تتغير المفاهيم وتنقلب الموازين في سلوكات أغلب التجار الجزائريين، عندما يتعلق الأمر بعمليات البيع والشراء، أين أصبح التاجر هو الملك بدل أن يكون الزبون هو الملك مثلما هو متعارف عليه ومعمول به في مختلف الدول، بل تعدى الأمر إلى سلوكيات غريبة حطت من قيمة المستهلك وجعلته مجرد مادة استهلاكية يرجى من ورائها النفع فقط. 

تضبط التشريعات الخاصة بعمليات البيع والشراء حقوق وواجبات الأطراف المتعاملة في هذا القطاع، وفق رؤية صائبة مستمدة من أخلاق المهنة وقيم وتقاليد مجتمعنا، هذه التقاليد التي تنبذ الغش والتحايل وفقا لحديث الرسول الكريم “من غشنا فليس منا”.

وهو ما يتناقض فعلا مع أغلب المعاملات التجارية، خاصة تلك التي تتم على مستوى أسواق التجزئة، وكأن التاجر يعاني من ضغوطات يومية لايجد سوى الزبون لتفريغ شحنات غضبه المتتالية عليه، لهذا تشهد أسواقنا يوميا ملاسنات ومشاجرات بين الباعة والزبائن، خاصة على مستوى الأسواق الشعبية ولدى الباعة الفوضويين.

يعد سوق الحطاب بعنابة فضاء تجاريا قديما يقصده الزبائن من مختلف أحياء المدينة وحتى من البلديات المجاورة، أين تسجل الكثير من المشاحنات اليومية والمشاجرات بين التجار والزبائن بشكل يزداد من يوم إلى آخر، حيث تغيب الابتسامة وطلاقة الوجه وتعوضها النظرات الحادة والكلمات المستفزة.

فالزبون يبحث كعادته بين طاولات البيع عن أجود السلع وأنسبها سعرا، فيطلب ما يحتاجه، غير أنه سرعان ما يتفاجأ بحصوله على سلعة ذات نوعية رديئة لم يرها على الطاولة في صورة غش فاضحة، بحيث يكون التاجر قد وضع أحسنها في الواجهة الأمامية وأمام مرأى الزبون، في حين يقوم بوضع الرديء من السلع في متناول يده ومن خلف السلعة الجيدة، حتى يتمكن من تمريرها إلى الزبون دون أن يراها.

وهنا يثور الزبون وفي أغلب الأحيان، وتسجل شجارات وملاسنات يصل طرفاها إلى مقر الأمن الحضري التاسع، الذي سجل الكثير من هذه المناوشات، كما تحفل صفحات بمواقع التواصل الاجتماعي لمواطنين يوجهون دوما شتائم لتجار السوق لما يلاقونه من غش بعيدا عن سلوكات المسلم.

“التاجر الجزائري يريد كسب جيب الزبون فقط”

يقول الدكتور عبد اللطيف بلغرسة أن التجارة هي مهنة كما أنها علم وفن، علما أنها تنبني على قواعد ومبادئ وقوانين وفن، لأنها تستند على مهارة الممارسة وتعتمد على الأعراف والتقاليد السائدة في هذا البلد أو ذاك.

ومنه فإن تغير عادات ممارسة التجارة أي عمليتي البيع والشراء عند الجزائريين، مردها إلى تغير علم التجارة وتغير المهارات التجارية التي تبتكر من يوم إلى آخر بفعل علم التسويق، حيث يجب أن نفرق بين المفهوم البيعي للتجارة والمفهوم التسويقي لها، هذا من ناحية الإقتصاد الجزئي، زيادة على أن حالة الاقتصاد الكلي مثلا حالتي الانكماش والازدهار تعمل كل واحدة منهما على تغيير السلوكات التجارية للباعة الجزائريين، إما سلبا فى حالة الانكماش أي الركود التجاري، أو إيجابا في حالة الازدهار أي الرواج التجاري.

إن اعتقاد التاجر الجزائري بضرورة كسب جيب الزبون وليس قلب الزبون، هو الذي يدفعه إلى تغييب البشاشة والابتسامة وحسن الاستقبال، زيادة على أن دخول المتطفلين إلى ميدان التجارة يسبب ذلك أيضا، وهناك سبب ثالث يتمثل في كثرة الطلب مقارنة بالعرض، ووفرة النقود التي تدفع لكثرة الشراء تجعل من التاجر يتكاسل على استعمال فنيات جذب الزبون بالمعاملة الحسنة والكلمة الطيبة.

إن الفارق جد جلي بين التاجر الجزائري والتاجر في الاقتصاديات المتطورة، حيث يعتقد التاجر، ومن خلال معاملته للزبون، أن هذا الأخير مجرد آلة لدفع المال، وأن التاجر فضله كبير على الزبون لأنه يجلب له ما يحتاجه من السلع والخدمات.

