دخل العالم في حالة من الإغلاق الاقتصادي شبه التام شهر أبريل2020، وذلك لمواجهة انتشار فيروس كوفيد19. لكن ما حصل هو أن الاقتصاديات العظمى في العالم شهدت انكماشاً حاداً بسبب ذلك الغلق الاقتصادي. وبالرجوع إلى انتشار فيروس كورونا خلال شهر أبريل، فقد شهدنا توقّف تسارع الانتشار، لكن في نفس الوقت، لم نشهد انخفاضاً كبيراً في عدد الإصابات العالمية. في الأوّل من أبريل الماضي، وصل عدد الإصابات اليومية خلال 24 ساعة إلى 77 ألف إصابة تقريباً بحسب موقع worldometers، فيما وصل عدد الإصابات اليومية في الـ30 من أبريل على مدى يوم واحد 82.9 ألف إصابة. بذلك، استطاعت إجراءات الحجر الشامل إيقاف تسارع انتشار فيروس كورونا، لكن لم توقّف الانتشار ولم نشهد انخفاض في أعداد الإصابات.

لكن ماذا حصل للاقتصاد العالمي خلال شهر أبريل؟

الذي حصل هو انخفاض هائل في النشاطات الاقتصادية، وبحسب مكتب الإحصاء الوطني البريطاني، انكمش اقتصاد بريطانيا بوتيرة قياسية بلغت 20.4%، وبحسب بيانات رسمية صدرت من هيئة الإحصاء الكندية، انكمش الاقتصاد بنسبة 11.6% وهذه أيضاً تعتبر قيمة انكماش قياسية. وبالنسبة للدول العظمى الأخرى، من المحتمل أن تنكمش اقتصادياتها على مدى الربع الثاني من هذه السنة بتأثير من الانكماش الحاد وتبعاته التي حصلت خلال شهر أبريل.

ومن المتوقّع أن ينكمش الاقتصاد الأمريكي بنسبة تتراوح بين 20% و34% خلال الربع الثاني من هذه السنة، رغم أننا شهدنا بعض التحسّن خلال شهري مايو ويونيو، وهذا ما يظهر مدى الضرر الذي تسبب فيه إغلاق الاقتصاد شهر أبريل، لكن دون حصول انخفاض واضح في أعداد الإصابات.

حالياً، تسارع انتشار فيروس كورونا بشكل كبير، حيث أن عدد الإصابات اليومية وصل إلى أكثر من 208 آلاف حالة خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين، وهو رقم قياسي. وحتى مع انخفاض عدد الإصابات إلى 189 ألف إصابة يوم السبت الـ4 من شهر يوليو، إلا أن هذه القراءات ما زالت تثبت بأن العالم يعيش الآن في الموجة الثانية لانتشار فيروس كورونا.

وهنا يتساءل الكثيرون، أيهما أكثر ضرراً على الاقتصاد، الانتشار المتسارع لفيروس كورونا، أم الإغلاق الاقتصادي التام؟

في الحقيقة، الإغلاق الاقتصادي التام يسبب أضراراً جسيمة في الاقتصاد، وهذا بالفعل ما حصل في الصين عندما انكمش اقتصاد البلاد بنسبة قياسية بلغت 9.8% خلال الربع الأول، وبهذا الانكماش انخفض الاقتصاد الصيني بنسبة 6.8% على مدى السنة المنتهية بشهر مارس 2020، أي أن الانكماش الاقتصادي الذي حصل خلال فترة الحجر الشامل في الصين تسببت في إفقاد الاقتصاد كل نموّه على مدى عام كامل.

الانكماش الكبير له تبعات متعددة، منها ارتفاع معدّلات البطالة عالمياً، ورغم أن بيانات الوظائف الأمريكية أشارت لانخفاض كبير في معدّل البطالة من 14.7% الأعلى المتحقق شهر أبريل بفعل الإغلاقات الاقتصادية، ووصوله شهر يونيو إلى 11.1%، إلا أن هذه القيم ما زالت تعتبر كبيرة جداً، وتعتبر أعلى مستويات منذ عقود من الزمن. وفقد الاقتصاد الأمريكي أكثر من 22 مليون وظيفة خلال شهري مارس وأبريل، قبل أن يضيف قرابة الـ7.5 مليون وظيفة في القطاعات الغير زراعية شهري مايو ويونيو.

