محمد عبدالرحمن عريف

   هي السيرة الذاتية التى تجمع بين السرد المشوق لأحداث عامة أثرت في مجرى حياة كل مواطن مصري وبين التسجيل المؤثر لنمو حساسية ثقافية مستنيرة ازدهرت على مر السنين بجهود ذاتية حتى أثمرت ما أثمرته في الحركة الثقافية التي ترعرعت في العقد السابع من القرن العشرين، ذلك بسلسلة من المواقف والضرورات السياسية التي شكلت الضابط الثوري والمفاوض الدبلوماسي والذواقة والوزير صاحب النظرية القومية الإنسانية في السياسة الثقافية، والكاتب الملهم في نواح شتى من تاريخ الفنون.

     هي مشروعات ثقافية، وحكايات سياسية، وفنون راقية، وأحلام عامة وخاصة.. عوالم تبحر فيها مذكرات الراحل الدكتور ثروت عكاشة، «فارس» الثقافة المصرية الذي ترجّل، تاركاً وراءه للمكتبة العربية، وللساحة الثقافية، الكثير، مؤلفات وترجمات بالجملة، ومتاحف ومكتبات ومسارح وقصور ثقافة ومعاهد فنون، وغيرها من المشروعات التي أسست على عين الراحل. مؤلفات وترجمات وجوائز من أبرز مؤلفات الدكتور ثروت عكاشة موسوعة «العين تسمع والأذن ترى»، وترجمة عملي الشاعر أوفيد «مسخ الكائنات» و«فن الهوى»، وأعمال جبران خليل جبران «النبي»، و«حديقة النبي» و«عيسى» و«رمل وزبد» و«أرباب الأرض» بالإضافة إلى أعمال جبران الكاملة، و«مولع بفاجنر» لبرنارد شو، و«إعصار من الشرق أو جنكيز خان»، وحقق كتاب «المعارف» لابن قتيبة، و«إنسان العصر يتوج رمسيس»، وأعد معجم المصطلحات الثقافية.

     أمام كتاب يربو على الألف صفحة، قد يحدث قارئ ما نفسه بأنه سيلجأ إلى الانتقاء، لكنه مع مذكرات ثروت عكاشة يجد ذاته مأخوذاً بأسلوب الكاتب، وموسوعيته، وصدقه في الآن ذاته، فالمذكرات تمزج بين السياسة والثقافة، كما مسيرة صاحبها الذي شكل نمطاً خاصاً، جمع بين «السيف والقلم»، ضابط ثوري أسهم في أحداث غيّرت وجه مصر، وربما المنطقة، وتسلم مناصب عدة، من بينها وزير الثقافة لأكثر من مدة في العهد الناصري، وبعد ذلك عكف على دراساته وأبحاثه الخاصة التي شكلت وعي كثيرين.

    تحضر في المذكرات المترامية الصفحات شهادات كثيرة على الذات وعلى الآخر، يسرد ثروت عكاشة ذكريات جمعته بأسماء أغلبها مشهور، وبعضها مغمور، لا يتورط قلمه في الانتقاد المسف، ولا يحاول الدخول في معارك حامية الوطيس مع أموات، على عكس أقلام تتخلى عن وقارها حينما تتصدى لكتابة سيرتها أو شهاداتها، وحتى حينما عرض الراحل لبعض «خصوماته» تحلى بدماثته المعهودة، ولم ينحدر إلى المبالغة والإسفاف.

    يتداخل العام بالخاص في مذكرات عكاشة، إذ يتسلل قلم الكاتب رغمًا عنه إلى مجاله الأثير (الفنون)، ففي الجزء الخاص بتنظيم الضباط الأحرار مثلا، يسرد بدايات التنظيم، وكيف اجتمع شمل أعضائه، والمنشورات التي كانت تصدر عنهم، وينفذ من ذلك الحديث التأريخي إلى قصة صاحب المذكرات مع الموسيقى الكلاسيكية تحديداً، وعشقه لحفلات «الأوبرا» وفنونها الراقية منذ صغره، ويترجم نشيداً عذباً يختتم به ذلك الفصل، لتتلاقى في الصفحات السياسة بالفن والتأريخ العام بالمشاعر الخاصة.

