية المحلية .

    هـ- قد يكون التخطيط إقليمياً ، حيث يوجه إلى تنمية أقاليم جغرافية معينة دون باقي أقاليم الدولة وذلك إما لأهمية الإقليم السياسية أو الاقتصادية أو الجغرافية أو للوصول إلى تحقيق قدر من التوازن بين مختلف الأقاليم .

    و- قد يكون التخطيط قومياً ، فيهتم بجميع أقاليم ومناطق الدولة .

البعد الثاني : تتعدد تقسيمات التخطيط طبقاً للمدى الزمني، ويتفرع التخطيط الاقتصادي في ضوء هذا البعد إلى ما يلي:-

    أ- التخطيط قصير الأجل الذي لا يزيد فترته عن سنة واحدة وغالباً ما يطلق عليه الخطة التنفيذية حيث ترتبط بميزانية الدولة . وتعتبر الخطة قصيرة الأجل الأداة التنفيذية للتخطيط الاقتصادي متوسط الأجل .

    ب- التخطيط متوسط الأجل وتتراوح فترته بين ثلاث إلى سبع سنوات . ويعتبر التخطيط متوسط الأجل مرحلة من مراحل التخطيط طويل الأجل .

    جـ- التخطيط الاقتصادي طويل الأجل ويتراوح فترته بين عشر إلى عشرين سنة وغالباً ما يكون الهدف الرئيسي منه هو التنبؤ بالاتجاهات والمؤشرات العامة في الاقتصاد القومي .

    والتخطيط الاقتصادي بمفهومه الحديث ضرورة مطلوبة لتحقيق التنمية الشاملة في أي دولة ، ويعتبر ظاهرة هامة ظهرت في الدول النامية وبصفة خاصة في الدول النفطية -ومنها السعودية- ، وجاء نتيجة لخوف هذه الدول النفطية التي تعتمد على البترول كمصدر وحيد للدخل من نفاذه في وقت قريب ، والمصلحة القومية لهذه الدول البترولية تقتضي هذا التخطيط، وكذلك البناء والتنوع في اقتصادهم من خلال التصنيع الذي يجب التعجيل به للاستفادة الممكنة من مورد النفط باعتباره المصدر الأساسي لاقتصادياتهم ، بجانب التقليل من الاعتماد عليه على المدى الطويل ، ومن هنا يظهر إرادة ورغبة المؤسسة التنفيذية في المملكة للتوجه نحو التخطيط الاقتصادي الشامل ([12]).

    ومهمة التخطيط في المملكة هي دراسة جميع الجوانب الاقتصادية والتعرف على احتياجاتها من حيث التجهيزات الأساسية في الزراعة والصناعة والتجارة ، ثم صياغة الاستراتيجيات المتوافقة مع بعضها البعض وبناء مؤسسات تنفيذية في سبيل تحقيق أهداف وطنية محددة . وعلى هذا الأساس فإن التخطيط يعد الأداة الرئيسية لعملية البناء المؤسسي والتنمية في المملكة وتمثل خطط التنمية الخمسية التصاميم الهيكلية لمهام التنفيذ الأساسية والتنظيمية لمؤسسات الدولة المتعددة ([13]).

     ورغم أن التخطيط الاقتصادي في المملكة بمفهومه الشامل المتكامل ظهر في بداية السبعينيات بفضل عوائد النفط التي مثلت القوة الدافعة للتنمية الشاملة ونضج وتكامل البناء المؤسسي في البلاد ، إلا أنه كان هناك محاولات سابقة للتخطيط ترجع جذورها الأولى إلى عام 67/ 1368هـ (1947) حيث تم إعداد أول ميزانية رسمية للبلاد ([14]). وبعد ذلك شهدت أجهزة التخطيط تطوراً من أجل القضاء على بعض المشاكل الاقتصادية المحلية التي كانت تبرز من وقت لآخر ولإعادة الهياكل التنظيمية لأجهزة التخطيط ، وللتخلص من الروتين الإداري الذي كان يصاحبها ([15]).

    2- تطور ظهور التخطيط الاقتصادي في المملكة :

ويمكن تقسيم المراحل التي مر بها تطور أجهزة التخطيط في المملكة إلى أربع مراحل أساسية هي:-

    أ-لجنة التنمية الاقتصادية  ([16]) :

خلال الفترة من 1375 / 1377 هـ (1955-1957) مر الاقتصاد السعودي بأزمة مالية تمثلت في ثبات عوائد النفط في ظل زيادة النفقات الحكومية بمعدلات مرتفعة نتج عنها تضخم نظراً لضعف القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السعودي التي لم تتمكن من تلبية احتياجات الطلب المحلي المتزايد ، حيث انخفض قيمة صرف الريال من 3.75 ريال للدولار  إلى 6.25 ريال ([17]) ، كما حدث عجز شديد في ميزانية الدولة مما اضطر الحكومة إلى الاقتراض الداخلي لتمويل هذا العجز خاصة من مؤسسة النقد والتي انخفضت موجوداتها من الذهب والفضة والنقد الأجنبي ([18])، لذلك اتضح مع هذه الأزمة ضرورة وجود مؤسسات اقتصادية قادرة على التعامل مع مثل هذه الأزمات.

    لذا قامت الدولة باستدعاء عدد من الخبراء الاقتصاديين الدوليين لإيجاد أفضل الطرق للخروج من هذه الأزمة وبناء اقتصاد المملكة وتنمية مواردها على أسس قوية وراسخة،وكان من بين المقترحات التي قدمها هؤلاء الخبراء آنذاك للحكومة

إعداد خطة متوازنة للتنمية تسير عليها البلاد، بالإضافة إلى تكوين لجنة فحص ودراسة استشارية من بعض الخبراء الاقتصاديين والماليين ، كما كان من بين المقترحات طلب مساعدة البنك الدولي والأمم المتحدة للقيام بدراسة تفصيلية للمشروعات الرئيسية في إطار خطة التنمية العامة للدولة . وكان من شأن ذلك أن تشكلت “لجنة التنمية الاقتصادية ” مكونة من مستشارين متخصصين في شئون المال والاقتصاد والصناعة في عام 1959([19])، وكانت مهمة هذه اللجنة دراسة واقع هذه الأزمة والعمل على إعداد برنامج للاقتصاد الوطني في المملكة يكفل صالح الدولة ويحقق رفاهية المواطنين ، كما تحدد هذه اللجنة أفضل الآليات لتنفيذ هذا البرنامج ورسم الخطط اللازمة للمشروعات الإنتاجية وبالأخص تلك المتعلقة بإنتاج النفط والتعدين والصناعة والزراعة . وعند ممارسة اللجنة لهذه المهام تبين أنها شغلت نفسها بقضايا جانبية أخرى مثل تطبيق الإعفاءات الجمركية والقضايا الجمركية الأخرى والتركيز على دراسة حالات فردية أو حالات تتعلق بأحد القطاعات أو الأنشطة مما استدعى الأمر إعادة تنظيم هذه اللجنة (2) .