عندما ننظر إلى حقيقة أن الإغلاقات الاقتصادية لم تكن قادرة على إيقاف انتشار فيروس كوفيد 19 في العالم، هنا نستطيع أن نلاحظ بأن الإغلاقات الاقتصادية لم تقم بما كان يتوجّب عليها أن تفعل، حيث أنها بالفعل أوقفت تسارع الانتشار، لكن استقر معدّل الانتشار اليومي.

إن الإغلاقات الاقتصادية قد تكون أكثر ضرراً على العالم من انتشار فيروس كوفيد 19، إذ أن الإغلاقات الاقتصادية كفيلة في دفع نسب البطالة للارتفاع حول العالم بشكل كبير، لينتشر الفقر بشكل أكبر. ومن المعروف أن مستويات الفقر تلعب دوراً كبيراً في أعداد الوفيات حول العالم. لنلق نظرة الآن على بعض البيانات للوفيات حول العالم بحسب موقع worldometers:

  • الوفيات بسبب الأنفلونزا الموسمية هذه السنة: حوالي 250 ألف
  • الوفيات بسبب فيروس الإيدز هذه السنة: حوالي 858 ألف
  • الوفيات بسبب الملاريا هذه السنة: حوالي 501 ألف
  • الوفيات بسبب الأمراض الممكن انتقالها (شاملاً كوفيد 19) : 6.631 مليون تقريباً
  • الوفيات بسبب كوفيد 19 : 533 ألف تقريباً

بالتالي، نلاحظ بأن الوفاة بسبب الأمراض حول العالم تفوق كثيراً الوفيات بسبب كوفيد 19، بل أن الأمراض السارية المعروفة تزيد عن 6 مليون وفاة (الوفيات بسبب الأمراض مطروحاً منه وفيات كوفيد 19) فيما كوفيد 19 لم يتسبب إلا في حوالي سدس هذه الإصابات بالتقريب.

لكن يجب أن نعلم بأن الإغلاقات الاقتصادية لو عادت من جديد، فسيكون تأثيرها مدمّر على الاقتصاد العالمي، فانتشار فيروس كوفيد 19 سيغيّر فعلاً العادات الاستهلاكية وقد يتسبب في بعض التباطؤ الاقتصادي وربما الانكماش في بعض الدول. لكن في المقابل، الإغلاق الاقتصادية سيكون له تبعات على المدى الطويل.

قادة العالم الآن على علم عن مدى الدمار الاقتصادي والاجتماعي الذي قد تتسبب فيه إعادة الغلق، فشركات عديدة أفلست خلال الأسابيع الأولى من الانتشار العالمي عندما تم غلق الاقتصاد. شركات الطيران تكاد أن تنهار، والنقل يشهد ضغطاً هائلاً.

في النتيجة، لا شك أن الغلق الاقتصادي يعتبر مدّمراً للاقتصاد العالمي بأكثر من ما قد يسببه فيروس كوفيد 19.

خلال فترة الكساد العظيم ثلاثينات القرن الماضي، وبحسب ما ورد في وكبيديا، سجّلت دائرة الصحّة في مدينة نيويورك بأن خُمس الأطفال يعاني من سوء التغذية. كذلك، تسبب الكساد العظيم في ذلك الوقت في تشرّد ملايين حول العالم. في الأزمة المالية عام 2008، ارتفعت مستويات الفقر، وفقد الآلاف وظائفهم. بذلك، نلاحظ بأن الأزمات الاقتصادية الحادة تعتبر بحد ذاتها مهددة للحياة لكثيرين من البشر أكثر من تهديد كوفيد 19 للحياة.

وبحسب منظّمة الصحة العالمية وموقع worldometers، تبلغ نسبة الحالات الحرجة التي سببها فيروس كوفيد 19 حوالي 1% فقط من الإصابات، فيما تبلغ نسبة الشفاء التام من المرض حوالي 92% (بحسب إحصائيات اليوم الـ5 من شهر يوليو 2020). بذلك، لا يعتبر المرض مهدداً للبشرية. لكن في نفس الوقت، لو تمت إعادة غلق الاقتصاد لفترات زمنية طويلة، فقد نرى انهيارات اقتصادية تفوق في مقدارها ما حصل في الكساد العظيم، وعندنا سنرى ارتفاعات هائلة في البطالة وزيادة في الفقر حول العالم، وهذه المتغيّرات ستكون سبباً لزيادة كبيرة بالوفيات، إذ أنه معروف كلما زادت معدّلات البطالة وارتفعت نسبة الفقر، تتزايد معها حالات الوفاة.