    يستهل ثروت عكاشة «مذكراتي في السياسة والثقافة» التي صدرت الطبعة الأولى منها في عام 1988 بتجربته مع العسكرية، إذ كان والده ضابطاً في الحرس الملكي، ويسرد كيفية دخوله الكلية الحربية، وتخرجه فيها، وانضمامه لسلاح الفرسان في الجيش المصري، وتزامن ذلك مع الحرب العالمية الثانية التي دارت بعض فصولها الختامية في مصر. تعرف عكاشة (من مواليد 1921) إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، وجمعتهما هموم مشتركة، أحوال مصر والجيش والملك والاحتلال وغيرها، وتزامل الاثنان في تنظيم الضباط الأحرار الذي كونه «ناصر».

    انتسب إلى كلية الآداب، وحصل على دبلوم في الصحافة، وفي المرحلة نفسها انتسب إلى كلية الأركان، ونجح في نيل شهادتها، لتترقى رتبته في الجيش. أطنب الراحل في المذكرات في الحديث عن دوره في التخطيط لثورة 1952 وحركة الانقلاب التي قام بها الجيش، وخلع الملك فاروق. وبعد الثورة عهد إلى عكاشة بالإشراف على مجلة «التحرير» لسان حال الثورة، المعبر عن طموحاتها، واستطاع الضابط المثقف النهوض بالمجلة، ورفع نسبة توزيعها، إلى أن نشر مقالاً عن دور سلاحه (الفرسان) في الثورة، والمجهودات التي قام بها في ذلك الحدث.

    لقد أثار ذلك المقال بعض النافذين في مجلس قيادة الثورة، حسب ثروت في «روايات عكاشة»، وفرضت الرقابة على المجلة، وأعلن الجيش أنها لا تعبر عنه. استاء صاحب موسوعة «العين تسمع والأذن ترى» من القرارات الجديدة، وترك المجلة، ومزق صفحات معدة لعدد جديد منها، منذ ذلك التاريخ (يونيو 1953)، اختلفت مشارب رفاق درب الثورة، إذ صدر قرار بتعيين ثروت عكاشة ملحقاً حربياً في إحدى السفارات المصرية، ولم يرض بذلك بعض زملائه في سلاح الفرسان، حتى إن بعضهم فكر في محاولة اغتيال بعض القادة المسؤولين عن إبعاد عكاشة، لكن الأخير رفض ذلك تماماً.

مرحلة جديدة عاقبوه فكافؤوه

    هكذا كان عنوان المرحلة الجديدة من حياة ثروت عكاشة، فمن أرادوا عزله وإقصاءه عن ساحة السلطة والقرار، أسدوا إليه معروفاً، إذ وجد الرجل نفسه، في العاصمة برن في «الفردوس السويسري»، يمارس عمله الجديد، ويعود إلى تأملاته التي يهواها على وقع موسيقى يعشقها، لكن لم تستمر تلك الفترة طويلاً، فبعد أشهر عين عسكري آخر، أعلى رتبة، ملحقاً حربياً في السفارة ذاتها، لينتقل عكاشة إلى العاصمة الفرنسية باريس موطن الفن الآسر.

    كعادته، يمزج عكاشة في سرد مذكراته بين العام والخاص، فحكاياته في باريس عمل سياسي، وسعي للحصول على أسرار وصفقات أسلحة جديدة، وتواصل مع الإعلام والرأي العام الفرنسي، وفي الآن ذاته يضع الرجل خريطة لمعالم باريس الثقافية والجمالية، يصحب القارئ إلى مبانيها ومتاحفها الأثرية، ويسمعه صوت أنغامها، وحكم عباقرتها وشعرائها، ويدله إلى مواطن الجمال، فعكاشة ليس مجرد وصاف، بل محلل وناقد يرشد إلى أعماق الإبداع الحقيقية وليس مجرد القشور.

   بعد باريس حطّ ثروت عكاشة في روما سفيراً هذه المرة، وبعدها بقليل استدعي وزيراً للثقافة (1958)، وحاول أن يعتذر، لكن عبدالناصر رفض، ليكتب عكاشة مسيرة خاصة في منصبه الجديد. ليس من المبالغة أن يوصف ما صنعه ثروت عكاشة في ميدان الثقافة والفنون في تلك المرحلة بمصر بالنهضة الكبرى، إذ حقق الرجل مشروعات كانت أقرب إلى الأحلام، وتوالت نجاحات الرجل الذي وجد ذاته مسؤولاً عن وجدان شعب يتطلع للكثير، فعمل وزيز الثقافة على جعل الفنون والآداب حقاً للجميع، نزل بالفنون الراقية من عليائها، واجتذب إليها جمهورًا كبيرًا.

