في اقتصاد الشبكات يظفر الفائز بكل شيء تقريبا. لقد بدأت حكاية الإنترنت كشبكة لامركزية غير مخصصة للربح، وتحولت خلال بضع سنوات إلى شبكة مركزية للغاية، ومربحة إلى حد كبير لفائدة نخبة قليلة.

في هذا هذا الفيلم الذي يأتي بعنوان “الفائز يظفر بكل شيء” والذي بثته الجزيرة الوثائقية يأتي ضمن سلسلة بعنوان “عالمنا المتشابك”، ويتحدث عن أحد أهم قوانين علم الشبكات.

ثورة عالم الإنترنت الحر.. إمبراطورية وادي السيليكون

خلق ظهور بضع شبكات تكنولوجية كبيرة إمبراطوريات جديدة تجلب المال بشكل هائل لمؤسسيها. فلماذا حدث هذا؟

تكمن الإجابة في أن مؤسسي إمبراطورية وادي السيليكون فهموا شيئا لم يفهمه باقي الناس، وهو أن شبكة الإنترنت لم يكن بإمكانها أن تبقى لامركزية إلى الأبد، وأن عددا من هذه العقد ستصبح عاجلا أم آجلا نقاطا مركزية أساسية.

في تدوينة له بمناسبة إحياء الذكرى الـ15 لتأسيس موقع فيسبوك، أشار “مارك زوكربيرغ” إلى أن “الشبكات المشابهة لشركته صممت لتمكين الناس في عالم أكثر انفتاحا واتصالا، حيث يمكنهم تحدي السلاسل الهرمية التقليدية مثل الحكومات ووسائل الإعلام والأديان”. وكانت تدوينته تكرارا لرسالة رواد الإنترنت الأوائل أن اختراعهم الثوري يمكن أن يتحدى أنظمة التواصل الجماهيري القائمة مثل شبكات التلفزيون المركزية.

“مارك زوكربيرغ” يشير إلى أن “الشبكات المشابهة لشركته صممت لتمكين الناس” وذلك قبل شرائه لبعض تلك الشركات

وفي تصريحاتهم الأكثر حدة قالوا إن الفضاء السيبراني سيكون خارج نطاق سيطرة المؤسسات ذات النهج التنازلي وحتى الحكومات، وحلموا بإزاحة هذا النظام الهرمي القديم واستبداله بعالم لامركزي على الشبكة، سكانه هم مستخدمو الإنترنت، لكن ظهور المنصات الشبكية أثبت شيئا واحدا فقط وهو أن الأغنياء يزدادون غنى.

“غريت إيسترن”.. أول خط تواصل عابر للأطلسي

من الرجال الذين عرفوا وادي السيليكون منذ أيامه الأولى “إريك شميت” المدير التنفيذي السابق لشركة غوغل، فبين عامي 2001-2015 حوّل “إريك” غوغل إلى الشركة ذات الربح الهائل التي نعرفها اليوم. يقول “شميت”: عندما جاء الشباب المثاليون الذين لديهم أهداف تجارية أو أمنية وصاغوا الفكرة، تخيلوا عالما متصلا بشكل كبير ويتشارك فيه الناس المعلومات، فحيث يستطيع المرء الجلوس في المنزل والنظر إلى صور متحف اللوفر أو استكشاف ميدان “تياننمنه” أو ما شابه، ويكون كل شيء رائعا.

لكن ليس هذا فقط ما أنشئت شبكة الإنترنت من أجله فحسب، فقد أصبحت هذه التقنية التي تربط الحواسيب ببعض متعلقة بجني المال، فخلال عشرين عاما أصبحت بضع منصات شبكية عملاقة تستحوذ على العمل التجاري على الإنترنت، تساوي قوة هذه الإمبراطوريات الرقمية قوة أي منظمة في التاريخ البشري، وقد أصبح المليارات من البشر في أنحاء العالم من رعاياها.

“إريك شميت” المدير التنفيذي السابق لشركة غوغل صاحب الأفكار التي حولتها إلى شركة ذات ربح هائل

يزداد وضوح كيفية وسبب حدوث هذا عندما ننظر إلى الماضي، فكثيرا ما حصلت صدامات بين الهياكل الهرمية المركزية والشبكات اللامركزية، ففي القرنين الـ16 والـ17 مكّنت آلة الطباعة شبكات المعارضة الدينية من تحدي الكنيسة الكاثوليكية، ولقرون ضَمِن عدد من الصحف المستقلة بقاء الطباعة أداة تكنولوجية تواصلية لامركزية بامتياز.