    وفي عام 1960  وصلت إلى المملكة بعثة البنك الدولي للإنشاء والتعمير بدعوة من الحكومة وذلك لدراسة إمكانيات وفرص التنمية الاقتصادية المتاحة في المملكة ، وبعد قيام البعثة بالعديد من الزيارات إلى مناطق المملكة المختلفة أعدت تقريراً شاملاً لواقع الاقتصاد وسبل تطويره(3) ، ذلك التقرير الذي يعتبر المرجع الرئيسي للتنمية وآلياتها في المملكة (4) . وتضمن هذا التقرير توصيات بشأن تنمية الموارد المتاحة في المملكة وإنشاء قاعدة قوية لتنمية اقتصادية مستقبلية ، كما اقترحت البعثة بأن تقوم الحكومة ببرنامج لمدة سنتين(1961-1962) يساعد على إيجاد الأساس للاستثمارات المستقبلية ذات الأجل الطويل وقدرت البعثة تكاليفه في حدود 400 مليون ريال ينفق نصفه تقريبا على ميزانية كل سنة . ولضمان تنفيذ هذا البرنامج المؤقت على الوجه الأكمل أوصت البعثة بإنشاء ” جهازاً للتخطيط ” لتنسيق وضمان حسن تنفيذ الأنشطة المتعلقة بالتنمية الشاملة في البلاد ، على أن يرأسها رئيس مجلس الوزراء وعلي أن يدخل في تشكيله محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي والوزراء المسئولين عن التنمية ([23]) ( وزير المالية ، وزير البترول والتعدين ، وزير المواصلات ، وزير التجارة ، وزير الزراعة والثروة الحيوانية ، وزير الصحة ) .

    ب- مجلس التخطيط ([24]) :

تم تكوين هذا المجلس عام 1960بناءً على توصية بعثة البنك الدولي في تقريرها الذي تقدمت به إلى الدولة،وكانت وظائفها تتركز في إعداد خطة تحدد على ضوئها السياسة الاقتصادية والاجتماعية للتنمية وتحدد المؤسسات المسئولة عن الإشراف على الخطة ومتابعة تنفيذها ، بجانب تقديم توصية إلى مجلس الوزراء فيما يتعلق بالميزانية السنوية اللازمة لتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية ، وحدد لرئاسة مجلس التخطيط رئيس مجلس الوزراء بجانب عدد من الوزراء المعنيين بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة . ولقد واجه هذا المجلس بعض العقبات مثل عدم وضوح العلاقة بينه وبين مجلس الوزراء وبالوزارات والإدارات الحكومية الأخرى خاصة فيما يتعلق بالإشراف والمتابعة للمشروعات المطلوب تنفيذها ، وعدم التنسيق في وظائفه ، وندرة الكفاءات الفنية الجيدة التي تدير شئونه . لذا انشغل المجلس بمعالجة هذه العقبات وبالتالي انحرف عن الأهداف التي حددت له . مما أدى في نهاية الأمر إلى فشل المجلس في تأسيس جهازه الوظيفي اللازم لصياغة خطة شاملة وبالتالي وجد نفسه محصوراً في العمل كوعاء مشترك للوزارات والإدارات الحكومية المختلفة ، ولهذه الأسباب قامت الحكومة عام 1964 – ضمن أسباب أخرى تمحورت حول إصلاح الهيكل الإداري السعودي – بدعوة فريق من الخبراء من مؤسسة فورد والأمم المتحدة للاستعانة بهم في إعادة تنظيم مجلس التخطيط حتى يؤدي دوره المناط به على الوجه الصحيح ويساهم في تخطيط تنمية اقتصادية فعالة .

    جـ- الهيئة المركزية للتخطيط ([25]) :

أنشأت عام 1965 بناءً على الاقتراحات التي قدمها خبراء مؤسسة فورد والأمم المتحدة لإعادة تنظيم أجهزة التخطيط في المملكة ، وقد رأس هذه الهيئة رئيس برتبة وزير يتصل مباشرة بالملك وتضم 12 خبيراً يساعدهم عدد من الفنيين والإداريين.

وتم تحديد اختصاصات هذه الهيئة في النقاط الست الآتية :-

    1)- إعداد تقرير اقتصادي دوري عن المملكة .

    2)- إعداد خطط التنمية الاقتصادية على أساس أن تكون الخطة الأولى لمدة خمس سنوات ويتم تنفيذها بعد موافقة مجلس الوزراء .

    3)- إعداد التكاليف المالية التي تتطلبها خطط التنمية على أن تعتبر هذه التقديرات كأساس عند إعداد ميزانية الدولة وميزانية الهيئات المستقلة والملحقة .

    4)- القيام بالدراسات الاقتصادية اللازمة للمشروعات الواردة بالخطة وتقديم التوصيات في هذا الخصوص .

    5)- تقديم المساعدة للوزارات والهيئات في شئون التخطيط .

    6)- تقديم التوصيات الفنية حول بعض الأمور التي يوصي بها الملك .

    ويتضح من خلال هذه الاختصاصات أن وظائف مجلس التخطيط ذات الصبغة غير الاقتصادية تم تحويلها إلى الوزارات والهيئات الحكومية المعنية .

   وعلى الرغم من أن السلطات التي منحت لهذه الهيئة أكثر من السلطات التي منحت لسابقاتها، إلا أن حجم عملها كان محدوداً نظراً للمشاكل التراكمية الناتجة عن المحاولات السابقة في المرحلتين الأولى والثانية . ومما يحسب لهذه الهيئة أنها قامت بإعداد وتنفيذ خطة التنمية الخمسية الأولى 1970-1975 والتي تعتبر بحق أول محاولة علمية جادة على هذا المستوى في مجال التخطيط التنموي الشامل ، كما أنها قامت بإعداد الخطوط العريضة لخطة التنمية الثانية 1975-1980 ، عن طريق تنسيق ودمج الخطط التي أعدتها كل الوزارات والأجهزة الحكوميـة .

    د- وزارة التخطيط ([26]) :

أنشأت عام1975بمقتضى مرسوم ملكي نص على تحويل الهيئة المركزية للتخطيط إلى وزارة التخطيط،وأنيط بها المهام المتعلقة بالتخطيط وإعداد الخطط الخمسية للتنمية الشاملة والإشراف على تنفيذها،وقد لعبت وزارة التخطيط دوراً بارزاًفي تحديد أهداف ومعالم التخطيط الاقتصادي الشامل في المملكة ، كما أنها تولت مهمة تنفيذ خطة التنمية الثانية وإعداد وتنفيذ خطط التنمية التي أتت بعد ذلك .

3- دور التخطيط الاقتصادي في تكامل بناء المؤسسات السياسية وأدائها لوظائفها في المملكة:   

اتضح من تعريفات التخطيط الاقتصادي أنها تتمحور حول تحديد الأهداف العامة لأبعاد التنمية لشاملة التي تسعي إليها  المؤسسة التنفيذية في المملكة ، ويمكننا تحديد هذه الأهداف كما هو مبين في الجدول رقم (1) .

  

جدول رقم (1)

تسلسل الأهداف العامة للتخطيط في المملكة 

أبعاد التخطيط

الأهداف العامة

الأهداف الاستراتيجية (في المدى البعيد)

الأهداف المتوسطة وأساليب إعداد الخطط الخمسية

البعد الاقتصادي

– الاستغلال الفعال للموارد.

 

 

– التغير في البنية الاقتصادية.

 

 

 

 

– تحقيق النمو .

– تنويع القاعدة الاقتصادية .

 

 

– التنمية المستندة على الموارد الطبيعية وتحقيق الإنتاجية .

 

 

 

– النمو المتوازن للقطاعات

– توسعة الطاقات الاستيعابية عن طريق تنمية التجهيزات الأساسية .

