ثنائية الإرهاب والجريمة المنظمة في شرق أفريقيا – دراسة تحليلية

أدركت أفرع التنظيمات الإرهابية القاعدية والداعشية أهمية وجود مصادر بديلة لتمويل عملياتها وتعويض خسائرها تزامنًا مع الضربات العسكرية عليها سواء من التحالفات العسكرية الدولية أو الإقليمية أو الجيوش المحلية، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على خطوط الامدادات الرئيسية لها من المركز “قيادة التنظيم”.

كان البديل الأسرع والأكثر أمانًا هو اللجوء إلى المجتمعات المحلية واعتماد التجارة غير المشروعة التي تسيرها الجريمة المنظمة، وذلك في ظل حالة الانتعاش والرواج الكبير التي تشهدها التجارة غير المشروعة في القارة السمراء.

وقد سجلت شرق إفريقيا أعلى مستويات الجريمة في القارة منذ عام 2019، فلا تنفك المنطقة تتجرع مرارة الصراعات المسلحة والعرقية، وتفشي الجماعات المسلحة والميليشيات غير الحكومية.

وتشهد المنطقة أعلى مستويات تهريب البشر والابتزاز وإتاوات الحماية، فضلاً عن الاتجار بالأسلحة والبشر. وقد ساهمت ما تفعله حركة الشباب في بقاع من الصومال والمناطق الحدودية بين كينيا والصومال وإثيوبيا في ارتفاع معدلات الابتزاز وإتاوات الحماية في المنطقة.[1] وهو ما يُمكن توضيحه في الآتي:

أوًلا- التنظيمات الإرهابية والإجرامية.. تحالف مصلحي:

كثير من التقارير الدولية تؤكد أن الساحل الشرقي لأفريقيا بات عاملًا رئيسيًا لتمويل الإرهاب جراء الأنشطة غير المشروعة المسيطرة عليه والتي استفادت منها جماعات العُنف بشكل غير مسبوق.[2]

وقد تم الاعتراف بالصلة بين الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الوطنية في العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. على سبيل المثال، قرارات مجلس الأمن الدولي 2161 – 2014 و2195 لسنة 2014، وأكدت أن الجماعات الإرهابية تستفيد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود والمشاركة فيها.[3]

وفي 19 يوليو 2019، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2482 لسنة 2019، الذي أعرب فيه عن قلقه الشديد من استفادة التنظيمات الإرهابية من الجريمة المنظمة كمصدر للتمويل والدعم اللوجستي.[4]

وفي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، الصادر في عام 2020، أبلغت الدول الأعضاء عن أبعاد ومظاهر مختلفة للروابط بين الإرهاب والجريمة المنظمة، مما يشير إلى وجود تحالفات انتهازية تقوم على العداء المشترك للسلطات الوطنية، والفرص الاجتماعية والاقتصادية المحدودة، وتقاسم المنطقة العملياتية أو الإثنية من أجل الربح.[5]

وبالنظر إلى آخر إحصاءات مؤشر الجريمة المُنظمة في أفريقيا لعام 2021، فقد جاءت “كينيا” في المرتبة الرابعة على مستوى القارة من أصل 54 دولة مُعترف بها[6]، وفي المرتبة (الأولى) على مستوى دول شرق أفريقيا، وهو ما يُشير إلى خطورة التجارة غير المشروعة والجريمة المُنظمة في هذه الدولة، ويُلقى الضوء أيضًا على دوافع اختيار الإرهاب لكينيا لتكون محطة رئيسية من محطات تمويله.

ووفق هذا المؤشر فإن “الاتجار بالبشر” محركًا مهمًا للاقتصاد الإجرامي السري في كينيا، بجانب تداول أعداد كبيرة من “الأسلحة” غير المرخصة وغير المشروعة في البلاد نظرًا لقربها من مناطق النزاع. تعد كينيا في الأساس مركزًا لتجارة الأسلحة إلى مناطق الصراع في دول مثل الكونغو الديمقراطية وأوغندا.

