كثيرون هم من اهتموا بالكتابة حول الحراك الشعبي الأخير محاولين تحليل دوافعه ومآلاته، لكن القلة من حاول التفكير بمنطق الدولة أو التساؤل حول الظهور الشاحب لصورة الدولة وحالة الضعف التي اعترتها في التعامل مع الأزمة الحالية -أزمة في نظر النظام- وهو الأمر غير المعهود بالنسبة لنظام صارم -حتى لانقول أمر آخر-.
يمكن القول أن النظام السياسي الجزائري يعرف ثلاث خناقات كبرى وصلت تراكماتها إلى ذروتها القصوى وعرقلت بالتالي مرونة تعامله والحراك الشعبي:
أولا- النظام السياسي أنتج لنفسه عدوا، فكيف ذلك؟
تأتّى هذا من خلال جملة الإقالات والتنحيات التي عرفتها فترة حكم الرئيس الحالي، على صعيد كافة مؤسسات الدفاع، الأمن والمخابرات ومجالات أخرى -بمختلف مبرراتها- والتي كونت مجموعة معتبرة من رجالات النظام السابق تقبع في الظل، لكن لها من الأهمية ما لها -رجال مخابرات ورجال أعمال وسياسيين- تشترك في كونها ترى نفسها ضحية حسابات نظام نرجسي، وهو ما قد أسماه البعض بالدولة العميقة، وأراه كيانا خفيا وموازيا للسلطة ينتظر اقتناص الفرصة، وهو حاليا قد تبوّء مكانا يضعه من موقع قوة إذا مُررت ورقة الندوة الوطنية المستقلة.
ثانيا- دفع ثمن عدم وجود إرادة سياسية فعلية من قبل النظام السياسي الجزائري من أجل بناء دولة حديثة – مؤسسات فعلية قاطرتها إقتصاد قوي- قادرة على توفير السيادة والإستقلالية اللازمة في تفاعلاته – في الداخل والخارج- والرضوخ إلى وصايات وإملاءات خارجية كبلت عجزه في التعامل وفق منطقه -خصوص للبعد الدولي الذي عرفه الحراك-، هذه الضغوط تتمحور في ثلاث جبهات كبرى- دون إغفال وجود أخرى-.
أ- الوصاية الفرنسية: والتي تنبثق أساسا في نقطتين:
– التأثير في صنع النخب السياسية الشاغلة لمؤسسات الدولة، والصانعة لقرارتها، مستغلة الإرث الإستعماري والتغلغل اللغوي.
– التدخل باسم حماية المصالح الحيوية للفرنسية (50 بالمائة من عقود الغاز والبترول تعود لشركات فرنسية).
ب- اللعبة الأمريكية وخبرتها في الإستفادة من ديناميكيات أي نزاع في أي منطقة في العالم، سواء لأمننة مصالحها -وهذا أمر بديهي- أو اللعب على وتر بعض القضايا المجهرية كحرية الرأي، الأقليات، إحترام حقوق الإنسان، وهو ما يُؤكده راهنًا قدوم ممثلين عن الكونغرس وإبدائهم لملاحظات عجّلت بتغيير خطاب المؤسسة العسكرية.
ج- تزايد نفوذ دول “البترودولار” التي ترى في استمرار نظام جمهوري بدولة عربية ما تهديدا لأنظمة حكمها الملكية، خصوصا وتجارب مباركة دول مثل السعودية والإمارات للنزاعات الحاصلة بعديد الدول العربية ومشاريع تقسيمها إلى دويلات بمنطق العشيرة، وهو المنطق المتجذر في تاريخ القبائل العربية. التأثير الخليجي متغير وارد جدا إذا نظرنا إلى الحرية التي أضحت لبعض دوله نظير ما تقدمه من امتيازات لموازين القوى -ما يُتيح لها هامش مناورة محسوب-، وهو ما يفهمه جيدا نائب وزير الدفاع وتعكسه زياراته الأخيرة إلى المنطقة، بغض النظر عن سنون عمل بوتفليقة هناك بالخليج كمستشار لعدة أمراء خليج قبل 1999م.
ثالثا- تكسير جهاز الإستعلامات والإستخبارات وتقزيم دوره: وهي من النقاط المغيبة تقريبا في جلّ التحاليل، بيد أنها نقطة ذات أهمية كبيرة من مبدأ أن “قوة الدولة بمخابراتها”، فمؤسسة الإستعلامات والمخابرات التي كانت تعرف انتشارا وتغلغلا في كافة المؤسسات ونواحي حياة الجزائري، كان بإمكانها خَبراتها اشتمام استنفار الشعب وعدم تقبله المشهد السياسي الراهن -أبرز نقاطه محاولة تمرير العهدة الخامسة والإبقاء على نفس الرؤوس السياسية- وهو ما قد يفسح مجال زمني للنظام للتعامل مع الأمر بمخرجات إستباقية (كتغيير حكومي يحمل أوجه جديدة، التعويل على مرشح آخر، التخفيف من العبئ الإقتصادي للمواطن …إلخ)، بصورة يجد من خلالها المواطن متنفس سوسيواقتصادي وتطمينات سياسية تساهم في التخفيف من وطئة حالتي التعبئة والغليان الشعبيين.
هذه النقاط تُحاكي ثالوث أخطاء استراتيجية، يختلف مستواها بين الدولي والداخلي ولكنّها تشترك في كونها ضغوط كبلت التعامل السليم للنظام مع الإحتجاجات الشعبية الواسعة بما هو واقعي أو منطقي.

ب/أ.

Aymen Bk

 

 

Print Friendly, PDF & Email