كما أن التاجر في الجزائر يرى الزبون الحلقة الأضعف، التي يحمّلها مشاكل التاجر مع الضرائب والبنوك وتجار الجملة والموردين والمستوردين، فضلا على غياب مفهوم التاجر بالمعنى العلمي وإحلال مفهوم مقتنص الفرصة للتربح مكانه.

أما في العالم المتطور، فإن التاجر يعتبر الزبون سبب وجوده وسبب بقائه وسبب تطوره ونموه، حيث تطور مفهوم الزبون إلى شريك حقيقي، إذ أصبحت المحلات التجارية تستشير الزبون في وضع ونوع ولون السلعة قبل عرضها، فالتاجر هناك يعيش بالتجارة أما هنا فالتاجر يجمع المال عن طريق ممارسة التجارة فقط.

“هناك استراتيجية عمل سنعمل بها لتحسين العلاقة بين التاجر والزبون”

قال الأمين المكلف بالتنظيم بالأمانة التفيذية لاتحاد التجار والحرفيين بعنابة، حسن غرس الله، “هناك أسباب عديدة لها علاقة بتطور المجتمع تجعل سلوكات التاجر تحيد عن أخلاق التجارة، ويصبح التاجر فيها ملكا بدل الزبون”.

ويضيف “في الوقت الذي لا يزال لدينا قدماء التجار الذين يمارسون نشاطهم منذ الفترة الاستعمارية، فهم يسعون للحفاظ على سمعة مهنتهم، ويرون أن رأس مالهم هو جلب أكبر عدد ممكن من الزبائن، عن طريق حسن الاستقبال وحسن المعاملة، ويتمتعون بخبرة وكفاءة في كيفية تسويق مبيعاتهم، وهي الأخلاق نفسها التي يتمتع بها زبائنهم من انضباط وفقا لقيم مجتمعهم”.

 وأضاف “وبالمقابل، لوحظ خلال السنوات الأخيرة وجود فئات مختلفة اقتحمت المجال التجاري، أغلبهم يمارسون نشاطهم عن طريق كراء المحلات، وهو ما يجعلهم يعانون من أعباء إضافية تتجاوز قدرتهم على ممارسة نشاطهم كتجار ذوي أخلاق تتطلبها المهنة، حيث تجدهم يلهثون وراء جمع المال لتغطية المصاريف والأعباء الملقاة على عاتقهم، بالنظر لغلاء أسعار الكراء والأعباء الضريبية، بالإضافة إلى ما يعانونه من نقص إقبال الزبائن نتيجة تدهور القدرة الشرائية، وأيضا المنافسة غير الشرعية من طرف الباعة الفوضويين” .

 وخلص إلى “أن التاجر جزء من المجتمع، ويتأثر بالعوامل الإيجابية والسلبية الموجودة فيه، وفي كل المجالات تقريبا، مثلما نلاحظه أيضا في الإدارة أو القطاع الخدماتي، وبداية من سنة 2022 سيتم تغيير استراتيجية العمل مع التجار البالغ عددهم على مستوى عنابة 25 ألف تاجرا، خاصة المنخرطين منهم في اتحاد التجار والذين لا تتجاوز نسبتهم 15 بالمائة، حيث سيتم تحديد إيجابيات الانخراط في هذه الهيئة المهنية، وهو ما سيسمح مستقبلا بتغيير العلاقة بين التاجر والزبون بالتنسيق مع المصالح المشتركة في هذا المجال”.                                                               

 “الضغوطات النفسية مصدر لتوتر العلاقة بين التاجر والزبون”

تذكر المختصة النفسانية، نادية بن حمزة، أن صعوبة الأعباء المعيشية في الحياة تزيد من حدة المشاكل بين أفراده، وتقوي الحاجة للتنفيس، وبما أن حديثنا عن غياب ثقافة البيع عند أغلب التجار، فإن عوامل كثيرة خاصة النفسية منها فرضت وجودها، فالتاجر قبل كل شيء هو مواطن يتفاعل مع مشاكل مجتمعه الذي يعاني من ارتفاع الأسعار ورفع الدعم وانهيار القدرة الشرائية، والتي أصبحت الشغل الشاغل لدى فئات واسعة من المجتمع”.

وتضيف “كما أن أغلب المشاكل المحيطة بنا أفرزت وضعا نفسيا صعبا لدى الكثير منا، وأضحت فئات كثيرة تعاني من القلق النفسي والإحباط والكآبة والتشتت والكبت النفسي وعدم التركيز.

وهناك من يجد في التسوق مساحة واسعة لتحسين المزاج والبحث عن راحة نفسية مفقودة، خاصة مع هذا الوضع العام الذي نعيشه نتيجة الغلق والأخطار الصحية التي تترصد كل واحد منا نتيجة تداعيات فيروس كورونا.

وتستدرك بالقول “أمام هذه الوضعية الصعبة هناك من الأسواق العالمية من فكرت في كيفية إخراج الزبون من الحالة النفسية، التي يعاني منها إلى وضع أفضل، وهذا بتخصيص مساحات ترفيهية ملحقة لفضاءاتها التجارية، مع مساعدته على تحسين مزاجه والتسوق في وضع مريح.

وعليه، فالمطلوب من التاجر أينما وجد التحلي بالأخلاق الإسلامية والتحكم في أعصابه، ولا يجب أبدا أن يشفي غليله في الزبون الذي هو في الحقيقة رأس ماله، لأن كل ذلك سيصب في النهاية في فائدته، وعلى الدولة تحمل مسؤولياتها أيضا في توفير مناخ العمل المناسب للتاجر ومرافقة الشباب المقبل على هذه المهنة، خاصة في سنوات العمل الأولى بدعمهم في كراء المحلات وما يتبعه من إعفاء ضريبي حتى يتمكن التاجر من الوقوف على قدميه”.

“غياب ثقافة البيع لدى التجار سببه عدم تبلور قيم الرأسمالية في أذهانهم”

تقول الدكتورة مريم بوشارب، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عنابة، أن العلاقة بين البائع والزبون تأسست داخل إطار مؤسساتي يسمى السوق على اختلاف تسمياته من محل، مساحات كبرى…إلخ، هذا الأخير الذي نشأ بدوره في سياق سوسيو إقتصادي غربي مختلف عن المجتمع الجزائري، ما يجعل علاقة “بائع، زبون” أيضا مختلفة سلوكا وقيما بين المجتمعين.

وهذا بالرغم من أن الهدف واحد، فالضوابط التي تحكم هذه العلاقة في المجتمع الغربي تأسست بناء على قيم العقلانية الاقتصادية الرأسمالية المتمثلة في حقوق المستهلك، تنوع المنتوج ووفرته، منافسة عالية، أسعار ثابتة، إمكانية الإعادة والاستبدال..إلخ.

غير أن مثل هذه العلاقة لا تتوفر في المجتمع الجزائري، أين مازالت قيم البنى الاجتماعية التقليدية الفاقدة لأبسط قيم العقلانية الرأسمالية، ما يفسر توتر العلاقة بين البائع والزبون بشكل مستمر، بمعنى آخر عدم تبلور قيم العقلانية الاقتصادية في المجتمع الجزائري، أو أنها موجودة في شكلها الجنيني، وهو ما يجعل البائع يبحث فقط عن الربح الآني دون وجود استراتيجية أو رؤية مستقبلية لنشاطه، كما تتجسد بدائية علاقات السوق وعدم نضجها في عدم تبلور أخلاقيات لفعل البيع أو معايير منظمة للعلاقة بين الطرفين.

“التجارة كسب ورزق وفن وأخلاق”   

يقول الإمام قويدر مشاعلة، أمين المجلس العلمي بمديرية الشؤون الدينية بعنابة، أن التجارة عند المسلمين فن وأخلاق وكسب للرزق، لأنها ضرب من ضروب المعاملة مع الناس، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول “الدين معاملة”، وقد كان عليه الصلاة والسلام مثالا في هذا الصدد، وكان تعامله مع الناس دعوة لله تعالى، لذا وجب على كل تاجر معرفة فقه البيع والشراء، ليكون كسبه حلالا ورزقه مباركا، بالإضافة إلى تحليه بالأمانة في المعاملة.

فالتاجر أمين في إعطاء الحقوق لأصحابها، لذلك كان الوعيد شديدا في تطفيف الكيل والخسران في الميزان مصداقا لقوله تعالى “ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم”.

ومن أخلاق التاجر أيضا تمسكه بالسماحة وطلاقة الوجه والليونة في القول وحسن الكلام وإظهار البشاشة والفرحة للزائرين، فقد قال صلى الله عليه وسلم “رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا أقتضى” والسماحة سبب البركة والنماء.

فهذه الأخلاق وجب توفرها في كل تاجر مسلم، وعليه أيضا أن يتجنب الخيانة في البيع والغلظة في الوجه والشدة في القول والصلابة في التعامل والجفاء للزائر، فإن ذلك ما ينفر الناس منه، ويضيق عليه باب رزقه.

ويضيف الشيخ قويدر مشاعلة “التجارة علم وفن لمن يحسن إدارتها، فكما يرتب التاجر سلعته ويحرص على حسن عرضها، عليه أن يرتب ألفاظه وأن ينظم تقاسيم وجهه عند تعامله مع الزبائن وهي ليست لكل واحد، خاصة في المدة الأخيرة التي انتسب إلى التجارة من لا علاقة له بها، ومن لا يتقن فنها، ولا يحمل أخلاق التاجر الحق، فأساء إليها وإلى أهلها بكثرة الصياح المنفر، والكذب الملفق والتزوير المفضوح، والإشهار غير الصادق، فبؤسا لهذه الأخلاق الذميمة، وطوبى للتاجر الصدوق الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة” رواه الترمذي.