   هو من أشرف على تأسيس دار الكتب المصرية، وكان صاحب الفضل الأكبر في إنقاذ آثار النوبة في جنوب مصر، وأنشأ العديد من المتاحف، من بينها المتحف المصري، وهو الذي اقترح إنشاء مشروعات الصوت والضوء في المناطق الأثرية، بعدما رأى تلك الفكرة مطبقة في فرنسا، ليجعل آثاراً مصرية «تنطق» بعد طول صمت وإهمال من قبل المسؤولين عنها، لتروي الأهرامات والقلعة، ومعابد الأقصر أمجادها لزوارها ليلاً، ونجحت تلك المشروعات، واجتذبت الكثيرين إليها.

    يشار إلى أن عكاشة تولى وزارة الثقافة لثماني سنوات، الأربع الأولى بين 1958 و1962 والثانية من 1966 إلى .1970 وبين المرحلتين عين رئيسًا لإدراة البنك الأهلي، واستطاع أن يقتني للبنك كنوزاً فنية ولوحات تقدر بالملايين حالياً. كما حصل الراحل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا في عام 1960 وكانت العلاقات بين مصر وفرنسا في تلك الآونة شبه مقطوعة، أخذ عكاشة الذي كان وزيراً للثقافة وقتها، إجازة لمدة شهر، وحضر مناقشة رسالته بلا أصدقاء ولا أقرباء.

    في بداية عهد الرئيس السابق محمد أنور السادات، عين ثروت عكاشة مستشاراً للرئيس، إلا أنه لم يستمر فيه طويلاً، إذ تركه في عام 1972 ولم تكن الأمور بينه وبين السادات على ما يرام، وتعرضت للعديد من المضايقات، في إطار خطة «ساداتية» كانت حريصة على التخلص من رموز الثورة، وكل ما يذكر بعبدالناصر، ممن وصفهم السادات بـ«مراكز القوى».

   فى كتابه «مذكراتى مع السياسة والثقافة»، يكشف الدكتور ثروت عكاشة ـ أحد أبرز الضباط الأحرار ـ عن كواليس توليه حقيبة وزارة الثقافة، ورؤية الزعيم الراحل عبد الناصر، موضحًا أن «ناصر» كانت لديه رغبة فى أن تصبح الثقافة والفنون الراقية فى متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية، لتبلغ القرى والنجوع، حتى يبزغ فنانين جدد من تلك القرى البعيدة، يعكسون فى إبداعتهم أصالتهم الحضارية، وأن فترة عمل «عكاشة» فى السلك الدبلوماسى كانت من ضمن اعتبارات «ناصر» كي يطلع الرجل على الثقافة والفنون هناك ويستطيع التعايش مع التجارب العالمية في ذلك، كي يثرى بها الثقافة في مصر.

إنشاء وزارة الثقافة   

   في مجلة الجديد عام 1972 يرصد الكاتب ثروت عكاشة ملامح إنشاء وزارة الثقافة في مصر بعد تجربته في تولي وزارة الثقافة في مصر مرتين الأولى عام 1958 لمدة أربع سنوات، والثانية عام 1967 فكتب بعد نجاح ثورة يوليو تنازلت طواعية عن مكاني الذي عرضه على جمال عبد الناصر في مجلس قيادة الثورة لزميل فاضل مبتعدًا بنفسي عن تيارات السياسة والصراعات وكنت قد توصلت إلى أن الكتاب أقرب رفيق لي، كما كنت ولعًا بالموسيقى وابتعدت عن دوائر الدردشة من أجل رفقائي الكتاب والموسيقى بل الفن بصفة عامة حتى عاب علي البعض بالتعالي. وصدر قرار بتعييني سفيرًا في روما وسافرت إليها بصحبة أسرتى، وفجأة سمعت في إذاعة القاهرة خبر تعيينى وزيرًا للثقافة دون أن يفاتحني أحد. كان لابد وأن أعود إلى القاهرة لمقابلة الرئيس عبد الناصر راجيًا منه إعفائي من منصب الوزير، وأدرك ذلك عبد الناصر منذ لحظة مصافحتي له فقد كان يقرأ ما في أعماقي وبعدما سألني عن أسرتي صارحته باعتذاري عن الوزارة تحسبًا لوقوع صدام محتمل بين الشلل والتجمعات والصراع على النفوذ والسلطة. أصغى إلي الرئيس مقدرًا مشاعري ثم أخذ في إقناعي وهو يقول: إن منصبك الآن وزيرًا يختلف كل الاختلاف عن منصبك الذي اعتذرت عنه من قبل مستشارًا برئاسة الجمهورية ووضعك الآن يعلو وستشغل مكانًا بعيدًا عنهم ووزارتك في مبنى مستقل بقصر عابدين وسيظل بابي مفتوحًا لك ولن يتغير من الأمر شيئًا ويمكنك في أي وقت الاتصال برقم تليفوني المباشر. وأضاف الرئيس: أنا لم أدعك لوظيفة شرفية بل إنني أعرف ما ستتحمله من أعباء لا يجرؤ على التصدي وتحملها إلا القلة التي حملت في قلوبها وهج الثورة حتى أشعلوها، كأنك تعرف أن مصر كالحقل البكر وعلينا أن “نعزق” تربتها ونقلبها ونغرس فيها بذور جديدة لتنبت لنا أجيالًا تؤمن بحقها في الحياة والحرية والمساواة. إننى اليوم أدعوك أن تشاركني في “عزق” الأرض لإعادة صياغة الوجدان المصري وأعتقد أن هذه أصعب من مهمة بناء المصانع ودورك في مصر أهم من دورك في الخارج، أن ما أريده أن تصبح الثقافة في متناول الجماهير خاصة بعد انحسار المتعة الثقافية سنوات طويلة. بعد مناقشة أربع ساعات طلبت منه مهلة للتفكير، فقال حسبتك تريد فرصة تجرب حظك في منصب الوزير وعلى كل فليكن لك ما تريد ولكن أمامك ليلتان.

    يقول “عكاشة” خرجت من عنده وذهبت مسرعًا إلى بيت المشير عبد الحكيم عامر وقصصت عليه ما دار بيني وبين الرئيس فقال لي: إن ناصر معتمد عليك فلا تخيب أمله فيك. اعتكفت في بيتي يومين وصباح اليوم الثالث رن جرس التليفون وكان الرئيس يسألني عن قراري فقلت له: إلى الآن أنا غير مرتاح. ضحك الرئيس وقال هيا إلى مكتبك على بركة الله وكان عند الرئيس يوسف السباعي فقال لي ضاحكًا أنت لا تدرك مفهوم الراحة في لغة أهل الصعيد لأنها تعني الراحة الأبدية وأظنك لا ترحب بها الآن. ذهبت إلى مكتبى وعقدت العزم على العمل واتصلت بالرئيس وقال لي أنت تستطيع أن تشكل رباطًا وثيقًا بين حركة المثقفين وحركة الثورة لتخلق منها وحدة واحدة.  وكانت حكومة الثورة قد اهتمت بالثقافة فأنشأت المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية برئاسة وزير التربية والتعليم، ثم أقامت وزارة الإرشاد القومي وفي عام 1958 أنشأت أول وزارة للثقافة والإرشاد القومي وتوليتها كوزير حتى عام 1962.

   يبقى أن “عكاشة” حاز العديد من الجوائز العالمية والمحلية، ومنها جائزة الدوله التقديرية في الفنون عام 1978 والوسام الإيطالي عام 1959 والقلادة العظمى لوسام اورانج ناسو الهولندي 1961 ووسام الفنون والآداب الفرنسي بدرجة كومندور 1964 والميدالية الفضية لليونيسكو تتويجاً لانقاذ معبدي ابوسمبل وآثار النوبة 1968 ووسام اللجيون دونير الفرنسي بدرجة كومندور 1968 ووسام الوشاح الأكبر الاسباني لالفونس العاشر الحكيم 1968 والميدالية الذهبية لليونيسكو لجهود من اجل انقاذ معابد فيلة وآثار النوبة 1970 ووسام الشرف الاكبر والنوط الذهبى النمساوي 1970 وكرمته الإمارات بجائزتي العويس عام 2004 ،2005 وجائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2007.