إن غياب العدالة الاجتماعية، التي تمثلها سياسة سوء التوزيع لموارد البلد، ينشا عنها فساد عام في كل أجهزة الدولة، فيصاب الشعب باليأس و الإحباط والمهانة و الذل فتتولد عند الناس مشاعر الاستخفاف بكل شيء واحتقار كل شيء والتذمر بالحكومة وحواشي النظام، بالتالي تصبح العلاقة بين الحاكم والمحكوم هشة إلى التعبير عنها بمشاهد دراماتيكية تصل إلى درجة الحرق بالنار، فلقد تحركت احتجاجات في نطاقها الاجتماعي الواسع بتونس واستخدمت القوى المتحركة وسائل ذاتية لتفرض واقعا جديدا لحياة جديدة ينهي بها الغاضبون عهودا من الصبر والتحمل، ولردم فجوات كثيرة مثل: -فجوة التوزيع المختل للثروات بين الشمال والجنوب، فجوة البطالة الآخذة في الاتساع بين الشباب، فجوة الهجرة نحو الشمال بسبب السياسات المنحازة، فجوة الفقر والمجاعة، فجوة الإعلام المتحرك في الفضاء المفتوح. بدأت المطالب اجتماعية ثم تطورت وتحولت إلى سياسية تطالب برحيل رموز الحكم وإسقاط النظام. والمطالبة بإنهاء نظرية “رئيس مدى الحياة”، ففكرة “الحرق السياسي” أو “الانتحار الاحتجاجي” التي مارسها البوعزيزي جاءت في سياق ظلم متراكم وبيئة مهيأة، فكانت ضربة قاضية لواقع كان مشبعا بكل أنواع الظلم ومشحونا بجميع أشكال الحيف، فكان انتحار البوعزيزي انطلاق الشرارة وبداية الاحتجاجات التي كان من الممكن معالجتها بالتي هي أحسن في البداية، لكن بن علي لعب على أوتار الزمن في أن ييأس الثائرون حيث حاول معالجة الوضع بجرعات إصلاحية مستفزة فيها تهديد ووعيد، وهذا ما زاد من غضب الجماهير، و برفع شعار “الخبز والماء و زين العابدين لا”، بلغت الرسالة مسامع الرئيس في وقت ضاغط على الجميع، ولم يكن أمام الرئيس من الخيارات إلا الرحيل العاجل.

برحيل بن علي لم يتوقف المحتجون عن المطالبة بمزيد من التنازلات وكانت أهم مطالبهم (-اقتراح مشروع دستور، -إعادة بناء مؤسسات الدولة، -ميلاد حكومة وطنية). ما يميز الثورة التونسية أنها تلقائية، تميزت بالعفوية والمفاجأة، يقودها الشباب. لقد شطبت ثورة الياسمين مصطلحات كثيرة من القاموس السياسي بعفويتها وعمقها، واتساع رقعتها وبعد نظرها وبساطة خطابها ووضوح أهدافها، وسرعة انتقالها، كما شكلت ثورة الاتصال أهم عنصر، حيث سهلت تناقل الأحداث والشعارات وسهلت التواصل بين الشعوب و أفراد المجتمع المدني، و هذا ما كان له سبب في تسارع الأحداث، كما غطت بعض القنوات مسار الاحتجاجات واختزلت المسافات كما استطاعت أن توصل ما يحدث بتونس إلى العالم و هذا ما كان سببا في تعاطف المجتمع المدني العالمي مع التونسيين و تأييدهم . كما شهدت تونس انتخابات المجلس التأسيسي و التي تعتبر محطة حضارية و سياسية هامة في تاريخ البلاد التونسية المعاصر، ومن هذا المنطلق فإن إسناد مهمة الإشراف على الانتخابات لهيئة عليا مستقلة هو تجسيد لإرادة الشعب الحقيقية وضمان لمبدأ شفافية الانتخابات ونزاهتها وسلامتها. وقد نجحت هذه الهيئة في أداء مهمتها رغم المعيقات والصعوبات حيث ساهمت الانتخابات في إنتاج خريطة سياسية جديدة تكونت من عدد القوى البارزة التي تباينت. وانتهت الانتخابات بتشكيل حكومة ائتلافية حيث هذه الأخيرة لم تتمكن من تحقيق أهداف الاحتجاجات، إضافة إلى ذلك تنامي أسلوب العنف كالاغتيالات خلال فترة حكم هذه الأخيرة وهذا ما أشعل غضب الجماهير.

وعدم تمكنها من تحقيق أهداف الثورة راجع إلى تحديات ومعيقات عدة كالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها النظام السابق. الاستنتاجات التي توصانا اليها:

– إنه بعد 3 أعوام من الثورة الحكومات المتعاقبة على تونس بعد الثورة لم تنجح، وأن الوضع الانتقالي موسوم بعدم الاستقرار. و بعدم تمكن الحكومات المتتالية من تحقيق تطلعات قطاع كبير من التونسيين إلى التنمية والشغل والعدالة الاجتماعية، و هو ما ساهم في توتير الواقع السياسي وتصاعد الاحتجاجات المطلبية.

– كان لقوى المجتمع المدني من جمعيات حقوقية ونقابية وأحزاب سياسة ونخب مثقفة الدور الفعال في فرض الرقابة على حكومة الترويكا وتكثيف العمل الاحتجاجي السلمي، ما ساهم في تأمين تنازلها السلس عن السلطة.

-حافظت المؤسسة العسكرية في تونس على لزوم الحياد إزاء الفرقاء السياسيين، و هو ما مثل ضمانة أساسية لمشروع التحول السلمي نحو بناء الدولة الديمقراطية المأمولة والجمهورية الثانية المنشودة.

-من المهم الإشارة إلى أننا داخل المشهد التونسي بصدد متابعة تشكل تدريجي لنموذج عربي في الديمقراطية يؤسس على الفاعلية المواطنية، والتعددية الحزبية، والتداول السلمي على السلطة، و من المهم في هذا الإطار تشريك الشباب في التغيير، والقادة، وصنع القرار. -اتضح من خلال التجربة الديمقراطية في تونس أن التعليمة الديمقراطية مسار طويل تكتسبه الشعوب بطول الممارسة، وبتحويل الوعي السياسي من متصور ذهني إلى منجز عملي، فتحقيق الديمقراطية وبناؤها ونشرها في المجتمع بعد حقبة الاستبداد مهمة نضالية تبقى مركزية حتى بعد إطاحة حكم الاستبداد وهي تتم عبر المشاركة وليس الإقصاء. -إن مسار الانتقال الديمقراطي في تونس يبقى رهين بمدى نضج إستراتيجية الفاعلين وتفاعلاته، كما أنه مرتبط أيضا بنجاح مسار الإصلاح السياسي والدستوري الممزوج بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة والسلطة، وحرصهم على أهداف الثورة التونسية.

يجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن الحكم على أي تجربة ديمقراطية بالنجاح خصوصا في الأعوام الأولى، فتونس مثلا صحيح أنه سقط نظام بن علي و أجريت انتخابات حرة ونزيهة تمثل إرادة الشعب، لكن لا يمكن الحكم عليها إلا مبدئيا، الأهداف المرجوة لم تتحقق وقد تأخذ سنين كي تتحقق، فمرحلة الانتقال الديمقراطي طويلة ثم تليها مرحلة الترسيخ الديمقراطي، والتي من خلالها يمكن الحكم نهائيا على نجاح أو فشل تجربة ديمقراطية ما.

تحميل الرسالة