وليد عبد الحي

هل كل المدنيين في حالات الصراع سواء؟
وهل كل صراع ينطوي على ضرورة للقتل؟
لعل عدم التمييز بين المدنيين يترك نافذة للتغطية على مدني ليس بينه وبين العسكري فرق كبير، ولا يجوز اقتصار التمييز بين العسكري والمدني على نوع او لون الزي او الدور الوظيفي( جندي او فلاح)، بل يجب ان يكون التمييز على أساس ممارسة العدوان ، فحيث يكون العدوان ” مع سبق الاصرار والترصد” يكون القتل مبررا، وهو ما يتوجب التنبه له في ضرورة عدم وضع قتل المدنيين الاسرائيليين من قبل المقاومة الفلسطينية في نفس سلة قتل داعش او مثيلاتها لمدنيين في نيوزيلندا او سيرالنكا او برلين او باريس او واشنطن..
بداية لا بد من توصيف لهذا المدني الاسرائيلي، فهو مدني بزيه فقط ، لكنه يستولي على بيتي ويعيش فيه ، ويزرع حقلي ويتملكه، ويطمس تراثي ، ويشرد أهلي ، ويشرب ماء بئري، ويمنع لغتي وغنائي ، ويطمس قبور اجدادي، وينتهك حرمات بيتي وبيوت عبادتي ، وينشر الدعايات ضدي في كل ركن من اركان المعمورة ، وهو من يوفر كل الضرورات لعساكر مجتمعه ليستمروا في قتلنا والتوسع على حسابنا، انه من يحاكمنا في محاكم ليس لها سند قانوني سوى قوانين الاذعان….انه من يمارس كل هذا يوميا وعلى مدار الساعة …فهل هذا مدني؟
وللمقارنة ، فإن مارتن لوثر (الذي تنسب له قواعد التحرر البروتستنتي من سلطة الكهنوت الديني المسيحي) كان يقول ” اقتلوا اطفال المشارقة قبل ان يصبحوا جنودا ويقتلوكم”، يريد ان يقتلهم وهم اطفال وفي بيوتهم ومزارعهم رغم أنهم ليسوا في مزارع الأخرين..فكيف لو كانوا ؟
إن وصف قتل المدني بالجريمة مشروط بتحديد ” سلوك ذلك المدني”، فاللص- المدني- الذي تقتله وهو يمارس السرقة في بيتك تعده المحكمة ” دفاعا عن النفس”، فايهما أولى بالتبرئة من يسرق بيتا ام من يسرق وطنا ومقدسات وتاريخا وهوية حضارية ؟ إن المستوطنين لصوص اوطان لكنهم بالتوصيف الشكلي مدنيون .
واتساءل لماذا تحكم الدول على العميل –الجاسوس- بالاعدام؟ يقال في الاجابة انه ” أضر بالامن الوطني أو القومي”…فلماذا لا يحكم بالاعدام ايضا من ” سرق الوطن وجلس فيه، وقتل المواطن او شرده او اعتقله؟
ان الخلط بين قتل مدني في وطنه لا يتماثل مع قتل مدني يسرق وطنا ويعيش فيه ويعمل على نفيه الأن وتاريخيا ويعدم كل امل مستقبلي له، من قال ان المستوطن مدني؟ ان اسرائيل لا تختلف في جوهرها عن شركات الأمن الخاصة، فشركة (G4S) التي مقرها لندن توظف 620 الف موظف، وهو ما يساوي عدد المستوطنين في الضفة الغربية، ومعلوم ان كل المستوطنين مسلحون..بل ان العاملين في حماية بعض المستوطنات وفي إدارة بعض السجون هم موظفون في شركة (G4S) والتي يشارك الاسرائيليون في مجلس ادارتها.
المدني الاسرائيلي يقتل لا لأنه ” يهودي” ولا لأنه يخالفني الرأي في قضية ملتبسة ، او لأنه يخالفني في اللغة او التراث …انه يقتل لأنه يستولي على بيتي ويحصد قمحي ويشرب ماء بئري ويصر على تزوير وثائق تاريخي ، إنه من يصنع للعسكري الاسرائيلي قنابله الغازية التي ترفع من نسب الاجهاض بين نسائنا، وهو الذي يصورني في افلامه متخلفا وارهابيا بل ويحض الآخرين على مطاردتي..بل هو من يوفر للعسكري الاسرائيلي كل متطلبات قتلي..
لا يا سادة، قتل المدني المسيحي او اليهودي او البوذي او الابيض او الاسود أو الشرقي او الغربي في وطنه غير مقبول ومناف لكل الاخلاق والشرائع ، لكن قتل الاسرائيلي الذي يصر على نفي وجودي يوميا وجهارا نهارا هو عمل اخلاقي مبرر أيا كان زي او عمل هذا الاسرائيلي..ليخرج من بيتي وحقلي ومسجدي وكنيستي لأعانقه واقبله على جبينه واشاركه الرقص في الحفلات….لكنهم لصوص مدنيون وعسكريون على حد سواء.
من ناحية اخرى، الا تقول وثائق الامم المتحدة عن احدى عمليات الجيش الاسرائيلي ان 75% من القتلى الفلسطينيين مدنيون؟ في حالة كهذه كيف سيرد الفلسطيني على ذلك وهو الاعزل من السلاح والبيت والوطن؟
كيف تقول عن الاسرائيلي المؤمن بنصوص التوراة التي تقول له حرفيا ” مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلى الأَرْضِ التِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِليْهَا لِتَمْتَلِكَهَا وَطَرَدَ شُعُوباً كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الحِثِّيِّينَ وَالجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالكَنْعَانِيِّينَ وَالفِرِزِّيِّينَ وَالحِوِّيِّينَ وَاليَبُوسِيِّينَ سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ (2) وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ وَضَرَبْتَهُمْ فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لا تَقْطَعْ لهُمْ عَهْداً وَلا تُشْفِقْ عَليْهِمْ (3 ) وَلا تُصَاهِرْهُمْ. ابْنَتَكَ لا تُعْطِ لاِبْنِهِ وَابْنَتَهُ لا تَأْخُذْ لاِبْنِكَ(4) لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَليْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعاً.( 5) وَلكِنْ هَكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلهُمْ بِالنَّارِ.”
وكيف تقول عن رجل الدين اليهودي انه مدني وحاخاماته تدعو لقتل الاطفال الفلسطينيين بل وصل باحدهم وهو رئيس مجلس حاخامات المستوطنات في الضفة الغربية، الحاخام «شلومو ملميد»،أن اصدر فتوى تجيز تسميم مياه الشرب في القرى والبلدات الفلسطينية في أنحاء الضفة الغربية،
كيف تتعامل مع مجتمع يصدر منشورًا يحمل توقيع حركة «تلاميذ الحاخام إسحق جيزنبرج»، يدعو إلى «عدم الاكتراث بحياة المدنيين في غزة”
,ألم يعتبر الحاخام عوفاديا يوسيف «العرب أنجاس وأفاعٍ»، وقال أن «الله يندم كل يوم على أنه خلق ذرية لإسماعيل”
وماذا عن كتاب «شريعة الملك» الذي كتبه الحاخام يتسحاق شابيرا ويتضمن عددًا من الفتاوى التي تبرر قتل الأطفال الفلسطينيين .
اما الحاخام «بن تسيون موتسافي»، فقد حدد طريقة التعامل مع الفلسطيني الذي يلقى القبض عليه قائلا: ” إنها فريضة دينية أن تمسك برأسه وتضربه بالأرض حتى يلفظ أنفاسه”.
وفي القانون الدولي الذي وصف الوجود الاسرائيلي في الضفة الغربية والجولان بأنه ” احتلال وعدوان وغير مقبول” ينص بخصوص المدنيين على حماية المدنيين الا ” الأفراد المشاركين منهم مباشرة في النزاع”، يقول النص القانوني:
except those individuals “directly participating in the hostilities
وعليه ،اليس وجود الاسرائيلي في بيتي وحقلي ومسجدي وكنيستي وحمله السلاح ضدي ومنعي من الحركة وقيامه بتوفير الامداد اللوجستي للجندي الاسرائيلي مشاركة مباشرة في العدوان؟…..
لا ليس في اسرائيل مدنيون…بل شركة أمنية خاصة وغير مرخصة….

 

Print Friendly, PDF & Email