في بداية القرن الـ19 كان الناس عبر القارات ما يزالون يتواصلون عبر الرسائل المكتوبة التي كانت تصل بعد أسابيع من إرسالها، لكن بعد أن وضعت سفينة “غريت إيسترن” أول سلك عابر للأطلسي في 1866 أصبح بالإمكان نقل المعلومات بالتلغراف بمعدل ثماني كلمات/دقيقة، وكانت هذه نسخة القرن الـ19 من الإنترنت.

“الأغنياء يزدادون غنى ويتمتعون بوفرة”.. تأثير متى

خدمت شبكات التلغراف الأهداف الاستراتيجية للإمبراطوريات الأوروبية بشكل رائع، وأثْرت المتربعين على الهرم الاجتماعي في العصر الفيكتوري ثراء فاحشا، مما يقودنا إلى درس آخر من دروس نظرية الشبكات، فقد كانت للسكك الحديدية والتلغراف -ولاحقا المذياع والهاتف- هياكل شبكية ووجّهت جميع الروابط فيها إلى عقد مركزية ومحاور، تحكمت بتدفق البضائع أو المعلومات.

ونتيجة لهذا كانت الشبكات خاضعة لملكية شديدة التركيز، وكان أشخاص مثل “جون بندر” المستفيدين من الحقيقة البسيطة أن الثري يزداد ثراء، إنه قانون الشبكات الذي يسمى “تأثير متّى”، وقد درسه عالم فيزياء الشبكات “لازلو براباشي” الذي يقول: الآن وقد أدركنا أن الشبكات الحقيقية مزودة بهذه المراكز الأساسية نتساءل ما أصل هذه المراكز، وكيف أصبحت بهذا الحجم الكبير؟

عالم فيزياء الشبكات “لازلو براباشي”

جاء في إنجيل متّى: “الأغنياء يزدادون غنى ويتمتعون بوفرة، والذين يملكون القليل سوف يؤخذ منهم”. وبالقياس: كلما كان أصدقاؤك أكثر زادت احتمالية تعرفك على أصدقاء أكثر، وكلما زادت روابط موقع على الإنترنت زاد احتمال دخولنا إليه. يتمثل تأثير متى في خلق مراكز أساسية داخل شبكة ما، وبسبب وجود ما يدعى “الرابط التفضيلي”، فإن العقد لا تتساوى في عدد الروابط عليها.

شبكة الإنترنت.. من أقبية وزارة الدفاع إلى فضاء الكوكب

تكمن مشكلة هياكل القوة المركزية في أنها سهلة التعرض للهجوم أو الاستيلاء عليها، فإن نجح المرء في السيطرة على المراكز الأساسية يصبح باقي الشبكة ملكا له، وإن دمر المركز الأساسي يكون قد قضى على الشبكة.

خلال الحرب الباردة أدى الخوف من احتمالية شلّ وسائل التواصل الأمريكية عبر هجوم نووي سوفياتي بالعلماء إلى التفكير في شبكة من نوع مختلف. وفي 1964 بدأت شركة “راند” تطوير نظام تواصل مركزي بين الحواسيب، وكانت النتيجة إنشاء شبكة وكالة مشاريع الأبحاث المتطورة “آربانت”، ولأنها صممت دون نقاط مركزية كان من الصعب مهاجمتها، وفي 1969 أرسلت أول رسالة على شبكة تجريبية من حاسوب في جامعة كاليفورنيا إلى عقدة شبكية في جامعة سانفورد.

كادت شبكة “أوجاس” التي ابتكرها “غلوشكوف” في المعهد السيبراني بأوكرانيا أن تكون الشبكة العالمية الأولى لولا توقيف الدعم عنها

لم تكن “آربانت” أول شبكة حاسوبية ولا الأكثر طموحا، فبين ملفات أرشيف في موسكو وجدت حكاية شبكة لم تر النور، إنها شبكة “أوجاس” التي ابتكرها “غلوشكوف” في المعهد السيبراني في كييف بأوكرانيا، وكان الهدف منها حل مشكلة العوائق المعلوماتية التي سببت تخلف اقتصاد السوفيات عن منافسه، وبالمقابل أنشأ شبكة عصبية في أنحاء أمريكا.

كان يفترض إنشاء 20 ألف محطة محلية و300 ألف مشغِّل تتواصل بشكل فوري، وأصبحت جاهزة في 1965، ولكنها لم تفتتح أبدا، فقد اعتبرت وزارة المالية النظام مكلفا جدا، وجرى تعطيل “أوجاس” في 1970، في المقابل لم يجد الأمريكيون معارضة لتشغيل شبكتهم. بدأت الإنترنت كمشروع لوزارة الدفاع وسرعان ما تمردت على السيطرة الحكومية.

مملكة غوغل.. خوارزميات البحث العملاقة في خدمتك

ما جاء به رواد وادي السيليكون كان معاكسا للأنظمة المركزية في العصر الصناعي، فالإنترنت كانت لامركزية تماما، ومؤسسوها لم يتوقعوا ظهور الشركات العملاقة، فلم يكن لهم تفكير تجاري، بل إنه لم يكن قانونيا حتى 1991، وكان همهم ربط العالم ببعضه والتحرر من سطوة الحكومات المركزية.

لكن لم تدم شبكة الإنترنت غير الربحية طويلا، فقد تسبب مصنعو قطع الحاسوب والبرمجيات بحمّى الذهب، لكن طريقة جني المال عبر موقع إلكتروني كان أقل وضوحا مهما بلغت ظرافة الموقع، ومع موجة انهيار الـ”.com” في آذار/2000 مهدت فرحة اختراع الويب 1.0 الطريق إلى صراع للبقاء.

“أنتونيو غارسيا مارتينيز” صاحب الدور الفعال في تحويل فيسبوك إلى الشبكة الأكبر ربحا على الإطلاق

أصبح على شركات الإنترنت أن تكسب المال بطريقة ما، بدلا من حرق أموال المستثمرين، وجاءت غوغل بالإجابة: محرك بحث بخوارزميات عالية الكفاءة، والمزاد الهولندي على المواد الدعائية، فأصبحت بمثابة مغناطيس يجذب الزبائن ويوفر لهم ما قد يحتاجون لشرائه.

وقد لعب “غارسيا مارتينيز” دورا فعالا في تحويل فيسبوك إلى الشبكة الأكبر ربحا على الإطلاق، فالكلمات المفتاحية للبحث ومعلومات المستخدم تصبح موضوع مزاد، وخلال جزء من الثانية تخرج طلبات المزايدات لبورصات الدعاية لتقول إن هذا الشخص دخل الشبكة، فتبدأ المزايدة بعرض دعاية له مرات عديدة يوميا، وهذا هو السوق المفتوح القائم على حاجات البشر، ويغطي تكاليف الإنترنت.

الطريق الذي رسمته غوغل تبعته فيسبوك، ويكمن الفرق في أن غوغل مكنت الناس من الوصول إلى أشياء يريدون شراءها، أما فيسبوك فقد سمحت للجهات المعلنة بإرسال رسائل موجهة للمستخدمين تعكس تفضيلاتهم التي نشروها بالفعل عبر التطبيق. الفكرة الرئيسية أن فيسبوك وأشباهها تتعرف على رغبات مستخدم التطبيق، وتقدمها له على شكل إعلانات موجهة.

“جاي غولد”.. لص الصحافة الذي يقرأ له ربع الشعب الأمريكي

ببطء وثبات نمت شركة أمازون للتجارة الإلكترونية، وتفوقت غوغل بمحرك بحثها وغطت فيسبوك وجه الكوكب بشبكتها الاجتماعية، وظفر الفائزون بكل شيء وزاد الأغنياء غنى. لم تكن شركات الإنترنت بدعا في هذا الاحتكار الجشع، فالتاريخ كما عوَدنا يعيد نفسه، ففي أواخر القرن الـ19 ظهر بارونات السكك الحديدية والاتصالات ومستخرجو المعادن ليمسكوا بزمام الاقتصاد العالمي.

لقد كانت ناطحات السحاب في مانهاتن خير مثال على الهرمية المقيتة في النظام الرأسمالي، فالقلة ساكنو الأبراج العليا هم أصحاب الثروة والمال الذين يتحكمون بمن دونهم من الجموع التي تسكن في الطبقات السفلى. ونذكر هنا أحد أشهر البارونات اللصوص، ألا وهو إمبراطور السكك الحديدية والتلغراف “جاي غولد”.

إمبراطور السكك الحديدية والتلغراف “جاي غولد” الذي استحوذ على السوق بشراء الأسهم واحتكار الأسعار

كان “غولد” ذا عبقرية مالية، فاستحوذ على السوق بشراء الأسهم واحتكار الأسعار وتملق السياسيين بالرشاوى، وفي مرحلةٍ ما كان يتحكم بربع خطوط سكة الحديد الأمريكية، لكن سيطرته على التلغراف هي التي ستمكننا من عقد المقارنة مع شركات الإنترنت الحالية، فقد بدأ أولا بشراء الشركات الصغيرة ليزيلها من طريقه، ثم اشترى “ويسترن يونيون” للتلغراف من منافسيه القدامى “فاندرفيلت”.

وقد تزامن مع وجود عملاق التلغراف ظهور أخطبوط الصحافة “راندولف هيرست” في عالم الإعلام، حيث أسس 42 صحيفة في المدن أو استحوذ عليها. يشترك “هيرست” مع “زوكربيرغ” بأكثر من صفة، فقد انسحب الاثنان من هارفارد، وفكرا بالعمل السياسي، وأدين الاثنان بترويج أخبار زائفة عبر وسائلهما، ووضع الإعلانات بجانب الأخبار المهمة. وكان ربع الشعب الأمريكي يقرأ إحدى صحف “هيرست”.

“تتنمر فيسبوك على القارة الأفريقية”.. خدعة الدعاية الخفية

تتصرف شركات الإنترنت العملاقة اليوم كما سبقها البارونات اللصوص في الماضي بشراء منافسيها والشركات الأصغر، فقد اشترت فيسبوك أكثر من 76 شركة، واشترت أمازون أكثر من 100، واشترت غوغل أكثر من 200، وهكذا أضحت الشبكات التي كان يفترض أن تكون لامركزية هرمية مثل الشبكات التقليدية على مرّ العصور.

بعد أن أتخمت المجتمعات المتقدمة بالتكنولوجيا توجهت فيسبوك إلى المناطق الأقل تقدما في العالم، وقدّمت الإنترنت والهواتف المحمولة وكثيرا من الخدمات مجانا في مقابل أن يستخدم المستفيدون تطبيق فيسبوك، وهذا بالمحصلة يفتح للمعلنين أسواقا عالمية يبيعون فيها منتجاتهم، ولكن ما زالت إمبراطورية فيسبوك تواجه معوقات شائكة في أسواق العالم الثالث.

“سترايف ماسيوا” مؤسس الكثير من البنى التحتية لشبكات الهاتف في أفريقيا

يقول “سترايف ماسيوا” مؤسس كثير من البنى التحتية لشبكات الهاتف في أفريقيا: تتنمر فيسبوك على القارة الأفريقية، يقولون للناس إن تطبيقهم مجاني، وهو في الواقع ليس كذلك، إنهم يبيعون خدماتهم مقابل الإعلانات التي تدرّ عليهم أموالا طائلة، يصورون أنفسهم كهيئة خيرية، والحقيقة أنهم يستخدموننا كزبائن للمعلنين. وقد منعت الكثير من الدول تلك الخدمات المجانية لفيسبوك مثل مصر والهند.

يتصرف كثير من شبكات الإنترنت مثل الحكومات بل وأسوأ، فأصبحت هي من يقرر إذا كان المحتوى مناسبا للنشر أم لا، ولديها فرق استخبارية وأمنية، لقد فاقت الحكومات الاستبدادية بتصرفاتها، فلا عجب إذا كان المثل الأعلى لـ”زوكربيرغ” هو الإمبراطور الروماني الأول “أغسطس قيصر”.

“نترك بصمات رقمية في كل حين”.. سلعة البيانات الثمينة

في إمبراطوريات الشبكة الجديدة توجد سلعة واحدة هي البيانات، فكلما زاد وقت الاستخدام زادت المعلومات التي يقدمها المستخدم عن نفسه، وبالتالي تزيد الإعلانات الموجهة التي تلائم رغباته.  وفي عام 2009 استخدم فيسبوك طريقة عبقرية لجذب العقول العاجزة بجرعة من الدوبامين، وهي زرّ الإعجاب، فبدون إدراكنا وبمجرد الضغط على زر الإعجاب، فإننا نزود الشبكة ببيانات إضافية عن شخصياتنا.

تعتبر البيانات في الاقتصاد الحديث كالنفط، فهما سلعتان قيمتان إحداهما من الأرض والثانية منا، وهما أساسا الثورات الاقتصادية، ويعتبر احتكارهما مربحا للغاية. قد يكون إمبراطور النفط “روكفيلر” و”جيف بيزوس” وجهان لعملة واحدة، لكن الأمر مختلف، فـ”روكفلر” كان يدفع ثمن الأرض التي يستثمرها، بينما جيف بيزوس يوهمك أنه يقدم لك خدمة مجانية والواقع أنه يجني أموالا طائلة ويتاجر ببياناتك.

بمجرد الضغط على زر الإعجاب، تتلقف شركات الإنترنت الكبرى اهتماماتك لترسل لك الدعايات المناسبة

لسنا نحن فقط من يقدّم بياناتنا للشبكات، بل كل جزء في منازلنا (الذكية) أصبح يقدم معلومة جديدة عنا كل يوم، يقول “ميكال كوزنسكي” -وهو عالم نفس مختص بالحاسوب من جامعة ستانفورد-: نترك بصمات رقمية في كل حين، بواسطة هواتفنا أو أجهزتنا الذكية المنزلية. كان البشر يتجسسون على البشر في الماضي، أما اليوم فحواسبنا تتجسس علينا وتؤثر بنا، وتعرف عنا أكثر مما يعرف التجار عنا.

“آشبيرن”.. مخزن بيانات عمالقة التكنولوجيا

نعمل جميعا أن شركات الإنترنت تجار بيانات يبيعونها لمن يشتري، ولكن أين تذهب كل هذه البيانات؟ التخزين السحابي؟ ولكن أين هو؟

المبنى الضخم في “آشبيرن- فيرجينيا”، على مشارف واشنطن العاصمة، يحوي 70% من معلومات الإنترنت في العالم، وتتشارك غوغل وآبل وفيسبوك وعمالقة الشبكات في حجز أماكنها في هذه السحابة شديدة الأمان. ويستخدم الذكاء الصناعي الأسرع بكثير من عقل الإنسان هذه البيانات في تغيير طبيعة حياتنا للأبد.

مبنى “آشبيرن- فيرجينيا” بالقرب من واشنطن، يحوي 70% من معلومات الإنترنت في العالم

من الأخبار السارة أن هذه البيانات يمكن أن تستخدم في إعادة تصميم المدن بحيث تكون أقل ازدحاما وأكثر رفاهية، وفي وسائل النقل بحيث تكون أكثر انسيابية وأدق مواعيدا، لكن الجانب السيئ في استخدامها هو التجسس على الناس ومراقبتهم اللصيقة دون أدنى مراعاة لخصوصيتهم، هذا ما يمثله نظام (العيون الحادة الذي دشنته الصين في عدد من مدنها الكبيرة مثل شونغشينغ.

يهدف المشروع إلى دمج كاميرات المراقبة الأمنية العامة في الشوارع والأحياء، في نظام فيديو موحد مع الكاميرات الخاصة للمكاتب والمنازل، وهو ذلك الحلم الذي راود مؤسس الحزب الشيوعي “ماو تسي تونغ” في جعل كل الشعب الصيني يراقب بعضه بعضا، من أجل القضاء على أي معارضة سياسية محتملة.

الرفيق الأكبر يراقبك.. رقيب الكاميرات الصينية والخوارزميات الأمريكية

يكاد ما تخيله “جورج أورويل” في روايته (1984) يترجم على أرض الواقع وإنْ بشكل أحدث، فشاشة “تيلي سكرين” التي كانت تراقب “ونستون” قد استبدلت بشاشة محمولك وبكاميرات المراقبة المنتشرة في كل مكان، وحتى بميكروفونات الأجهزة المنزلية التي تقتنيها. قد يظن البعض أن حكومة الرقابة قد انهارت بسقوط جدار برلين، لكن من الواضح أنها استبدلت بشبكات عملاقة أشد شراسة.

في نهاية المطاف على الإنسان أن يختار بين الإنترنت الصيني والشبكات الأمريكية، ففي الأولى تستخدم بياناتك في صالح الدولة والحزب، وقد تكون نافعة في الحد من الجريمة والحفاظ على السلام المجتمعي. أما الثانية فهي صورة للغرب الرأسمالي المتوحش، حيث تراك الشركات كبضاعة للبيع، ولكنك تتمتع بشيء من الحرية والحماية من قبل الحكومة الأمريكية والشركات نفسها.

على مر العصور، تركّزت السلطة في أيدي بضع شركات عملاقة سيطرت على اقتصاد البلدان الرأسمالية

تواجه الدول الديمقراطية الغربية احتمالين للمستقبل، تكون المراقبة في الاحتمال الأول بأيدي بضع شركات عملاقة، والاحتمال الثاني أن نجد طريقة لتحديد سلطة هذه الشركات لكي تتمتع خصوصيتنا وديمقراطيتنا بالحماية المناسبة.

في أحد الأيام رفعت غوغل شعار “لا تكن شريرا”، عشبانة لا عبد اية علم عنج للا  ولكن من الغباء أن نعتمد على مقولة أن الشركات العملاقة ستهذب نفسها، إن زيادة تركّز السلطة في أيدي بضع شركات، واستغلال بياناتنا الشخصية، والانتقاص من خصوصيتنا، كل هذه أثمان قبلنا حتى الآن أن ندفعها، مقابل الخدمات التي نحصل عليها من المنصات الشبكية، ولكن هذا ليس كل شيء، وما علينا سوى انتظار ما تخبئه الأيام.