بجانب هذا ينتشر الاتجار في المخدرات، إذ تُعد كينيا نقطة انطلاق رئيسية للعديد من أنواع المخدرات غير المشروعة، بما في ذلك الهيروين من أفغانستان والخليج العربي في طريقها إلى أوروبا والأمريكيتين وأجزاء أخرى من إفريقيا. تستمر مراكز الهيروين في النمو في كينيا، حيث يعزو الخبراء طفرة الهيروين إلى التحضر غير المخطط له.[7]

كما تنشط التجارة غير المشروعة في الأحياء البرية والحية غير المشروعة بين كينيا وآسيا مثل العاج ووحيد القرن والببغاء الرمادي الأفريقي والثعابين السامة، بل تُعد كينيا بلد عبور رئيسي عبر ميناء مومباسا ومطار جومو كينياتا الدولي.  كل هذه الأنشطة وغيرها، ساعدت تنظيمات الإرهاب مثل حركة الشباب في الصومال وكينيا وجماعة أهل السنة والجماعة المُبايعة لداعش في موزمبيق، على تمويل أنشطتها.[8]

وقد تأخذ أوجه التعاون بين التنظيمين الإرهابي والإجرامي في شكل من أشكال التوظيف المتبادل، فمن حيث استفادة التنظيمات الإرهابية قد تتعدد في صور[9]:

أ- التجنيد: تقوم الجماعات الإرهابية بتجنيد الأفراد من المنظمات الإجرامية – العصابات.

ب- الاستفادة من هذه الشبكات الإجرامية في التمويل وتهريب البضائع غير المشروعة.

ج- تعزيز سرية العمليات الإرهابية، وتزويد مجموعة التجنيد بالمعلومات وإمكانية الوصول إلى أسواق جديدة غير مشروعة.

د- جلب مهارات جديدة لمجموعة إرهابية، بما في ذلك الخبرة في ارتكاب لعنف.

هذا في الوقت الذي قد تختلف فيه أهداف كلًا من الجريمة المنظمة والمنظمات الإرهابية وتأخذ طابعا براغماتيًا نحو السعي لتحقيق ذلك، فبالنسبة للجماعات الإجرامية فإن جني الأرباح هو الهدف النهائي، وبينما قد تنخرط في أنشطة سياسية، فإن هذا في المقام الأول هو تمهيد الطريق للنشاط الإجرامي. لكن بالنسبة للجماعات الإرهابية فإن جني الأرباح هو وسيلة لتحقيق غاية أساسية قد تكون أيديولوجية توسعية.[10]

كان التعاون هنا متبادلا حيث تستخدم الجماعات الإجرامية المنظمة الصومال لشحن المنتجات إلى كينيا ، وتوفر حركة الشباب ممراً أكثر أماناً للمنتجات مقابل رسوم متفق عليها.[11]

ولعل حركة الشباب الصومالية التي تنتشر في كينيا، من بين الجماعات الإرهابية الأكثر نجاحاً في توليد الدخل عبر التجارة غير المشروعة، ولديها روابط قوية مع الجريمة المنظمة، أو تشارك بنفسها في أنشطة إجرامية للحفاظ على العمليات. وبفضل امتلاكها نظاماً متطوراً لتحصيل الإيرادات يجعلها أقل اعتماداً على التمويل الخارجي. فوفقًا لتقرير فريق الدعم التحليلي ومراقبة العقوبات الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لعام 2022، فإن الجماعة قادرة على جمع ما بين 2-10 مليون دولار أمريكي شهرياً.[12]

وهُنا يُمكن القول إن التجارة غير المشروعة ليست فقط عاملاً رئيسياً في تمكين التطرف والجريمة والفساد في شرق إفريقيا، بل هي أيضاً القاسم المشترك الذي يربط بينهما والذي تسهله حالة اللا أمن وعدم الاستقرار وتطور الأدوات الرقمية التي تسهل التواصل.

