اتفقت الشركة الوطنية للمحروقات سوناطراك مع الشركات النفطية للدول المعنية بإنجاز مشروع أنبوب الغاز الجزائري النيجيري المار عبر النيجر، على تنظيم سلسلة زيارات ميدانية لإعادة بعث وتفعيل المشروع بالانطلاق في إعداد دراسة جدواه الاقتصادية وأبعاده التجارية.

تأتي مرحلة إطلاق المشاورات بين الدول المعنية بالمشروع بعد أن أكد الرئيس المدير العام لسوناطراك، توفيق حكار، مؤخرا، على انتهاء الدراسات التقنية الخاصة بمشروع خط أنبوب الغاز الجزائري – النيجيري لتموين أوروبا، حيث أشار إلى أن هناك دراسة جدوى تقنية حول منطقة عبور الأنابيب قد اكتملت وهي موجودة على مستوى شركات هذه البلدان.

كشفت مصدر مسؤول من قطاع الطاقة، في تصريح لـ”الخبر”، أن اتفاقا أبرم بين شركة سوناطراك ونظيرتها النيجيرية لتنظيم زيارات ميدانية بغية إعادة بعث مشروع أنبوب الغاز الرابط بين البلدين عبورا بالنيجر، مشيرا إلى أن المحادثات بين الشركتين ستخصص لدراسة الأبعاد التجارية للمشروع من خلال إعداد الجدوى الاقتصادية له.

وأشار المسؤول نفسه إلى أن المشاورات بين البلدان المعنية بإنجاز المشروع ستركز على دراسة جدوى المشروع من حيث الطلب على الغاز، مؤكدا أن تجسيده ميدانيا يتطلب دراسة جدوى اقتصادية حول الطلب والأسعار بالنظر إلى التكلفة الباهظة لهذا الاستثمار.

وقال المصدر نفسه إن نجاح مشروع أنبوب الغاز الذي تفوق قيمته الـ20 مليار دولار، يتوقف على الحصول على ضمانات لشراء الغاز المسوق عبر الأنبوب لسنوات طويلة تمتد بين 20 إلى 30 سنة. وأوضح المصدر ذاته أن الاختلافات التي يمكن أن تشوب المفاوضات التي تتعلق بتسويق الغاز الجزائر النيجيري عبر هذا الأنبوب، هي تلك المتعلقة بتسعيرة الغاز التي ستحدد باعتماد أسعار ثابتة أو المعمول بها في الأسواق الحرة.

في الإطار ذاته، أكد المسؤول نفسه أن تخلي بعض الدول الأوروبية عن العقود طويلة الأجل جعلها تخسر الكثير في صفقات شراء الغاز للسنة الماضية جراء تداعيات كورونا، خاصة بعد عودة انتعاش أسعار النفط في الأسواق الدولية.

كلفته الإجمالية ما بين 20 إلى 30 مليار دولار

وتأكد من خلال التصريحات والتحركات الثنائية على محور أبوجا الجزائر نية تفعيل مشروع أنبوب الغاز النيجيري الجزائري، لاسيما بعد الإعلان عن انتهاء الدراسات التقنية، لكن أيضا تفعيل النشاط الميداني، بما في ذلك البحث عن إشراك مجموعات دولية.

وبرزت أولى مؤشرات توجه أبوجا والجزائر لإعادة بعث المشروع الاستراتيجي نيغال منذ سنتين. ففي ديسمبر 2019، أعلن الرئيس النيجيري محمدو بوحاري، على هامش قمة منتدى الدول المصدرة للغاز بعاصمة غينيا الاستوائية، أن الحكومة الفدرالية النيجيرية ستشرع في إقامة أنبوب الغاز الرابط بين “أجاوكوتا وكادونا وكانو” المعروف اختصار بـ”أي أي كا”. هذا المشروع يفتح الباب لتجسيد مشروع أنبوب غاز غرب إفريقيا على امتداد 600 كلم، ويشكل المحطة الأولى لأنبوب الغاز العابر لنيجيريا “تي أن جي بي” التي يسمح بربط مناطق الشرق والغرب بالشمال .

وأكد الرئيس النيجيري أن المشروع يتيح توسيع شبكة أنابيب الغاز من الصحراء إلى الجزائر، وهي المرحلة التي تبقى مطروحة، حيث شدد على أن هناك وعيا بالعجز الطاقوي في البلدان النامية، لاسيما إفريقيا، حيث يواجه نحو 600 مليون شخص مشكل الوصول إلى الطاقة العصرية.

وجاء تصريح الرئيس النيجيري ليعيد بعث المشروع المتعثر الذي كان مدرجا في نطاق مشاريع “النيباد”، وقد سبق في 2017 أن أكدت نيجيريا على لسان المدير العام للشركة النيجيرية للبترول “أن أن بي سي”، مايكانتي بارو، التزام أبوجا بإقامة مشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والجزائر لتصدير الغاز إلى أوروبا، المعروف تحت تسمية نيغال.

وأشار المسؤول النيجيري إلى التزام أبوجا بالمشروع لدى استقباله لمنشقة برنامج “نيباد نيجيريا برانساس غلوريا أكوبندو”، حيث تم التأكيد على الالتزام على تجسيد المشروع المقدر تكلفته بـ 12 مليار دولار، معتبرا بأن المشروع يسير في الطريق السليم، وتوقع المسؤول النيجيري بأن المشروع سيكون عمليا في غضون 2020، مؤكدا بأن الحكومة النيجيرية الفدرالية رصدت 400 مليون دولار لإطلاقه، و450 مليون دولار جندت من 2014 على شكل سندات أورو، مذكرا بأن أنبوب غاز بسعة 48 بوصة بصدد الانجاز ويربط بين كالابار بولاية كروس رايفر بمحاذاة ولاية دلتا ليربط ولاية كانو شمال نيجيريا، كمقدمة لتجسيد المشروع الذي وإن تعثر يبقى قائما، وإن واجه إشكال تجنيد الموارد المالية الضرورية لتحقيقه.

وجاءت التصريحات النيجيرية لتبعد الجدل القائم على خلفية مساعي المغرب التوصل إلى اتفاق لإنجاز مشروع أنبوب غاز مواز، لكنه بطول أكبر حيت يمر عبر جل دول غرب إفريقيا، علما أن مشروع “نيغال” الذي اعتمد في إطار مبادرة نيباد بين الجزائر ونيجيريا، عرف أولى مبادراته مع اتفاقيات بين سوناطراك والشركة النيجيرية للبترول “أن أن بي سي”،

وباستثناء القرار النيجيري تخصيص غلاف مالي بـ 400 مليون دولار بداية السنة الحالية وإبداء بوركينافاسو ومالي نيتهما الانضمام إلى المشروع للاستفادة من الطاقة، علما أن مسار الأنبوب المعتمد يمتد من كالابار بنيجيريا باتجاه النيجر، ثم إلى الجزائر، حيث سيمر أساسا على حاسي الرمل، ليأخذ نفس مسار الأنبوب الجزائري الإسباني عبر بني صاف وألميريا الإسبانية.

وفي جوان 2020، أكدت فيمي أديسينا، مستشارة الرئيس النيجري محمدو بوحاري، على مباشرة الأشغال في الجزء النيجيري على مسار أجاوكوتا وكادونا وكانو الواقعة شمال البلاد بداية من 30 جانفي الجاري.

وقدر المشروع بـ2.8 مليار دولار، لنقل الغاز عبر نيجيريا من الجنوب إلى الشمال، ليتم في مستوى ثان توسيع الأنبوب إلى الجزائر عبر النيجر. وكان المشروع واجه العديد من العقبات، خاصة في شقه المالي، حيث قدرت تكلفته الإجمالية المحينة بنحو 30 مليار دولار.

وشهدت الأشهر الماضية تفاعلا جديدا، ففي نوفمبر 2020، بحث وزير الخارجية السابق صبري بوقدوم إحياء مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بين الجزائر وأبوجا مع نظيره النيجيري جيفري أونياما. وفي نهاية أوت الماضي، أكد وزير الطاقة محمد عرقاب رغبة الجانب الجزائري في رؤية نيجيريا تصادق على الاتفاق الحكومي المشترك المتعلق بمشروع خط أنبوب الغاز العابر للصحراء الموقع عام 2009 بأبوجا، موازاة مع زيارة وفد نيجيري للجزائر برئاسة مديرة المعهد الوطني للدراسات السياسية والإستراتيجية النيجيري، البروفيسور فونمي بارا مالام، وأخيرا إعلان الرئيس المدير العام لشركة “سوناطراك” الوطنية الجزائرية توفيق حكار، انتهاء الدراسات التقنية الخاصة بمشروع خط الغاز الجزائري النيجيري لتموين أوروبا.

ويبقى الشق المالي أهم عامل سيطرح، فالأنبوب الذي يمتد على طول 4300 كلم، أكبر جزء منه في الجزائر بـ 2310 كم، مقابل 1037 كم في نيجيريا، والباقي في النيجر، يراد من خلاله تموين السوق الأوروبي بنحو 30 مليار متر مكعب سنويا، وقدّرت قيمة المشروع الذي تمتلك سوناطراك فيه حصة 45% مقابل 45% للشركة البترولية النيجيرية، و10% لشركة النيجر، بحوالي 20 مليار دولار و30 مليار دولار بالقيمة التقديرية المحينة، وهو مشروع أبدت دول إفريقية اهتماما بشأنه، على غرار بوركينافاسو.

وإذا كان العامل المالي سيطرح، على غرار أيضا مساهمات شركات دولية وهيئات، إلا أن هنالك أجزاء من الأنبوب يفترض أنه تم أو سيتم على المدى المنظور إقامته بداية بالجزء الواقع في نيجيريا والجزء الجزائري، حيث تمتلك الجزائر شبكة أنابيب قابلة للاستغلال، مما يشكل عاملا داعما، إلى جانب المنشآت القاعدية المتوفرة.