وليد عبد الحي

أزعم أن “أغلب” المجتمعات الاستيطانية تجعل من القوة القيمة الأعلى في منظومتها القيمية( وعندما نقول القيمة العليا فهذا يعني أن هناك قيم اخرى في السلم القيمي في كل مجتمع ، لكن الفارق بين المجتمعات ليس في ” تعداد” القيم” بل في سلم ترتيب القيم بين القيم العليا والقيم الوسطى والقيم الدنيا، وسأقف عند نموذج المجتمع الأمريكي الذي نشأ بالقوة، عبر تحدي عدد من المغامرين هول المحيط الأطلسي في أواخر القرن الخامس عشر بقيادة كولومبوس،ونجحوا في التحدي، ثم أبادوا الهنود الحمر وقبائل الأباتشي بدليل أنه بعد 400 سنة من بداية الاستيطان اصبح عدد الهنود الحمر هو اقل من 2،5% من عددهم زمن كولومبوس…
ونظرا للنجاح في ممارسة القوة مع الطبيعة والبشر، تكرست فكرة القوة في المنظومة القيمية،ولنلاحظ المظاهر التالية:
1-الرياضة: ابرز الرياضات في الولايات المتحدة والتي تحقق فيها أعلى عدد من الإنتصارات هي العاب القوى، ويكفي النظر للميل للمصارعة والملاكمة،بل إن كرة القدم الأمريكية تعتمد على العضلات أكثر من الفن الكروي..
2- السينما: تشير دراسة سمير فريد عن تحليل مضمون السينما إلى أن السينما الأمريكية هي التي تتضمن أكثر نسبة من الأفلام التي تحل فيها عقدة الفيلم بالقوة(اللكمات أو المسدسات…الخ) وبنسبة تفوق نسبتها في الفيلم الأوروبي بسبعة اضعاف..وعند النظر في أفلام الكرتون “للاطفال” تتضح المسألة بشكل أكبر، ف”توم آند جيري”Tom and
Jerry
تمثيل للصراع الأبدي بين القوة العضلية والقوة العقلية، أما البحار”بوب آي” popeye the sailor فإنه تمثيل واضح جدا لفكرة القوة، فهذا البحار الضعيف الذي يضربه بلوتو باستمرار لا يستطيع الدفاع عن نفسه إلا باستخدام السبانخ وسكبه في غليونه(والسبانخ غني بالحديد رمز القوة)، وبعد سكب السبانخ تنتفض عضلات “بوب آي” لتكريس فكرة الربط بين القوة والحديد..ونقار الخشب woodpecker يكرس نفس الفكرة. من خلال حفر جذع الشجرة ليبني العش( صناعة الحياة)..الخ
3- في الأدب كيف نفهم تصدر كتابات ارنست همنجواي (خاصة الشيخ والبحر التي تدور حول فكرة أن الإنسان قد يدمر لكنه لا يهزم”..وادب William Faulkner بخاصة ” في الصخب والعنف”.(The Sound and the Fury)..الخ…بل وفي الفن , فلماذا لا نجد رقصا كالباليه ينشأ في المجتمع الأمريكي بل نجد موسيقى واغنية أميل في إيقاعها للقوة….حتى لو وجدنا فنا رومانسيا..
4- في الفكر السياسي:هل هي صدفة أن انبياء القوة من نيبور”الذي فسر الخطيئة بأنها دليل على ميل الافراد لانتزاع عرش الرب…إلى مورغانثو وكل مفكري النظرية الواقعية تركزوا في أمريكا ،أو تأثروا بمفكري القوة خارج الولايات المتحدة..
5- هل هي صدفة أن أعلى معدل جريمة في العالم هو في الولايات المتحدة وبنسبة ستة اضعاف نسبتها في أوروبا رغم أن معدل الدخل في الولايات المتحدة من أعلى معدلات الدخل في العالم…
6- ما معنى أن تكون الولايات المتحدة هي صاحبة أعلى معدل تدخل عسكري في العالم، فمجموع تدخلاتها منذ الحرب العالمية الثانية بلغت 283 تدخلا…والغريب أن كل الدول عرفت في تاريخها النصر والهزيمة ولم يصبح لديها “عقدة هزيمة”، إلا الولايات المتحدة التي ظهرت فيها “عقدة فييتنام”..لأن المجتمع الفييتنامي الضعيف هزم “دولة القوة” وهو ما خلق أزمة ثقة في المنظومة القيمية، فكان حل العقدة بسلسلة من التدخلات العسكرية الناجحة المتلاحقة لاستعادة الثقة بمركزية القوة..
7-إن المجتمع الذي قتل مارتن لوثر كنج رغم “أحلامه” واشعاره الداعية لفتح الأبواب للحرية..هو نفسه الذي صفق لمحمد علي كلاي..فكلاهما أسود،لكن الأول كان يدعو لقيم لا تتفق مع القيمة العليا..بينما الثاني جعل شعاره “قبضته القوية” فصفقوا له..
إن المجتمع الأمريكي يرى الشر بأنه ” القوة المقابلة”…وأن الخير هو في بناء”قوة أكبر” وهنا تكاتفت القوة مع البراغماتية، فطالما ان القوة ” مفيدة ” فهي فكرة صحيحة بغض النظر عن المنظور المعياري لها..ومن ينتظر من هذا المجتمع تطبيقا للقوانين الدولية في الصراع الدولي هو كمن ينتظر من الثور أن يراعي “آداب المائدة”