تقارب متبادل: ما دلالات القمة الأوروبية مع دول غرب البلقان؟

اجتمع زعماء الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان (ألبانيا، والبوسنة والهرسك، والجبل الأسود، وكوسوفو، ومقدونيا الشمالية، وصربيا) يوم 6 ديسمبر الجاري في العاصمة الألبانية تيرانا، في قمة وصفها بعض المسؤولين الأوروبيين بأنها تاريخية؛ حيث تعد المرة الأولى التي تُعقد فيها مثل هذه القمة في دولة تقع في منطقة غرب البلقان؛ وذلك لمناقشة العديد من القضايا المشتركة، وخاصةً المتعلقة بكيفية تعزيز العلاقات بين تلك الدول، وتسريع عملية انضمام دول المنطقة إلى التكتل، خاصة مع استمرار الحرب الأوكرانية. وبالرغم مما تشهده منطقة البلقان من اضطرابات تجعل من عملية تكاملها وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي أمراً بعيد المنال، فإن دول المنطقة دائماً ما تعرب عن إحباطها من عملية الاندماج الطويلة؛ إذ إن بروكسل منحت كلاً من أوكرانيا ومولدوفا وضع المرشح بطريقة عاجلة، بينما تأخرت تلك الخطوة بالنسبة إليها لسنوات طويلة.

ملفات القمة

هيمنت على القمة الأوروبية مع دول غرب البلقان ملفات عديدة تقع في أولويات السياسة الخارجية للجانبين، ويمكن إيجاز أبرزها على النحو التالي:

1- انضمام دول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي: أكد الاتحاد الأوروبي التزامه الكامل والصريح بشأن ترحيبه وتشجيعه دول غرب البلقان من أجل الحصول على عضوية التكتل، ودعا إلى تسريع محادثات الانضمام مع من وصفهم بالطامحين الجادين إلى العضوية في أقرب فرصة ممكنة، خاصةً أنه سبق أن بدأ الاتحاد الأوروبي مفاوضات العضوية مع كل من ألبانيا ومقدونيا الشمالية في الصيف الماضي؛ وذلك بعد سنوات من التأخير، كما اقتربت البوسنة قليلاً من الانخراط في المفاوضات، عندما نصحت المفوضية الأوروبية الدول الأعضاء في أكتوبر الماضي بمنحها وضع المرشح، على الرغم من استمرار الانتقادات للطريقة التي تُدار بها البلاد. هذا وقد بدأت كوسوفو خطوتها الأولى للانضمام، وقالت إنها ستتقدم بطلب للحصول على وضع مرشح في وقت لاحق من ديسمبر الجاري؛ لذلك حرص الاتحاد الأوروبي على عقد القمة الأخيرة لتهدئة وطمأنة زعماء دول هذه المنطقة من قلقها المستمر المتعلق بطول عملية اندماجها في التكتل.

2- التنسيق حول الحد من الهجرة غير الشرعية: ناقش القادة قضية الهجرة غير الشرعية، التي لا تزال مصدر قلق كبير للاتحاد الأوروبي في ضوء الارتفاع المستمر في عدد المهاجرين الذين يحاولون دخول دول التكتل بطرق غير قانونية عبر طريق غرب البلقان، ولا سيما عبر صربيا؛ حيث ارتفع عددهم إلى ما يقرب من 130 ألف شخص في الأشهر العشرة الأولى من 2022، وهو مستوى لم يشهده التكتل منذ عام 2015؛ وذلك بسبب عدة عوامل، منها الضغوط الاقتصادية، وانعدام الأمن الناتج عن الصراعات المستمرة في المنطقة؛ لذا قدمت المفوضية الأوروبية خطة عمل للاتحاد الأوروبي بشأن غرب البلقان، حددت من خلالها سلسلة من الإجراءات لتعزيز دعم الاتحاد للدول الأعضاء التي تواجه ضغوطاً متزايدة من الهجرة غير النظامية على طول طريق غرب البلقان.

وبموجب اتفاقيات مع الحكومات الإقليمية التي تسعى إلى الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، يخطط التكتل لنشر وكلائه الحدوديين في دول غرب البلقان، لتعد بذلك هذه المرة هي الأولى التي يتم فيها تعيين مسؤولي وكالة “فرونتكس” خارج نطاق ولايتها القضائية، بهدف دعم دور ضباط “فرونتكس” الذين يوجدون حالياً على طول حدود الاتحاد الأوروبي مع دول البلقان، خاصةً أن صربيا لم تقم حتى الآن بمواءمة سياسات التأشيرات الخاصة بها مع سياسات التكتل، وتسمح للمهاجرين من عدة دول بالدخول بدون تأشيرات، الذين يتدفق بعضهم من بوروندي وتونس والهند وكوبا وتركيا إلى الاتحاد الأوروبي بهذه الطريقة.

3- التعاون في مجال الاتصالات والأمن السيبراني: شهد القادة توقيع إعلان ممثلي مشغلي الاتصالات من الاتحاد الأوروبي وغرب البلقان بشأن أول تخفيض طوعي لرسوم التجوال بين المنطقة والاتحاد الأوروبي اعتباراً من أكتوبر 2023، في خطوة لمحوها تماماً في مرحلة لاحقة بحلول عام 2027، كما نادى الطرفان بضرورة تعزيز التعاون في مجال الأمن، لا سيما الأمن السيبراني لمواجهة الهجمات التي يتعرض لها دول الجانبين في هذا المجال؛ حيث كانت القمة فرصة لمناقشة وتعميق أطر تعاون الاتحاد الأوروبي مع المنطقة في إدارة ملف الأمن السيبراني، ليعزز بذلك التكتل الأوروبي أيضاً مساعداته لدول غرب البلقان بهدف تعزيز المرونة الإلكترونية في أعقاب سلسلة من الهجمات الإلكترونية الواسعة النطاق التي تتعرض لها المنطقة؛ وذلك من خلال برنامج جديد بقيمة 5 ملايين يورو، من المقرر أن يبدأ في مطلع عام 2023.

4- تعزيز التعاون في مجالات الطاقة المتجددة: أكد قادة الاتحاد الأوروبي ومنطقة غرب البلقان ضرورة التعاون المشترك بينهما للتعامل مع أزمة الطاقة التي نتجت عن الحرب في أوكرانيا؛ حيث أعلن قادة الاتحاد عن تقديم مليار يورو كدعم لقطاع الطاقة في منطقة غرب البلقان؛ منها 500 مليون يورو لدعم ميزانية هذا القطاع، والـ500 مليون يورو المتبقية سيتم توجيهها للبنية التحتية الخاصة بمشروعات الطاقة المتجددة والربط البيني، وهي تشمل حتى الآن ستة مشاربع مختلفة.

5- تطبيع العلاقات بين صربيا وكوسوفو: على هامش انعقاد القمة في تيرانا، صاغ الاتحاد الأوروبي اقتراحاً جديداً لتطبيع العلاقات بين صربيا وكوسوفو، مع جدول زمني واضح لإجراءات التطبيع، وقد أُرسلت هذه المسودة إلى الطرفين، ويتوقع الاتحاد أنها قد تؤدي إلى توصل الطرفين إلى اتفاق نهائي في أقل من عام، خاصةً أن بروكسل وضعت الاتفاق بين بلجراد وبريشتينا شرطاً مسبقاً رئيسياً لانضمام صربيا إلى الاتحاد الأوروبي؛ لذلك سيتم التركيز على مواصلة الدولتين لتحقيق تقدم لا رجوع فيه بشأن عملية التطبيع بينهما، وهو ما أكده زعيما البلدين – خلال قمة تيرانا – من أنهما ملتزمان بالحوار الذي يرعاه الاتحاد الأوروبي، وتدعمه الولايات المتحدة.

أبعاد حاضرة

تشير هذه القمة التاريخية التي عُقدت في زمان ومكان استثنائيين إلى مجموعة من الدلالات يمكن الوقوف عليها من أجل فهم طبيعة الدوافع التي حفزت الجانبين. ولعل أبرز هذه الدلالات ما يلي:

1- رغبة في توحيد الصفوف ضد موسكو: عُقدت القمة الأوروبية مع دول غرب البلقان في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بينهما في ظل التداعيات السلبية التي نتجت عن الحرب الأوكرانية؛ إذ يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تأمين ظهيره الجنوبي الشرقي لضمان الحفاظ على أمن أوروبا من هذه الجهة، فضلاً عن تأكيد أهمية مواءمة موقف التكتل مع دول غرب البلقان بشأن العقوبات المفروضة ضد روسيا.

كما شدد رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل على دعم بروكسل الكامل للمنطقة؛ حيث تؤثر الحرب على سلاسل الإمداد ومستويات الأسعار العالمية، وتحديداً أزمة أسعار الطاقة التي على إثرها خصص الاتحاد مليار يورو في شكل منح لغرب البلقان، على أمل أن تشجع هذه المساعدات على مضاعفة الاستثمار العام والخاص في المنطقة بقيمة 2.5 مليار يورو، خاصةً أن الحرب في أوكرانيا كشفت عن أهمية أن يعمل الاتحاد الأوروبي على تحقيق الاستقرار في هذه المنطقة الهشة لمواجهة النفوذ المتصاعد لروسيا والصين، اللتين استثمرتا بكثافة في البنية التحتية هناك.

2- قوة العلاقات الاقتصادية بين الجانبين: يعد الاتحاد الأوروبي الشريك الرئيسي لدول غرب البلقان خلال عام 2021؛ حيث يستحوذ الاتحاد على نحو 81% من جملة صادرات هذه الدول، وفي المقابل تمثل وارداتها من دول الاتحاد نحو 58% من جملة وارداتها خلال العام نفسه، الذي وصل فيه حجم التبادل التجاري بينهما إلى 65.1 مليار يورو، مقارنةً بنحو 31.8 مليار يورو عام 2011، بنسبة نمو وصلت إلى نحو 105%؛ الأمر الذي يؤكد متانة العلاقات التجارية بين الجانبين.