ثانيًا- صور التجارة غير المشروعة ودورها في تمويل الإرهاب:

انطلاقًا من الترابط السابق الإشارة إليه، يُمكن تحديد أنواع التجارة غير القانونية في شرق أفريقيا عامة وكينيا خاصة باعتبارها تضم مصفوفة ديناميكية ونشطة للغاية من النشاط غير المشروع، مع بيان كيفية استفادة الجماعات الإرهابية منها، كالآتي:

1- تجارة الأسلحة والذخائر

تنتشر الأسلحة غير المشروعة في شرق إفريقيا بشكل كبير. في عام 2018، قدرّ الإنتربول أن 7.8 مليون مدني يمتلكون أسلحة نارية مشروعة وغير مشروعة في شرق إفريقيا.[13] في كينيا وحدها، كان هناك ما يقدر بـ 326 جماعة إجرامية منظمة في عام 2017، بزيادة قدرها 900 في المائة تقريباً على مدى سبع سنوات.  هناك أيضاً روابط بين الاتجار غير المشروع بالأسلحة النارية، والعصابات، والجماعات الرعوية، التي تمتد عبر كينيا، وتمتد إلى أوغندا وتنزانيا وخارجها، وكذلك الربط بين المجتمعات الحدودية على جانبي الحدود بين إثيوبيا وكينيا، حيث يتم تداول الأسلحة النارية غير المشروعة.

أدى ظهور الاتجار غير المشروع بالأسلحة كظاهرة واسعة الانتشار في أجزاء من المناطق الريفية في كينيا وتنزانيا إلى خلق “معضلة أمنية”، حيث يؤدي الشعور السائد بانعدام الأمن إلى حبس الجماعات في سباقات تسلح مميتة لا يمكن الهروب منها بسهولة.

كنتيجة مباشرة لانتشار الأسلحة، فقد زادت سرقة الماشية والنزاعات بين القبائل في كينيا، كما تم إنشاء طرق توريد أسلحة غير مشروعة تتسم بالكفاءة بين نيروبي ومومباسا والشمال بحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. بدورها، أصبحت العصابات المتمركزة في نيروبي ومومباسا، وكذلك الدوريتوتيكا وكيسومو، قنوات مهمة للاتجار غير المشروع بالأسلحة بين مناطق الصراع الشمالية ومنطقة البحيرات الكبرى وأفريقيا الوسطى، مما ساعد على تأجيج الصراعات في المنطقة.[14]

وفي عام 2017، صادرت الحكومة الكينية 51 رشاشاً و5720 بندقية و738 مسدساً و840 مسدساً و2136 بندقية و202 رشاشاً و41 قطعة صغيرة أخرى من الأسلحة الصغيرة والخفيفة (بما في ذلك قاذفات الصواريخ).[15]

في السنوات الأخيرة، برز اليمن كمصدر مهم للاتجار غير المشروع بالأسلحة إلى منطقة بونتلاند الصومالية شبه المستقلة، والتي تعد حالياً موطناً لما تسمى بـ “ولاية شرق أفريقيا”، التابعة لتنظيم داعش. وكذلك حركة الشباب التي لها معقل في جبال جوليس.[16]

وتشير التقارير إلى تنامي تهريب الأسلحة من اليمن إلى الصومال في أعقاب الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2015، وفد اعترضت القوات البحرية الدولية ما لا يقل عن 10 سفن متجهة إلى الصومال تحمل مجموعة واسعة من الذخائر”AK”  الإيرانية، بما في ذلك بنادق هجومية من طراز وقاذفات آر بي جي، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، وآلة ثقيلة وخفيفة. البنادق وكذلك سماد نترات الأمونيوم (يستخدم في صنع المتفجرات).[17]

صنف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) مؤخرًا في 17 أكتوبر 2022، الميسرين الماليين ومهربي الأسلحة لحركة الشباب، كما استهدف شبكة من مهربي الأسلحة وشركائهم والشركات التابعة التي سهلت نقل الأسلحة إلى مجموعات إرهابية متعددة.[18]

وقد ارتبط تنظيم داعش في الصومال هو الآخر بعمليات نقل أسلحة من اليمن. وحسبما ورد كان نائب زعيم المجموعة، مهد معلم، مسؤولا عن تسهيل حركة كل من المقاتلين والأسلحة من اليمن إلى الصومال. ومنذ عام 2021 كانت هناك زيادة في عدد المهاجرين الذين يعبرون إلى كينيا ويبيعون الأسلحة النارية مقابل النقود.[19]

ولعب “الإرهاب البحري”، دورًا رئيسيًا كميسر أساسي لنشر هذه التجارة، وهو الأمر الذي يشكل تحديًا وتهديدًا للدول المُطلة عليه لاسيما تهديد أمن “البحر الأحمر”، لموقعه بين الشرق والغرب، وارتباطه بحركة المِلاحة، والمصالح التجارية والاقتصادية للدول الكبرى.[20]

إذ يعتمد الإرهابيون في شرق أفريقيا على الشريط الساحلي لتسهيل حركة المقاتلين ونقل معداتهم وأسلحتهم من مِنطقة إلى أُخرى، ومنصة لإطلاق الهجَمات على أهداف برية، وقناةَ اتصال لدعم العمليات القتالية على الأرض، وتشير تقارير دَولية إلى أن حركة الشباب تمكنت في مارس 2017م من نقل 700 عنصر إرهابي عبر البحر إلى مِنطقة بونتلاند.[21]

وسلط مقتل القيادي البارز في فرع داعش بالصومال بلال السوداني، في يناير 2023، الضوء على الشبكات المالية العابرة للحدود لداعش، وتفاصيل الهيكل الشبكي العالمي الذي أنشأه التنظيم للتمويل.[22] وقد وفرضت وزارة الخزانة الأمريكية في نوفمبر 2022، عقوبات صارمة على شبكات تنظيم داعش العاملة في تهريب الأسلحة بشرق أفريقيا. إذ أكدت أن هذه الشبكات تنشط في المقام الأول بين اليمن والصومال ولها روابط قوية مع القاعدة في شبه الجزيرة العربية والشباب.[23]

وبرزت أسماء عدد من الإرهابيين الميسيرين في ذلك، على رأسهم الليبي يوسف محمد اللبناني وهو المسؤول الأمني الأول السابق في حركة الشباب وميسر عمليات الاختطاف. والذي بايع تنظيم داعش الصومال بعد ذلك، وأصبح اعتبارًا من عام 2017 ، كان محمد عضوًا نشطًا في شبكة تهريب الأسلحة والصيد غير القانوني في قندلا هافون ومقرها بونتلاند.[24]

بجانب عبد الرحمن محمد عمر، هو عضو في داعش بالصومال ومهرب أسلحة في شراكة ضفاي – لابوبال – بروج فرح – ثالوث لتجار الأسلحة الذين يهربون الأسلحة من اليمن إلى الصومال – وشبكة قندلة – هافون. اعتبارًا من عام 2020 ، اعتُبر عمر أكثر مستوردي الأسلحة غير المشروعة نشاطًا في بونتلاند بالصومال ، وقد نفذ أكثر من مليوني دولار من المعاملات على مدى أربع سنوات. بالإضافة إلى ذلك ، كان عمر على اتصال بشركات تمارس الصيد غير القانوني وغير المنظم وغير المبلغ عنه ، وكانت أيضًا جزءًا من عملية صيد الأسماك بالسخرة.

كما ضمت القائمة، عبد الرحمن فحيي عيسى محمد، ومحمد احمد كاهي، وأحمد حاجي علي حاجي عمر، وأسامة عبدالمنجي عبد الله بكر، وجميعهم مهربين أسلحة في تنظيم داعش بالصومال.[25]

ويبرز عدد من المواطنين الكينين المنخرطين في تمويل الإرهابيين التابعين لتنظيم داعش، ومنهم “الميسر المالي” الإسلامي وليد أحمد زين، المقبوض عليه في كينيا في يوليو 2018، والذي يُتهم بضلوعه في عمليات تمويل إرهابيين كينيين بجانب صلاته مع القوات الديمقراطية المتحالفة في شرق الكونغو الديمقراطية والمعروفة أيضا باسم “ولاية وسط أفريقيا” الداعشية. وهو مُدرج على قائمة العقوبات الأمريكية ومُتهم بإرسال مئات الآلاف من الدولارات لتمويل أنشطة التنظيم.[26]

