بقلم : مصطفى السراي – باحث من العراق

  • المركز الديمقراطي العربي

اتخذ النظام الدولي مساراً جديداً في مسألة التعاون الدولي مختلف عن ما سبقه منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة في 1945، لم يكن مصطلح “التعاون الدولي” جديداً، ولكن تشكيل الأمم المتحدة أعطى لهذا المصطلح بعداً آخراً أكثر قوةً. عدت الأمم المتحدة هي الأساس في نضج وازدهار مفهوم “التعاون الدولي”، بعد فشل عصبة الامم من تحقيقه وعدم قدرتها على منع وقوع الحرب باندلاع الحرب العالمية الثانية، فبعد ذلك لاح في الأفق مفهوم التعاون الدولي من أجل تحقيق السلام، ورفع أنصار الليبرالية صوتهم عالياً من أجل ذلك.

وضعت الأمم المتحدة الهدف الثالث من أهدافها الأربعة تحت عنوان “تحقيق التعاون الدولي”،  لتؤكد على هذا المفهوم وتؤسس له من خلال مادة دستورية في نص ميثاق الأمم المتحدة، لم تكتف الأمم المتحدة بذلك فحسب، وانما انشأت عدة مؤسسات تابعة لها لتقوم بترسيخ هذا المفهوم، مثل “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” المعني بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية للدول و”منظمة الصحة العالمية” المهتمة بالشؤون الصحية و “وكالة الطاقة الذرية” وكذلك “منظمة التعليم والتربية -اليونسكو-” و “منظمة الطفولة -اليونسيف-“.

كل تلك الجهود كانت من أجل تفعيل العمل بمفهوم التعاون الدولي، حتى أصبح النظام الدولي عالم صغير جداً مترابط، وعملت القوى الفاعلة والعظمى في النظام الدولي على ترسيخ التعاون بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، فتم تأسيس الاتحاد الأوروبي ليجعل دول القارة الأوربية في مجتمع واحد متعاون في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والتعليمية والصحية…الخ.

كما عملت الولايات المتحدة الامريكية في الوقت نفسه على زيادة تعاونها مع الأطراف الدولية بكافة المجالات، فظهرت تطبيقات مصطلح “الاعتمادية المتبادلة” بشكل جلي، وبرغم كل الأزمات التي واجهت النظام الدولي الا ان العلاقات الدولية بقيت مستمرة على نهج التعاون الدولي القوي.

حدثت في نهايات عام 2019 أزمة عالمية خلخلت جميع مفاهيم التعاون الدولي، وهي “انتشار فايروس كورونا المستجد”، انتبه العالم لهذه الأزمة مع ظهور فايروس كورونا المستجد في مدينة ووهان الصينية في تشرين الأول 2019. خضعت هذه القضية في البداية إلى السجال السياسي ما بين الولايات المتحدة والصين في ظل التنافس العالمي بينهما، ولكن حدث مالم يكن متوقعاً، حيث خرج هذا المرض عن السيطرة في مدنية ووهان الصينية، لينتشر في أغلب المدن الصينية ويصيب ويقتل الآلاف من الصينين، ليس هذا فحسب وانما انتقل المرض الى عدة دول أخرى غير الصين ومنها الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، ثم انتقل هذا الوباء فيما بعد الى أغلب دول قارة اسيا.

مع زيادة خطورة هذا الوباء وتأثيراته على المستوى العالمي والقاري، بدأت ملامح الأزمة الدولية بالظهور أيضاً، فالدول العظمى والفاعلة في النظام الدولي والتي كانت من المفترض ان تساعد بقية الدول لمواجهة انتشار هذا الوباء، قد اكتفت بنفسها واعتزلت عن العالم إلى داخل حدودها الاقليمية الوطنية، لتعيد من جديد ترسيم حدودها والانكماش على نفسها، ليس من خلال اتفاقيات ومعاهدات جديدة، وانما من خلال الاجراءات الاحترازية التي قامت بها تلك الدول، مثل غلق منافذها الحدودية وايقاف حركة الطيران، وفرض القيود على حركة التبادل التجاري مع بقية الدول.

أصيب النظام الدولي بحالة من الصدمة واهتزاز المفاهيم، من جراء ردة فعل الدول العظمى والمهيمنة والفاعلة في النظام الدولي خلال جائحة كورونا، وكيف أن تلك الدول تبنت العمل الإنفرادي لمواجهة تلك الأزمة، وهي التي كانت تنادي بـ”التعاون” و”الاعتمادية المتبادلة” و”الانفتاح الحر” وقاعدة “دعه يعمل، دعه يمر” التي يبدو انها تحولت خلال أزمة كورونا إلى “دون أن نعمل شيء، دعه يمر”، لتنشغل هذه الدول بنفسها وترك باقي الدول لتواجه مصيرها بنفسها.

هذا ما حدث مع ايطاليا وهي احدى الدول المؤسسة للاتحاد الاوروبي، ذلك الاتحاد القائم على أساس التعاون والمشاركة في كل شيء والعمل كاليد الواحدة، لقد ترك أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين ايطاليا لتواجه مصيرها بمفردها، كذلك الصين عندما تفشى الوباء فيها، لم تتلقى مواقف داعمة قوية من أصدقائها العالميين وحلفائها في القارة الاسيوية، وتركت الصين لتواجه مصيرها أمام هذا الوباء، بل أكثر من ذلك فقد دخلت الولايات المتحدة مع الصين في نزاع وحرب اتهامات حول مصدر الفايروس ونشره عالمياً، وان الصين تعمدت تضليل العالم حول هذا الوباء، لتحقيق أغراض سياسية تسعى من خلالها الى منافسة الولايات المتحدة في الهيمنة العالمية، واختراق مراكز النفوذ التقليدي للولايات المتحدة في العالم. ايران كذلك، التي ترفع  شعار معاداة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الاوسط، والتي يفترض انها تملك علاقات متينة مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية المناهضة للولايات المتحدة، مثل روسيا، تركت إيران هي الأخرى لوحدها في مواجهة تفشي ذلك الوباء.

هذه المواقف أدت إلى تراجع أغلب مفاهيم العلاقات الدولية التي تبنتها المدرسة الليبرالية مثل (التعاون الدولي، الاعتمادية المتبادلة، المنظمات الدولية التي تعزز السلام الدولي، الشراكة الدولية)، وبنفس الوقت فأن هذه المواقف رجحت كفة مفاهيم المدرسة الواقعية مثل( المصلحة، الفردية، الطبيعة الشريرة، أنا اولاً ، المكاسب النسبية)، مما دفع الكثير من الدول الى اعادة النظر في المفاهيم الدولية وشكل النظام الدولي في ظل أزمة كورونا أو بعد انتهائها.

يقول “نيكولاس بيرنز” وهو دبلوماسي أمريكي سابق:” فايروس كورونا هو أكبر أزمة على مستوى العالم في هذا القرن، يهدد نحو 8 مليار شخص هم سكان العالم، وتداعيات هذه الأزمة الاقتصادية والمالية قد تفوق الأزمة المالية لعام 2008-2009، هي أزمة يمكن أن تغير النظام الدولي وتوازن القوى كما نعرفه بشكل دائم، وحتى الآن فأن التعاون الدولي غير كاف، فاذا لم تترك الصين والولايات المتحدة تبادل الاتهامات حول من الطرف المسبب لهذه الأزمة وتركزان على التعامل مع الأزمة، فأن مصداقيتهما ستتأثر، واذا لم يستطع الاتحاد الأوروبي حماية مواطنيه الخمسمائة مليون، فان الحكومات الوطنية ستسترد المزيد من القوى من بروكسل”.

ما يعزز ذلك القول هو التصرفات التي صدرت من بعض الايطاليين الغاضبين من بطأ ردة فعل الاتحاد الأوروبي تجاه أزمة تفشي وباء كورونا في إيطاليا، من خلال قيام بعضهم بانزال علم الاتحاد الاوروبي ورفع عمل الصين كدليل امتنان على المساعدة الصينية التي وصلت لايطاليا خلال الأزمة.

المعطيات السابقة تقودنا للاستنتاجات الآتية :

  • بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية في ادراك الخطر العالمي لتفشي وباء كورونا، واتخاذ قرارها بالعزلة الدولية لحماية أرضها وتخليها عن جميع الشعارات والحملات التي تقودها للسلام العالمي، تحاول الصين أن تظهر نفسها بدور القوى العالمية المؤهلة لملأ فراغ الولايات المتحدة في نشر السلام العالمي.
  • تخلخل الأسس التي بني عليها الاتحاد الاوربي كمجتمع دولي متجانس ذو سياسات واتجاهات موحدة، مثل تحقيق التعاون ونبذ العنصرية والطائفية، وقد يؤدي هذا التخلخل الى تفكك الاتحاد الأوروبي.
  • زيادة حدة الصراع وحرب الاتهامات ما بين الصين والولايات المتحدة، وهذا دليل على بروز قوة عالمية كمنافسة حقيقية للولايات المتحدة، وهذا الوضع العالمي الجديد يمكن أن يعيد ترتيب النظام الدولي من الأحادية القطبية الى الثنائية القطبية.
  • اعادة النظر في المفاهيم الليبرالية في العلاقات الدولية التي كانت سائدة، لصالح صعود المفاهيم الواقعية.
  • اعادة تمسك الدول بحدودها القومية والانكماش على نفسها، وتراجع عصر الانفتاح في العلاقات الدولية والعولمة.