كما سبق أن أطلق الاتحاد الأوروبي خطة اقتصادية واستثمارية للمنطقة بقيمة 30 مليار يورو، تهدف إلى تعزيز التحول الأخضر والرقمي، خاصةً أن معظم الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تتدفق إلى دول غرب البلقان، باستثناء كوسوفو، تأتي من الاتحاد الأوروبي، وفي حال التقدم في مباحثات انضمام دول المنطقة إلى التكتل، قد يؤدي  ذلك إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر الأوروبي، الذي تسارع في التدفق إلى المنطقة منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي، حتى إن شركات الاتحاد الأوروبي تعتبر أيضاً من المستثمرين الرائدين في المنطقة؛ ففي عام 2018، شكلت شركات الاتحاد الأوروبي أكثر من 65% من الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، وتتوجه بشكل أساسي إلى القطاع المالي والاتصالات والطاقة وتجارة الجملة والتجزئة والبناء والعقارات والتصنيع.

3- السعي للإجماع على سياسة خارجية موحدة: في مقابل مؤشرات إحراز التقدم في محادثات الانضمام، يتوقع الاتحاد الأوروبي أن تحقق القمة تضامناً كاملاً مع شركائه في غرب البلقان، بحيث يريدهم أن يتماشوا تماماً مع السياسات الخارجية للتكتل، بيد أن هذه النقطة قد تشكل بالذات عقبة أمام صربيا، التي يدعي رئيسها ألكسندر فوتشيتش أنه يريد ضم صربيا إلى الاتحاد الأوروبي، لكنه في ذات الوقت يقيم علاقات جيدة مع روسيا. وعلى الرغم من أن ممثلي صربيا صوتوا لصالح العديد من قرارات الأمم المتحدة التي تدين التدخل الروسي في أوكرانيا، فإن فوتشيتش رفض إدانة موسكو صراحةً، كما لم تنضم بلاده إلى العقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا بسبب الحرب؛ وذلك نتيجة الإرث التاريخي المتعلق بقصف الناتو لصربيا قبل عقدين من الزمن لإجبارها على وقف حملتها المكافحة للتمرد في كوسوفو؛ الأمر الذي دفع بلجراد إلى تحقيق قدر من التوازن في علاقاتها الوثيقة تاريخياً مع موسكو وتطلعاتها للإندماج مع الغرب.

4- تطلع أوروبي إلى تسريع الإصلاحات بغرب البلقان: قد يعد احتمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حافزاً لدول غرب البلقان على المضي قدماً في إصلاحات نظمها الداخلية؛ حيث تمثل هذه الإصلاحات أساساً جوهرياً للمسار الأوروبي، ولكن الأهم من ذلك أنها ضرورية لتحسين آليات الحوكمة السياسية والاقتصادية، وسيادة القانون، وحرية وسائل الإعلام، وبيئة أعمال منظمات المجتمع المدني، باعتبارها مصلحة مشتركة لمواطني دول غرب البلقان والاتحاد الأوروبي؛ لذلك ستعمل دول الاتحاد على مساعدة دول المنطقة من أجل تعزيز الأطر التنفيذية لتلك الإصلاحات لتسريع وتيرة انضمامها إلى التكتل؛ حيث كانت المفوضية الأوروبية قد قدمت مقترحات لتعزيز عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في فبراير 2020، باعتبارها المنهجية الرئيسية التي تهدف إلى جعل عملية الانضمام أكثر مصداقية وقابلية للتنبؤ بها.

فرصة سانحة

وفي المجمل، تعد القمة الأوروبية مع دول غرب البلقان فرصة سانحة أمام الطرفين لحصد أكبر المكاسب الممكنة؛ إذ استغلها الأوروبيون في محاولة لمعالجة بعض الملفات المشتركة، مثل الهجرة غير الشرعية وتنويع مصادر الطاقة خاصةً المتجددة  – في ظل أولوية تلك الملفات في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، وفي المقابل استغلتها دول البلقان من أجل تسريع وتيرة الإجراءات المطلوبة لانضمامها إلى التكتل في أقرب وقت ممكن؛ وذلك في ضوء الفرصة السانحة التي منحتها لهم الحرب الأوكرانية لكي تصبح ورقة ضغط على التكتل الذي يسعى في الوقت ذاته إلى كسب هذه الدول إلى صفوفه ضد موسكو، ومن ثم قد تمهد القمة لعملية الدخول في مفاوضات جادة لضم الدول الست إلى الاتحاد الأوروبي، لا سيما أن القمة قد كشفت عن الحاجة المتبادلة التي تربط بين الجانبين في عدة مجالات، منها الطاقة والهجرة والأمن والاتصالات والتعليم والشباب.


Ahmed Adly – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

vote/تقييم

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى