أولاً. التحول الديمقراطي كأيديولوجيا للإصلاح السياسي
1. التحول الديمقراطي كإطار فكري للإصلاح السياسي
في العقد الأخير من القرنِ العشرينِ، انضمت أفريقيا إلى الموجةِ الثالثةِ من الديمقراطية. ومن مظاهر ذلك إفساح العديد من النظم العسكرية المجال أمام الحكوماتِ المدنيةِ، وتحول الكثير من النظم غير الحزبية ونظم الحزب الواحد إلى نظم تعددية سياسية تنافسيةِ. ومن هذا المنطلق فإن تناول موضوع الإصلاح السياسي إنما هو مجرد محاولة لتوضيح هذا الانتقال؛ من خلال تُقديّمُ وتقييم التحليلات والتفسيراتِ الرئيسةِ له؛ ويَفْحصُ تأثيراتها على الاختيارات والبدائل المطروحة على أجندة الحكوماتِ الأفريقية والسياساتِ التي اعتمدتها أو تنتوي اعتمادها. لاسيما أن الإصلاح السياسي في مفهومه العام والخاص يفترض فيه أن يدفع تلك الحكوماتَ لمزيد من الالتزام ولتكون أكثرَ مسؤولية، وهو الأمر الذي يتجاوز مجرد الإصلاح السياسي أيضا لخَلقَ الحوافزَ لهم لانتهاج العديد من السياساتِ في المجال الاقتصادي وغيره من المجالات.
2. التحول الديمقراطي بوصفه إطار حركي للإصلاح السياسي
على الرغم من أن مستقبلَ الديمقراطيةِ غير واضح في أفريقيا، إلا أن البعض يرى إمكان وجود قدر من التأثير الإيجابي لعملية التحول الديمقراطي. لاسيما فيما يتعلق بوَضْع العديد من القضايا والأفكارِ الجديدةِ على جداول الأعمال السياسية ذات الصلة بالشأن الأفريقي. ومنها وضع قدر من الحدود أمام الأنظمة الحاكمة الاستبدادية، وانصياع تلك الأنظمة إلى الاعتراف ولو نسبياً بأهمية الحريات المدنية والسياسية الأساسية وضرورتها، وتنامي الاهتمام بالشفافية والمسؤولية في اتخاذ القراراتِ والسياسات العامِّة.
من خلال التعامل مع تجربة التحول الديمقراطي يمكن التمييز بين ثلاثة مجموعات من الدول:
الأولى: أولئك الذين أحدثوا تغييراً ملموساً (نيجيريا، جنوب أفريقيا، غانا، السنغال، مالي، بنين، موريشيوس، بوتسوانا، ليسوتو، ناميبيا، ساوتومي، الرأس الأخضر). وتمثل هذه المجموعة ما نسبته حوالي 23% (تقديرات تقريبية عام 2004)
الثانية: تلك الدول التي تبنّت نمطاً ديمقراطياً شكلياًَ، لكنه بعيد عن المضمون الديمقراطي (زامبيا، إثيوبيا، إريتريا، ليبيريا، أوغندا، موريتانيا، موزمبيق، الجابون، الكاميرون، تشاد، غينيا، توجو، كينيا، النيجر، ساحل العاج، بوركينا فاسو، بوروندي، جزر القمر، جيبوتي، تنزانيا، غينيا بيساو، سيشل، جامبيا، الكونغو برازافيل، مدغشقر، ملاوي). وتمثل هذه المجموعة ما نسبته حوالي 44% (تقديرات تقريبية عام 2004)، ويلاحظ أن أغلب هذه الدول من أنظمةَ الحزبِ الواحد سابقاً، فهذه البلدانِ لَها رؤساؤها والنُخَبُ المساندةُ لها، والتي تَعلّمت كَيفَ تَستعمل اللغة والدعاية الرسمية حول اعتماد الديمقراطيةِ بدون الإيمان العميق بروحِها، لاسيما مبدأ تداول السلطة Alternance في أنظمة الحكم، وإصرارها على استمرار النظم الاستبدادية Autocratic Regimes على رأس تلك الدول، وهو ما يترتب عليه تنامي الجماعات الرافضة Rejectionist للاعتراف بحدوث أي تحول ديمقراطي.
وعلى الرغم من ذلك، ففي انتخاباتها الوطنية استطاعت أن تصمّم قضايا داخلية وخارجية سياسيةِ وأمنية واقتصادية واجتماعية لاكتساب الشرعية إلى جانبها، وهي وإن نجحت في كثير من الأحيان في الفوز بالانتخابات والمحافظة على البقاء والاستمرار، إلا أنها لم تنَجح في خَلْق التوازناتِ السياسيةِ ولا إحداث تغييرات جوهرية في هذه البلدانِ.
الثالثة: وتلك التي لم تمَر بأيّة محاولة ديمقراطية تذكر، حتى الانتخابات التنافسية ذاتها، كان من الصعب إجراؤها، أو الاعتداد بنتائجها إن جرت، نظراً للمخالفات الجسيمة المصاحبة لها، وللمعايير ذات الصلة بها، حتى يمكن احتسابها حرة وعادلة Free & Fair (السودان، الصومال، رواندا، زيمبابوي، سيراليون[1]، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، أنجولا، غينيا الاستوائية، جمهورية أفريقيا الوسطى، تشاد، سوازيلاند). وتمثل هذه المجموعة ما نسبته حوالي 33%. ( تقديرات تقريبية عام 2004).
وحتى يمكن تناول الإصلاح الديمقراطي، والتعويل عليه في مجمل عملية الإصلاح السياسي ومستقبله، فإن الأمر يتطلب الاهتمام والتركيز على العديد من العناصر ذات الصلة، ومنها تشجيع التعددية السياسية والحزبية، وترسيخ الانتخابات التنافسية، وتدعيم المعارضة السياسية، وتعزيز المشاركة السياسية، وتفعيل وترشيد أنماط السلوك والممارسات السياسية، واحترام الحقوق والحريات الإنسانية، وتحفيز الالتزام بأداء الواجبات، وتدعيم منظمات المجتمع المدني.
ونتيجة لما تقدم فقد برزت قضية الديمقراطية بوصفها محور أزمة التطور السياسي في إفريقيا منذ الاستقلال، بعد أن فشلت استراتيجيات التنمية التي اعتمدتها الحكومات التسلطية في تحقيق المهام السياسية التي حددتها, وبدلاً من الوصول بالمجتمع الأفريقي إلى حالة من الوحدة والتجانس، دفعت به إلى حالة الانقسام والتمايز الإثني/ العرقي, وبدلاً من تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية, عملت على نشر الفساد وعدم المساواة في المجتمع, وبدلا من تحقيق التنمية الاقتصادية عززت الكساد المادي والانحراف، وبدلاً من تأسيس أنظمة سياسية فعالة، خلقت توجهات انفصالية وانقلابات عسكرية وحروباً أهلية، ما أدى إلى بقاء المجتمعات والشعوب الأفريقية رهينة الأزمة الدائمة, والتي يعزى السبب في تكوينها والإبقاء عليها إلى غياب الديمقراطية, ذلك أن التحول الديمقراطي في إفريقيا، لا يعكس فقط الجوانب النظرية والأخلاقية التي تقف وراء البحث عن بديل للمأزق السلطوي القائم، وإنما يعكس كذلك المطالب الشعبية الملحة من أجل التغيير والإصلاح.
ثانياً. مجالات الإصلاح الديمقراطي
يرى البعض أنّ أنظمةَ أفريقيا الناشئة في الديمقراطية ليس من الضروري أن تُنجزُ معجزات اقتصادية. لكي تسير في طريق الديمقراطية، وإنما هي في حاجة لإنْجاز اليسير نسبياً: مثل ضمان حكم القانونِ، حِماية الحقوق والحريات الفردية، وأن تسيطرُ على الفسادِ وأن تجري الانتخابات بطريقة سليمة ونزيهة. وهو ما يندرج تحت ما يمكن تسميته بأن يكون هناك “حكم جيد”.
وفي هذا الشأن يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1. تشجيع التعددية السياسية وترسيخ الانتخابات التنافسية
أ. تشجيع التعددية السياسية والحزبية
من الضروري في إطار أية عملية حقيقية للإصلاح السياسي إفساح المجال أمام جميع القوى الوطنية، وكذلك أمام جميع المواطنين الراغبين في المشاركة السياسية، والعمل على ضمان مشاركتهم الفاعلة سواء على مستوى المؤسسات الحكومية أو غير الحكومية، حيث إن هؤلاء لا يقفون في طليعة المسيرة الديمقراطية فحسب، ولكنهم يشكلون العناصر الفاعلة في تدعيم استقلال المصالح الخاصة وحمايتها في مواجهة هيمنة الحكومات التسلطية. وينبغي مراعاة أن هذه الخطوة لن تتحقق بدون وجود التعددية السياسية والحزبية التي ستساعد جميع القوى الوطنية من المشاركة في العملية الديمقراطية.
ب. ترسيخ الانتخابات التنافسية
لقد شهدت سنوات التسعينيات من القرن الماضي، والعقد الأول من الألفية الجديدة، إجراء الانتخابات الديمقراطية التي يفترض فيها أن تتصف بالحرية والنزاهة، وتتنافس فيها الأحزاب السياسية المتعددة، ويلاحظ في هذا الشأن تزايد الاهتمام العالمي على المستويات النظرية والتطبيقية بمعايير هذه الانتخابات، التي ترى فيها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية أنها ضرورية وتطالب الدول الأفريقية بأن تتمسك بهذه المعايير، ولهذا تهتم وسائل الإعلام العالمية بنشر تقارير فرق المراقبين الذين يشاركون في العملية الانتخابية ويمثلون الدول الأوروبية والأمريكية والمنظمات الأخرى المتنوعة والمهتمة بأمور التحول الديمقراطي في أفريقيا.
وعلى الرغم من وجود الحكومات المدنية الاستبدادية ودولة الحزبَ الواحد/ الوحيدَ, وشخصنة السلطة Personalistic وكذلك الأنظمة الاستبدادية العسكرية السافرة في أفريقيا على مدار سنوات الستّينيات، والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. وعلى الرغم مِنْ أن الكثير من الدول في أفريقيا جنوب الصحراء الكُبرى انتهجت إجْراء انتخابات برلمانيةَ/ رئاسية منتظمةَ. إلا أن عدداً كبيراً من هذه الانتخابات كَانتْ مجرد إجراءات رسميةَ مجرّدة من المضمون، وصمّمَت بالأساس لإضفاء المشروعية على النظم الحاكمة، ولتَأكيد حق النُخَبِ في ممارسة سلطاتها داخل المؤسسات السياسية داخل الدول، ودون السماح أو التَشجيع لأيّ إجراء ملموس يتعلق بالمنافسةِ السياسيةِ.
    وعلى سبيل المثال، فإن “هاستنجز كاموزو باندا” حَكمَ ملاوي في مثال على دولة الحزب الواحد لسَنَواتِها الثلاثين الأولى (1964-1994)، ورغم ذلك فقد ظلت الانتخابات البرلمانيةَ تجرى بانتظام وبثبات في أنحاء البلاد كافة طوال هذه الفترة الزمنية. وبنفس الطريقة، فإن تنزانيا هي الأخرى وتحت زعامة الرّئيسِ الراحل جوليوس نيريريNyerere وخلال السنوات ما بين عامي 1964 وحتى عام 1985، أجريت فيها انتخابات الحزب الواحدَ بانتظام  كُلّ خمس سَنَواتِ منذ عام 1965 حَتَّى نهاية 1990. وقد كانت كل دورة من الانتخابات لا تختلف عن سابقتها، ولا يترتب عليها أي تغييرات ملموسة، وقد كان هذا هو شأن الانتخابات التي كانت تجرى في أفريقيا جميعها في ذلك الحين فهي بالأساس تعبر عن سياسة الدولة، وليس مسموحا فيها بالتنافس، وربما يكون الأمر قد تغير نسبيا منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، حيث أخذت العديد من الدول بالتعددية الحزبية، والانتخابات التنافسية، وإن ظل يعيقها مستوى الحرية ومداها الذي تجري فيه، ومدى النزاهة في إجرائها ومدى الصدقية في نتائجها.
إن أساس الاهتمام بالانتخابات التنافسية يكمن في أن الشرعية التي تترتب على الانتخابات الحرة/ النزيهة، وهي التي تؤسس شرعية النظام الأساس، وشرعية أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية الذين يشغلون مناصبهم طبقا للنتائج المعلنة، ولذلك ففي إطار الإصلاح السياسي والديمقراطي فإن العملية الانتخابية لا تقتصر فقط على صندوق الانتخابات وفرز الأصوات وإعلان النتائج، إنما تبدأ العملية الانتخابية من دفاتر تسجيل أسماء الناخبين، ومدى صدقها ونقائها، ويلي ذلك حق الراغبين في الترشيح في دخول المنافسة الانتخابية، وفي هذه المرحلة توجد قوانين تراقب الأموال التي تنفق في الانتخابات، وكذلك قدرات وإمكانات المرشحين في الحصول على فرص متساوية في الإعلام خاصة في الدول التي تمتلك وسائل الإعلام، ومدى الدور الذي تقوم به اللجان الانتخابية المستقلة وفرق المراقبين الأجانب الذين يشرفون على العملية الانتخابية، وضمان أن تجري بطريقة مناسبة وصحيحة.
2. تدعيم المعارضة السياسية
ليس بالإمكان تصور إصلاح سياسي جدي وفعال في غياب المعارضة، فهي ضرورية لترشيد الإصلاح، وتحصينه بالأفكار النيرة المستمدة من التجارب الموضوعية، فالمعارضة هي التي تحرر الإصلاح من مجرد المقولات والتوصيفات النظرية غير الواقعية، عبر أداء أفضل لقضايا الإصلاح السياسي، كما أنها مرشحة أكثر من غيرها لتعرية مظاهر الفساد المتفشية في الواقع الفعلي. إن مبادرة الإصلاح السياسي، لكي تكون قادرة على مواجهة المعضلات بكثير من الحزم، لابد من إيجاد توازن بين السلطة السياسية الحاكمة وبين المعارضة المناوئة لها، وهذا التوازن يتمثل في خضوع الطرفين للقانون والالتزام بأحكامه ومقتضياته فيما يخص النشاط السياسي بصورة عامة، وعلاقة الطرفين بعضهما ببعض، وإحلال منهج التعاون محل مظاهر التسلط. إن هناك ضرورة في استمرار المطالبة بترسيخ قيم الاختلاف المشروع والبناء، وهنا يمكن للمجالس التمثيلية والنقابات والجمعيات الأهلية والإعلام أن يسهموا في نشر ثقافة الحوار بين الأطراف المختلفة، ومنع تفشي التطرف والراديكالية والعنف حتى يظل الصراع السياسي يدور سلمياً.
إن وجود مصاعب وتحديات لا يصرف النظر عن ضرورة بل وحتمية الإصلاح السياسي، فالإصلاح مطلوب في الوقت الحالي، وعلى النظام الحاكم أن يشرع في هذا الإصلاح عبر القضاء على عوامل الضعف الظاهرة فيه، وعبر إصلاح آلياته الداخلية وعبر التخلي تدريجياً عن مظاهر النزوع نحو مركزية السلطة، أما المعارضة فعليها أن تلتفت إلى نفسها أولاً، لتصلح ما تعاني منه من تناقضات وإخفاقات، ثم تتوجه ثانياً إلى الدولة والمجتمع لتسهم بقدر المستطاع في إصلاحهما، ومن ثم فإن الطرفين السياسيين: السلطة والمعارضة، مطالبان بالإصلاح الذاتي، ثم التحرك معاً من أجل تحقيق الإصلاح بمفهومه العام.
3. تفعيل وتعزيز مبدأ تقاسم السلطة
في العديد مِنْ الدول الأفريقيةِ، واجهت الدول الليبرالية/ المانحة عقبات ربما تكون غير متوقّعة، فيما يتعلق بالواقع السياسي الأفريقيِ المحليِ، حبث كانت هناك الكثير من العقبات والقيود القويَّةَ التي تواجه عملية التحولات الديمقراطية، ومن ذلك أن النُخَبِ السياسيةِ ليست على استعداد Unpreparedness للعَيْش بالقواعدِ والنظم الديمقراطيةِ، والدليل على ذلك تصاعّدُ التَوَتّراتَ العرقيةَ قبل الانتخابات التنافسية, فضلاً عن وجود مجتمع مدني ضعيف، وعدم كفاية المعلومات وغيرها, هذا إلى جانب استشراء الركود الاقتصادي، وقبل كل شيء وجود بيئة سياسية تفتقد إلى الأمنِ، ودول تتنازعها المجموعات الإثنية/ العرقيةِ.
وأنه مع التسليم جدلاً بإمكان وجود ديمقراطية الأغلبية Majoritarian، إلا أن هذا لا يعني إمْكِانُ تجاوز المخَاطَر التي قد تتسبب فيها الأقليةِ، ولاسيما عندما يقع تجاوز معاييرِ الاعتدال وضبطِ النفس من جانب قوى الأغلبية. بمعنى أن أية مجموعة أقلية، عندما تكون غير قادرة على المُشَارَكَة في عمليةِ صنع السياسات Policymaking، يُمْكِنُها عملياً مَنْع نشاطاتِ اتخاذ القراراتِ. لكُلّ هذه الأسبابِ فقد حدثت العديد من التأثيرات والنتائج السلبية في محاولات تطبيق المعايير الديمقراطيةَ على الأداء السياسي، لذلك فإن بعض الزعماء رَفضوا الالتزام بالمعاييرِ الديمقراطيةِ وعَبّؤوا مؤيديهم للتَصَرُّف بعنف تجاه الأقلّياتِ في أوساطِهم. وهو ما يعنى بدوره التعامل مع سلوك سلبي من جانب الأقلية بسلوك أكثر سلبية من جانب الأغلبية، بسبب هؤلاء “الزعماء السيئين”، الذين مازالوا بعيدين عن ثقافة المشاركة السياسية وقواعد تقاسم السلطة عند أية مستويات لضمان بقاء عملية التحول الديمقراطي واستمرارها وتفعيلها.  
4. تفعيل وترشيد الممارسات السياسية
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن عملية إعادة تأسيس الدولة الأفريقية أو صنعها تدل على أن عملية التغيير والتحول السياسي في أفريقيا المعاصرة ما زالت محدودة بالمركز، وان عملية إعادة التأسيس تجري بالأنماط والإجراءات نفسها التي سبق أن فشلت في أفريقيا منذ الستينيات، ومن ثم فان إستراتيجية “القمة ـ القاع Top – Down” لا تستطيع تذليل المشكلات التي تعانى منها الدولة، وذلك لأنها غير قادرة على دمج السكان وتوحيدهم، أو وضع هياكل للعمل الجماعي، مقبولة من جميع القوى داخل المجتمع، لذلك فإن إعادة تأسيس الدولة الأفريقية، تتطلب حل هذه المشكلات إذا أرادت التعامل مع التنوع الإثني والديني، على مبدأ أنه يمكن للشعوب أن تحكم نفسها أفضل في ظل نظم فيدرالية ومشاركة، وتفعيل على مستوى جميع أجهزتها، وكذلك التأسيس لهياكل حقيقية وحيوية أو متطورة للحكم المحلى.
كذلك فان أفريقيا تعانى حالياً فترة من التحول نحو الإصلاح وإعادة التنظيم السريعة، وقد يكون توجهها هذا للأفضل أو للأسوأ، وعلي سبيل المثال فالمشكلات الاقتصادية خلال السبعينيات والثمانينيات قادت العديد من الدول الأفريقية إلى انتهاج سياسات اقتصادية على المستوى الكليMacro، وبرامج للتكيف الهيكلي، ومن ثم فان النتائج المترتبة على ذلك لم تقد إلى تغيير أو تحسين جوهري، وإنما اقتصر الأمر على مجرد إعادة صياغة مؤسسات واستراتيجيات الستينيات. ربما في أطر جديدة وتحت مسميات جديدة، ولكن جوهرها ومضمونها لا يختلف عن ما يجري الإعلان عنه وعن اعتماده في العقد الأول من الألفية الثالثة، ولذلك فإن هناك حالة من الإحباط واليأس تشيع بين المستويات المختلفة داخل الشعوب الأفريقية بأن أي حديث ذا معنى عن الممارسة والمشاركة السياسية والديمقراطية هو أمر مازال سابقاً لأوانه، لاسيما في ظل وجود هذا الكم الهائل من المشكلات والتحديات التي تواجه الدول الأفريقية.
وتأسيساً على ذلك فإن الحاجة تبدو شديدة لإعادة المراجعة الدقيقة والموضوعية لمثل تلك التجارب والممارسات لحالات الدول الأفريقية، وان تنبع الإرادة الحقيقية للتغيير والإصلاح السياسي من داخل تلك الدول ذاتها، وبما يتناسب مع قدراتها ومتطلباتها. ولا يمنع هذا بأية حال من الانفتاح على تجارب الدول الأخرى في العالم الخارجي، ومحاولة الاستفادة منها في وضع السياسات والبرامج والاستراتيجيات الإصلاحية المختلفة.
ومن ناحية أخرى فيبدو ضرورياً أن يكون هناك متابعة عادلة من جانب الجهات التمويلية الدولية، لإعادة التجديد ولإعادة التأسيس للأوضاع المختلة في الدول الأفريقية، وخصوصاً في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بحسبانها أدوات رئيسة لأية إصلاحات سياسية حقيقية.
ثالثاً. تقييم التجربة الديمقراطية الأفريقية
تعد عملية التحول عن نظم الحزب الواحد، والنظم العسكرية، نتيجة للاحتجاجات السياسية، والمطالبة بالأخذ بالإصلاحات الليبرالية، و السعي لإقامة انتخابات تنافسية، وهو ما ترتب عليه ـ غالباً ـ إقامة أنماط جديدة للحكم، إلا أن عملية الانتشار تلك يلاحظ عليها أنها لم تكن على وتيرة واحدة، وبنفس المدى في كل مكان، ومع ذلك فهذه الحركات والإجراءات المؤسسية كانت واضحة بدرجة ما في معظم الدول الأفريقية، ومن ثم فقد بلغت التحولات إلى أبعد مدى يمكن أن تصل إليه في واقع الحياة السياسية الأفريقية، بالمقارنة بما تحقق من تحولات سابقة في الفترة الممتدة منذ الاستقلال وحتى أوائل موجة تحولات تسعينيات القرن العشرين، والتي تصل إلى نحو ثلاثين عاما، وقد كان من المعتقد أن تجري عملية التحول لأنظمة الحكم في أفريقيا خلال السنوات اللاحقة بمعدلات كبيرة، في ظل الضغوط المتعددة والمتنوعة التي تتعرض لها دول القارة سواء من الخارج أو من الداخل المدعوم من الخارج أيضاً، إلا أن عملية التحول تلك واجهتها العديد من القيود والمعوقات، ومنها:
1. جدلية العلاقة بين الليبرالية السياسيِة والإصلاح الاقتصادي
إن العلاقة فيما بين الليبرالية السياسيِة والإصلاح الاقتصادي ارتبطت بالكثير من السجال والجدال حول أولوية أي منهما على الآخر، بمعنى أن الإشكال هنا يكمن فيما ينبغي البدء به، وقد تعددت التوجهات في هذا الشأن، ويمكن إجمالها في ثلاث مجموعات على النحو التالي:
 الأولى: ويرى الآخذون بها والمدافعون عنها ضرورة البدء بعملية الإصلاح الاقتصادي وإعطائها الأولوية، على افتراض مؤداه أن بناء الدولة اقتصادياً سيؤدي حتماً في المرحلة اللاحقة عليه إلى إعادة الاهتمام والبناء السياسي، ويكون التدليل على ذلك بتجارب الآخرين، ومنها التجربة الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فالجهود التي بذلت في ذلك الحين لم تتجه نحو إعادة البناء السياسي بقدر إعطاء الأولوية لإعادة الإعمار والبناء الاقتصادي، كما حدث في تجربة مجموعة الدول المسماة بالنمور الآسيوية.
ودعاة هذا الرأي يرون أن دولاً مثل تايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة ـ وقد كانت أنظمتها الحاكمة من قبل ذات طابع استبدادي ـ ما كان لها أن تنفتح وتصبح أنظمة ذات طابع ديمقراطي، إلا بعد أن انفتحت اقتصادياً بمعنى أن الانفتاح الاقتصادي يؤدي إلى الانفتاح الديمقراطي. وكذلك تجارب عدد من دول أمريكا اللاتينية، التي سارت في ذات الاتجاه الرامي لإعادة البناء الاقتصادي يجعله أولوية، على الرغم من وجود أنظمة استبدادية. وتأخذ معظم الدول الأفريقية بهذا التوجه، وترى فيه الأولوية التي ينبغي لأية جهود وطنية أو إقليمية أو دولية أن تتحرك باتجاهه وتعتقد في نجاعته.
الثانية: يرى الآخذون بها والمدافعون عنها ضرورة البدء بعملية الإصلاح السياسي وإعطائها الأولوية، على افتراض مؤداه أن بناء الدولة سياسياً سيؤدي حتماً في المرحلة اللاحقة عليه إلى إعادة الاهتمام والبناء الاقتصادي، ويشيرون في هذا الشأن إلى أن الفساد السياسي، الذي تعاني منه الدول الأفريقية ينبغي أن توضع له نهاية ابتداءً قبل أية محاولة لإعادة البناء الاقتصادي.
لذا، فقد كانت هذه الحكومات في موقف شديد الصعوبة ـ حتى في ظل أفضل المقاصد لها ـ لكي تبدأ عمليات تنمية وتغيير حقيقي في مستوى النمو الاقتصادي وبدرجة تمكنها من خلق فرص عمل، ورفع مستويات الدخول، ومنح مؤسسات الدولة مدخلات مالية تمكنها من زيادة قدرتها على الإنفاق على الرفاهة الاجتماعية. وإذا ساد هذا المناخ من النمو الاقتصادي، سوف يسهل إرساء حكم ديمقراطي.
ولكن الأمور ازدادت سوءاً، فعلى الرغم من البيئة العالمية غير المواتية، لم تتخذ نظم الحكم الجديدة أي خطوات إصلاحية جادة، لتغيير حالة عدم المبالاة التي تسيطر على الحكومة، والممارسات غير اللائقة التي تنال من صدقية النظم السلطوية. وقد تكون هذه من الخصائص المميزة لانطباع النخب الحاكمة عن سلطة الدولة، وأنها لابد وأن تستخدم لتحقيق مكاسب شخصية في المقام الأول، سواء كانت هذه المكاسب في صورة ثروة أو سلطة، أو مركز اجتماعي، أو نفوذ شخصي، بدلاً من استخدام السلطة في خدمة الصالح العام.
2. محدودية استجابة الأنظمة الحاكمة الأفريقية
إن الوقائع السياسية الرئيسة الحادثة والمتلاحقة في مجال التحول لأنظمة الحكم في أفريقيا، وإن قامت على أساس الاحتجاجات السياسية المتتابعة، والتي بلغت أوجها في عام 1991، وتلا ذلك الأخذ ببعض الإصلاحات الليبرالية منذ عام 1992 وظهرت نتيجة ذلك في تعاظم الأنشطة الانتخابية خلال عام 1993، وكذلك تزايد المؤشرات عن الأخذ بالديمقراطية في عام 1994، فإن تتابع الأحداث المرتبطة بتلك التحولات، برهنت بشدة على اتسام هذه العملية بالتسرع والتعجل، بمعنى أن تزايد الاحتجاجات الجماهيرية، وان كانت قد أسهمت إسهاماً مباشراً في التأثير على قرارات النخبة الحاكمة للأخذ بالإصلاح السياسي، إلا أن التوسع في معايير الإصلاح، ربما حازت التأثير المطلوب ومن ثم كانت التحولات الديمقراطية، وممارسات النظم الحاكمة في هذا الشأن شكلية، أكثر من كونها جوهرية، وكانت بمنزلة العمليات السياسية الطارئة.
ومن الضروري في هذا الشأن توضيح أن أية عملية تقييم لأداء نظام سياسي ما في أفريقيا تستلزم أساساً اقترانها بركيزتين: أولاهما. الركيزة الاقتصادية، وتتضمن كل ما يتعلق بالأصولَ الاقتصادية، والوظائف والخدمات الاجتماعية الأساسيةِ. وأخراهما. الركيزة السياسية، وتتضمن كل ما يتعلق بالسلامَ والاستقرار، والحريات المدنية، والحقّوق السياسية، والكرامة الإنسانية، والمساواة أمام القانونِ، والمشاهد في الحالات الأفريقية، أن التحسن الذي يمكن أن يطرأ على المستويين من الصعب تحقيقه، والشيء ذاته يذكر إذا ما جرى التركيز على إعطاء الأولوية لإحداث تحسن على المستوى السياسي، وعند هذا الحد تتضح ضرورة الانفتاح على تصورات واقعية إذا ما كانت هناك رغبة حقيقية في صنع تحول ديمقراطي فعلي.
في بعض الاستثناءات (بوتسوانا، موريشيوس، ناميبيا، وإلى حد ما في أوغندا وجنوب أفريقيا)، وتظل التنمية الاقتصادية ضعيفة في القارة . بالإضافة إلى أن تجديد النداء الديمقراطي الذي بدا واعداً في أوائل التسعينيات قد تراجع في العديد من الدول (زامبيا، زيمبابوي، كوت ديفوار). وأخيراً وربما الأكثر بروزا فقد انهار عدد من الدول وانخرطت في الحروب الأهلية (مثل ليبيريا، السودان، سيراليون، الصومال، رواندا) أو في حروب خارجية مع دول الجوار مثل إثيوبيا، اريتريا، والكونغو.
3. التعجل المرحلي في تطبيق التحولات الديمقراطية
إذا كانت التحولات الديمقراطية تمثل ضرورة عند البعض، وذلك من منظور أنه لا بأس من الاستفادة من تجارب الآخرين، طالما كان ذلك نابعاً من حرية الإرادة، وطالما كان جوهره التدبر والتبصر، ومحاولات جادة للارتقاء بالمصالح العليا للدول، ولا بأس كذلك من المبادرة بالتغيير تماشياً مع التطورات العالمية، طالما جاءت من الداخل وتوافر لها كامل الرغبة والحرية والمتطلبات المناسبة، وليس مجرد الاقتباس والتقليد ومحاولات استنساخ واستزراع تجارب تستعصي على العقول والقدرات، ولا تراعي مقتضيات الظروف والأحوال والمشكلات التي تواجه تلك الدول، وظلت لسنوات طويلة تعاني من ويلاتها.
لقد حدثت التحولات من جانب النظم الحاكمة الأفريقية بسرعة وبتعجل، ففي أقل من أربع سنوات مضت منذ بداية حركات الاحتجاجات السياسية في عام 1990، والتسابق محموم في تعديل الدساتير، وتأسيس الأحزاب، وإجراء الانتخابات التنافسية، وفى عام 1993، فقد أعلنت أكثر من 35 دولة أفريقية جنوب الصحراء عن إجراء العديد من التغييرات الرامية للتحول الديمقراطي، وبحلول ديسمبر 1994 أعلنت تلك الدول عن إتمامها لعملية تغير نظم حكمها، وبحيث بلغ متوسط الفترة الزمنية بين بداية التحول والوصول إلى منصب الحكومة الجديدة حوالي 35 شهرا ( وبلغت في ساحل العاج 9 شهور فقط ) وبالمقارنة مع التجارب المعاصرة، ومنها تجربة بولندا في أوروبا، والبرازيل في أمريكا اللاتينية، فان إضفاء الطابع الديمقراطي أخذ في التطور التدريجي في مثل تلك الدول، وعلى فترات لا تقل عن عقد من الزمان، ومن ثم فان تحولات نظم الحكم الأفريقية بدت محمومة ومتسرعة في الوقت الذي اقترنت عملية إضفاء الطابع الديمقراطي، بإضفاء الطابع المؤسسي لعمليات إقامة حكومات شعبية، وذلك في وقت قليل لا يتناسب مع عظم الإجراءات، ومتطلبات المؤسسات المراد ترسيخها في الدول الأفريقية.
ومن ثم فإن التحولات الديمقراطية المبتغاة والتي تكفل تداولاً سلمياً للسلطة وتمثيلاً صادقاً للإرادة الشعبية في دوائر صنع القرارات، ووجود آليات للمساءلة والمحاسبة، لا يمكن أن تأتي من فراغ، أو من تخبط عشوائي، أو من خلال مجرد التجريب وفقاً لقاعدة المحاولة والخطأ Tray & Error فقد ظلت تلك الدول طوال عدة عقود مضت منذ الاستقلال وهي تخضع لتلك القاعدة، وآن لها أن تستثمر محاولاتها الفاشلة وأخطاءها السابقة، وأن تكون لها رؤية إستراتيجية شاملة تستهدف من وراء إحداث تلك التحولات الديمقراطية المصالح العليا لها، ويشارك في وضعها وتنفيذها جميع المؤسسات والقوى والتنظيمات السياسية، وتحوز رضى القوى والقواعد الشعبية وقبولها، وتحدد غاياتها وأولوياتها وتوضحها، وفقاً لقدراتها وإمكاناتها الذاتية الحالية والمحتملة.
4. اختلال التحولات الديمقراطية
يشير البعض إلى أن إدعاءات الدول الأفريقية ومزاعمها بإحداث تحولات ديمقراطية فعلية، ينبغي أن يبرهن عليها باعتماد دستور يشارك في وضعه عناصر المجتمع كافة، وتوضيح العلاقة القائمة بين السلطات الثلاث مع ضرورة احترام استقلال كل منها، وزيادة مستويات المشاركة السياسية لجميع القوى الشعبية داخل الدولة، وتفعيل دور المرأة والأقليات إن وجدت، والسماح بالتعددية السياسية/ الحزبية التنافسية، وإجراء انتخابات حرة وعادلة إجراءً دورياً ومنظماً، وتشجيع التأسيس لمنظمات المجتمع المدني وتفعيل أدوارها، ومراعاة حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والثقافية…وغيرها، ومكافحة الفساد السياسي والإداري بهدف القضاء عليه، واحترام حرية وسائل الإعلام المتنوعة وتعزيزها وتمكينها من التعبير عن الآراء والمواقف ذات الصلة بالأهداف والمصالح العليا للدولة، وأن تسود الشفافية في التعامل بين جميع المؤسسات وداخلها وعلى مستوى جميع مراكز ودوائر اتخاذ القرارات والسياسات، وتحديد المسؤوليات والمحاسبة عن القيام بها وتحمل تبعاتها في جميع المستويات الوظيفية.
وأنه لتعزيز التحرك في عملية التحول على النحو السابق وتفعيلها، فإنه ينبغي بالتوازي مع ذلك ضرورة إنجاز مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية تتمثل في: التحول إلى نظام السوق (الخصخصة)، وعدم تدخل الدولة في فرض الأسعار وترك ذلك لقوى السوق (العرض والطلب)، ورفع معدلات أسعار الفائدة وخفض معدلات الضرائب بهدف تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وخفض الإنفاق الحكومي، ولاسيما الإنفاق العسكري، والأخذ بمبدأ حرية التجارة والتبادل التجاري التنافسي، ورفع أسعار المحروقات المستهلكة محلياً، ورفع الدعم عن السلع الأساسية.
ويتضح مما تقدم أن أجندة الأعمال والمطالبات بالنسبة للدول الأفريقية، على المستويين السياسي والاقتصادي، هي متعددة ومتنوعة الأشكال والجوانب، والمدافعين عن ذلك يرون أن هذا هو السبيل نحو إرساء التحولات الديمقراطية الحقيقية والتي تؤدي بدورها إلى ما يسمى بالحكم الصالح (الرشيد/ الجيد). والتساؤل الذي يظل يفرض نفسه في مثل هذه المناسبة، هل بإمكان الدول الأفريقية إنجاز ذلك؟ وإذا كانت غالبية الدول الأفريقية تعاني هذا الكم الكبير والمتنوع من المشكلات، فهل سيكون بمقدورها إحداث ولو الحد الأدنى من التحولات بطريقة منتظمة ومتوازنة؟
إن توجهات التحول لأنظمة الحكم في أفريقيا لم تكن خطية Liner، كما أن المؤسسات المسؤولة عن إحداث التحول كانت تعانى من الاختلال أو عدم التوازن، وربما يرجع ذلك إلى غلبة الطابع الشكلي، والمتسرع لعملية التحول تلك، بالإضافة إلى أن تدهور الحريات المدنية حتى بعد عام 1992، والذي أدى في مجمله إلى الإعاقة الحقيقية لليبرالية السياسية، لا يعكس فقط إعادة الانغلاق لبعض النظم الحاكمة السياسية في أفريقيا، بعد أن تعهدت بالانفتاح، ولكن يعكس أيضا العديد من الانتكاسات لحقوق الإنسان، في دول مثل: الصومال، ورواندا، وبوروندي، وغيرها، كما أن موجة التحكم تلك التي اجتاحت نظم الحكم في أفريقيا، والتي بلغت ذروتها خلال عام 1993، لم ينجم عنها سوى الظهور لديمقراطيات هشةFragile .
5. الوضع الراهن للتحولات الديمقراطية في أفريقيا
إذا كانت أفريقيا خالية في الوقت الراهن من الهيمنة الاستعمارية، ومن التفرقة العنصرية، والتمييز العنصري. لكن هناك مجموعة جديدة مِنْ التحديات التي يَجِبُ الاهتمام بها ومواجهتها مثل: الفقر، والايدزHIV، والنزاعات الإقليمية، والعولمة. وجميعها تَتطلّبُ استجابات جذريةُ وعاجلةُ. ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى بعض القضايا ذات الصلة كالتالي:
أ. القضايا الراهنة
(1) القضايا الداخلية للدول الأفريقية
على الرغم من أن قضايا الأمن بأبعاده ومجالاته المختلفة تعد من الأولويات المهمة لبدء أية عمليات تحول سياسي وديمقراطي، حيث لا يتوقع أو حتى يفترض التفكير في التحرك ببذل المساعي والجهود للتأسيس لمثل تلك العمليات، فيظل افتقاد النظام والقانون وفي ظل غياب الأمن والاستقرار، فالأمن يبدأ في هذا المجال من حماية الأيديولوجيا الليبرالية فكرة وحركة، وحماية معتنقيها، ومؤيديها، والعمليات والآليات والممارسات المرتبطة بها، ومن ثم فإن افتقاد هذا الأمن يعني انعدام الفرص الحقيقية التي تساعد على تأسيس الديمقراطية وتعزيزها وضمان استمرارها.
وإذا كان مفهوم الأمن وقضاياه والذي يمكن أن ينتج عنه الاستقرار هو مفهوم تتعدد أبعاده ومجالاته، فإن من أهم القضايا ذات الصلة، والتي تمثل الحدود الدنيا له تتركز فيما يلي:
(أ) قضية الأمن الإنساني (البيولوجي)
وتتمثل تلك القضية في الكيفية التي يمكن بها للأنظمة الحاكمة المتحولة ديمقراطياً، وفقاً لتصورات الدول الليبرالية والمنظمات الدولية المانحة، أداء دور ملموس فيما يتعلق بالقطاعات والمستويات الشعبية المختلفة وخصوصاً القاعدة الشعبية العريضة، داخل الدول الأفريقية، والتي ترتبط ببقاء العنصر البشري واستمراره، من خلال توفير الحاجات الإنسانية/ البيولوجية للمواطنين وإشباعها، ولعل هذا هو المحك، بل والتحدي الرئيس، الذي يواجه أي نظام حاكم يبحث عن الشرعية السياسية المفتقدة، وهو أيضاً الدليل المرشد لكيفية استعادتها، فغالب الشعوب في الدول الأفريقية والقواعد الشعبية خاصة التي تمثل الأغلبية الفعلية وتجسدها في تلك الدول، لا تعنيها السلطة ولا حتى الثروة، إذ هما بالنسبة للسواد الأعظم منهم مجرد أضغاث أحلام، وإنما يعنيهم بالدرجة الأساسية، وجود المشرب، والمأكل، والمسكن، والزواج بالطريقة الميسورة والمناسبة.
وإذا نجح أي نظام حاكم في التعامل مع تلك الحاجات الإنسانية وتحقيقها بشكل متناسب، ومتكامل لاستطاع أن ينجز أهم وظيفة في حياة الدولة تجاه مواطنيها، ولنجح في بث الثقة في نفوسهم، فضلاً عن قيم الولاء والانتماء، التي باتت معرضة للتآكل والانكماش المستمر. وهذا الأمر برمته يدخل ضمن القضية الرئيسة في تكوين الأنظمة السياسية المعاصرة، بل ويأتي على رأس متطلباتها وهي قضية المواطنة، أو ما يسمى بعملية إعادة بناء المواطن.
إن هذا التوجه العام يرتبط أيضاً بقضايا السلام والديمقراطية والتنمية في أفريقيا، حيث إنه من الصعب تلبية حاجات المواطنين الأساسية في دولة ما، في ظل شيوع الصراعات والحروب وحالات عدم الاستقرار والاستبداد، وإذا كان مشروع حقوق الإنسان وحرياته يواجه تحديا خاصا في سياق حالات حقوق الإنسان على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، لاسيما في المواقف الطارئة، وفى إطار السعي والنضال من أجل بناء المجتمعات وإعادة بناء الدول، فإن دور الدولة في حماية حقوق الإنسان على درجة كبيرة من الأهمية، لأن الدول لا يمكن لها على المدى الطويل الادعاء بأن الطريق الذي رسمته لمواطنيها هو دائما أمر داخلي، إن واجب الدولة في حماية حقوق مواطنيها وحرياتهم لا يدخل فقط ضمن اختصاصاتها دائماً، وإنما هو واجب مقرر على المجتمع الدولي بأسره، ومن ثم هناك رابطة أساسية بين حقوق الإنسان والسلم والأمن الدوليين.
(ب) قضية الأمن الاجتماعي
إن استقرار العلاقات الداخليةِ وحمايتها من التقلبات وفقاً لمعايير وأساليب وآليات لا تخل بتماسك العناصر المكونة للمجتمع داخل الدولة، والنجاح في بناء الدولة الأمة، أو ما يسمى بإحداث الاندماج الوطني/ القومي، والذي في ظله يعلو الانتماء والولاء الوطني/ القومي على ما عداه من ولاءات تحتية/ دونية، يعد أحد التحديات التي تواجه إرساء ديمقراطية حقيقية، ومن ثم فإن استمرار وجود المجتمعاتِ المنقسمة Divided Societies وافتقاد الثقة فيما بينها، وكذلك افتقاد التفاعلاتُ الإيجابية المؤثرة فيما بين تلك الجماعات واستمرارها سيؤثر بمرور الوقت على إمكان وجود الديمقراطيةُ الناجحُة. وإذا كانت التفرقة العنصريةِ في جنوب أفريقيا، قد مثلت تحدياً أمام جمهورية جنوب أفريقيا وتصنيفها لسنوات طويلة ذات ديمقراطية منقوصة أو معيبة، فإن عملية التغيير السياسي التي حدثت في البلاد في أوائل تسعينيات القرن الماضي، والتي من أبرز مظاهرها إلغاء قوانينِ التفرقة العنصريةِ الصارمةِ، واستبدال الزعماء السياسيين الذين ظلوا يدافعون عن تلك القوانين بزعماء قوميين، واتخاذ العديد من الإجراءات الدستورية والقانونية ساعدت في إرساء ديمقراطية مناسبة.
أما على المستوى الأفريقي العام فإن الأمر في العديد من الدول الأفريقية الأخرى على درجة أكبر من الصعوبة، فإن تحايل زعماء الدول الأفريقية ليس على التحرك نحو إجراء تغييرات أو تعديلات دستورية فحسب كما هو الحال في أوغندا، وإنما يمتد حتى إلى الدساتير المستحدثة، كما حدث في ناميبيا عندما قرر الرّئيسِ الناميبيِ سام نجوما Nujoma الإعلان عن رغبته في إعادةِ انتخابه لفترة ثالثة ـ وهو ذات الأمر الذي حدث في دول أفريقية أخرى عديدة ـ على الرغم مِن أن الشروط الدستورية لا تسمح سوى بالترشح لفترتين اثنتين مدة كل منهما خمس سَنَواتِ، وهو الأمر الذي يضعفَ الأساس الدستوريَ الذي تقوم عليه عمليات التحول الديمقراطي في القارة الأفريقية.
(ج) قضية الأمن الاقتصادي
على الرغم من انتهاء الحرب الباردة، واختفاء حدة الصراع الأيديولوجي العالمي، ودخول القارة الأفريقية إلى ما يعرف بموجة التحولات السياسية/ الديمقراطية، والاقتصادية/ الرأسمالية، وشيوع قدر من التفاؤل بأن مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار ستنعم بها أفريقيا بعد تلك السنوات الطويلة من النزاعات والصراعات والحروب الأهلية، إلا أن الجدل حول طبيعةِ الدولة الأفريقيةِ وما يدور تداوله وتفاعله بين مكوناتها داخلياً، وما يتخذ بشأنها خارجياً من قرارات وسياسات وممارسات تصاعد من جديد عقب الانهيار الذي لحق بالاقتصاديات الأفريقيةِ في ثمانيناتِ القرن العشرين، كما أن حالات فشل المؤسساتِ الليبراليةِ العالميةِ في تسعينياتِ القرن الماضي من أجل تَحسين الشروطِ الاجتماعية/ الإنسانية للأغلبية من الشعوب الأفريقية بسبب الشروط السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.
يدخل في إطار ذلك برامجِ التكيف الهيكلي (التقشف Austerity Programs)، والتهميش Marginalization المنظّم لأفريقيا منذ السبعينياتِ داخل الاقتصاد السياسيِ الدوليِ، والتكالب الاستعماري الجديد وكذلك الحروب الأهلية في كل من غرب أفريقيا، وفي منطقة البحيرات الكبرى، وفي القرن الأفريقي، وفي الوسط الأفريقي وفي منطقة الجنوب الأفريقي في نهايةِ فترة الحرب الباردةِ.
وفي الوقت الراهن بينما تتحمّل الدولة الأفريقية تحديات التحول الديمقراطي، فهي تدفع أيضا لحتمية التعامل مع نتائج الاعتماد الاقتصادي المتزايد في إطار ما يعرف بالعولمة, وهو الأمر الذي يعني في بعض جوانبه التعرض للمزيد من الضغوط والخسائر النسبية الناجمة عن ما يسمى بالعولمة السياسية، في إطار الدفع بحتمية الأخذ بالأيديولوجية الليبرالية، واستيفاء الشروط السياسية، وكذلك العولمة الاقتصادية من خلال عدم التراخي في اعتماد برامج التكيف الهيكلي بكل ما تتضمنه من الخضوع الطوعي للسيطرة المالية، والسلطة المتزايدة للأسواق التي تخدم أهداف الدول الصناعية الفاعلة في العالم ومصالحها.
وهو ما يعني أن العولمة باتت تمثل إحدى التحديات الرئيسة التي تواجه أفريقيا في الوقت الراهن، لاسيما في ظل أساليب الهيمنة الرأسمالية العالمية وممارساتها على قطاعات المال والأعمال، وما ينجم عن ذلك من تأكيد التفاوتات في القدرات المختلفة، وفي مستويات الثراء والتقدم، وفي المستويات المعيشية للشعوب عالمياً، ويحدث ذلك على الرغم من المزاعم والادعاءات بأن العولمة ستزيد من الترابط والتقارب والتداخل بين الدول على المستوى العالمي.
ومن ثم فإن العولمة لا تدفع باتجاه زيادة قدرات الدول الفقيرة والنامية، وإنما تضغط في اتجاه الإبقاء على علاقات الاستغلال والسيطرة والتبعية الاقتصادية لصالح القوى الامبريالية العالمية، ولا تقف حدود العولمة عند الأوضاع السياسية والاقتصادية، وإنما تنصرف أيضا إلى العولمة الثقافية من خلال التأثير والتجزئة بل والتفتيت للثقافات المحلية/ الوطنية/ القومية لصالح تثبيت شأن ثقافة الهيمنة العالمية وإعلائها، وإن كان بأساليب مستحدثة، ودون مراعاة للجوانب التنموية والاجتماعية والخصوصيات الثقافية للدول النامية وعلى رأسها الدول الأفريقية.
يبدو جلياً أن قضية الاستقرار والأمن الاقتصادي لا تقل في أهميتها وحيويتها عن الأمن والاستقرار السياسي، ولذا فإن الاهتمام بالأمن والاستقرار الاقتصادي لا ينطوي على مجرد توجيه قدر كبير من الدعم لبعض مشروعات البنية الأساسية أو الإنتاجية، وإنما يتوجب على صناع القرارات ومتخذيها إعطاءه الأولوية، ليس بمعطيات واستراتيجيات الفترة مابين خمسينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث كثر الترويج للخطط والاستراتيجيات التنموية المختلفة، والتي لم تفض سوى لمزيد من التدهور والانهيار الاقتصادي، وإنما وفقاً لتصورات واستراتيجيات مصيرية، يتوقف على الالتزام بها ووضعها موضع التنفيذ الفعلي بقاء واستمرار الدولة أو انهيارها وتلاشيها.
ويشير البعض إلى أن البيئة الدولية ليست بمنأى عن حالة عدم الاستقرار وافتقاد الأمن الاقتصادي، فما يسمى بتقسيم العمل الدولي وعملية صنع القرارات والسياسات واتخاذها داخل النظام العالمي، والتحكم غير العادل من جانب الدول الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسيات في أسعار كل من المواد الخام والسلع المصنعة (الاستهلاكية والاستثمارية)، وعدم الاكتراث بمضاعفات أزمة الديون، ومثل تلك الأمور وغيرها لا تعيد سوى إنتاج الفقر، وما يترتب على تعاظمه من مشكلات، كما أن الفساد التي تدعى الدول الليبرالية أنها تسهم في مقاومته والحيلولة دون استشرائه داخل الدول الأفريقية من خلال ما تروج له من إصلاحات سياسية/ ديمقراطية واقتصادية/ رأسمالية ليست الأنظمة الحاكمة الأفريقية مسؤولة مسؤولية مطلقة عنه بمفردها، ولكن هناك العديد من الحكومات والمؤسسات والشركات الأجنبية المتورطة في العديد من أسباب وجوده واستمراره، ومن ثم فإن على الدول والمؤسسات المانحة في سياق تعاملها مع الدول الأفريقية أن تنظر إلى محاولات تلك الدول للتخلص من الفقر وتحسين مستويات نموها الاقتصادي ليست استجداءً، وأن ما تطلبه تلك الدول، وما تقدمه الدول والمؤسسات المانحة إنما تمثل اعتذاراً أو حتى وفاءً عملياً عن استنزاف ثروات القارة ومواردها لسنوات طويلة.
(د) قضية الأمن السياسي
تتعدد جوانب الأمن على المستوى السياسي في دول القارة الأفريقية ومن ذلك ما يلي:
·      الافتقاد إلى البيئة الآمنة المناسبة لوجود الديمقراطية واستمرارها
تتسم البيئة الأفريقية في معظم دولها بعدمِ الأمان والاستقرار، وندرة الموارد الماليةِ والتمويلية، كما تفتقد عمليةِ التفاعلاتِ بين مكونات النظام السياسي للتنظيم والفعالية، وكذلك غياب القدرة على المشاركة ومحدودية المنافسةِ. ففي دولة مثل الصومال حيث تشهد البلاد حرباً أهلية منذ عام 1991، في أعقاب الإطاحة بنظام حكم محمد سياد بري، فإن الوضع السائد منذ ذلك الحين هو شيوع حالة عدم الاستقرار والافتقاد للأمن، وتلاشي مؤسسات الدولة، وعلى الرغم من إقامة عدة حكومات (انتقالية وغير انتقالية) فقد فشلت في الإدارة وتسيير أمور الدولة، واستمر التدهور الاقتصادي، وتعاظم حالة الفقر، فهل في ظل مثل تلك الأوضاع يمكن القبول بالحديث عن ما يسمى بالتحول الديمقراطي أو التعامل معه شيئاً واقعاً، وذات الشيء يذكر وإن كان بنسب وبمستويات مختلفة ومتباينة في دول أخرى مثل: ساحل العاج، و ليبريا، وسيراليون، وزمبابوي، ونيجيريا، وأنجولا، وتشاد، وبوركينا فاسو، والسودان وإثيوبيا والكونغو الديمقراطية وغيرها من الدول التي يصعب إدراجها في قائمة التحول الديمقراطي.
·      الافتقاد لوجود أنظمة حاكمة قوية تتمتع بالشرعية السياسية
إن وجود دول أفريقية ذات أنظمة حاكمة ضعيفة، وتَفتقرُ إلى الشرعيةِ السياسيةِ، ومن ثم فهي غير عابئة كثيراً بتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ولا تعبر عن المصالحِ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية الحضاريةِ لهم، ستواجه صعوبات حقيقية في التعامل مع قضايا الديمقراطية ومسؤولياتها ومشكلاتها. فعلى خلاف نظيرِتها من الدول القويِة نسبياً (التي تتسم بالتماسكِ الاجتماعي، وبوجود المؤسسات العامّة الفعّالة، والقدرة على الإدارةِ الاقتصادية الناجحة)، فإن الدول الضعيفة تَفتقرُ إلى وجود القدرةِ حتى على إدارة سياساتها وقراراتها، بل حتى على قوانينِها ووضعها عملياً موضع التنفيذ الفعلي في أنحاء أقاليمها كافة وتحت سلطتها القضائية. فضلاً عن كونها في أغلب الأحيان غير قادرة على ضمان القيام بوظائفِها التنظيميةَ والتوزيعيةَ وتطبيقها بأسلوب عادلِ في أنحاء البلادِ كافة. علاوة على ذلك، فهي غير قادرة تقريباً على مَنْع تفشي الفساد والعنف داخل البلادِ.
ومن هنا يمتد ضعف الدولة، وضعفِ مركزِها وهيبتها السياسيِة في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها الأقليات داخل مجتمعات تلك الدول، ولذا فإنّ التأثيرَات الناجمة عن ذلك تسهم في خْلقَ الارتياب وعدمَ الأمان تجاه الأنظمة الحاكمة وتجاه افتقاد الثقة في صدقها، وهو ما يَجْعلُ الأمر صعباً للدولة في التعامل مع مشكلات الديمقراطية والسعي لإيجاد تسويات مناسبة لها، ويقلل من قدرتهاِ على الالتزام طويل المدى بها. كما أن فشل الدولة في الالتزام بقواعدَ العقدِ الدستوريِ وعدمِ قابليته أَو جاهزيته Unpreparedness للتطبيق الفعلي بوصفه حامياً أساسياً للحقوق والحريات والمسؤوليات لا يضعف من قوة الدولة ومن فاعليتها فحسب وإنما يضعف بدرجة أساسية من شرعيتِها السياسيةِ، وقد يؤدي هذا الوضع ليس فقط إلى عزلتها وتدني شرعيتها السياسية فقط، وإنما أيضاً إلى عزلتها الدولية، وأن تتدنى أيضاً شرعيتها الدولية.
إذن ففي ظل شبكاتِ المجتمع المدني ومنظماته السيئة بعامة، وحكم الأقلية متمثلة في النخب الحاكمة (كما هو الحال في إثيوبيا وغيرها) وأساليب السيطرة التي تمارسها داخل مجتمعاتها، وفي ظل التحالفات والصفقات السياسية التي تتمادى فيها النخب الحاكمة مع جماعات المعارضة والجماعات المؤثرة داخل تلك المجتمعات، فإن أية ضغوط من أجل إجبار الأنظمة الحاكمِة على الالتزام بالمعاييرِ والقِيَمِ الدستوريةِ لن تأتي بنتائج مجدية.
يحدث هذا في الوقت الذي طالت تجارب الشعوب الأفريقية مع أنظمتها الاستبدادية/ السلطوية والفاسدة، لكن هناك فرصة لها إن هي حفزت رغبتها وإرادتها للتغيير السياسي الفعلي، من خلال ممارسة ضغوط مؤثرة Counterpressure ذات مغزى وإيجابية تَختلفُ عن مجرد التمنيات والمناشدات والمطالبات. وفي هذا المجال يمكن ـ إلى حدّ ما ـ لمنظمات المجتمع المدني أَنْ تعبّئَ جموع المواطنين للقيام بدور القوى المقاومة Counterforce للأنظمة الحاكمة المستبدة في دول القارة المختلفةِ، إن مثل هذه الجهود التي تبذل والأدوار التي تؤدي من جانب القوى الشعبية والتنظيمات والحركات السياسية المختلفة لا غنى عنها في تطور النظم السياسية، وفي إيجاد الاستقرار والإبقاء على التمسّكِ السياسيِ للقواعدِ والمؤسسات السياسيةِ.
كما يمكنهم أَنْ يَتصرّفوا أيضاً على نحو خلاق باتجاه تحقيق المصالحات العرقية/ الإثنية، ووضع حد للسياسات التمييزية كما حدث في جنوب أفريقيا، أَو أنه يكون بإمكاِنهم أَنْ يُشجّعوا العودةَ وإعادةَ التوطين للاجئين، كما حُدِثَ في ناميبيا. ولكن رغم ذلك فلا يجب الإفراط في التفاؤل بشأن عناصر منظمات المجتمع المدني، ولا أن يعول عليها كثيراً لأداء دور إيجابي في استنهاض عزائم الشعوب وقيادتها، أو لعب أدوار جوهرية في تَحَمُّل أعباء الديمقراطيةِ، حيث إنها منظمات محدودة العدد، مرتبطة بالحضر في الغالب، وفي كثير من الأحيان تكون موضع ريبة وشك من جانب الأنظمة الحاكمة والشعوب في ذات الوقت، وخصوصاً إذا ارتبط الأمر بالتساؤل حول أهداف ومصادر تمويل هذه المنظمات، أو أن يثبت أنها تتلقى دعماً مالياً خارجياً.
أخيراً، فإن قيم الناتج المحلي الإجمالي والتوزيعاتِ الظالمةِ لعوائد موارد الدولة يُمْكِنُ أَنْ يُعقّدا من تعزيزَ عملية التحول الديمقراطيَ وتثيرا تَوَتّراتَ العرقيةَ. لاسيما وأن الشعوب داخل الدول الأفريقية تتوقّعُ، نتيجة للبدء في التحولات الديمقراطية، وفي ظل الحملات الدعائية والترويجية الداخلية والخارجية، أَنْ تَكُونَ هناك نتائجُ اقتصادية إيجابيةُ وملموسة. حيث ينظر إليها أيضاً بوصفها إحدى الوسائل الرئيسة والمهمة لتَسهيل أنواع الدعمِ والمساعدات تقديمها من جانب المتبرعِين والمانحين الغربيين، لَيسَ فقط من جانب الحكوماتَ الليبرالية، وإنما أيضاً من المنظمات غير الحكوميةَ الغربيةَ، ووكالات الإغاثة، وتحفيز وتنشيط دور المؤسسات الصناعية والشركات التجارية في إنعاش الاقتصادات الوطنية داخل تلك الدول، وإقامة مشروعات البنية الأساسية Infrastructural وتطويرِها في أنحاء البلاد كافة.
(ه) قضية الفاعلية الدستورية والمؤسسية
مع التسليم بضرورة الفاعلية الدستورية والمؤسسية وأهميتها في البناء وإعادة بناء الدول، على أسس قوية وموضوعية، وعلى الرغم من أن عملية صناعة الدساتير وإضفاء الطابع الدستوري Constitutionalism على واقع الأنظمة السياسية في القارة الأفريقية، يحتل في الوقت الراهن أهمية كبيرة أكثر من أي وقت مضى، وبالتحديد في ظل تلك الظروف والمتغيرات الجديدة التي يمر بها العالم عامة والدول الأفريقية خاصة، فليس مستغرباً أن تكون هناك موجة من التعديلات والتغييرات الدستورية في تلك المنطقة من العالم التي ظلت لسنوات يتجاذبها الصراع الأيديولوجي، فهذا الواقع يدفع إلى التكيف مع الانفتاح الإيجابي Positive Openness، وعدم الانغلاق على الذات Closeness في إطار التعامل والتفاعل مع قضايا الديمقراطية المعاصرة ومنها ما يتعلق بالمساعي والجهود المبذولة للاستحواذ على دساتير ومؤسسات قوية ومؤثرة. لقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين تّزايدَاً مستمراً في عدد العملياتِ الدستوريةِ التي تَحْدثُ حول العالم، ومنها الدول الأفريقية.
وعلى الرغم من أن البعض يرى أَنّ هذا الاتجاه مؤهلُّ للتصاعدْ في السَنَوات القادمة، حيث تَغيّر ميزان القوى والنفوذ والتأثير السياسي، فيما بين دول العالم، لاسيما بعد تلاشي المعسكر الشرقي/ الماركسي، وتعاظم مكانة المعسكر الغربي/ الليبرالي، وهو الأمر الذي أفضى في جملته إلى تنامي الضغوط الغربية وتواصلها من أجل إفساح المجال أمام التَعديلات والتغييرات السياسيِة/ الاقتصادية الجذرية، وعلى رأسها كل ما يتعلق بالدساتير بحسبانها أهم التحديات التي تواجه عملية التغيير الكبير المرتقبة في أرجاء دول القارة الأفريقية مجتمعة. فإن هناك ضرورة إن لم يكن حتمية في هذا المجال، وهي أَنْ تتعاملَ الدساتير المستحدثة مع فوضى القضايا الداخلية/ المحليّةِ المعقّدةِ، والتعاطي والإدراك للقضايا الإقليمية والدولية، وكذلك التحديات الأفريقية الجديدة المصاحبة لظهور النظام الدولي الجديد والعولمةِ.
إذن ففي إطار محاولات الربط بين أولويات الإصلاح السياسي أو الاقتصادي، فإن السؤال الذي يمكن أن يثار في هذا الصدد، كَيفَ تُؤثّرُ الهياكل السياسية على اختيار السياساتِ الاقتصادية؟ ويمثل هذا أحد الأسئلةِ المركزيةِ التي تتدافع في سياق التعامل المؤسسي والأداء الحكومي مع القضايا والممارسات في المجالات الاقتصادية من منظور الاقتصاد السياسي التنموي. وربما مما يحسب لموجة التحولات نحو الديمقراطية في إطار التوجه العام للإصلاح السياسي خلال مرحلة التسعينياتِ من القرن العشرين، هو اقتران ذلك بالاهتمام المتنامي بضرورة المحاولات وأهميتها والتجاربِ المتعلقة بالتطويرِ وإعادة البناء المؤسسي لجميع هياكل السلطة في دول أفريقيا بوصف ذلك مقدمة أولى نحو الإدارة السليمة والجادة للإقتصادات الوطنية، والإصلاح الاقتصادي، بمعنى الربط التام بين كل من الإصلاحِ السياسي الذي يأتي بمؤسسات جديدة تدار بأساليب وبآليات ديمقراطية والإصلاح الاقتصادي وبهدف تحقيق استراتيجيات اقتصادية وتنموية أفضل، وذلك من منطلق أن أية عملية إصلاح اقتصادي إنما هي نتاج لفعاليات الأداء داخل الهياكل والمؤسسات السياسية للدولة.
وينبغي الإشارة في هذا الصدد إلى مسألة على درجة كبيرة من الأهمية ترتبط ارتباطا وثيقاً بالفعالية المؤسسية وهي مسألة الكفاءة الإدارية Managerial efficiency والهدفَ الرئيس منها أَنْ تعْملَ القطاعات العامة ـ والتي ينسب إليها العديد من أزمات الدول في أفريقيا ـ مثل المَشاريع التجارية الحديثةِ، وعلى الرغم من أنَّ الطرق المعتمدة تَتفاوتَ إلى حدٍّ كبير فيما بين الدول. فإن من بين طرق إدارةِ العملِ الّتي يمكن استَعمالُها في تَغيير حالات وأوضاع الدول هو توافر ثقافة إدارية Administrative Culture تَتضمّنُ لا مركزيةَ الأنظمةِ الإداريةِ Decentralization of Management Systems خلال التحولِ من بيروقراطيةِ الخدمة المدنيةِ الكبيرةِ إلى الوكالاتِ التنفيذيةِ Executive Agencies. كما يتطلب هذا الأمر مديرين Managers قادرين على تحمّل المسؤوليات، وإدارة ميزانياتُ غير مركزيةُ، ويَتمتّعونَ بالمرونةِ الكبيرةِ في تَخصيص الموارد وتوظيفها، وفي ظل متابعة ومراجعة وتقييم لأدائهم يتسم بالشفافية والموضوعية كما يتسم بالسرعة والحزم، مع ربط الرواتب والحوافز والترقيات بنتائج هذا الأداء، وذلك على مستوى جميع المستويات الإدارية وفي مقدمتها مستويات الإدارة العُليا، ولعل سمات مثل تلك الإصلاحاتِ الإداريةِ الجديدةِ يمكن متابعتها في بعض الدول الأفريقية مثل غانا وأوغندا وزامبيا وتنزانيا وموزمبيق.
ويبدو أن مثل تلك التصورات وإن كانت تلقى استحساناً واهتماماً من جانب هؤلاء، لكن تظل حقائق الواقع المعاش في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تنعكس تأثيراتها السالبة على مجمل نواحي الحياة الإنسانية والمجتمعية، تأبى التسامح أو التصالح مع تلك الأطروحات الأقرب إلى المثالية منها إلى الواقعية، فأية انتخابات وأحزاب وأي مرشحين وناخبين، وأي تنافس ونتائج، وبأية كيفية وضمانات، وفي أي عدد من السنوات وبأية إمكانات ستتم تلك العملية لكي تنتج القيادات والمؤسسات الصاعدة الواعدة التي ستتبدل وستتغير الأوضاع الاقتصادية عن طريقها، خصوصاً في ظل استشراء هذا الكم من المشكلات المستعصية، والتي تتطلب ليس فقط إرادة أفريقية، وإنما إرادة المجتمع الدولي الفاعل.
(2) القضايا الخارجية المؤثرة على الدول الأفريقية
(أ) استمرار وتصاعد الضغوط من أجل الإبقاء والترسيخ للتحولات الديمقراطية
بعد مرور عقدين من السنوات على بداية التحولات الديمقراطية في أفريقيا فإن هناك العديد من التساؤلات التي تتدافع للإحاطة بهذه الظاهرة أو التجربة، ومنها: هل حققت الضغوط الليبرالية على الدول الأفريقية أهدافها؟ وعلى ضوء التقييم والنتائج المحققة فهل الدول الليبرالية على استعداد لمواصلة ضغوطها؟ وهل بعد تلك الحقبة الزمنية من تقبل الضغوط الليبرالية ومحاولة التكيف معها، فإلى أي مدى يمكن أن يظل الحال على ما هو عليه؟ وهل التجربة الأفريقية في مجال التحولات الديمقراطية تشجع على الإبقاء والترسيخ لها أم الانصراف والارتداد والتخلي عنها؟
ويبدو أن الضغوط التي تمارسها الدول الليبرالية على الدول الأفريقية سوف تستمر في المستقبل المنظور، حيث تتعامل تلك الدول مع الواقع الدولي/ الأفريقي على أنه الفرصة المواتية، لتؤمن الدول الأفريقية بالليبرالية وتطبقها، وهو أمر يبدو مصيرياً في سياق تحقيق الأهداف والمصالح العليا للدول الليبرالية من نواحي شتى أيديولوجية وسياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية…وغيرها، لاسيما أن تلك الدول تعطي أوزاناً ثقيلة لمنظومة الفرص الحالية والمحتملة، كما أنها تولي أهمية كبيرة للتهديدات الآنية والمتوقعة في ظل حسابات تفصيلية ودقيقة للأرباح والخسائر على مستويات الآجال المختلفة، وهي في هذا الشأن تتحرك وفق معادلة نفعية/ رأسمالية تتمثل في تحقيق الأهداف والمصالح المستهدفة بأعلى العوائد والمنافع، وبأقل التكاليف وبأقل الخسائر/ التضحيات الممكنة. وعلى هذا الأساس فليس متوقعاً على سبيل المثال أن يكون هناك سخاءً ليبرالياً من أجل دعم التحولات في أفريقيا، وفي ذات الوقت ليس من السهولة توقع أن يكون هناك فراقاً ليبرالياً، وأن تترك الدول الأفريقية لتفعل ما تشاء اختياراً.
إن من الأمور الجديرة بالملاحظة والمتابعة أن الدول الليبرالية المانحة في إطار ممارستها لضغوطها من أجل إحداث ما تزعمه بالتحولات الديمقراطية في الدول الأفريقية تذهب إلى تحفيز وتشجيع الانشقاقات والتصدعات سواء بين النخب التقليدية داخل الأنظمة الحاكمة، وبداية حدوث ذلك تصنيفهم بين معتدلين/ إصلاحيين ومتشددين/ متطرفين، وكذلك بين تلك الأنظمة وبين التنظيمات والأحزاب السياسية وحركات المعارضة المختلفة، أو فيما بين تلك الأنظمة والتنظيمات والحركات السياسية المختلفة وبعضها البعض، أو حتى داخل كل منها، وهي تهدف من وراء ذلك إضعاف تلك الأنظمة الحاكمة من ناحية، وتعزيز الجماعات والحركات والتنظيمات المناوئة لتلك الأنظمة والموالية لها، ومن ثم فهي تضمن إما ولاء وتبعية الأنظمة الحاكمة، وأن تستجيب لمطالبها وضمان مصالحها، وإما تمكين الجماعات والتنظيمات السياسية المعارضة وبذات الشروط المتعلقة بضرورة الولاء والتبعية.
ومثل تلك السياسات والممارسات التي تنتهجها الدول الليبرالية المانحة سيترتب عليها ليس إحداث تحولات نحو تطبيق التحولات الديمقراطية، وإنما استغلال تلك التحولات في إثارة العديد التي لن تفضي في النهاية سوى بتزايد الانقسامات التي تتبعها النزاعات والصراعات وتنتهي إما بحدوث انقلابات وتمردات عسكرية (كما حدث في موريتانيا، وغينيا بيساو)، أو بنشوب حروب أهلية (كما حدث في ساحل العاج)، ومن ثم فإن الدور الذي تقوم به الدول الليبرالية والمنظمات الدولية المانحة على درجة كبيرة من الخطورة لأنه يدخل دول القارة الأفريقية في مرحلة جديدة من مراحل عدم الاستقرار والنزاعات والصراعات والتي تحدث هذه المرة بسبب التحولات الديمقراطيِة المزعومة.
(ب) التدخّل الدولي لمَنْع انهيار التحولات الديمقراطيِة
إن من الضروري لإرساء ديمقراطيةِ فعلية أن توجد داخل الأنظمة السياسية الأفريقية هياكلَ للحكم ولممارسة السلطة وفقاً لمفاهيم ولمعايير الشرعيةَ السياسية/ الدولية، كما يقترن بذلك ضرورة توافر قدر كاف من السلامِ والأمن والاستقرار، ولذلك فإن التساؤل الذي يمكن إثارته هَلْ يُمْكِنُ للأطراف الخارجية ذات الصلة والاهتمام بمسألة التحولات الديمقراطية في أفريقيا أنْ يتحول دون حْدوث انهيار لتلك التجربة الناشئة ِ؟ ويبدو أن التدخّل الخارجي في المجال الديمقراطي هو أمر يتسم بدرجة عالية من التأكيد، بحسبان أن الديمقراطية هي أحد روافد الليبرالية السياسية، التي يسعى جاهداً لنشرها عبر أرجاء العالم المختلفة، ربما كلغة تخاطب مشتركة تيسر تحقيق الأهداف والمصالح المبتغاة، وعلى الرغم من الحديث عن الشروط والآليات والمتطلبات لقيام تحولات ديمقراطية فعلية، إلا أن العنصر الخارجي ليس مستعداً للتراجع عن مشروعه الديمقراطي المستهدف في أفريقيا، رغم وجود الصعوبات والتحديات، ولذلك فإن هناك درجة من الحرص على انتهاج ما يمكن تسميته بسياسة التخفيف من التصادم Buffering بين ما هو ممكن وما هو مستحيل بالنسبة للعديد من الدول الأفريقية.
ولذلك ففي بَعْض الظروفِ، فإن البعض يرى أن الأطراف الخارجية (الدول والمنظمات الليبرالية) قامت بدور بنّاء في صِناعَة الأنظمةِ الديمقراطيةِ أَو إعادة بنائها. ويدللون على ذلك بأن الدعم الأمريكي واليابانيِ، والألماني، هو الذي أسهم في تأسيس الديمقراطية الإيطالية بَعْدَ مرحلة انتقالية مِنْ الحكم الاستبدادي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وقد أضحتَ واحدة من الديمقراطيات القوية. كما أن هناك أنظمة حاكمة التزمت مبكراً بالإصلاحات الدستورية في أعقاب المفاوضاتِ بين المستعمرِ والحكومات الوطنية، وقد تمكنت تلك الحكومات في بلدانِ مثل بوتسوانا، موريشيوس، وناميبيا أن تثبت أنها قادرة على إحداث قدر من التطور الديمقراطي داخل أنظمتها السياسية، ولكن ما زال الأمر يتسم بصعوبات بالغة بالنسبة للكثير من الدول الأفريقية الأخرى. ويلاحظ في هذا الخصوص أنه على الرغم من أن التحضيرِ للتحولات الديمقراطيةِ قد بدأ منذ أوائل تسعينياتِ القرن الماضي، إلا أن ما يحسب على الأطراف الدولية أنها التزمت وبالغت في ممارسة ضغوطها وشروطها Conditionality على العديد من الدول الأفريقية، ولكنها في ذات الوقت لم تلتزم بتقديم الدعم والمعونة الماليةِ اللازمة لبناء الديمقراطية Democracy Building وعلى سبيل المثال فإن مبَلغَ 250 مليون دولار أمريكي فقط هي التي التُزِم بإنفاقها فعلياً (وهي تمثل نسبة 5.4 %) من أصل مبلغ 4.514 مليون دولار أمريكي كان مخصصاً مساعداتٍ لبناء الديمقراطية في أفريقيا للفترة ما بين عامي 1997 ـ 2000. ولعل هذا يوضح إلى أي مدى يتعامل العنصر الخارجي/ الدولي مع عملية التحولات الديمقراطية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ولكن يلاحظ أيضاً أن تقديم تلك المساعدات يتسم بالانتقائية سواء فيما يتعلق بأنواع الإصلاحات المطلوبة أو حتى الدول ذاتها (وهو أمر يتضح بخصوص دول مثل: كينيا، وملاوي، وزامبيا، وزمبابوي، وإثيوبيا وأوغندا).
ب. رؤية مستقبلية للتحولات الديمقراطية في أفريقيا
سيظل الإشكال الرئيس الذي يمثل المحور والمحك في تناول التحولات الديمقراطية والتعامل معها، تحكمه وتتداخل معه ثلاثة إشكالات فرعية يمكن بلورتها كالتالي:
·       الأول يتصل بالمتطلبات اللازمة لتحقيق التحولات الديمقراطية، ولكن السؤال الذي يثار في هذا الشأن هل سيكون بالإمكان الانتظار لحين استيفاء تلك المتطلبات، وتأجيل الأخذ بالإصلاحات الديمقراطية؟ أم أن هناك فرصة للأخذ بما يمكن إدراكه، وبدون ترك الأحوال على ما هي عليه؟.
·       الثاني أن الذي يضغط خارجياً من أجل فرض التحولات الديمقراطية طوعاً وترغيباً أو كرهاً وترهيباً هي تلك الدول صاحبة القوة والنفوذ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً على المستوى العالمي، وهذا الأمر في حد ذاته يفرض على الدول الأفريقية، التعامل معه بدرجة عليا من الحرص والحذر، لما يمكن أن تواجهه من صعوبات، أدناها خطراً العزلة الدولية وتصعيد التهميش لها داخلياً وإقليمياً ودولياً.
·      الثالث أن التحولات الديمقراطية التي أخذت بها غالبية الدول الأفريقية، مازالت تقترن بالعديد من الممارسات السيئة، والتي تفرغ تجارب التحول المزعومة من مضامينها، وعلى سبيل المثال فإن ما يذكر بشأن الانتخابات الحرة التنافسية وغيرها يقترن في الواقع الفعلي بفساد كبير، مع تشويه واسع لإرادة الناخبين وتشكيك في أي قدر من الثقة والصدقية حولها، وهكذا الحال ذاتها بالنسبة لباقي مفردات عمليات التحول.
ومن ثم فعلى الرغم من أن الاتجاه نحو الليبراليةِ السياسيِة في أفريقيا أثناء التسعينياتِ كَانتْ مشجّعُة من ناحية تغييرِ الأنظمِة الاستبدادية، وتنامي التعامل مع قضايا الشفافيةَ، والمسؤولية والمحاسبة، وتحسن في علاقات وتنظيم الدولة ـ المجتمع State – Society، إلا أن العملية برمتها بَدتْ ناقصةَ وهشّةَ بعض الشّيء مع هذا، فالنجاحات النسبية ذات الطابع الديمقراطي في دول مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا قابلها انتكاسة الانقلابات العسكرية منذ أواخر تسعينياتِ القرن الماضي في دول مثل: ساحل العاج، وجزر القمر، وغينيا بيساو، والنيجر وموريتانيا. وقد كان الانقلاب في ساحل العاج موجعاً لتجربة أفريقيا الديمقراطية. حيث أثارَ تَوَتّراتَ دينيةَ وعرقيةَ مستترةَ في هذه البلادِ التي كانت تعد واحدة من الدول الناجحةِ ديمقراطياً ولو بدرجة نسبية، وهو أمر يشير إلى عدم غياب الجيش عن الحياة السياسية الأفريقية حتى في ظل التحولات الديمقراطية التي تشهدها دول القارة.
إن النكسات التي تواجهها عملية التحول الديمقراطي يُمْكِنُ أَنْ توضّحَ حجم القيودِ الموَضوعَة على كاهل الحكومات الأفريقيةِ، بما في ذلك وضعها ومكانِتها السياسيِة والاجتماعية غير الآمنِة داخل دولها، فضلاً عن استمرار وتنامي النزاعات الحادّة (التي تَتضمّنُ الأصوليَّةَ الدينيةَ، والنزاعات والصراعات القومية الإثنية/ العرقية، والعَدَاوَات الطَبَقِيَّة، والتفاوت في تخصيص الموارد… وغيرها)، علاوة على صعوبات إيقاف التدهور الاقتصادي لدول القارةَ، وصعوبة استمرار شبكاتِ العملاء Clientelistic، القادرين على الانتشار والترويج للمعاييرِ والقِيَمِ الليبرالية وتناميها، وكذلك افتقاد قنوات الاتصال السياسيِ بين المكونات الأساسية للمجتمع، ومن ثم فإن هناك مشكلاً في كيفية تَأسيس نظم سياسية متجاوبةِ مع الأيديولوجيا الليبرالية، كما أن هناك عقبات في إبْقاء المجتمع المدني الدينامي/ الفعال Dynamic Civil Society. بسبب تدني الإجماعِ بين القوى الشعبية المختلفة على المعاييرِ والقِيَمِ الديمقراطيةِ، وبسبب هشاشة الضغوط Counterpressure التي يمكن أن تمارسها منظمات المجتمع المدني وعدم كفايتها.
كما أن إخفاق الأنظمةُ الديمقراطية عن إعْطاء انتباه كافٍ للمنافع والمكاسب التي يمكن أن تستفيد منها جميع القوى الشعبية والتنظيمات السياسية، ومحاولة طمأنة هؤلاء أن حقوقهم وحرياتهم ومكاسبهم بالإمكان ضمانها وتعزيزها، والسعي الجاد للسيطرة على مخاوف الجماعات الإثنية/ العرقية مِنْ استبداد الأغلبية، والمكافحة الحقيقية للفساد، واحترام مطالب الجماعات المختلفة بالحقوقِ السياسيةِ والاجتماعية المشروعة. لاسيما فيما له صلة بالتأسيس للتنظيمات السياسية وبالانتخابات التنافسيةِ وبالتداول السلمي للسلطة، وإلا فإن البديل سيكون إحجام جماعات الأقليات عن المشاركة والإسهام في العملية السياسية وهو ما يمثل بدوره واحداً من أهم التحديات التي تواجه مستقبل التحولات الديمقراطية في أفريقية في السنوات القادمة.

 


[1] ربما شهدت سيراليون منذ انتهاء الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد، وتحديداً منذ عام 2002، تحسناً ملموساً، بفضل حالة الاستقرار السياسي في الوقت الراهن.