ثلاثة كتب حديثة جديرة بالقراءة هي”العالِم والجاسوس” و”قناة الاعتراض” و”إمبراطورية متمردة”

◄ “العالِم والجاسوس” يروي حادثة غريبة في العلاقات الأمريكية الصينية

◄ “قناة الاعتراض”.. وسيلة للتعبير عن رفض السياسات الخارجية الأمريكية

◄ “إمبراطورية متمردة” يطرح فكرة التحرر من الاستعمار بين مؤيدي الكولونولية

ترجمة – رنا عبدالحكيم

رشحت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية 3 كتب نوعية صدرت حديثا خلال 2020، حيث رصدت أبرز تفاصيل هذه الكتب، التي تتناول قضايا متنوعة، من الجاسوسية إلى الدبلوماسية الأمريكية الخادعة، إلى الإمبراطورية البريطانية المتمردة.

ويحمل الكتاب الأول عنوان “العالِم والجاسوس.. قصة حقيقية للصين ومكتب التحقيقات الفيدرالي والتجسس الصناعي”، ففي العام 2016، أكدت إدانة عالم فيزياء في فلوريدا بتهمة التجسس على شركات المنتجات المعدلة كيميائيًّا الأمريكية لسرقة أسرارها الصناعية، أن سرقة البذور أصبحت أيضًا -على الأقل لأولئك الذين يؤثرون في السياسات والإجراءات الفيدرالية الأمريكية- تهديدًا للأمن القومي. وبحسب الاتهامات، تعهد العالم مو هايلونغ (المعروف أيضًا باسم روبرت مو) بمساعدة شركة صينية من خلال نقل أسرار ترتبط بوسائل تطوير البذور وزراعتها وجنيها وتنظيفها وتخزينها.

وتستكشف الصحفية والمراسلة العلمية السابقة مارا هفيستندال تاريخ مهنة مو الغريب في كتابها الثالث، “العالم والجاسوس: قصة حقيقية للصين ومكتب التحقيقات الفيدرالي والتجسس الصناعي”، وعلى الرغم من أن مو يمكن أن يكون إما العالم أو الجاسوس المشار إليه في العنوان، فإنه ليس الموضوع الحقيقي للكتاب؛ حيث تصور هفيستندال مو بشكل مقنع على أنه “بيدق في صراع دولي” بين الصين والولايات المتحدة.

وخصص مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي جزءًا ليس بالقليل من النفقات لخلق قضية ضد مو. وخلال عامين، كرّس 73 عميلًا فيدراليًا وقتهم لهذا الجهد، وتم اعتراض 17 ألف رسالة بريد إلكتروني، وتسجيل مئات الساعات من التسجيلات الصوتية، وغيرها من التفاصيل. كل هذه الإجراءات تمت للدفاع عن حقوق الملكية الفكرية لشركتين زراعيتين رائدتين في العالم وفي الصناعة الأمريكية، ضد التوغلات المنظمة العشوائية لمؤسسة علف حيوانية مقرها بكين، والتي لم تكن لديها حتى الخبرة اللازمة والكفاءة لاستغلال البذور المسروقة.

ولفهم سبب تخصيص حكومة الولايات المتحدة مبلغًا كبيرًا من أموال دافعي الضرائب للتحقيق والمقاضاة نيابة عن شركة مثل “مونسانتو”، التي خضعت قبل توجيه الاتهامات إلى مو، لتحقيق أجرته وزارة العدل الأمريكية بشأن الانتهاك المحتمل لقانون مكافحة الاحتكار، يحتاج المرء حقًا التفكير في ارتباط السياسة العالمية بهذا النوع من القضايا التي يمتزج فيها غالبًا القضائي بالسياسي.

إن هذه الرؤية لـ”موجة بشرية” من الطلاب والعلماء والمهندسين الذين يجمعون معلومات استخباراتية مخصصة، تشير، بحسب هفيستندال، بطريقة خاطئة، إلى أن جميع الصينيين الذين يعملون في الولايات المتحدة يعملون كجواسيس محتملين للحزب الشيوعي.

الدبلوماسية الخادعة!

أما الكتاب الثاني، فيأتي بعنوان “قناة الاعتراض.. الدبلوماسية الأمريكية في عصر خادع”. وتقول المجلة في قراءتها للكتاب إنه وسط فوضى حرب فيتنام، أنشأت وزارة الخارجية الأمريكية نظامًا رسميًا للدبلوماسيين للتعبير عن معارضتهم للسياسات التي كلفوا بتنفيذها. من الناحية النظرية، يمكن أن تساعد القناة المسماة بالمعارضة في العمل كوسيلة لمنع كوارث السياسة الخارجية -مثل حرب فيتنام- من خلال السماح حتى لأصغر الموظفين بتجاوز التراتبية البيروقراطية وإرسال مذكرة مباشرة إلى الدائرة الداخلية لوزيرة الخارجية لدق أجراس الإنذار بشأن سياسة الولايات المتحدة في قضية ما.

واليوم، تحتل القناة المعارضة مكانة مهمة في تركيبة وزارة الخارجية؛ إذ إنه نظام نادر الاستخدام، لكنه نظام يتباهى به الدبلوماسيون الأمريكيون في كثير من الأحيان كدليل على قوة ومرونة قادة السياسة الخارجية الأمريكية. ولكن في هذا اليوم وهذا العصر، هل نقل الحقيقة إلى السلطة يشكل فارقاً؟

إليزابيث شاكلفورد دبلوماسية مهنية سابقة، تتعامل مع هذا السؤال في هذا الكتاب وهو مذكرات شخصية عن جولتها في جنوب السودان الذي مزقته الحرب وتتناول أيضا قرارها الاستقالة لأسباب أخلاقية في العام 2017. يقفز الغضب واليأس والاستياء من الصفحات بينما تروي شاكلفورد كيف حاولت هي وزملاؤها في سفارة جوبا أن يدفعوا واشنطن لإدانة الفظائع التي ارتكبتها حكومة جنوب السودان ولكن دون جدوى. إنها لا تدخر أي جهد في إظهار كيف أصبح جنوب السودان أحد أكثر الإخفاقات المذهلة في السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة.

مرارا وتكرارا، رفضت واشنطن أن تدين بشدة القوات الحكومية في عهد الرئيس سلفا كير مايارديت حيث قاتلت نائبه السابق المنافس ريك مشار. فيما سادت اتهامات بالقتل الجماعي والاغتصاب وجرائم حرب أخرى من قبل الجانبين. ودعت الحكومة الأمريكية أكثر من مرة إلى الهدوء وأصدرت تهديدات غامضة بالانتقام نادرا ما تتابعها.

وتقدم شاكلفورد حججًا مألوفة حول مخاطر سياسة ترامب الخارجية، لكن الكتاب يضيء حقًا في روايتها ضربة تلو الأخرى لما تفعله السفارة الأمريكية في وقت الأزمات.

ويستحق الكتاب الثناء على سرد قصة الانهيار المذهل لجنوب السودان ورفض واشنطن الاعتراف بإخفاقاتها الخاصة، وإن لم تكن غير مروية. لكن الكتاب يطرح أيضًا أسئلة أكبر حول كيف يمكن للدبلوماسيين وغيرهم في الحكومة أن يقولوا الحقيقة للسلطة في عصر يمكن أن تتعرض فيه الحقيقة، ومن يتحدثون عنها، للهجوم.

الاستعمار والتمرد

وتتطرق المجلة إلى الكتاب الثالث بعنوان “إمبراطورية متمردة.. المقاومة المضادة للاستعمار والمعارضة البريطانية”، حيث تستعرض المؤلفة بريامفادا جوبال الباحثة والأكاديمية في جامعة كامبريدج البريطانية الكيفية التي كانت عليها الدول والمجتمعات التي استعبدتها بريطانيا وسيطرت عليها في مشروعها الاستعماري. وأسهم هذا العمل بقوة في تشكيل أفكار الحرية والتحرر داخل المملكة المتحدة ذاتها. وفي سبيل هذا، ترصد الكاتبة بالدراسة والتحليل قرناً كاملاً من التمرد على الإمبراطورية وتظهر كيف تأثر نقاد مفهوم الإمبراطورية من البريطانيين بالثورات وحركات المقاومة التي جرت في المستعمرات، من جزر الهند الغربية وشرق إفريقيا إلى مصر والهند. والأهم من هذا، كيف لعبت هذه الحركات التحررية، انطلاقاً من مفاهيمها النظرية، دوراً محورياً في إثارة المقاومة التي تبناها مناهضو السياسات الاستعمارية التي تركزت في لندن، أي في قلب الإمبراطورية تماماً. ثمة الكثير من الكتابات حول الكيفية التي تلقت بها الشعوب المستَعمرة الأفكار البريطانية والغربية عموماً وحوّلتها إلى قوالب نظرية نتج عنها فعل مناهض للإمبراطورية وداعٍ للتحرر والحكم الذاتي. لكن الكتاب يرفض تصوير تلك الشعوب كضحايا للإمبريالية، أو أنهم مجرد مستفيدين سلبيين للوعي البريطاني المستنير، بل إنهم متمردون أصحاب إرث سيستفيد منه فيما بعد أبناء الأمة التي كانت تضطهدهم.

“الإمبراطورية المتمردة” هو كتاب طويل ولا يسهل دائما هضمه، خاصة لأولئك الذين لم يتأثروا في الفترات التي يصفها. وتمتلك جوبال وجهة نظر حادة تتناول بها الشخصيات المنسية والتاريخ المفقود، لكن المعلومات تأتي سميكة وسريعة، ويمكن للنطاق الهائل للكتاب -بدءًا من الهند في أوائل القرن التاسع عشر حتى عصر النهضة في هارلم- أن يجعل من الصعب تتبعها. ربما يكون الجزء الأكثر ثراءً هو وصفها للندن في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما أصبحت العاصمة الإمبراطورية مركزًا لتشابك حركات المقاومة وحتى الرأي البريطاني التقليدي بدأ يدرك نهاية الإمبراطورية.