د.محمد عبدالرحمن عريف

هي تونس حضرت في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية التونسية في 13 تشرين أول/ أكتوبر. لتأتي بـ”قيس سعيّد” رئيسًا جديدًا لها بنسبة 76 في المئة. وهو المرشح المستقل صاحب (61 عامًا) جاءت به الانتخابات الرئاسية التونسية، حسب ما أعلنه التلفزيون الرسمي التونسي: “فاز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد في الانتخابات الرئاسية التونسية متقدمًا بفارق كبير على منافسه رجل الأعمال نبيل القروي، بحسب نتائج استطلاع للرأي نشر نتائجه التلفزيون الحكومي التونسي مساء الأحد”.

من هو “قيس سعيّد” المرشح الذي يعتبره كثير من التونسيين رجل الصرامة و”النظافة”؟ ووفقًا لنتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة “سيغما كونساي” فقد نال سعيد 76,9 في المئة من الأصوات في حين حاز القروي 23,1 في المئة من الأصوات. كما أكد استطلاع آخر للرأي نشرته مؤسسة “إيمرود كنسيلتنغ” حصول سعيّد على 72,5 في المئة من الأصوات وحصول القروي على 27,5 في المئة. في كلمة قيس سعيد تعليقًا على فوزه في الانتخابات الرئاسية وهنأت حركة “النهضة” سعيّد ودعت أنصارها “للالتحاق والاحتفال مع الشعب التونسي بشارع الثورة” في وسط العاصمة.

نعم لم تنشر النتائج الرسمية بعد فيما أعلنت الهيئة العليا للانتخابات أن نسبة المشاركة بلغت 57,7 في المئة في سبعين بالمئة من مراكز الاقتراع. وتجمع مئات من أنصار سعيّد في مقر حملته الانتخابية بشارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة وهتفوا “الشعب يريد قيس سعيّد” و”تحيا تونس”، مرددين النشيد الوطني التونسي.

لقد تمكن سعيّد (61 عامًا) الذي يتبنى أفكارًا اجتماعية محافظة من تصدر الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 15 أيلول/ سبتمبر وحصد 18,4 في المئة من الأصوات. وشكر سعيّد في أول تصريح صحافي له إثر إعلان نتائج الاستطلاعات رأي الشباب الذي “فتح صفحة جديدة في التاريخ”. وقال في مؤتمر صحافي بفندق مطل على شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة: “أشكر الشباب الذي فتح صفحة جديدة في التاريخ”. وتابع بصوته الجهوري: “سأحمل الأمانة…الشعب يريد”، وهو الشعار الذي رفعه التونسيون خلال الثورة التونسية التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق الراحل زين العابدين بن علي في العام 2011.

أكد سعيّد “أحترم كل من اختار بكل حرية، انتهى عهد الوصاية وسندخل مرحلة جديدة في التاريخ”. وتابع: “قدمتم درسًا للعالم وأبهرتم العالم، أشكركم من أعماق الأعماق، نحن في حاجة الى تجديد الثقة بين الحاكم والمحكومين. سنعمل في الخارج من أجل القضايا العادلة وأولها القضية الفلسطينية”. وظهر سعيّد في نوايا التصويت في استطلاعات الرأي في الربيع الفائت على أنه شخصية خارج نظام الحكم والسياسيين وقريبة من التونسيين الذين ملّوا نظام الحكم وممثليه. ولرئيس البلاد صلاحيات محدودة بالمقارنة مع تلك التي تمنح لرئيس الحكومة والبرلمان. وهو يتولى ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي والدفاع خصوصًا.

وحيث أن تونس تستحق الأفضل وترجو أن لا يخذلها العالم ولا يدعمها في تجاوز محنها الاقتصادية والاجتماعية. وهي ككل دولة عربية تحتاج التغلب على التاريخ السلطوي الذي يبدو صعباً، بسبب تجذر المصالح وتفاعل العائلات السياسية والاقتصادية التي تجمعها رابطة منافع وثيقة تشكل جوهر الدولة العميقة.

هنا يرى محللون أن نتائج الانتخابات الرئاسية في تونس عكست توجه الشعب إلى اختيار ممثل عنه من خارج المنظومة السياسية، ويرى آخرون أن الشعب قرر الخوض في المجهول من خلال هذه الاختيارات، وخوض تجربة جديدة مع رئيس “غير مجرب”. فـ”القروي وسعيّد” في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية جاءت بينهما المنافسة. وهنا أصيب المشهد السياسي في تونس بحالة ذهول، عقب الإعلان عن فوز المرشحين “قيس سعيد ونبيل القروي” بالانتخابات وانتقالهما إلى الجولة الثانية، بخاصة أن المرشحَين جاءا من خارج النظام السياسي في البلاد. فقد حصل “سعيّد” على 18.4% من الأصوات، في حين حصل “القروي” على 15.58%. وبهذه النتائج يعلن رسمياً عن تقدم أستاذ القانون المحافظ قيس سعيّد وقطب الإعلام المحتجز نبيل القروي على 24 مرشحاً آخرين من بينهم رئيس الوزراء ورئيسا وزراء سابقان ورئيس سابق ووزير دفاع.

هي حقيقة أن قيس سعيّد حضر كمفاجأة للانتخابات الرئاسية التونسية، بعد تصدره.. فهو صاحب النهج الاجتماعي المحافظ، الذي يدعم تطبيق عقوبة الإعدام ويرفض المساواة في الميراث بين الرجال والنساء ويركز على اللامركزية في الحكم في بلد العاصمة فيه قوة مهيمنة على نحو تقليدي. وهو أستاذ جامعي في القانون الدستوري، ويلقى احتراماً واسعاً لدى التونسيين، حضر كمرشح مستقل لا يملك دعماً حزبياً واختار في حملته الانتخابية طريقة التواصل المباشر مع الناخبين رافضاً عقد تجمعات شعبية على غرار البقية. سطع نجمه بعد ثورة 2011 فقد كان دائم الحضور في الإعلام والنقاشات السياسية يقدم شروحاً مفصلة للقانون والدستور.

في أوّل تصريح له، وقبيل إعلان النتائج النهائية من قبل الهيئة العليا للانتخابات، وصف سعيد نتائج استطلاعات خروج الناخبين من مراكز الاقتراع التي أظهرت حصوله على معظم الأصوات، بأنها مثل “ثورة ثانية” قائلاً “ما حصل يُحمّلني مسؤولية كبرى لتحويل الإحباط الى أمل”. وصرح في مؤتمر صحفي أعقب الإعلان الرسمي “ليطمئن الجميع أن تونس ستبقى مفتوحة على العالم وأننا سنعمل من أجل بلادنا بكل أطيافها، الشباب يريد الآليات القانونية التي تمكنه من تحقيق إرادته. لا مجال للإقصاء وسنبني تونس الجديدة التي يتشوق إليها الشعب”.

ستبقى تونس عاصمة ربيع العرب في حاجة إلى قيادة ثورية وطنية وإلى نظام سياسي واضح غير مشتت، تحتاج قيادة من عمق الثورة ومن أعماق الشعب، بعيداً عن الواجهات الصورية للدولة العميقة. هنا يبقى أن رهان تقليص التدخل الأجنبي في اختيار رئيس الدولة ورئيس الحكومة مسألة على درجة من الأهمية ضمن مسار استرجاع السيادة الوطنية الكاملة واستقلالية القرار وتحييد تأثير الدوائر الخارجية. وفي المحصلة على القوى الحية أن تدفع باتجاه الفاعلية المواطنية والتعددية السياسية والتداول السلمي على السلطة على نحو فهم الموجود واستشراف المنشود ضمن تشكلات الفعل السياسي التونسي، وأن لا يبقى ذلك في حدود التصورات الذهنية دون المنجز العملي.

يبقى في النهاية أن ملخص الحال سبق أن عرضته صحيفة “لوكوتيديان” التونسية اليومية الناطقة بالفرنسية تقول إن الشعب التونسي قال كلمته، واعتبرت أن الناخبين صوتوا للمرشحَين اللذين نفّذا حملةً انتخابية ضد النخب السياسية. وكتبت الصحيفة “لقد فضلوا القفز في المجهول بدلاً من مد اليد مرة أخرى لمن خانوا تطلعاتهم”. لنتابع الطريق إلى قرطاج بعد فوز قيس سعيد.