الكاتب : زينب فريح

في فترة ما بعد القطبية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، أصيح تغير السياسة الخارجية أكثر توانرا. شهدنا تغييرات جذرية وسريعة في العلاقات ما بين الدول العظمى ، السياسة الدولية (وكذلك الداخلية في شرق ووسط أوروبا، و تغييرات جذرية في العلاقات الدولية داخل مناطق الصراع التقليدية، مثل الشرق الأوسط أو جنوب أفريقيا. هذه التطورات أثبتت الدائنا أو حاجتنا لأدوات نظرية للوصف، التطيل، التقسيز و فهم مثل هذا التغير مثلما لاحظ كارلسناس (Carlsnaes) أن النظريات المتواجدة، النماذج والمشتريات ليست مقيدة كتيرا لتفسير التغيرات الراديكالية المتولدة نتيجة لنهاية الحرب الباردة إضافة إلى ذلك، فإن التغيرات الجذرية في السياسة الخارجية في السنوات الخمسين الأخيرة ربما تستدعي مجموعة إضافية من الأطر التحليلية المتطورة لتعزيز أفضل للتحكم في العناصر الرئيسية لعالمنا المتحول (01)

انطلاقا مما سبق، ستسعى هذه الورقة البحثية للبحت في مسالة تغير السياسة الخارجية و فهمها أكثر من خلال تسليط الضوء على أهم المقاربات النظرية في أدبيات السياسة الخارجية التي تناولت موضوع التغير في السياسة الخارجية و ذلك انطلاقا من تساهل رئيسي مفاده: ما الإستبصارات النظرية التي يمكن أن تزودنا بها مختلف المقاربات النظرية بخصوص تغير السياسة الخارجية؟

الإجابة عن هذا التساؤل تقضى ضرورة التطرق إلى العناصر التالية – بروز مفهوم تغير السياسة الخارجية .

تطور دراسة تغير السياسة الخارجية في أدبيات السياسة الخارجية

نحو نموذج جديد لدراسة تحول السياسة الخارجية

أولا – بروز مفهوم تغير السياسة الخارجية

تغير السياسة الخارجية ليست ظاهرة جديدة سواء في التاريخ (انتقال الولاءات Shifting Alliances ) التي تكلم عنه ئوكیدیدیس Thucydides في كتابه الحزب اليوبولينزية Peloponnesian War) أو في نظرية العلاقات الدولية (نظرية توازن القوى). و مع ذلك خلال الجزء الأول من الحرب الباردة و حتى بداية الثمانينات ،پینی تغير السياسة الخارجية الموضوع الأكثر تجاهلا في الدراسة داخل حقل السياسة الدولية ونظرية العلاقات الدولية

لقد حاول كل من جيمس روزنو (James Rosenau) وروبرت جلین (Gelpin Robert) رهولستي (Holsti) تفسير هذا الاهتمام المحدود في تغير السياسة الخارجية، و يزعمون بأن النظرية كانت تركز بشكل ضيق على الاستقرار و ليس التغير، ويعزى ذلك على حد سواء إلى :

. الأسباب المعيارية القيمية (الانحياز للاستقرار في فترة الحرب الباردة) : كثرة الباحثين الغربيين داخل الحقل الأكاديمي للعلاقات الدولية الذين لم يتعلموا كيفية التعامل مع التغيير . النظرية حول تغير السياسة الخارجية ظلت تركز بشكل ضيق على التغيرات الكبرى في السياسة الخارجية، بينما حالات التغير المحدود لم تحظى بالاهتمام المشم (2)

لكن التساؤل الذي طرح هو: لماذا الأمثلة الكيري عن التغيير في السياسات الخارجية مثل السياسة الجديدة للو.م.ا اتجاه الصين في بداية السبعينات فشلت في توليد اهتمام اكبر لتطوير نظرية حول هذا الموضوع : لقد حاول كل منGelpin – Goldman – Resenau . Holsti تقديم إجابات عن هذا التساؤل و عن تجاهل ظاهرة تحول السياسة الخارجية لكن التطرق الى تلك الإجابات ستحدد أولا المقصود بتغيير السياسة الخارجية Foreign Policy change ،إعادة توجيه السياسة الخارجية Reorientation of Foreign Policy و إعادة هيكلة السياسة الخارجية

Restructuring of Foreign Policy

  1. مفهوم تغير السياسة الخارجية: انطلاقا من بين السياسة الخارجية هي ذلك الفعل الموجه نحو تحقيق أهداف محددة سلفا من قبل السلطات الحكومية إزاء كيانات خارج الدولة يمكن أن تكون دول أو فواعل من غير الدول)، و انطلاقا من أن السياسة الخارجية هي

عملية يتعامل فيها مع بيئة متحركة مليئة بالتفاعلات الناتجة عن تداخل العديد من المتغيرات ، و هذا ما يجعلنا تواجه في كثير من الأحيان صعوبة في الوقوف على أبعاد و محددات هذه البيئة المتميزة بالتغير و عدم الثبات و هو ما يجعل السياسة الخارجية عملية لا تنقطع عنها صفة الديناميكية المستمرة ، و يصبح التحول صفة ملازمة للسياسة الخارجية (03)

ظهر موضوع تغير السياسة الخارجية كموضوع بحث في الثمانينات ضمن الحقل المعروف ب”السياسة الخارجية المقارنة” الذي تطور في الستينات من القرن المنصرم كردة فعل ضد المناهج التقليدية في الدراسة و قد عالج الدارسون تغير السياسة الخارجية من خلال طرح التساؤلات التالية

. كيف يحدث التغير ؟ .

متى يحدث التغير؟ .

ما هي العوامل المؤدية للتغير من عدمه؟

لا يوجد اتفاق بين منظري السياسة الخارجية حول تعريف التغير في السياسة الخارجية ، و هو ما يفسر لنا أسباب عدم قيام معظم الأدبيات التي تناولت التغير في السياسة الخارجية بالتحليل تعريف المقصود بالتغير، و إن كانت قد اهتمت بالبحث في أشكال التغير و أنماطه و مسییانه عموما (04)

حاول الباحثين والدارسين في هذا المجال تقديم تعريفات ووجهات نظر حول مفاهيم السياسة الخارجية، التغير، و إعادة الهيكلة، و من أبرز هؤلاء الباحثين جاریل روزيتي (. Rosati )، جو هاجان (Joe DJarel A

Hagan ) و مارتن ساميستون (Martin W . Sampson )، في سنة 1986 و ذلك من خلال كتابهم “إعادة هيكلة السياسة الخارجية: كيف تستجيب الحكومات التحير العالمي” Foreign Policy Restricting How Governments Respond to Global Change” و يمثل هذا الكتاب إسهاما حقيقيا في دراسة التغير و إعادة هيكلة السياسة الخارجية من حيث انه يتناول التغير في السياسة الخارجية و إعادة هيكلتها في إطار تفت تساؤلات رئيسية هي 1. ما هو التغير و إعادة هيكلة السياسة الخارجية؟ 2. ما هي مصادر التغير في السياسة الخارجية و الأمر النظرية التي تساعد على فهمه؟ 3. إلى أي مدى تسهم دراسة التخيل و إعادة هيكلة السياسة الخارجية في فهم السياسة الخارجية و العلاقات الدولية؟ (05)

فمن ناحية ، الإجابة عن التساؤل الأول و المتعلق بالمقصود بالتغيير و إعادة هيكلة السياسة الخارجية؟ يخلص الكتاب إلى أنه ليس هناك اتفاق حول مفهوم التغير في السياسة الخارجية و تعريفه لقد تحدت جيمس روزیناو ( James Rosenau) عن “التكيف السياسي” Political Adaptation“، و قدم مولتی مفهوم إعادة هيكلة السياسة الخارجية

Restructuring of Foreign Policy بينما اهتم جولتمان بدراسة الاستقرار و عدم الاستقرار في السياسة الخارجية، هذا على حين تحدث هيرمان عن إعادة التوجيه في السياسة الخارجية PolicyReorientation of Foreign ،فكل من هؤلاء أهتم بدراسة التغيير في السياسة الخارجية إلا أنهم قدموا مفاهيم مختلفة للتغيير في السياسة الخارجية

يتبنى الكتاب مفهوما عاما للسياسة الخارجية يشمل كل من الاستمرار و التغير و يعتبر أن مفهوم إعادة الهيكلة يعبر عن تغير اشمل و أعمق، فان تصورنا من التغير في السياسة الخارجية يتمثل في خط متصل فان أحد طرفيه بمثل التغير الجزئي المحدود (Micro Change) بينما تمثل إعادة الهيكلة الصرف الآخر الذي يعبر عن أقصى درجات هذا التغير حيث يمثل تغيرا كليا (Macro Change في السياسة الخارة

(15) | كذلك نجد أن جل أدبيات السياسة الخارجية التي ركزت على تغيير السياسة الخارجية قد ركزت اهتمامها على نوع محدد من التغيير وهو التغيير الجذري الذي يتضمن إعادة هيكلة السياسة الخارجية Foreign Policy Restructuring وإعادة توجيه السياسة الخارجية Foreign Policy Reorientation. وفي هذا السياق ركز هولستي على نوع معين من تغير السياسة الخارجية . إعادة الهيكلة التي عرفها بأنها تعني التغيير الدرامي، والشامل النمط العلاقات الخارجية للدولة” كما عرف إعادة التوجيه بتها تشير إلى نوايا صناع القرار لإعادة هيكلة علاقات دولهم مع الدول الأخرى كما عرف Thomas Volgy & John Schwarz إعادة هيكلة السياسة الخارجية على أنها” تغيير كبير و شامل في توجه السياسة الخارجية للدولة، وخلال فترة قصيرة نسبيا من الزمن، كما يتجلى ذلك من خلال التغيرات السلوكية في التفاعلات الدولة مع غيرها من الجهات الفاعلة في السياسة الدولية (27) |

يمكن تعريف التغير في السياسة الخارجية بأنها: “التغيرات التي تعتري السياسة الخارجية للوحدة الدولية، إما نتيجة للتغير في السلطة السياسية و تغير النظام السياسي داخل الدولة، أو لسيب سعيها للتكيف مع المتغيرات الإقليمية و الدولية من حولها”.

وقد برز مفهوم التغير في السياسة الخارجية للإشارة إلى تلك التحولات التي يمكن أن تطرأ على السياسة الخارجية الدولة ما من حيت توجهاتها، وسلوكها على الصعيد الخارجي، والأدوات التي تستخدم لتنفيذ تلك السياسة، إما نتيجة للتغير في النظام السياسي داخل هذه الدولة، أو بسبب حبها للتكيف مع المتغيرات الإقليمية و الدولية من حولها (08)

و بالتالي يمكن القول بصفة عامة بان مفهوم التغير في السياسة الخارجية يشير إلى تلك التحولات التي يمكن أن تطرأ على السياسة الخارجية لدولة ما من حيت توجهاتها أو سلوكها أو أدواتها أو أهدافها”

و هناك من يرى بأن إعادة الهيكلة السياسة الخارجية تتضمن تعديلا كبيرا أو انقطاعا في التوجه الرئيسي للدولة أو الفاعل الدولي لصالح إقامة مجموعة جديدة من الالتزامات و التحالفات. فهي تكتر من تغيير في الأساليب أو أدوات تنفيذ السياسات و هي تتجاوز التذبذبات أو التأرجحات الروتينية لسلوك السياسة الخارجية للدول النامية فهي تتضمن إعادة النظر بشكل أساسي لتصورات الدولة الفاعل للنظام العالمي أو الإقليمي و دورها داخل هذا الإطار، وتشمل مؤشرات إعادة هيكلة التوجه الرئيسى للسياسة الخارجية نماذج العلاقات الدبلوماسية و التجارية و العسكرية و الثقافية بين الدولة و العالم الخارجي (05) تجدر الإشارة إلى أنه يجب التفريق بين نوعين من التغيير في السياسة الخارجية

التغيير الناتج عن تغيير النظام أو تحول الدولة : التغيير الذي يحدث عندما تقرر الحكومة القائمة الدفع نحو سياسة خارجية مغايرة. هذا الأخير ، يكون من خلل إعادة توجيه السياسة الخارجية، عندما تغيير القوامل الموجودة توجه سياستها الخارجية، إذن طبيعة التغيير تتجه لتكون تصحيح ذاتي self

– corecting (10) إنن، تغيير السياسة الخارجية هي جملة التحولات التي تطرأ على سياسة خارجية معينة تتراوح ما بين التغيير الطفيف إلى التغيير الجذري ، و تحدث هذه التحولات نتيجة لعوامل مزيطة بالبيئة الدولية و الداخلية المحيطة بالدولة 2. تغير السياسة الخارجية: الظاهرة المتجاهلة:

على الرغم من أهمية دراسة تغيير السياسة الخارجية لحقي السياسة الخارجية و العلاقات الدولية على حد سواء فقد بقيت هذه الظاهرة و لعدة سنوات “ظاهرة متجاهلة” و ميتة”A Neglected Phenomenon” على حد تعبير

K . J . Holsti .خلال حفيتي الستينات و السبعينات اتشغل الباحثون في مجال العلاقات الدولية و السياسة الخارجية بتطوير

حقل الدراسة و الوصول به إلى درجة العلم”. و قد أدى هذا إلى التركيز على الدراسة المقارنة للسياسة الخارجية أو ما عرف ب”السياسة الخارجية المقارنة” Comparative Foreign Policy” و منها دراسة جيم و زیقاو عام 1968 ، و دراسة مكجوان و شاییرو ( McGowan

& Shapiro

) عام 1973 . و في هذا السياق ولم تحظ دراسة التغيير في السياسة الخارجية باهتمام كبير على الرغم من أن التغير في السياسة الخارجية و إعادة هيكلة توجهاتها الأساسية كانت ظاهرة موجودة و قائمة (11) و في هذا السياق لا حفظ ديقيد ايستون (David Eston) “لقد كان دارسو الحياة السياسية. يميلون إلى نيسان أن المشاكل المهمة حقا في الأيحات الاجتماعية تعنى بأنماط التغيير”. (12) قدم روبرت غيلين ( R . Gilpin ) في عمله الحرب و التغير في السياسة الدولية” War and Change in World Politics (1981) أسباب تجاهل التحول في السياسة الخارجية من طرف دارسي العلاقات الدولية و السياسة الخارجية فقد صرح بان هنالك إهمال متشابه في دراسة التغيير السياسي الدولي International Political Change خالل الستينات و السبعينات لذلك الموجود في السياسة الخارجية مما حفزه لكتابة كتابه الحرب و التغيير.

صرح روبرت غیلین بان هناك خمسة أسباب تفسر لماذا لم يكون التغيير السياسي الدولي معالج كموضوع مهم في اغلب دارسات و أبحاث العلاقات الدولية، وهي الأسباب ذاتها التي يبدو أنها تشرع فشل باحتي العلاقات الدولية و السياسة الخارجية المعاصرين في معالجة دراسة التغيير في السياسة الخارجية ككل .وتتمثل هذه الأسباب الخمسة في ما

بلي

أولا، إن حقل العلاقات الدولية و السياسة الخارجية كان مجالا حدينا نسبيا في ذلك الوقت، و من ثم كان من الطبيعي أن يتم التركيز على دراسة و تحليل أبعاده و الظواهر المتكررة و المستمرة فيه أولا حتى يتسنى التعرف على ما طرا على هذه الظواهر من تطور. و في هذا السياق أشار جوزيف شومبير( oseph Schumpeterل) إلى أن ” التطور الطبيعي لأي علم يتم من التحليل الساكن إلى التحليل الحركي (الديناميكي)”. (13) فالنظرية الساكنة بسيطة و من السهل إثبات مقولاتها لكن من الصعب إن لم يكن من المتعذر ، لسوء الحظ، التقدم إلى دراسة القوى المحركة ما لم تتطور سكونيات مجال البحت بالقدر الكافي و يستوعب المرء جيدا العمليات الحافلة بالتكرار و الظواهر المتكررة. وفقا لا ويلبرت مور ( Wilbur Moore) فائه من ” من المحيز انه عندما يتسارع التغير الاجتماعي في عالم التجربة الحقيقي، تميل النظم العلمية التي تتعامل مع أفعال الإنسان و منتجاته إلى التشديد على الاعتماد المتبادل المنتظم و الإستمرارية الساكنة (14) و ينطبق ذلك بالمثل بالنسبة لدارسي السياسة الخارجية الذين ركزوا على النماذج المستمرة للسياسة الخارجية و عارضوا إعادة الهيكلة في السياسة الخارجية على طول الوقت. هذا ربما يفسر لماذا اتجه الكثير من منظري السياسة الخارجية للتسليم بالفرضيات التي تخص علاقة المتغيرات ببعضها البعض.. أكثر من كونهم يبنون النظريات” (15)

ثانيا، ظهور مدارس و اقترابات بحثية مثل المدرسة السلوكية و اقتراب صنع القرار ، و التي كانت نتيجة الانهيار أو تراجع ما اسماه هولستي” النظرية الكبرى” التي أضرت البحث عن نظرية عامة للنظام الدولي و التغيير مما أدى للتركيز على ما يسمى ب “النظرية متوسطة المدىMiddle – Range Theory ،التي على الرغم من أهميته ، إلى انه أدى إلى نتيجة غير مناسبة إذ حولت الاهتمام بعيدا عن المسائل النظرية العامة، فكما لاحظ كل هولستي ،” فقد تركزت الشواغل الكبرى للمنظرين في العقد الماضي على استكشاف مشاكل محددة ، أو وضع فرضيات أو تعميمات تفسر مجموعات محدودة من الظواهر، لاسيما الحصول على بيانات لاختبار هذه الفرضيات” (15) هذا أدى إلى التركيز على ظواهر جزئية و أسئلة أضيق و البعد عن السعي إلى للوصول إلى نظرية كبري و كلية العلاقات الدولية و السياسة الخارجية بما يتضمنه ذلك من ضرورة البحث في التغير في السياسة الخارجية فعلى سبيل المثال ركز الذين درسوا السياسة الخارجية من منظور صنع القرار على دور القيادة و الحكومة البيروقراطية في عملية صنع القرار و تجاهلوا البيئة المحيطة و العوامل التي قد تدفع هذه القيادة إلى نيتي سياسة معينة أو التخلي عن أخري و تغير مواققها (17)

ثالثاء بالنسبة لغيلين، التحيز الغربي western bias كان السبب الثالت المساهم في تجاهل دراسة التخيير فقد لاحظ أن هيمنة الدراسات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية أدت بالحقل بان يكون “ضيقا و ذائى التمركز “، يركز في المقام الأول على نظام الدولة الغربي، كما أن قسما كبيرا من الأدبيات القائمة مخصص للتطورات التي حدثت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في دراسة السياسة الخارجية، أدى ذلك إلى انشغال واضح بسياسات القوى العظمى أثناء الحرب الباردة. رأی Holsti من هذا التركيز الضيق ساهم في إغفال التغيرات في السياسة الخارجية التي كانت تحدث في أي مكان أخر في العالم (10) وقد أدت هذه النظرة إلى إهمال دراسة الأبعاد الأخرى في السياسة الخارجية الأمريكية و منها التغير في هذه السياسة و في السياسة الخارجية بصفة عامة (12)

رابعا، سبب لتجاهل الإشكالية النظرية للتغيير السياسي هو الاعتقاد الواسع بعدم جدوى المهمة ويستمسك بهذه النظرة، السائدة في أوساط المؤرخين، العديد من علماء الاجتماع و يعتبر البحث عن “قوانين التغير” عديم الجدوى بسبب فرادة الأحداث التاريخية و تعطيدها. وهكذا ينظر إلى البحث عن تعميمات أو أنماط في الشؤون الإنسانية مشروعا ميؤوسا منه (20) و قد شملت هذه النظرة أيضا الباحثين في إطار الدراسية المقارنة للسياسة الخارجية فكتب روزنو عام 1968 “بان هؤلاء الذين يطمحون للوصول إلى نظرية للسياسة الخارجية تتضمن القدرة على التفسير و التنبؤ الاستمرار و التغير فيها مصيرهم الإحباط لأنه لا يمكن تحقيق ذلك” (21)

يتمثل خامس سيب في وجود التحيز المحاق” في علم الاجتماع الغربي قمعظم علماء الاجتماع الأكاديميين يفضلون الاستقرار أو التغير المنظم على الأقل. ففكرة التغيرات الجذرية التي تهدد القيم و المصالح تفتقر إلى الجاذبية (21) ثانيا – تطور دراسة تغير السياسة الخارجية في أدبيات السياسة الخارجية:

بدأت الإرهاصات الأولى للاهتمام بدراسة التغيير و إعادة هيكلة السياسة الخارجية مع بداية الثمانينات و تلك بصدور كتابين، أولهما كتاب روبرت غيلين بعنوان “الحرب و التغيير في السياسة العالمية”. السابق ذكره. و الذي عرض فيه لموضوع إهمال دراسة التغير في السياسة الخارجية و أسباب ذلك. أما تاتيهما، فهو كتاب جيمس روزنو الذي ضم مجموعة من البحوت تحت عنوان ” دراسة التكيف السياسي مقالات في تحليل السياسة الدولية The Study of Political Adaptation Essays on The Analysis of World Politics“, وعلى الرغم من أن جيمس روزئر لم يهدف إلى دراسة التغير في السياسة الخارجية بشكل مباشر حيت انصب اهتمامه على دراسة تكيف الحكومات مع مستجدات البيئة الداخلية و الخارجية من حولها و الكيفية التي يتم بها هذا، وذلك في إطار سعيه إلى تطوير نظرية عامة للسياسة الخارجية، في عالم يشهد درجة متزايدة من الاعتماد المتبادل و تلاشي الفواصل بين الدول، إلا أن دراسته هذه كانت خطوة هامة على طريق الاهتمام بدراسة التغير في السياسة الخارجية (23)

فقد رأی روزنو أن الفهم الصحيح و العميق للظاهرة السياسية يقتضي النظر إليها كغيرها من الظواهر الإنسانية و كما أن الإنسان يسعى دائما للتكيف مع البيئة المحيطة، فان الدولة في حالة حركة دائمة من أجل التكيف ع مستجدات البيئة الداخلية و الخارجية المحيطة بها و قدرتی روزنو أن السياسة الخارجية هي أداة الدولة في التكيف مع هذه التغيرات و ذلك من اجل الحفاظ على بقائها و نجاحها في تحقيق أهدافها، ومن ثم فإن التغير في السياسية الخارجية پای نتیجه بروز تغيرات داخلية أو خارجية تقتضي مواجهتها و التكيف معها، و عادة فان صانعي القرار يدركون هذه التغيرات و المستجدات بما تحمله من مخاطر أو فرص و يسعون للتقليل من الخسائر و التكاليف المحتملة من ورائها وتعظيم المنافع و الفرص المتنوعة منها، وذلك بالدا التغيرات اللازمة في السياسة الخارجية

وحدد روزنو أربعة أنماط التكيف في السياسة الخارجية لمواجهة المستجدات و التغيرات التي تواجه صانعی القرار و النابعة من البيئة الداخلية و الخارجية النمط الأول، أطلق عليه Preservative Adaptation ،و فيه بحدت التغير في السياسة الخارجية استجابة لمتغيرات و متطلبات داخلية وخارجية معا. النمط الثاني، يحدت فيه التغير في السياسة الخارجية كنوع من الإذعان لمتغيرات البيئة الخارجية و لذا أطلق عليه روزنو التكيف الإذعانی Acquiescent Adaptation ثم هناك التغير في السياسة الخارجية الذي يحدث استجابة لمتغيرات و متطلبات ناعية من البيئة الداخلية Intrasigent Adaptation. وأخيرا، فيحات تكيف أو تغير في السياسة الخارجية دون أن يكون هناك تغيرات في البيتين الداخلية و الخارجية و لكن دبئی بمبادرة من صنعي القرار و بتشجيع منهم Promotive Adaptation ویری فروزنو أن السلوك الخارجي للدولة عادة ما يأخذ احد الأنماط الأربعة السابقة و التي لكل منها انعكاسات مختلفة على درجة الاستمرار و التغير في السياسة الخارجية (24)

ما يلاحظ على هذه الدراسات، أنها لم تركز على تغير السياسة الخارجية و إعادة هيكلة و توجيه السياسة الخارجية بالأساس، وإنما كانت بداية للدراسات الرئيسية التغير السياسة الخارجية و التي يبرز أهمها في على الرغم من الإهمال الواضح للبحوث و الدراسات حول تغيير السياسة الخارجية خلال حقبتي الستينات و السبعينات كما سبق ووضحنا ، إلا أنه مع بداية الثمانينات و التسعينات بدأت تغير السياسة الخارجية يبرز کمجال بحئی بدا يحظى بالاهتمام و ذلك نتيجة لتطوير العديد من المترین و الباحثين لنماذج نظرية خاصة بهم تهدف إلى تفسير تغییر و تحول السياسة الخارجية و يمكن إبراز هذه النماذج النظرية الأولى من خلال ما يلي

1 . 1. إسهامات كال هولستي في دراسة تفير السياسة الخارجية

تمثل إسهام كال هولستي في دراسة تغير السياسة الخارجية في عمله الموسوم ہے” لماذا تغير الدول تحالفاتها: إعادة هيكلة السياسة الخارجية في عالم ما بعد الحرب”، و الذي أكد من خلالها هولستي على أهمية الدراسة المتعمقة لموضوع التغير في السياسة الخارية، كما انه لم يهتم بمجرد التغيرات المحدودة التي تحدت “تكيفا” مع مستجدات البيئة الداخلية أو الخارجية و التغيرات الحادثة فيها،و لكنه ميز بين هذه التغيرات العادية أو التدريجية من ناحية، و بين التغير الجاري أو الكلى في نمط السلوك الخارجي للدولة و تحالفاتها من ناحية أخرى (ثة فهولستى يتشبع نوع معين من تغير السياسة الخارجية – إعادة الهيكلة – “و التي تعطي التغيير الدرامی،و الشامل لنمط العلاقات الخارجية للدولة و هذا يختلف عن “تغير السياسة الخارجية العادي، الذي عادة ما يكون بطيء، تدريجي، بدلا من ذلك، إعادة الهيكلة “عادة ما تأخذ مكانها بسرعة أكبر، تعبر عن وجود نية التغيير جوهري، هو تغير غير تدريجي، وعادة ما ينطوي على ربط مقصود أو واعی لمختلف القطاعات “إعادة التوجيه Reorientation، وفقا لتعريفه، تشير إلى نية من صناع القرار في السياسة الخارجية لإعادة هيكلة سياسة دولتهم الخارجية (20)

قام هولستي يطرح تساؤل أساسي و هو: لماذا تحت إعادة هيكلة في السياسة الخارجية؟ و في محاولته للإجابة على هذا التساؤل حدد هولستي أربع أنماط أساسية للسياسة الخارجية و هي

نمط العزلة (Isolation): يتسم بمحدودية المشاركة الخارجية ، و رفض التغلغل الخارجي و تفادي الأرتباطات العسكرية و الديبلوماسية الخارجية نماط الإعتماد على الذات( Self – reliance ) يتسم بمحدودية المشاركة مع الاهتمام بتنويع تلك المشاركة وتفادي التغلغل الخارجي أو الدخول في ارتباطات خارجية تعظم من هذا التغلغل نمط الاعتماد ( Dependence) يتم بارتفاع مستوى المشاركة الخارجية، مع تركيز تلك المشاركة مع قوة خارجية رئيسية، و الاعتماد على مصادر الدعم الخارجي و من ثم يزداد مستوى التغلغل الخارجي، والذي يتخذ شكل التحالفات العسكرية (27) نمط عدم الانحياز التنويع (Non – alignment – diversification يتميز بارتفاع مستوى المشاركة الخارجية و لكن مع تنويع الشركاء الخارجيين، وتفادي الدخول في تحالفات عسكرية مع قوى خارجية کبری۔

وقد بني هولستي هذه الأنماط الأربعة على أساس مجموعة من المعايير هي: 1) مستوى مشاركة الدولة في العلاقات الدولية 2) اتجاه مشاركة الدولة في العلاقات الدولية التنويع المشاركة أو تركيزها)، 3) مدي قبول الدولة التغلغل القوى الخارجية 4) نمط الالتزامات العسكرية و الدبلوماسية (23) باستخدام هذه الأنواع الأربعة للسياسة الخارجية، أسس Holsti نوع محتمل من إعادة هيكلة السياسة الخارجية، و الدول تتنقل من نمط أخر من بين الأنماط الأربعة المحددة سلفا، كما قام بوضع إطار نظري لتفسير هذا التحول يركز على دور العوامل الخارجية، والعوامل الداخلية ، و الخلفية التاريخية، والعوامل الثقافية و العوامل الخاصة بعملية صنع القرار

وقد خلص هولستي إلى مجموعة من النتائج أبرزها أن إعادة هيكلة السياسة الخارجية هو تطور أكتر نيوعا و انتشارا بين الدول الصغيرة و النامية، و أن الدول المتقمة أكثر استقرارا في سياستها الخارجية. ويرجع ذلك إلى أنه في حالة الدول النامية تزداد درجة الاعتماد و الإحساس بالضعف و التدخل الخارجي في شؤونها، كما انه من السهل التتير و الضغط عليها خاصة اقتصاديا و هو ما يجعل هذه الدول أكثر قابلية و ميلا لإعادة هيكلة سياستها الخارجية و قد تكون إعادة الهيكلة محاولة من جانبها التأكيد استقلالها و سيطرتها على مقاليد الأمور خاصة في مرطة التحول التي تمر بها و التخلص من بقايا الاستعمار و ذلك في مواجهة الضغوط المفروضة عليها. أما الدول الكبرى فان تكلفة إعادة هيكلة سياستها الخارجية عادة ما تكون مرتفعة جدا، ولذا فإنها غالبا ما تميل إلى الاستمرار فيها.كما لاحظ هولستي انه في حالة قيام دولة صغيرة غير محورية في النظام الدولي بإعادة هيكلة سياستها الخارجية، و بحيت لا تشكل إعادة الهيكلة هذه تهديدا الأمن الدول الكبرى في النظام ،قانه غالبا ما تكلل محاولتها بالنجاح و لا تثير درجة من الصراع أو العنف. أما إذا منت عملية إعادة الهيكلة المصالح الإستراتيجية للدول الكبرى فإنها غالبا ما تتير توترات دولية و ردود فعل تتضمن درجات عالية من العنف و القاب و محاولة إثنائها عن إحداث مثل هذا التعيير (22)

2 . 1 إسهامات كييل جولدمان في دراسة تحول السياسة الخارجية

تاتی عمل سنشير إليه هو عمل كييل جولدمان ( Kjell Goldmann) تحت عنوان ” التغيير والاستقرار في السياسة الخارجية المشاكل وإمكانيات الأنفراج” انطلق غولدمان من فكرة أن الدول تواجه ضغوط لتغيير سياسات الماضي (نتيجة للظروف المتغيرة في البيئة، والتعلم، و التغييرات السياسية المحلية التي تلنج قادة جدد بافكار جديدة)، ولكن لا يزال هناك اتجاها قوي يدعو للتمسك پسياسات الماضي فحسبه القضية لم تحسم بعد في نظرية السياسة الخارجية، لهذا تساءل حول “ما العوامل التي تحدد ما إذا كان، و متى وإلى أي مدى الضغط من أجل التغيير في السياسة الخارجية سيحدث في الواقع تغييرا ” (30)

وقد رأی غولدمان أن التغير في السياسة الخارجية للدولة يلي نتيجة لئلات عوامل رئيسية و هي التغير في البيئة المحيطة، و التغذية العكسية السلبية، و تغير صانع القرار و إحلاله بأخر ذو أفكار و معتقدات جديدة، إلا أن غولدمان رأى أن هذه العوامل ليس لها تیر حتمی او ضروري فهي قد تؤدي إلى تغير السياسة الخارجية و قد لا تؤدي إلى حدوث مثل هذا التغيير فالتغيير في البيئة المحيطة ، و التغذية العكسية السلبية قد يشكلان ضغطا على الدولة ن اجل تغير سياستها إلا أن الدولة قد تجد أن عليها الالتزام بسياستها المتبعة و يكون هنالك ميلا للاستمرار فيها. كما أن وصول أشخاص توي آراء و اتجاهات مختلفة إلى السلطة قد لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة الهيكلة حيث يصبح هؤلاء أسرى للسياسات المتبعة و التي لا يمكن التنصل منها

فهناك عوامل تدفع إلى الاستمرار في السياسة الخارجية المتبعة و التقليل من اثر العوامل التي تدفع إلى التغيير فيها، أو إلغائه و الحيلولة دون استجابة الدولة إليها، و قد أطلق عليها غولدمان (المثبتات Stabilizers) . وقد ركز على هذه العوامل التي تقع إلى الاستمرار في السياسة الخارجية و استقرارها حيت الصلب اهتمامه الأساسي حول كيف يمكن السياسة ما أن تستمر حتى مع وجود عوامل تدفع إلى تغييرها. فقام غولدمان بوضع إطار نظری حدد فيه أربعة عشر ما وضعها في أربع مجموعات أساسية من العوامل التي تؤدي إلى استمرار السياسة الخارجية و هي العوامل الإدارية و العوامل السياسية، و العوامل الإدراكية والعوامل الدولية و قد أسهب غولدمان في تناول هذه العوامل و دورها في استمرار السياسة الخارجية واستقرارها ومواجهة أثر العوامل التي تقع إلى التغيير (اد

يبحت غولدمان على وجه التحديد حول كيف يتفاعل “الموازنين أو المتيتين stabilizer” مع مصادر تغيير السياسة الخارجية وعملية صنع القرار، حيت يتيز “مصر تغيير تلك الحدث الذي يميل لبدء عملية تغيير السياسة، بينما يمثل الموازن أو المثبت عامل أو متغیز یر احتمال بأن مثل هذا الحدث سيحدد عملية التغيير في الحركة و / أو في المدى الذي ستنتهى إليه عملية التغيير وتنتج تغييرا في السياسة

في حين يعترف جولدمان بان هناك قيود على اختيار جميع المتغيرات الواردة في مخططه، إلا أنه يعرضهم بمثابة الأساس الذي يمكن لأخرين بقاء نظرية على أساسه کالم غولدمان بتطبيق هذا الإطار النظري على الوفاق الأمريكي السوفياتي خلال حقبة السبعينات. وقد رأی غولدمان أن إطاره النظري ذو أهمية بالغة بالنسبة للسلم و الأمن الدوليين. فقد رأی غولدمان أنه يمكن تحسين العلاقات العدائية بين دولتين و ذلك بالقليل من اثر العوامل التي تؤدي إلى استمرار السياسات العدائية بينها، وعند حدوث ذلك يكون الهدف هو الحفاظ على استقرار السياسة الجديدة القائمة على الصداقة والتفاهم (32)

إلا أنه من الواضح محدودية إسهام غولدمان بالنية لدراسة إعادة هيكلة السياسة الخارجية و ذلك من زاويتين: أولهما، أن إهتمامه الأصيل ليس هو التغيير في السياسة الخارجية بقدر ما هو الاستقرار و الاستمرار فيها و العوامل التي تدفعه إلى ذلك قدراسته في دراسة في استمرار السياسة الخارجية و استقرارها أكتر منها في تغيرها، تناوله للعوامل التي تنفع للتغيير جاء بهدف التعرف على كيفية مواجهتها بالعوامل التي تدفع إلى الاستقرار Stabilizers لكي يمكن التقليل من أثرها أو إلغاؤه كلية.

وثانيهما، أن تناول غولدمان للتغيير في السياسة الخارجية اقتصر على مجرد الإشارة إلى العوامل التي تدفع إلى ذلك دون تفصيل لهذه العوامل و كيف تؤدي إلى إحداث التغيير في السياسة الخارجية، كذلك دون التعرض لمفهوم التغيير فهو لم يميز بين التغيير العادي و التغيير الجذري في السياسة الخارجية و عن أي منهما يتحدت 3 . 1 إسهامات تشارلز هيرمان في دراسة تحول السياسة الخارجية

مع بداية التسعينات جاءت إضافة تشارلز هيرمان (Charles Hermann) في مقاله الموسوم با تغيير الاتجاه عندما تختار الحكومات إعادة توجيه سياستها الخارجية”. وقد رأى أن التغيرات الجذرية التي تحدث في السياسة الخارجية للدولة لها أهميتها الخاصة لما تفرضه من ضغوط على الحكومة ، و لما لها من آثار محتملة على الدول الأخرى. و لقد میز هیرمان بين التغيير التي يحدث نتيجة تغير النظام القائم و تولي حكومة جديدة ذات رؤى و إدراكات مختلفة للبيئة المحيطة و لأولويات السياسة الخارجية السلطة من ناحية، والتغيير الحادت نتيجة قيام الحكومة الموجودة بالمبادرة بإحداث تغييرات جذرية و تغيير مسار سياستها الخارجية و هو ما أطلق عليه التغيير الذاتي التصحيحي

Self – Correcting Change. وفي هذا الإطار طرح التساؤل عن الظروف التي في ظلها تدرك حكومة ما أن توجهها في سياستها الخارجية غير ملائم أو لم يعد ملائما و أن عليها تغييره بعبارة أخرى، في ظل أي ظروف تقوم الحكومة يتصحيح مارها و توجهها الخارجي (د3) |

حدد هيرمان أربع مستويات متدرجة التغيير في السياسة الخارجية و تتمثل في . التغيرات التكيفية (Adjustment Changes) : التغيرات في البرنامج (Program Changes) : التغيرات في الأهداف (Goal Changes) | : التغيرات في التوجه الدولى (International Orientation Changes)

و يعتبر هيرمان أن الشكل الأول من الغير لا يعد تغيرا في السياسة ، و أن الأشكال الثلاثة الأخرى هي التي يمكن أن تصنف في إطار التغير في السياسة الخارجية كما أن الشكل الرابع من أشكال التغير في السياسة الخارجية نادر الحدوث، فمعظم أشكال التغير في السياسة الخارجية تحدت في إطار الشكل الثاني و الشكل التالت

وفي محاولة للتعرف على الظروف التي يتم في ظلها مثل هذا التغيير الجوهري اقترح هيرمان أربع مصادر أو عوامل أساسية تؤدي إلى التغيير في السياسة الخارجية 1 مبادرة القيادة: ويكون هذا عادة في النظم التأطية حيث يمتلك القائد السياسي القدرة على الإقناع و

السلطة التي تمكنه من إحداث التغير دون وجود قيود داخلية كبيرة تحول بينه و بين هذا التغيير (34) 2، تأييد الجهاز الحكومي فقد يكون هناك مجموعة داخل جهاز أو عدد من الأجهزن(وزارة الخارجية

مؤسسات الأمن القومي و المخابرات ..) تؤيد التغير في السياسة الخارجية و تضغط لإحداته (35) | في إعادة الهيكلة الداخلية فكل سياسة خارجية عادة ما يكون لها مؤيدون في الداخل نور قوة و تتیر

يعطون شرعية لهذه السياسة يتأييدهم، ومن ثم فان تغير موقف هؤلاء المؤيدين أو ضعفهم في مواجهة خصومهم أو تغير علاقتهم بالنظام نفسه قد يؤدي إلى تغير السياسة التي يتبعها النظام (36) 4 الصدمات الخارجية غالبا ما يتى التغير في السياسة الخارجية نتيجة إدراك الحكومة القائمة لوجود تغيرات في البيئة الخارجية ، و عادة ما تكون أحداث كبرى يصعب تجاهلها و بالتالي يكون على الدولة أن تغير من سياستها التي تنتهجها استجابة للوضع الجديد الذي تفرزه تلك التغيرات الخارجية

وقد رای هیرمان أن هناك تفاعلا بين العوامل السابقة بحيث يحفز إحداها الأخرى قد تؤدي صدمة خارجية مثلا إلى مبادرة القيادة بإحداث تغيير في السياسة الخارجية

جوهر نموذج هيرمان هو عملية صنع القرار باعتبارها متغير وسيط بين وكلاء افواعل تغيير السياسة الخارجية و المستويات الأربع المتدرجة للتغيير، حيث رأى أنها تتوسط العوامل التي تؤدي إلى حدوث تغيير من عدمه، كما أنها تؤثر على درجة التغيير التي قد تحدث تغيير في البرنامج أم في الأهداف أم في التوجه الدولي ككل). وبالتالي، فان عملية صنع القرار يمكن أن تيسر أو تعرقل التغيير في أي مرحلة من مراحل عملية صنع القرار الخاص بالتغيير ثالثا – تحو نموذج جديد لدراسة تحول السياسة الخارجية:

في نقطة سابقة شرحنا ، انه قد تم بناء نماذج نظرية مختلفة من قبل العديد من الباحثين (مثل: غولدمان( 1982)، هولستي (1982)، هالينبرغ (1984)، هیزمان (1990)، کارلسنس (1992)&(1993)، روزائی وآخرون (1994)، جيان (1996)، اولدفيلد

(1998)، الامان (1999)، غرست السن (1998&1999)،كليستراع مایر (2001). ومع ذلك، فإن كل من هذه النماذج إما يتجاهل أو لا يتعامل بشكل كاف مع عوامل معينة ، مما يجعلها غير كافية لتقسيز تغيير السياسة الخارجية بالكامل (37)

إذن، نظرا لعدم وجود نظريات عامة و متوسطة المدى لدراسة تقسيز تغيير السياسة الخارجية ، فقد نجا الدارسون إلى طريقتين أولا، الاستعانة بالأنتقالية التحليلية” “Analytical Eclecticism ” التي جاء بها كاتزنستاین وسيل ( & Rudra S1 ,Peter J . Katzenstein ) في مقالهما الموسوم به الانتقالية التحليلية في دراسة السياسة العالمية نحو إعادة صياغة المشكلات والآليات عبر مختلف التقاليد البحثية” (32) تطبيق الانتقائية التحليلية في تفسير أو دراسة تغير السياسة الخارجية يأخذ في الحسبان أن كل نظريات العلاقات الدولية ، وكل تمازج ونظريات تحليل السياسة تتضمن “نقاط عمياء”Blind Spots” الخاصة بها ، من حيث أنها تميز مجموعة معينة من المشكلات وتعطي الأولوية لبعض المتغيرات ، في حين تتجاهل متغيرات أخرى ذات صلة محتملة نتيجة لذلك، لا يمكن لأي نظرية واحدة التعامل مع التعقيد الذي عادة ما يواجهه صناع القرار في السياسة الخارجية لذلك، يخلص التحليل الانتقائي إلى أن التحليل الكافي الظواهر شديدة التعقيد ، مثل تغيير السياسة الخارية، يتطلب آليات ومقاهيم تقسيزية من تقاليد نظرية مختلفة يتم دمجهم بوعي بطريقة براغماتية لحل المشكلات (22) ثانيا، من خلال تضمين جميع العوامل التي يمكن تؤثر على قرار الحكومة يتغير سياستها الخارجية ضمن نموذج نظري واحد. ويمكن أن نلاحظ بان خواكيم إيدنفالك Joakim Eidenfalk .قد لجأ إلى هذا النموذج في دراسة الموسومة ب:”Towards a New Model of Foreign Policy Change“، حيث قام يدمج جميع العوامل التي يمكن أن تؤثر على قرار الحكومة يتغير سياستها الخارجية ومافي نموذج تقري يمكن استخدامه لتقشير تغيير السياسة الخارجية يقدم هذا النموذج عوامل لم يتم تضمينها سايا في النماذج السابقة، مثل وسائل الإعلام والرأي العام والعوامل العالمية والإقليمية ويأخذ في الاعتبار قدرة القائد على إنشاء “نافذة فرص Window of Opportunity ” ، فبينما افترضت النماذج السابقة أن التغير في السياسة الخارجية يبدأ في تغيير هيكلي أو بنيوي داخل مصادر التغيير سرف يجادل هذا النموذج بأن التغيير يمكن أن يبدأ في المتغير الوسيط ، مع صانع قرار رئيسي يبدا التغير من خلال محاولة التأثير في مصادر التخيير ، مما يخلق فرصة تؤدي إلى تغيير في السياسة الخارجية (40)

يتضمن هذا النموذج أيضا تصنيقا معدلا لأنماط التغييز و التي أطلق عليه” مدى التغيير The Etent of Change، الذي ينظر إلى التغيير بطريقة جديدة بالنظر إلى نطاق (Scope) ومجال (Domain) وتاتير التغيير ( Effect of Change )، وبالتالي قياس مدى التغيير. كما أنه النموذج الأول حتى الآن الذي يبحت في عواقب أو نتائج التغيير The Consequences of Change، وبالتالي تقييم تاتير تغيير السياسة الخارجية بعد فترة معينة من الزمن، وليس فقط النظر في الوقت الذي يتم فيه تغيير السياسة

من المهم الإشارة إلى أن هذا النموذج مصمم لدراسة تغيير السياسة الخارجية في الديمقراطيات البرلمانية والرئاسية لانه يعتقد أنه يوفر ثراء تفسيري لحالات التغيير في هذه البلدان، إلا أن ما هر ملاحظه ، أنه قد يكون قادة التطبيق على أنواع الأنظمة الأخرى، على سبيل المثال، قد ينظر إلى الرأي العام على أنه غير مؤثر في نظام استبدادي ، ومع ذلك، يمكن أن يكون الضغط من الجمهور كبيرة بما يكفي لجعل الزعيم يفكر في تغيير السياسة الخارجية، من أجل الحفاظ على قبضته على السلطة كذلك، يمكن أن تشمل مجموعة المصالح، على سبيل المثال، الجيش، الذي قد يكون له تأثير كبير في الديكتاتورية (41)

تجدر الإشارة إلى أن هذا النموذج مستوحى من النماذج الخاصة ب: هيرمان، غوستافسون و کليسترا & مابین ويتضمن خمس (05) خطوات أساسية

أولا: تحدد الخطوة الأولى مصادر التغيير ؛ ثانيا: مصادر التغيير يجب أن تمر عبر هذه الخطر” نافذة القرص” ، حتى يكون لها تأثير على عملية صنع القرار الإحداث تغيير في السياسة الخارجية الفاعل الرئيسي في هذه الخطوة هم صناع القرار الرئيسيين وتصوراتهم؛ ثالثا: عملية اتخاذ القرار، في هذه الخطوة تتفاعل مصادر التغيير مع صانعي القرار الرئيسيين، من أجل إحدات تغيير في السياسة الخارجية؛ رابعا: في هذه الخطوة يتم تحديد مدى التغيير الذي حث؛ خامسا: في هذه الخطوة يتم تحديد ردود الفعل و تقييم عواقب التغيير التغذية العكسية على مصادر التغيير كما يجوز للحكومة تثبيت السياسة الجديدة أو يمكن أن تدخل في جولة جديدة من أجل تغيير السياسة الخارجية (43) |

عموما، يمكن اختصار نموذج تخيير السياسة الخارجية التي تم تقديمه أعلاه في الشكل التالي

الخاتمة:

في نهاية هذه الورقة البحثية، توصلنا إلى أنه يمكن للمقاربات النظرية المختلفة في حقل السياسة الخارجية أن تزودنا بإستبصارات نظرية عديدة تفسر لنا لماذا؟ و كيف؟ ومتى تغير الدول سياستها الخارجية إلا أنه لا يمكن لأي مقاربة أن تقدم لنا شروحات شاملة بصورة منفردة عن ظاهرة التغير في السياسة الخارجية. وهذا راجع إلى انه باعتبار حقل السياسة الخارجية حقل فرعی من حقول العلاقات الدولية ، فانه يتقاسم هو الأخر مع حقل العلاقات الدولية نفس الإشكالات التي تعاني منها نظرية العلاقات الدولية و المتعلقة أساسا بعدم جدوى البحث عن نظرية عامة ، و هو ما اقتضى الانتقال إلى مستوى أخر من البحت مرتبط بنظريات “المدى المتوسط”، بالإضافة إلى ذلك فان الانتقائية التحليلية أو التحليل الانتقائي يقدم إضافة مهمة في هذا السياق، كونه يخلص إلى أن التحليل الكافي للظواهر شديدة التعقيد ، مثل تغيير السياسة الخارجية، يتطلب آليات ومفاهيم تفسيرية من تقاليد نظرية مختلفة يتم دمجهم بوعي بطريقة براغماتية لحل المشكلات.

الهوامش:

(01) Tomas Niklasson, Regime Stability and Foreign Policy Change Interaction between Domestic and Foreign Policy in Hungary 1956-1994, Lund: Studentlitteratur,2006,p.38.

Ibid, p.37. (02)

(03) زهر بوعمامة، أمن القارة الأوربية في السياسة الخارجية الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة (الجزائر، بيروت: الوسام العربي ، منشورات زين، 2011)، ص ص.36 (04) مينا إسحاق طانيوس بولس، التحول الديمقراطي لكوريا الجنوبية و أثره في تغير سياستها الخارجية تجاه كوريا الشمالية ، القاهرة: المكتب العربي للمعارف، 2014)، ص 42 (05) نفس المرجع اصل. 43 (06) نورهان السيد الشيخ، دور النخبة الحاكمة في إعادة هيكلة السياسة الخارجية دراسة الحالة الروسية (1985-1996) أطروحة دكتوراه، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2000، ص.27

(0) David B. Huxsoll, Regimes, institutions and foreign policy change, A Dissertation, West Virginia University: Faculty of the Louisiana State University and Agricultural and Mechanical College, May 2003, pp.20-21.

(08) مينا إسحاق طانيوس بولس، مرجع سابق، ص.4

(09) بهجت قرني، على الدين هامل، السياسات الخارجية العربية: تحدي العولمة، ترأحمد مختار الجمال القاهرة: المركز القومي للترجمة،2016)، ص.253

(10) Hermann, Charles F. Changing Course: When Government Choose to Redirect Foreign Policy, International Studies Quarterly, 34,(2/1990),p.5.

(11) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص.11. (12) روبرت غیلین، الحرب والتغيير في السياسة العالمية، تر: عمر سعيد الأيوبي (بيروت: دار الكتاب العربي ،2009)، ص 20 (13) نفس المرجع، ص.21 (14) نفس المرجع، ص 20

(15) David B. Huxsoll, Op.cit,p19.

(16) روبرت غيلين، مرجع سابق، ص 21. (17) نورهان اليد الشيخ، مرجع سابق، ص 12.

(18 David B. Huxsoll, Op.cit, p.20.

(19) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص 12. (20) روبرت غيلين، مرجع سابق، ص.22 (21) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص13۔ (22) روبرت غیلین، مرجع سابق، ص.23 (23) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص.14. (24) نفس المرجع، ص.15. (25) نفس المرجع، ص.16.

(26) David B. Huxsoll, Op.cit., p18. (27) K.F.Holsti, Restructuring Foreign Policy :A Neglect Phenomenon in Foreign Policy Theory, K.J. Holsti

et al., Why Nations Realign: Foreign Policy Restructuring in the Postwar World. London: George Allen & Unwin.1982.p106.

(28) محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية (القاهرة مكتبة النهضة المصرية، ط2، 1998)، ص.116. (29) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص.18.

(30) David B. Huxsoll, Op. Cit, p.22.

18 (31) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص (32) نفس المرجع، ص.19. (33) نفس المرجع ،ص 20 (34) نفس المرجع، ص.21. (35) مينا اسحق طانيوس بولس، مرجع سابق، ص. 49 (36) نورهان السيد الشيخ، مرجع سابق، ص.22.

(37) Joakim Eidenfalk, “Towards a new model of foreign policy change”, paper presented to the Australasian Political Studies Association conference University of Newcastle, 25-27 September 2006.p.1.

42

(38) محمد حمشي، الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية، مجلة سياسات عربية، العدد 28 سبتمبر 2017ء ص

(39) Jonas Schneider, The Change Toward Cooperation in the George W. Bush Administration’s Nuclear nonproliferation policy toward north korea, Frankfurt peter lang, 2010, pp.25-26. (40) Joakim Eidenfalk, Op.cit, pp.01-02. (41) Joakim Eidenfalk, A window of opportunity? Australian foreign policy change towards East Timor 1998-99 and Solomon Islands 2003,PHD thesis, University of Wollongong School of History and Politics Faculty of Arts, 2009, pp.36-33.

ملخص : ينتمي موضوع هذه الورقة البحثية إلى أدبيات حقل السياسة الخارجية التي تعالج أحد الإشكالات المركزية في هذا الحقل المعرفي و المتمثلة في إشكالية “تغير الساسة الخارجية” (FPC) ،حيث تسعى هذه الورقة للبحث في كيفية معالجة المقاربات النظرية المختلفة لموضوع تغير السياسة الخارجية.و تفترض بأنه نظراً لعدم وجود نظريات عامة و متوسطة المدى لدراسة تغيير السياسة الخارجية، فإن تفسير إعادة هيكلة السياسة الخارجية يمكن أن يستمد من مصدرين نظريين، نظريات العلاقات الدولية ونماذج تغيير السياسة الخارجية في مجال السياسة الخارجية و هو ما يعني أن دراسة تغير السياسات الخارجية يستلزم إستخدام ما أطلق عليه كاتزنستاين وسيل “الانتقائية التحليلية”.لكن ستسعى هذه الورقة البحثية لتسليط الضوء فقط على مختلف التصورات النظرية التي تنتمي لأدبيات السياسة الخارجية.لتخلص الورقة في الأخير،إلى أنه لا يمكن لأي نظرية واحدة التعامل مع التعقيد الذي عادة يواجهه صناع القرار في السياسة الخارجية،نتيجة لان كل مقاربة نظرية لديها “نقاط عمياء” خاصة بها من حيث أنها تميز مجموعة معينة من المشكلات وتعطي الأولوية لبعض المتغيرات ، على حساب متغيرات أخرى.نتيجة لذلك ،يخلص التحليل الانتقائي إلى أن التحليل الكافي للظواهر شديدة التعقيد ، مثل تغيير السياسة الخارجية ، يتطلب آليات ومفاهيم تفسيرية من تقاليد نظرية مختلفة يتم دمجهم بوعي بطريقة براغماتية

 

Print Friendly, PDF & Email