– التصنيع المستند على :

(1) الموارد الهيدروكربونية والمشاريع التي تتطلب كميات كبيرة من الطاقة.

(2) الطلب والمقدرة التكنولوجية :

    – تحديث الزراعة .

– إقامة شبكة خدمات فعالة .

البعد الاجتماعي

– الحفاظ على القيم الإسلامية.

– رفع المستوى الثقافي والمادي.

– تحقيق الرفاهية الاجتماعية.

– تنمية القوى البشرية .

– إنشاء نظام مناسب للخدمات الاجتماعية .

– تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي المتوازن للمناطق ووضع السياسات الإسكانية والاستيطانية المناسبة .

– تنمية خدمات شاملة للتعليم والصحة والخدمة الاجتماعية .

– برامج للإسكان وتمويل المساكن .

البعد التنظيمي

– الدفاع عن الدين والوطن.

– تقديم خدمات حكومية فعالة في الخدمة المدنية وغير المدنية .

– تطوير الإمكانات الدفاعية.

– تطوير الإمكانات التنظيمية للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي.

– الإجراءات اللازمة لإدارة السياسات ومراقبة تنفيذ المشاريع .

– الدعم التنظيمي للقطاع الخاص .

– تحديد برامج الإنفاق لكل مصلحة لدعم التخطيط وأهداف السياسات .

            المصدر : خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 33

    وفي ضوء هذا الجدول يتضح أن التخطيط الاقتصادي أصبح هو الأداة الرئيسية للتنمية في المملكة، كما أن دوره لم يقتصر على الأهداف ذات الطبيعة الاقتصادية البحتة بل شمل دوره  أهدافاً اجتماعية وتنظيمية عديدة من شأنها أن تساهم في تحقيق التنمية الشاملة في البلاد .

    ويمكننا أيضاً من خلال الجدول قراءة الأهداف العامة بعيدة المدى التي تسعى إليها المؤسسة التنفيذية في المملكة على النحو التالي ([27]):-

     أ- الحفاظ على القيم الدينية والأخلاقية والإسلامية .

   ب- تعزيز الدفاع عن المملكة وترسيخ الأمن الداخلي فيها .

   جـ- تحقيق معدل مرتفع للنمو الاقتصادي عن طريق تنمية الموارد الاقتصادية والحصول على أقصى قدر من إيرادات النفط خلال أطول فترة ممكنة ، مع الحفاظ على الموارد القابلة للنضوب .

    د- تخفيف اعتماد اقتصاد المملكة على صادراتها من النفط الخام عن طريق توسيع القاعدة الإنتاجية من البتروكيماويات والقطاعات الصناعية الأخرى والزراعة .

    هـ- تنمية القوى البشرية عن طريق التوسع في التعليم والتدريب ورفع المستوى الصحي .

    و- زيادة الرفاهية لجميع فئات المجتمع ودعم الاستقرار الاجتماعي في مواجهة التغيرات الاجتماعية السريعة .

    ز- بناء التجهيزات الأساسية اللازمة لتحقيق الأهداف العامة المحددة أعلاه .

    بالإضافة إلى الأهداف العامة بعيدة المدى للتخطيط الاقتصادي للمؤسسة التنفيذية في المملكة ، مثلت خطط التنمية الأهداف المرحلية التي تتناسب مع الظروف التي أحاطت بها آنذاك ، كما أنها مثلت بداية إتباع المملكة لنهج التخطيط الاقتصادي الشامل . وقبل شروع المملكة في خططها التنموية أخذت حوالي 10 سنوات لكي تحقق بعض الإنجازات التي تعد تمهيداً لتنفيذ خطة التنمية الأولى ، وهذا الإنجازات تمثلت في الآتي ([28]) :- 

     أ- ضمان مستوى جيد للدخل .

    ب- تأسيس وكالة قوية للتخطيط تحولت في النهاية إلى وزارة التخطيط التي كان من أهم وظائفها التخطيط لخطط التنمية الخمسية في المملكة والإشراف على تنفيذها .

    جـ- ضمان عدد كبير من الفنيين والخبراء الأجانب .

    د- ضمان التأييد الكامل للحكومة المركزية ، فالتخطيط في المملكة حصل على التأييد الكامل من الملك فيصل الذي كان المهندس الأول الذي خطط لتنمية المملكة اقتصادياً واجتماعياً .

    هـ- تأسيس عدد من الوكالات التي كان لابد منها من أجل التخطيط القومي وهي إدارة المصادر الطبيعية بالبلاد ، وإعداد الدراسات الصناعية والمراكز المتطورة ، ووكالة مسئولة عن إعداد الدراسات العلمية على المشروعات الصناعية الفردية .

    و- تأسيس وحدة متخصصة للتخطيط في كل وكالة حكومية لكي تسهل التعاون بين وزارة التخطيط والوزارات الأخرى المختلفة وكذا الوكالات الحكومية الأخرى .

    ويمكن تتبع الأهداف المرحلية وجهود المؤسسة التنفيذية من خلال دراسة وتتبع خطط التنمية المختلفة بدءاً من خطة التنمية الأولى 1970 حتى خطة التنمية الثالثة 1985 ([29])– نهاية فترة الدراسة – وذلك على النحو التالي :-

أ- خطة التنمية الأولى 1970-1975 ([30]) : –

    اعتبرت خطة التنمية الأولى بداية إتباع المملكة لنهج التخطيط الشامل لتنمية البلاد على أسس علمية مدروسة من أجل الوصول بالاقتصاد السعودي إلى درجات متقدمة من التطور والازدهار. وتم الإعداد لهذه الخطة بواسطة الهيئة المركزية للتخطيط – التي تحولت إلى وزارة التخطيط – في ظل ظروف اقتصادية صعبة تمثلت في عجز في ميزان المدفوعات للسنتين السابقتين لإعدادها مع زيادة بسيطة في إيرادات النفط طوال الثلاث سنوات من بداية تنفيذها ([31]). وكانت الخطة امتداداً طبيعياً للسياسة العامة للمؤسسة التنفيذية في المملكة في فترة ما قبل التخطيط الاقتصادي الشامل، حيث كان الاهتمام في تلك الفترة متركزاً على عملية بناء ممتدة تتمثل في إنشاء قاعدة جيدة من التجهيزات والبنى الأساسية للاقتصاد الوطني بهدف تيسير السبل نحو تعزيز بناء وكالات المؤسسة التنفيذية المختلفة ولتنويع مصادر الناتج المحلي الإجمالي التي لا تزال تعتمد بصورة أساسية على إيرادات النفط الخام ، بالإضافة إلى تحسين أداء مخرجات المؤسسة التنفيذية . كما اهتمت الخطة بتنمية مصادر الموارد البشرية وإعداد الكوادر الوطنية الفنية التي تتطلبها خطط التنمية اللاحقة وذلك من خلال تخصيص استثمارات مكثفة لبرامج التعليم والتدريب .

    واتصفت طموحات الخطة بالتواضع الشديد وذلك بسبب القيود التي فرضتها الموارد المالية المتاحة للدولة آنذاك التي اتسمت بالضعف نتيجة لانخفاض الطلب العالمي على النفط وكذلك انخفاض أسعاره في الأسواق الدولية . وبمعنى آخر تمت صياغة الخطة على أساس التخطيط الممكن (Feasible Plan) ([32]) ، حيث بلغت تقديرات الإنفاق الإجمالي للخطة حوالي 41.3 بليون ريال ([33]). لذلك اتسمت الخطة بالحذر والمرونة لتسمح بمزيد من التوسع في الإنفاق حال ارتفاع الطلب العالمي على النفط وارتفاع أسعاره في الأسواق الدولية ، وهو ما تحقق بالفعل في السنتين الأخيرتين من الخطة فقد ارتفعت الإيرادات بشكل كبير ولم تعد الموارد المالية تشكل في حد ذاتها عائقاً لتنفيذ برامج الخطة بل بدأ توسيع بعض البرامج والمشروعات لتتناسب مع الظروف الاقتصادية والمالية الجديدة ، فزاد طبقاً لذلك إجمالي الإنفاق الفعلي للخطة ليصل إلى 86.5 بليون ريال سعودي مما يعني زيادة مخصصات الإنفاق على القطاعات والأنشطة المختلفة .

    ويبين الجدول رقم (2) الاعتمادات المالية للخطة الخمسية الأولى حسب أوجه الإنفاق الرئيسية ، ويتضح من الجدول أن قطاعات الدفاع والنقل والمواصلات والمرافق  العامة وتطوير المدن والتعليم والتدريب المهني استأثرت بنسبة كبيرة من نفقات الخطة نظراً لأهمية هذه القطاعات وخصوصاً في المراحل الأولى من التنمية الشاملة المراد تحقيقها على المدى البعيد .

أنظر الجدول رقم (2) في الصفحة التالية

 جدول رقم (2)

الخاص بالاعتمادات المالية لخطة التنمية الأولى 70-1975

حسب أوجه الإنفاق الرئيسية بالبليون ريال

أوجه الإنفاق الرئيسية

المبلغ الإجمالي

النسبة المئوية %

الإدارة العامة

7717.4

18.60

الدفاع

9555.0

23.10

التعليم والتدريب المهني والشئون الثقافية

7377.7

17.80

الصحة والشئون الاجتماعية

1921.1

4.70

المرافق العامة وتطوير المدن

4572.3

11.10

النقل والمواصلات

7476.5

18.10

الصناعة

1098.5

2.70

الزراعة

1467.7

3.60

التجارة والخدمات

127.3

0.30

المجموع الكلي

41313.5

100%

المصدر : خطة التنمية الأولى 1970-1975 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 50

     وتمكن الاقتصاد السعودي خلال سنوات الخطة أن يحقق إنجازات في معظم القطاعات وخصوصاً القطاع النفطي وقطاع النقل والمواصلات والتخزين وقطاع البناء والتشييد والقطاع الحكومي ، فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي زيادات كبيرة حيث نما بمعدل سنوي قدره 13.5% متجاوزاً معدل نموه المستهدف والذي قدرته الخطة بـ 9.8% . وكانت هذه أول خطة شاملة تطبق على المستوى الكلي في المملكة.لذا واجهت الخطة بعض العقبات يمكن اختصارها في النقاط التالية ([34]) :-

     1) النقص الشديد في العمالة الوطنية بمختلف المستويات .

    2) ضيق الطاقة الاستيعابية للاقتصاد المحلي وعدم مقدرة الأجهزة الموجودة على امتصاص واستيعاب الزيادة المطردة في الإنفاق الحكومي والسيولة النقدية لدى الأفراد .

    3) قلة الخبرة الوطنية في مجال التخطيط الاقتصادي .

    4) التضخم المحلي نتيجة زيادة الإنفاق الحكومي وما قابل ذلك من اختناقات متعددة في مرافق الموانئ والإسكان .

 

ب- خطة التنمية الثانية 1975- 1980 ([35]):

اتصفت هذه الخطة بالطموح الشديد في الأهداف التنموية ، وذلك بسبب الزيادة الكبيرة في إيرادات النفط والتي حدثت في السنتين الأخيرتين من الخطة الأولى . وبالتالي وجهت هذه الخطة لتحقيق بنية اقتصادية قوية تتيح للقطاعين العام والخاص القيام بمهامهما بشكل فعال ومنتج خصوصاً في ظل ظروف تكامل فيها بناء جميع الوزارات السعودية بظهور آخر ست وزارات عام 1975 ، كما أضيفت أهداف أخرى للخطة تهدف إلى توسيع القاعدة الإنتاجية عن طريق التركيز على قيام قطاع صناعي وزراعي متطور يمكن استغلاله في المستقبل لتخفيف الاعتماد على النفط الخام كمصدر وحيد للدخل القومي في المملكة . ومن أجل تحقيق هذه الأهداف فقد ركزت الخطة على استكمال ما تم إنجازه من التجهيزات الأساسية الإنشائية لمختلف وكالات المؤسسة التنفيذية . واتخاذ الخطوات الأولية لإعداد برامج متوسطة وأخرى طويلة الأجل تستهدف النهوض بالصناعات الهيدروكربونية . وإحداث توسع كبير في المؤسسة التنفيذية والقوى البشرية العاملة فيها . ودعم وتشجيع القطاع الخاص بإتباع سياسات اعتماد استقدام القوى العاملة الأجنبية إلى المملكة ، وتشجيع الهجرة الداخلية من المناطق الريفية التي فيها فائض في القوى العاملة إلى المدن التي تتوفر فيها فرص للأعمال الصناعية ، وإفساح المجال أمام القطاع الخاص للقيام بدور أكبر في التفاعل مع مخرجات المؤسسة التنفيذية وفي تنمية القطاعات الإنتاجية، والاستفادة من اتفاقيات التعاون الدولية التي عن طريقها تستطيع المملكة الحصول على الخبرة الفنية والإدارية والعمالة الماهرة ([36]).

    وبعد أن زادت الاعتمادات المالية المقدرة للإنفاق على مشاريع الخطة إلى أكثر من 498 بليون ريال أي حوالي ستة أضعاف إجمالي النفقات الفعلية للخطة الأولى ، لم تعد هناك عقبات تعترض طريق التنمية الشاملة والتخطيط الاقتصادي في المملكة سوى عقبة عدم الاستكمال النهائي للتجهيزات الأساسية ، وعقبة نقص القوى العاملة المدربة ، وبالتالي فإن قضية الطاقة الاستيعابية ومشكلة التضخم احتلتا الاهتمام الرئيسي للخطة .

لذلك فقد تم تخصيص نسب كبيرة من الاعتمادات المالية للخطة على تنمية الموارد الاقتصادية والموارد البشرية وعلى التجهيزات الأساسية . ويتضح ذلك بالنظر إلى الجدول رقم (3).

 

جدول رقم (3)

الخاص بالاعتمادات المالية لخطة التنمية الثانية 75- 1980

حسب اوجه الإنفاق الرئيسية بالبليون ريال

اوجه الإنفاق الرئيسية

المبلغ

النسبة المئوية %

تنمية الموارد الاقتصادية

92135.0

18.5

تنمية الموارد البشرية

80.123.9

16.1

التنمية الاجتماعية

33218.8

6.7

التجهيزات الأساسية

112944.6

22.7

الإدارة

38179.2

7.7

الدفاع

78156.5

15.7

المساعدات الخارجية

63478.2

12.7

المجموع الكلي

498.230.2

100%

         المصدر : خطة التنمية الثانية 1975-1980 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 758

    وتحققت إنجازات كبيرة خلال سنوات هذه الخطة ، فالناتج المحلي الإجمالي حقق نمواً سنوياً جيداً بلغ 8% ، كما حقق القطاع غير النفطي معدل نمو متميز بلغ 15.1% ، مما دل على نجاح السياسات الرامية إلى تنويع القاعدة الإنتاجية لاقتصاد المملكة ([37]).

وبالرغم من الإنجازات التي حققتها الخطة ، إلا أنها واجهت بعض العقبات تمثلت في الآتي :- 

    1) بروز مشكلة النقص الشديد في العمالة الوطنية وعدم توازنها مع احتياجات الاقتصاد المتزايدة من القوى العاملة نتيجة للتوسع الكبير في مشاريع التجهيزات الأساسية وزيادة الإنفاق الحكومي ، مما أدى في نهاية الأمر إلى الاعتماد على العمالة الوافدة من خارج البلاد لسد هذا النقص.

    2) عدم مقدرة القطاع الخاص على مسايرة ومواكبة سرعة الإنفاق الحكومي على مشاريع التنمية المختلفة .

    3) استمرار ارتفاع معدلات التضخم بسبب زيادة الإنفاق الحكومي وزيادة الطلب المحلي على كافة السلع والخدمات وازدياد أسعار جميع السلع المستوردة .

ج – خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ([38]):

    اتسمت الظروف الاقتصادية التي سادت فترة خطة التنمية الثالثة بتوفير قدر كبير من خدمات التجهيزات الأساسية ، وحرية استقدام العمالة الأجنبية بلا قيود نسبياً، وتحقيق النمو في كل القطاعات والأنشطة التنموية ([39]) ، ونضوج ممارسات المؤسسة التنفيذية لمهامها .

ولذلك فقد ركزت الخطة على استكمال مشاريع التجهيزات الأساسية وعلى استغلال القوى العاملة الأجنبية الموجودة على نحو أفضل لا التوسع فيها . هذا إلى جانب العمل على زيادة النمو في قطاعات وأنشطة مختارة مثل قطاعات الإنشاء والنقل والتوزيع ، بهدف مساهمة هذه القطاعات بطريقة غير مباشرة في نمو الناتج المحلي الإجمالي السعودي على المدى الطويل([40]).

لذلك تمثلت أهداف الخطة في إحداث تغيرات في بنية الاقتصاد الوطني ، والمشاركة في التنمية والرفاهية الوطنية ، والتوسع الكمي والنوعي في تنمية الموارد البشرية الوطنية ([41])، والعمل على تحسين نوع وعدد مخرجات المؤسسة التنفيذية عن طريق كشف السبل والآليات المناسبة للرفع من كفاءة وفعالية إجراءات عمل المؤسسة التنفيذية .

     ولتنفيذ المشاريع المختلفة في هذه الخطة فقد قدر الإنفاق الإجمالي لها بنحو 783 بليون ريال ، والجدول رقم (4) يوضح إجمالي الاعتمادات المالية التي خصصت للإنفاق على المجالات التنموية المختلفة في هذه الخطة .

 

أنظر الجدول رقم (4) على الصفحة التالية

 

 

جدول رقم (4)

الخاص بالاعتمادات المالية لخطة التنمية الثالثة 80- 1985*

حسب أوجه الإنفاق الرئيسية بالبليون ريال

أوجه الإنفاق الرئيسية

المبلغ

النسبة المئوية %

تنمية الموارد الاقتصادية

261.8

33.4

تنمية الموارد البشرية

129.6

16.6

التنمية الاجتماعية

61.2

7.8

التجهيزات الأساسية

249.1

31.8

الإدارة **

31.4

4.0

احتياطي الطوارئ والإعانات

49.6

6.3

المجموع الكلي

782.7

100%

            * لا يشمل المجموع الآتي : 1- المدفوعات التحويلية . 2- القطاعات غير المدنية .  3- المساعدات الخارجية.

            ** تشمل الإدارة:           1- الوزارات والمصالح التي تكون مهامها إدارية بصفة أساسية .

                                  2- المؤسسات والمصالح القضائية والدينية .

     المصدر : خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، وزارة التخطيط ، المملكة العربية السعودية ، ص 91

    ومن خلال الجدول رقم (4) يتضح أن برامج التجهيزات الأساسية وتنمية الموارد الاقتصادية والبشرية لا تزال تستحوذ على النسبة الأكبر من النفقات المقدرة حيث بلغت النسبة المخصصة لها من إجمالي الإنفاق 31.8% ، 33.4% ، 16.6% على التوالي .  

    ومع استمرار زيادة إيرادات النفط خلال عامي 80-1982 ، فقد وصل الإنفاق الفعلي على برامج ومشاريع التنمية إلى حوالي 1298 بليون ريال . لكن في نهاية سنوات الخطة تأثرت إنجازاتها بانخفاض الطلب العالمي على النفط وكذلك انخفاض أسعاره بشكل كبير ، مما أدى إلى انخفاض في المعدل السنوي لنمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 3.2% بعد أن كان خلال سنوات خطة التنمية الثانية حوالي 8% ، إلا أن القطاع الصناعي خلال الخطة حقق تطوراً ملموساً حيث بلغ معدل نموه السنوي حوالي 14.1% لكنه كان أقل من المعدل المستهدف تحقيقه في هذه الخطة والبالغ 18.8%. والقطاع الإنتاجي الوحيد الذي حقق معدل نمو يفوق ما كان مستهدفاً كان القطاع الزراعي وكان ذلك بفضل الدعم الحكومي الكبير الذي تسبب في ربحية الاستثمار فيه بشكل كبير . وبالتالي كانت معدلات النمو التي حدثت في القطاعين الصناعي والزراعي تتناسب مع توجهات وأهداف الخطة التي تمحورت حول تنمية القطاعات الإنتاجية من أجل تقليل الاعتماد على القطاع النفطي .

    ولقد واجهت الخطة بعض العقبات التي تمثلت في الآتي ([42]):-

   1) استمرار اعتماد الاقتصاد المحلي على استيراد العمالة الأجنبية في معظم القطاعات والنشاطات

   2) مشكلة نقص التكنولوجيا الصناعية في المملكة .

   3) ظهور الحاجة الماسة إلى تطوير وبناء هيكل متطور من الكوادر الوطنية للقيام بمهام الصيانة والتشغيل لمعظم المشاريع والتجهيزات التي تمت وأنجزت .

    4) ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي بشكل ملحوظ وعدم المقدرة على منافسة وإحلال المستورد بدون حماية ودعم سخي من الدولة .

    مما سبق اتضح أن النظام السياسي في المملكة اتسم بالطابع الإداري حيث أن السياسيات العامة تصنع وتنفذ بواسطة الجهاز الإداري المتمثل في المؤسسة التنفيذية ذاتها . كما اتضح أن عملية بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة كانت استجابة للتطورات الاقتصادية وللحاجات الاجتماعية أكثر منه للقضايا السياسية . كما تبين أن عملية البناء في المجتمع السعودي تخضع للإطار الثقافي الإسلامي والتقاليد الاجتماعية في ظل ظروف تتغير من قلة السكان وندرة الموارد إلى رخاء اقتصادي أحدثته موارد النفط . واتضح أيضاً أن إنشاء مجلس الوزراء عام 1953 كان ذو أثر على الثقافة السياسية للمجتمع السعودي ، وعلى الأسس العملية التي تم من خلالها إنشاء مؤسسات أكثر تعقيداً ، وعلى قوة مركزية الحكومة باعتبارها المالكة للموارد وصاحبة التخطيط والتنظيم والتنفيذ ، وأن الفترة ما بعد 1953 هي فترة الحكومة المركزية أو بناء المؤسسات .

    وتبين أيضاً أن عملية بناء المؤسسات كان تتزايد بشكل طردي مع التطورات الاقتصادية ومع تزايد حاجة المجتمع لبناء مثل هذه المؤسسات ، وأن هذه العملية شكلت متغيراً تابعاً للتحولات والتطورات التي يشهدها المجتمع السعودي .

    واتضح أيضاً أن التخطيط الاقتصادي مثل الأداة الرئيسية والهامة في يد المؤسسة التنفيذية لتحقيق البناء المؤسسي ، وأن هذا التخطيط مثل العقل الموجه لهذه المؤسسة المندفعة بسرعة بفعل عوائد النفط. واتسم هذا التخطيط بالتواصل بين أهدافه والمركزية  والشمول ،

    وكان من شأن التخطيط أن برز في عملية بناء المؤسسات السعودية محددات تبلور حجم أهميتها وتأثيرها في الخطة الثالثة، ولأهمية هذه المحددات في عملية بناء المؤسسة التنفيذية في المملكة من حيث تأثيرها في عملية البناء وتأثرها بإفرازات تلك العملية ، خصصت لها الدراسة الفصل التالي .

 



[1] –                                                                                                                                                                        Ibid. Same page

[2] –                                                                                                                                                                     Ibid. Same page

[3] – انظر الميزانية الرسمية للمملكة لعام 1384 هـ-1385 هـ / 1964-1965 ص5 وميزانية 1394هـ-1395هـ/1974-1975 ص 19 وميزانية 1395هـ-1396هـ / 1975-1976 ص 19 .

[4] – انظر الصفحات 1-5  من نظام وزارة الداخلية ، لائحة أمراء المناطق ، رقم 1288 في 23/4/1395 هـ – 1975

[5] –                                                     Richard F. Nyrop, at. al., Area Handbook for Saudi Arabia, op. cit., p.p. 184-185

[6] – نظام المقاطعات لعام 1383 هـ /1963 الفقرة 8/11 ، ص 9 ، ونظام البلديات والقرى لعام 1397 هـ / 1977 الفقرة 42 .

[7] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، الرياض ، دار عالم الكتب، 1994 ، ص 345

[8] – محمد عبدالعزيز عجمية ، وآخرون ، مقدمة في التنمية والتخطيط ، بيروت: دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، 1983 ، ص78

[9] – محمد سلطان أبوعلى ، التخطيط الاقتصادي وأساليبه ، الإسكندرية ، دار الجامعات المصرية ، 1970 ، ص 14

[10] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مرجع سابق، ص 346

[11] – المرجع السابق ، ص ص 346-347

[12] –    Alawi N. Abussuud, Administrative development and planning in Saudi Arabia :The process of Differentiation

and specialization, Unpublished Ph.D. Dissertation, Univ. Of Mariland, 1979, p. 72

[13] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي ، الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، مرجع سابق ، ص ص 207-208

[14] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، الرياض ، ص 34

[15] – احمد الصباب ، التخطيط والتنمية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية ، جدة ، دار عكاظ للنشر والتوزيع ، ص 61

[16] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مرجع سابق، ص ص 348-350

[17] – يوسف عبدالله صائغ ، اقتصاديات العالم العربي والتنمية منذ العام 1945 ، ج1، بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982،ص 63

[18] – فايز ابراهيم الحبيب ، مبادئ الاقتصاد الكلي ، ط 2 ، الرياض ، مطابع الفرزدق ، 1412 هـ ، ص 352

[19] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مرجع سـابق، ص 349 .

[20] – المرجع السابق ، نفس الصفحة .

[21] – البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، مدخل إلى التنمية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية ، 1960 ، ص 32

[22] – أحمد الصباب ، التخطيط والتنمية الاقتصادية في المملكة العربية السعودية ، مرجع سابق ، ص 64

[23] –    Alawi N. Abussuud, Administrative development and planning in Saudi Arabia :The process of Differentiation

and specialization, op. cit., p. 72

[24] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مـرجع سابق، ص ص 350-351

[25] – المرجع السابق ، ص ص 351-352

[26] – المرجع السابق ، ص 352

[27] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثانية 1975-1980 ، الرياض ، ص 28

[28] –    Alawi N. Abussuud, Administrative development and planning in Saudi Arabia :The process of Differentiation

and specialization, op. cit., p. 74-75

[29] – سيتم التطرق بشيء من التفصيل في الفصل الثالث من الدراسة إلى أهداف وإنجازات خطط التنمية وعلاقتها بالعوائق التي أثرت على عملية بناء المؤسسة التنفيذية وتحقيقها لوظائفها المنوطة بها مثل تأثير إيرادات النفط والنقص الحاد في القوى العاملة الوطنية (عددا ونوعاً)وإشكاليات الإصلاح الإداري وعدم التفاعل الإيجابي للقطاع الخاص مع أهداف ومتطلبات التنمية الشاملة في المملكة” .

[30] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مرجـع سابق، ص ص 356-360

[31] – حسين عبدالله سجيني  ، تجربة التخطيط من اجل التنمية في المملكة العربية السعودية ، ملخص للورقة التي قدمت في ندوتي الكويت ودبي ، الرياض ، وزارة التخطيط ، 1976 .

[32] – محمد بلول مختار ، التخطيط الاقتصادي ، ط 1 ، الرياض ، 1408 هـ ، ص 239

[33] – فايز ابراهيم الحبيب ، التنمية الاقتصادية بين النظرية وواقع الدول النامية ، الرياض ، جامعة الملك سعود ، عمادة شئون المكتبات ، 1980 ، ص 159

[34] – محمد بلول مختار ، التخطيط الاقتصادي ، مرجع سابق ، ص 249

[35] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مرجع سـابق، ص ص 361-366

[36] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 37

[37] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 49

[38] – د. عبدالله بن سليمان العبيد و د. عبدالقادر محمد عبدالقادر عطية ، اقتصاد المملكة العربية السعودية : نظرة تحليلية ، مرجع سابـق ، ص ص 366-371

[39] – فايز ابراهيم الحبيب ، التنمية الاقتصادية بين النظرية وواقع الدول النامية ، مرجع سابق ، ص 164

[40] – المرجع السابق ، نفس الصفحة

[41] – وزارة التخطيط ، خطة التنمية الثالثة 1980-1985 ، مرجع سابق ، ص 39

[42] – محمد بلول مختار ، التخطيط الاقتصادي ، مرجع سابق ، ص 252 



[1] –     Christine Moss, Helims, The cohesion of Saudi Arabia: Evolution of political identity, London , Croom Helm, 1981, p. 59
[2] –                  Michel G. Nehme, Saudi Arabia: Political implication of the development plans , Unpublished, Ph.D., . Dissertation , The State University of New Jersey , 1983,  p. p. 20-21
[3] –                       N.I .Proshin , Ibn Saud and the Ikhwan, The Mizen Newsletter, Volume III, No. 65, June 1961, p.2
[4] –                                                                                                                                                                  Ibid. p.p. 60-61
[5] –       Turki El-Hamad, Political order in changing societies : Saudi Arabia : Modernization in a traditional context, Unpublished Ph.D. Dissertation , Univ. of Southern California , 1985 , p. 67
[6]–                                                                                                                                                                    Ibid., pp.65-66
[7] –     Tarik S. EL-Ariss , Saudi Arabia : A study in nation building , Ph.D. Thesis, Washington D. C., The American Univ., 1965,  p.54
[8] –                                                                                                                                                                                  Ibid., p.51
[9] –                                                                                                                                                                                 Ibid.  p. 56
[10] –     Talat Sindi, Impact of the ford foundation proposals on the public service in Saudi Arabia, Unpublished M.A., Thesis, California State Univ., Chico, 1983, p. 32
[11] –   G.F. Grune Baum , Medievao Islam: A Study in culture orientation , 2nd ad., Chicago, Univ. of Chicago press, 1953 , p. 109
[12] –               U.S. Department of labor, Labor Law and practice in Kingdom of Saudi Arabia, Washington D.C, U. S. Government printing office , 1972, p. 139
[13] –      Abdelrahman A. Al-Shalhoub, Political development in Saudi Arabia : Acomparative study of Executive and legislative functions in nation- Building and institution – building , Unpublished master Thesis, The Univ. of Mississippi , 1988, p. 30
[14] – د. فؤاد حيدر ، التنمية والتخلف في العالم العربي : طروحات تنموية للتخلـف ، ط 1 ، بيروت ، دار الفكر العربي ، 1990 ، ص 122
[15] –                                        Morroe Berger , The Arab world today , London , Weidenfeld & Nicolson , 1962, p. 139
[16] –                        Talat Sindi, Impact of the ford foundation proprsals on the public service in Saudi Arabia, op. cit., p.34
[17] –                                                                                                                                                                        Ibid., pp. 58-59
[18] –                                   Michel G.Nehme, Saudi Arabia : Political implication of the development plans , op. cit., p. 137
[19] – أيوب حسين ، مع ذكرياتنا الكويتية ، الكويت ، مطبعة الكويت ، 1972 ، ص . 14
[20] – د. فؤاد حيدر ، التنمية والتخلف في العالم العربي : طروحات تنموية للتخلـف ، ط 1 ، بيروت ، دار الفكر العربي ، 1990 ، ص 122
[21] –                       Talat Sindi, Impact of the ford foundation proprsals on the public service in Saudi Arabia, op. cit., p. 67
[22] –                                      Michel G.Nehme, Saudi Arabia : Political implication of the development plans , op. cit., p. 71
[23] –                                                                                                                                                                        Ibid. p. 138
[24]Zafer Al-Kassimmy, The System of government in the Shariha and historym Beirut, Dar Annafape, 1974, pp. 402-407
[25]–  لمزيد من المعلومات عن مفهوم الاجتهاد والتشريع في الاسلام انظر : عبدالله المودودي ، القانون الاسلامي والدستور ، دون دار نشر ، ص ص 67-88
[26] –         Hamad Sadun Al-Hamad, The legislative process and the development of Saudi Arabia, Unpublished Ph.D. Dissertation, Univ. Of Southern California, 1973, p.p. 80-81
[27] –                                                                                                                                                                                 Ibid. p.81
[28] – أو العريفة وهو رئيس العشيرة التي تنتمي إلى القبيلة الأم .
[29] –                                                                                                                                                                        Ibid. same page
[30] –                                                                                                                                                                           Ibid. p. 81-82
[31] –                                                                                                                                                                          Ibid. p. 82
[32] – خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ، مرجع سابق ،  ص 420
[33] –                        Hamad Sadun Al-Hamad, The legislative process and the development of Saudi Arabia, op.cit., p. 83
[34] –                                                                                                                                                                        Ibid. same page
[35] – خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ، مرجع سابق ، ص 420
[36] –                             Hamad Sadun Al-Hamad, The legislative process and the development of Saudi Arabia, op.cit., p.84
[37] – خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ، مرجع سابق ، ص 420
[38] –                              Hamad Sadun Al-Hamad, The legislative process and the development of Saudi Arabia,op.cit., p.85
[39] خير الدين الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز ، مرجع سابق ، ص 421-423 
[40] –                              Hamad Sadun Al-Hamad, The legislative process and the development of Saudi Arabia,op.cit., p.85
[41]Soliman A.Solaim, Legal review: Saudi Arabia’s judicial system ,The middle east journal,Summer 1971,p.p. 403-407
[42]–                                                                                                                                                                        Ibid. same page
[43] –                              Zafer AL-kassimy, The System of government in the Shariha and History, op. cit., p.p. 402-407
[44] –          Turki El-hamad, Political order in changing societies  Saudi Arabia: Modernization in a traditional context, op. cit., p. 96
[45] – المؤسسات حسب نظرية هنتنجتون تمثل نماذج مستقرة  قيمية متكررة من السلوك و التنظيمات والاجراءات مختلفة في درجات مؤسسيتها ، والمؤسسية هي عملية اكتساب التنظيمات والاجراءات للقيم والاستقرار ،اما درجة المؤسسية لاي نظام سياسي فيمكن تحديدها بدرجة التكيف والتعقيد والاستقلال وتماسك تنظيماتها واجراءاتها .    Samule P. Huntington, Political order in changing society , Connecticut, Yale Univ. 1968 , p.12
[46] –   Ibrahim M. AL-Awaji, Bureaucracy and society in Saudi Arabia, Ph.D. Thesis, Univ. Of Verginia, 1971, p. 249
[47] –           Islami A. Reza and Rostam Mehraban Karoussi , The political economy of Saudi Arabia, Seattle, Univ. Of Washington press , 1984 , p.p 15-16
[48] –                                                                                                                                                                                 Ibid. p. 16
[49] –                                                         Ibrahim M. AL- Awaji, Bureaucracy and society in Saudi Arabia, op,cit., p. 20
[50] –                      Christine Moss Helms, The cohesion of Saudi Arabia: Evolution of political idintity, op. cit., p. 275
[51] –         James A. Bill, And Carl Leiden, Politics in The Middle East, Boston , Toronto, Little Brown and Co, 1979, p.p. 234-235
[52] –      Huyette Summer Scott, Political adaptaion in Saudi Arabia: A study of the  council of Ministers, Unpublished Ph.D. Thesis, New Yourk, Colombia univ., 1984, p. 101
[53] –      Huyette Summer Scott, Political adaptaion in Saudi Arabia: A study of the  council of Ministers, op. cit., p.72
[54] –                                                                                                                                                                                 Ibid. p. 99
[55] –    Motleb Abdullah Nafissah, Law and social change in moslem countries: The concept of Islamic Law held by the Hanbali School and  The Saudi Arabian legal system , Ph.D. Thesis, Massachocits Harvard Law School , 1975, p.94
[56] –   Huyette Summer Scott, Political adaptaion in Saudi Arabia: A study of the  council of Ministers, op. cit., p. 100
[57] –            Turki El-Hamad, Political order in changing societies: Saudi Arabia: Modernization in a traditional context, op. cit., p. 100
[58] –                       Michel G. Nehme, Saudi Arabia: Political implication of the development plans, op. cit., p.p. 20-22
[59] –      Abdelrahman Saaid, Saudi Arabia: The transtion from a trible society to national state, Ph.D. Thesis, Univ. of Missouri, columpia, 1979, p.132
[60] –   George A. Libsky, Saudi Arabia: Its People, Its Society and Its Culture, Connecticut, Hraf Press,1969, pp. 84-85
[61] –                                                                                                                                                                                Ibid.  p. 21
[62] –                       Christine Moss Helms, The cohesion of Saudi Arabia: Evolution of political idintity, op. cit., p. 128
[63] –                                                                                                                                                                               p. 64 Ibid.
[64] –                                                                                                                                                                        Ibid., same page
[65] –                                                                                                                                                                                 Ibid. p. 65
[66] – انظر:         Ropert Ferneas, Shaykh and Effendi, Changing patterns of authority among the El skabana of Sowthern Iraq, الذي وصف هذا الحال في منطقة جنوب العراق                                                                                Massachocits Harvard Univ. press, 1970.
[67] –   Richard F. Nyrop, at.al., Area Handbook for Saudi Arabia, Washington D.C., The American Univ. 1977,p. 113
[68] –     Huyette Summer Scott, Political adaptaion in Saudi Arabia: A study of the  council of Ministers, op. cit., p. 84
[69] –                                                    Ibrahim M. AL-Awaji, Bureaucracy and society in Saudi Arabia, op. cit., p .67-68
[70] –     Huyette Summer Scott, Political adaptaion in Saudi Arabia: A study of the  council of Ministers, op. cit., p.p. 85-86
[71] –                                                                                                                                                                            Ibid. p.88-89
[72] –                                                                                                                                                                        Ibid. same page
[73] –                                                                                                                                                                       Ibid., same page
[74] –                                                                                                                                                                       Ibid., same page
[75] –                                                                                                                                                                       Ibid., same page
[76] –                                                              Tarik S. EL-Arris, Saudi Arabia: A Study in nation building , op. cit., p. 49
[77] –            Abdullah AL-Fares, Saudi bureaucracy and max weber’s ideal type , Unpublished MA. Thesis, Humboldt State Univ. 1985, p.11
[78] –                                                                     James A. Bill, And Carl Leiden, Politics in the middle east, op. cit., ch3
[79] –                                                     Ibrahim M. AL- Awaji, Bureaucracy and society in Saudi Arabia, op. cit., p . 57
[80] –  Huyette Summer Scott, Political adaptaion in Saudi Arabia: A study of the  council of Ministers, op. cit., p. 92
[81] – صلاح الدين المختار ، تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها ، مرجع سابق ، ص 220 .
[82] –  د. فؤاد عبدالسلام الفارسي، الأصالة والمعاصرة: المعادلة السعودية، جدة، دار الأصفهاني للطباعة، 1412 هـ، ص417
[83] – المرجع السابق، نفس الصفحة
[84] – المرجع السابق، ص418
[85] – عبدالعزيز محمد الاحيدب، من حياة الملك عبدالعزيز، مطبعة الإشعاع التجارية، بدون مكان نشر، بدون سنة نشر، ص247
[86] – د. طالب محمد وهيم، التنافس البريطاني الأمريكي على نفط الخليج العربي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام العراقية، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982، ص172
[87] – المرجع السابق، ص190
[88] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي، الأصالة والمعاصرة: المعادلة السعودية، مرجع سابق، ص422
[89] – د. أحمد حسين العقبي، اسرار لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت، ترجمة لكتاب روزفلت يجتمع بابن سعود مع دراسة موجزة لتاريخ العلاقات الامريكية-السعودية في الحقبة السادسة للاجتماع، بدون مكان نشر، بدون سنة نشر، ص70
[90] – المرجع السابق، ص71
[91] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي، الأصالة والمعاصرة: المعادلة السعودية، مرجع سابق، 422
[92] – المرجع السابق، ص423
[93] – حسن أحمد حسن أبوطالب، السياسة الخارجية السعودية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي 1964-1982، رسالة ماجستير، القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1986، ص176
[94] – غازي محمود عباس قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ عام 1967، مرجع سابق، ص93
[95] –                  Jacob Goldberg, “The Saudi Arabian Kingdom”, In Legum, Shaked, And dishon, Middle East Survey 1979-1980, pp. 681-721
[96] –                                                                                                                                                                Ibid, Same Page.
[97] – غازي محمود عباس قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ عام 1967، رسالة دكتوراه، القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، 1987، ص ص110-112
[98] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي، الأصالة والمعاصرة: المعادلة السعودية، مرجع سابق، ص419
[99] – غازي محمود عباس قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ عام 1967، مرجع سابق، ص97
[100] – المرجع السابق، نفس الصفحة
[101] –                                                                                                          New York Times, April 24, 1981, pp.A1 and A7
[102] –     David E. Long, “King Faisal,s World View” In Willard A. Belling (Ed.), King Faisal And The Modernization Of Saudi Arabia, Croom  Helm, London, 1980.p.179
[103] حسن أحمد حسن أبوطالب، السياسة الخارجية السعودية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي 1964-1982، مرجع سابق،  ص116
[104] – المرجع السابق، نفس الصفحة 
[105] – د. بهجت قرني و د. على الدين هلال، السياسات الخارجية للدول العربية، ترجمة د. جابر سعيد عوض، مرجع سابق، ص508 
[106] –   حسن أحمد حسن أبوطالب، السياسة الخارجية السعودية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي 1964-1982، مرجع سابق،  ص117
[107] – المرجع السابق، نفس الصفحة
[108] – المرجع السابق، ص ص17-18
[109] – د. عبدالله الأشعل، المملكة العربية السعودية وقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، جدة، ص1، 1989، ص36
[110] – محمد توفيق صادق، تطور الحكم والإدارة في المملكة العربية السعودية، الرياض، مطبوعات معهد الإدارة، 1965، ص71
[111] – أمين السعيد، تاريخ الدولة السعودية، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، 1982، ص374
[112] –  غازي محمود عباص قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ 1967، مرجع سابق ص92
[113] – أمل إبراهيم بن حسن الزياتي، علاقات المملكة العربية السعودية تجاه دول الخليج 1964-1974، رسالة دكتوراه، جامعة القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، 1981، ص ص405-407
[114]– خالد العواملة، الثورة الإيرانية وشرعية النظم السياسية العربية، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، 1992،  ص ص364-365
[115] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي، الأصالة والمعاصرة: المعادلة السعودية، مرجع سابق، ص153
[116] – باكينام رشاد الشرقاوي، تأثير الثورة الإيرانية الإسلامية على العلاقات العربية، في جمال زكريا قاسم و يونان لبيب رزق، العلاقات العربية الإيرانية، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، 1993، ص195
[117] – أمين السعيد، تاريخ الدولة السعودية، مرجع سابق، ص403-416
[118] – أحمد عبدالغفور عطار، ابن سعود والقضية الفلسطينية، جدة، دار عطاظ للطباعة والنشر، 1984، ص348
[119] – عبدالعاطي محمد أحمد، الدبلوماسية السعودية في الخليج والجزيرة العربية، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، 1979، ص ص49-50
[120] – غازي محمود عباس قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ عام 1967، مرجع سابق، ص93
[121] – المرجع السابق، ص94
[122] – د. فؤاد عبدالسلام الفارسي، الأصالة والمعاصرة : المعادلة السعودية ، مرجع سابق ، ص ص152-153
[123] – غازي محمود عباس قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ عام 1967، مرجع سابق، ص ص94-95
[124] – د. بهجت قرني و د. على الدين هلال، السياسات الخارجية للدول العربية، ترجمة د. جابر سعيد عوض، مرجع سابق، ص499 
[125] – غازي محمود عباس قطان، سياسة المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر منذ عام 1967، مرجع سابق، ص ص76-77
[126] – المرجع السابق، ص74
[127] – المرجع السابق، ص501
[128] – المرجع السابق، ص ص503-504