ويلعب الحوثيين في هذا الإطار دورًا كبيرًا عبر تهريب الأسلحة القادمة من إيران إلى أفريقيا، عبر خليج عدن إلى الدولة الواقعة في القرن الأفريقي.  وقد أفادت دراسة أعدتها “المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية” في نوفمبر 2022، أن أسلحة قدمتها إيران لحلفائها الحوثيين في اليمن يجري تهريبها عبر خليج عدن إلى مقاتلي “حركة شباب المجاهدين” الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة.[27]

وفي فبراير 2021، تم تنفيذ اعتراضين بحريين لتهريب الأسلحة قبالة سواحل الصومال في بحر العرب، وهي أسلحة منشؤها إيران يتم تهريبها إلى الصومال نفسها عن طريق اليمن.[28] الأمر الذي ينعكس بتداعيات امنية خطيرة على الصومال وكينيا.

2- المخدرات والمستحضرات غير المشروعة:

يمثل الساحل الصومالي نقطة وصول مهمة أخرى للمخدرات غير المشروعة، حيث تستخدم حركة الشباب شبكاتها في مدينتي كيسمايو وبوساسو المينائيتين لمعالجة الكوكايين القادم من أمريكا الجنوبية بالإضافة إلى الهيروين من الهلال الذهبي في آسيا والمثلث الذهبي، وهو ما قامت به الجماعة الإرهابية لاحقاً وتهريبه إلى كينيا.[29]

تمر التدفقات غير المشروعة عبر كينيا من عدة طرق، حيث يوفر وسط كينيا قناة لمجموعة متنوعة من البضائع التي تنتقل من الساحل الشرقي إلى الداخل. وتمتلك كينيا محورين رئيسيين لتجارة الهيروين، الأول هو ميناء مومباسا، الذي يعد أكبر وأكثر الموانئ البحرية ازدحاماً في شرق ووسط إفريقيا.[30] ويوجد على طول الساحل الكيني، العديد من مواقع الإنزال الصغيرة للشحنات بما في ذلك ميناء “غير مرخص به” في بلدة لامو التي تعد موقعاً رئيسياً لتجارة المخدرات في ظل انتشار العديد من الموانئ غير الخاضعة للاتفاقيات الدولية والقوارب غير المرخصة.[31]

أما المحور الثاني هو “نيروبي” نفسها، فبجانب أنها مركز القوة السياسية في كينيا وأشدها كثافة للنشاط الاقتصادي في البلاد، فهي مركز رئيسي للتجارة غير المشروعة ومقر عدد من زعماء الهيروين، وقد سهل الحركة بها كونها تقع في وسط العديد من خطوط النقل البري والسكك الحديدية الإقليمية.[32] في عام 2018، تم الإبلاغ عن وصول سفن لمهربين مرتبطين بحركة الشباب محملة بالهيروين إلى ميناء كيسمايو الصومالي، ليتم نقل المخدرات بعد ذلك برا إلى كينيا.[33]

بجانب المخدرات والهيروين، أصبحت شرق إفريقيا هدفاً رئيسياً للتجارة العالمية في الأدوية غير المشروعة، والتي تقدر قيمتها بنحو 200 مليار دولار أمريكي سنوياً. وفقاً لتقرير المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) لعام 2016، تم إجراء أكبر عمليات اعتراض للمستحضرات الصيدلانية المزيفة على المستوى العالمي في كينيا.[34]

3- التجارة في العاج “الذهب الأبيض”:

على الرغم من حظر التجارة في أنياب الأفيال منذ عام 1989، وإقبال الحكومة الكينية قبل سنوات على إحراق مخزوناتها من العاج والتي وصلت إلى (2000 ناب)، إلا أن هذه التجارة غير المشروعة عادت للنشاط بشكل مُضاعف واستفادت منها الجماعات الإرهابية بصورة كبيرة، في ظل إقبال الأسواق الآسيوية عليها لاسيما في الصين، وهو ما أدى إلى قتل 100 ألف فيل أفريقي خلال 10 أعوام فقط.[35]

لايزال العاج خياراً مربحاً للجماعات المتطرفة والشبكات الإجرامية المنظمة، وفي شرق أفريقيا تستفيد حركة الشباب من تجارة العاج غير المشروعة لتمويل عملياتها، إلا أنها وبخلاف جيش الرب للمقاومة في أوغندا الذي ينشط بشكل مباشر في عمليات الصيد الجائر، فإن حركة الشباب تنخرط تعمل كوسيط أو مهرب، وتعيد بيعها للتجار الأجانب بأسعار مبالغ فيها إلى حد كبير.[36]

وتشير تقارير إلى أن النشاط في هذه التجارة يزيد من الفساد في كينيا، ففي عام 2015، أوقفت هيئة الإيرادات الكينية KRA)) مسؤولاً يعُتقد أنه سهلّ الشحن غير القانوني للعاج وقرون وحيد القرن وغيرها من منتجات الحياة البرية غير القانونية التي تقدر قيمتها بنحو 570 مليون شيلينغ كيني (حوالي 5.1 مليون دولار أمريكي)، والتي تمت مصادرتها لاحقاً في سنغافورة، والتي تم اكتشافها شحنة من أوراق الشاي المتجهة إلى فيتنام.[37]

في الوقت الذي سهل فيه ميناء مومبسا في كينيا الاتجار العالمي غير المشروع في العاج. إذ صادرت السلطات ما يقدر بنحو 170 طنا من العاج في مومباسا بين يونيو 2009 ويونيو 2014 (تمثل 230 ألف فيل).[38]

وسبق وأن حذر السير إيفور روبرت، الدبلوماسي البريطاني السابق في لبنان ورئيس مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية، في مارس 2021، من أن داعش تستخدم تجارة العاج غير المشروعة لتمويل الإرهاب في شرق إفريقيا[39]

وقال إن تنظيم داعش يزداد قوة من خلال استخدامه للعاج غير المشروع وتجارة السكر غير المشروعة لتمويل الإرهابيين في شرق إفريقيا، حيث يتم دفع رواتب المقاتلين وتنظيم الحملات الإرهابية للتنظيم من خلال الأنشطة غير القانونية التي أصبحت ‘أكثر تعقيدًا’.

4- التجارة في المعادن والموارد الطبيعية

تعمل التنظيمات الإرهابية على الاتجار في الموارد الطبيعية والمنتجات المشتقة من الأحياء البرية. إذ زادت ارتفعت عائدات تصدير الفحم بعد استيلاء حركة الشباب الصومالية على ميناء كيسمايو عام 2008 – قبل استعادته عام 2012-  إلى أسواق الشرق الأوسط لـ 50 – 35 مليون دولار أمريكي سنوياً.[40]

يعتبر الفحم المنتج من غابات الأكاسيا الصومالية مربحاً للغاية، ويتم بيعه بالتجزئة في شبه الجزيرة العربية، وقد استفادت حركة الشباب من هذه التجارة من خلال رسوم النقل والتصدير، فقد قُدرت أرباحها عام 2011 بـ 25 مليون دولار، جراء الضرائب التي تفرضها على هذه التجارة، ونقاط التفتيش والطرق والإشراف على الموانئ، وقد دفعت هذه الأرباح الكبيرة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى تمرير القرار 2036 ، الذي يحظر تصدير الفحم من الصومال في عام 2012.[41] إلا أن ذلك لم يمنع الحركة من القيام بأنشطتها غير المشروعة، حيث تشير التقديرات إلى أن هذه الأرباح قد تضاعفت في عام 2013 لتصل إلى 56 مليون دولار.[42]

أما جماعة “أهل السنة للدعوة والجهاد” في موزمبيق فقد عملت على التجارة في الذهب المكرر وتصديره إلى أوغندا، في ظل سيطرتها على مقاطعة كابو ديلجادو الشمالية الغنية، بجانب تجارته في الأخشاب والأحجار الكريمة ومنتجات الحياة البرية.[43]

تواصل الجماعات الإرهابية جني الأموال من تجارة العاج غير المشروعة لدفع رواتب جنودها وتمويل حملات الإرهاب، بينما يستفيد أمراء الحرب الصوماليون من آلاف أكياس السكر غير المشروع الرخيص التي يتم تهريبها إلى كينيا كل يوم.[44]

بجانب الأنشطة السابقة، تبرز (الضرائب) وعمليات الابتزاز والإكراه على (الزكاة)، كأحد مصادر التمويل الأساسية للتنظيمات الإرهابية في شرق أفريقيا، وربما يظهر ذلك جليًا لدى حركة الشباب الصومالية التي تجني ملايين الدولارات من خلال فرض الضرائب على المركبات والسلع والماشية العابرة، حيث تمتلك شبكة من حوالي 100 نقطة تفتيش تجني الواحدة منها ما بين 15-30 ألف دولار يوميًا.[45] وقد قدرت أفريكوم في 2019 بأن حركة الشباب تحقق ما بين 10 إلى 20 مليون دولار عائدات سنوية.[46]

خاتمة

أقامت التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة في شرق أفريقيا وتحديدًا عبر كينيا والصومال، تحالفات قوية مع الجريمة المنظمة واستخدامهم كميسرين للمساعدة في الحصول على الخدمات اللوجستية والموارد اللازمة لهجماتها، في ظل الفساد المنتشر بين السياسيين والأجهزة الأمنية.

وتأتي كينيا والصومال على رأس دول مجموعة شرق أفريقيا في الجريمة المُنظمة عبر الوطنية والإتجار غير المشروع. وهي المجموعة التي تضم كل من: “كينيا، والصومال، وتنزانيا، وأوغندا، وبوروندي، ورواندا، وجنوب السودان، والكونغو الديمقراطية”.

وتشير كثير من التقارير إلى وجود علاقة طردية بين تنظيمات الإرهاب والجريمة المُنظمة في شرق أفريقيا، على أساس أن توسع التنظيمات الإرهابية وزيادة عملياتها وانتشارها يقابلها زيادة واضحة في النشاط الإجرامي غير المشروع وزيادة في الكم والنوع.

وتُعد منطقة شرق أفريقيا محور أساسي لرواج أنواع مُختلفة من التجارة غير المشروعة على رأسها “الأسلحة والذخائر”، والمخدرات والمستحضرات غير المشروعة، كما تنشط بشكل أساسي تجارة الذهب الأبيض “العاج” في خط الشريط الساحلي الشرقي بجانب التجارة في المعادن والموارد الطبيعية.

[1] منبر الدفاع الأفريقي، “تقرير إناكت: الجريمة المنظمة تتزايد دون رادع”، Adf-magazine، 16 يناير 2024، عبر الرابط: https://2u.pw/KtRKMmGU

[2] Ivor Roberts, “AN UNHOLY ALLIANCE LINKS BETWEEN EXTREMISM AND ILLICIT TRADE IN EAST AFRICA”, Counter extremism project, 2021, pp.6-7, available at:  https://www.counterextremism.com/sites/default/files/2021-12/unholy-alliance-report-122021_0.pdf

[3] Mohamed Daghar, “Crime-Terror Nexus: Assessing East Africa’s Responses”, INTERNATIONAL JOURNAL OF CRIMINAL JUSTICE (Korean Institute of Criminology and Justice, Vol. 3 Issue 2, December 2021), p. 85

[4]United Nations, “Security Council Expresses Concern over Links between International Terrorism, Organized Crime, Unanimously Adopting Resolution 2482 (2019)”, UN website, 19 JULY 2019, available at: https://press.un.org/en/2019/sc13893.doc.htm

[5] ——–, “Briefing Security Council on Linkages between Terrorism, Organized Crime, Executive Director Notes Greater Efforts Needed in Cross-Border Cooperation”, UN website,  6 AUGUST 2020, available at: https://press.un.org/en/2020/sc14273.doc.htm

[6] Africa Organised Crime Index, Kenya, 2021, available at: https://africa.ocindex.net/country/kenya

[7] Idem.

[8] Ivor Roberts, loc.cit.

[9] Dr.Sasha Jesperson, “Addressing the Links Between Transnational Organized Crime and Terrorism in Eastern Africa”, Counter terrorism Centre of Excellence, Paper N. 5, 2022, p.92, available at: https://eapcco-ctcoe.org/wp-content/uploads/2022/06/EAPCCO-CTCoE-Issue-Paper-1_2022.pdf

[10] Idem.

[11] Ibid., p.1.

[12] Ibid., p.6.

[13] Ibid., p.8.

[14] Ivor Roberts, op.cit., p.38.

[15] Ibid., pp.40-41.

[16] Idem.

[17] Idem.

[18] “Treasury Sanctions Terrorist Weapons Trafficking Network in Eastern Africa”, U.S. DEPARTMENT OF THE TREASURY, November 1, 2022, available at: https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1066

[19] Dr. Sasha Jesperson, op.cit., pp.9-10.

[20] د. حمدي بشير، “خطر التنظيمات الإرهابية في شرقي إفريقيا على أمن البحر الأحمر”، التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، 25 أبريل 2022، مُتاح عبر: https://imctc.org/ar/eLibrary/Articles/Pages/article25042022.aspx

[21] نفسه.

[22] Edmund Fitton-Brown, “Out of Africa: Financial Networks of Islamic State 2.0”, RUSI, 20 March 2023, available at: https://rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/out-africa-financial-networks-islamic-state-20

[23] Treasury Sanctions Terrorist Weapons…, loc.cit.

[24] Idem.

[25] Idem.

[26] Reuters Staff, “Financier of Islamic State paid…, loc.cit.

[27] “انعكاسات الإرهاب الحوثي على قارة أفريقيا”، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ص 19، متاح عبر: https://www.ecssr.ae/darasaat/222814/

[28] المصدر السابق، ص ص 22- 23.

[29] Ivor Roberts, op.cit., p.19.

[30] Simone Haysom, Peter Gastrow and Mark Shaw, “The heroin coast: A political economy along the eastern African seaboard”, RESEARCH PAPER (Brussel: ENACT, Issue 04, June 2018), p.10

[31] Idem.

[32] Ibid.,p.10.

[33] Dr. Sasha Jesperson, op.cit. p.8.

[34] Ivor Roberts, op.cit., p.20.

[35] Ibid., p.27.

[36] Ibid., pp.28-29.

[37] Idem.

[38] Idem.

[39] Nicky Harley, “ISIS using illegal ivory trade to fund terrorism in East Africa, former UK ambassador warns”, The national news, Mar 31, 2021, available at: https://tinyurl.com/2akhp8u3

[40] Ivor Roberts, op.cit., p.15.

[41] Tom Maguire and Cathy Haenlein, “An Illusion of Complicity: Terrorism and the Illegal Ivory Trade in East Africa”, Occasional Paper (UK: Royal United Services Institute for Defence and Security Studies, September 2015),

[42] Ibid., p.28.

[43] Ivor Roberts, loc.cit.

[44] “New CEP Report Reveals that Illicit Trade in East Africa is Funding Extremists, Terrorists, and Warlords”, Counter extremism, March 29, 2021, available at: https://tinyurl.com/fmyhvmzb

[45] Dr. Sasha Jesperson, op.cit., p.13.

[46] U.S. Department of Defense, “EAST AFRICA AND NORTH AND WEST AFRICA COUNTERTERRORISM OPERATIONS”, LEAD INSPECTOR GENERAL REPORT TO THE UNITED STATES CONGRESS, (USA: U.S. Department of Defense, OCTOBER 1, 2019‒DECEMBER 31, 2019), p.20.

اعداد : محمود الطباخ – باحث في الشؤون الأفريقية وقضايا الإرهاب

المركز الديمقراطي العربي 

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14306

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *