تعتبر جريمة العدوان أحد الجرائم المذكورة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في الباب الثاني المتعلق بالاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق، إلا أنَّه لم يتم الغوص في تحديد مفهومها وتوضيحه، واقتصر ذكرها في المادة 5 من النظام كأحد الجرائم الأشد خطورة إلى جانب شبيهاتها من الجرائم كجريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة الحرب، واللواتي نلن توضيح عميق لمفهوم كل منها في سلسلة من المواد.

فتم تعريف هذه الجريمة وفقاً لهذا النظام بتعريفات واسعة المفهوم، بأنها ”قيام شخص ما في وضع يتيح له التحكم بالفعل في العمل السياسي أو العسكري للدولة أو توجيهه بتخطيط أو إعداد أو شن أو تنفيذ عمل عدواني من شأنه، بحكم خصائصه وخطورته ونطاقه، أن يعد انتهاك واضحا لميثاق الأمم المتحدة“. وأن أي استعمال للقوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي، أو بأي صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة يندرج تحت مسمى العمل العدواني، بالإضافة إلى وجود عدة أفعال تنطبق عليها صفة العدوانية ،سواء في حالة إعلان حرب ما أو دون إعلانها، وذلك طبقاً لما جاء في قرار الجمعية العامة الأمم المتحدة 3314 (د-29) وهي:

1 – قيام القوات المسلحة لدولة ما بغزو إقليم دولة أخرى أو الهجوم عليه، أو أي احتلال عسكري، ولو كان مؤقتاً، ينجم عن مثل هذا الغزو أو الهجوم، أو أي ضم لإقليم دولة أخرى أو لجزء منه باستعمال القوة؛

2 – قيام القوات المسلحة لدولة ما بقذف إقليم دولة أخرى بالقنابل، أو استعمال دولة ما أي أسلحة ضد إقليم دولة أخرى؛

3 – ضرب أو حصار موانئ دولة ما أو على سواحلها من قبل القوات المسلحة لدولة أخرى؛

4 – قيام القوات المسلحة لدولة ما بمهاجمة القوات المسلحة البرية أو البحرية أو الجوية أو الأسطولين البحري والجوي لدولة أخرى؛

5 – قيام دولة ما باستعمال قواتها المسلحة الموجودة داخل إقليم دولة أخرى بموافقة الدولة المضيفة، على وجه يتعارض مع الشروط التي ينص عليها الاتفاق، أو أي تمديد لوجودها في الإقليم المذكور إلى ما بعد نهاية الاتفاق؛

6 – سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى ارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة؛

7 – إرسال عصابات أو جماعات مسلحة أو قوات غير نظامية أو مرتزقة من قبل دولة ما أو باسمها تقوم ضد دولة أخرى بأعمال من أعمال القوة المسلحة تكون من الخطورة بحيث تعادل الأعمال السابقة، أو اشتراك الدولة بدور ملموس في ذلك.

فمن الملاحظ أن نظام روما الأساسي لمحكمة الجنائية الدولية نظر إلى جريمة العدوان من زاوية إيجابية، أي على اعتبار أنها الجريمة التي لا تقوم إلا بقيام سلوك إيجابي يفضي إليها، حيث أن التعريف استخدم عبارة “استخدام القوة” دون الإشارة إلى التهديد بها (سلوك سلبي)، مما يعني أنَّه لكي تتحقق كل مقومات جريمة العدوان، يجب أن يكون هناك فعل عدواني مادي، وليس مجرد التفكير أو إبداء النية أو التهديد.

المسؤولية الجنائية عن جريمة العدوان…

 فيما يتعلق بطبيعة المسؤولية المترتبة عن ارتكاب جريمة العدوان، والمنصوص عنها في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي تتمثل بالمسؤولية الفردية بحيث يُسأل عنها الأفراد المرتكبين للجرائم المنصوص عليها في المادة الخامسة من النظام، والتي تشمل جريمة العدوان ومثيلاتها. فقد رتب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المسؤولية الجنائية على القادة والرؤساء والأفراد على السواء، ويمكن استنتاج من نصوص النظام ان المسؤولية في جميع الأحوال تكون مسؤولية الرؤساء اة القادة بشخوصهم. فقد تحدثت المادة 28، تحت مسمى مسؤولية القادة والرؤساء الأخرين من الباب الثالث المتعلق بالمبادئ العامة للقانون الجنائي، في شقها الأول عن المسائلة الجنائية للقائد العسكري أو القائم الفعلي بالأعمال العسكرية بشخصه لا غير، بأنه يكون القائد العسكري أو الشخص القائم فعلا بأعمال القائد العسكري مسؤول مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، أو تخضع لسلطته وسيطرته الفعليتين، نتيجة لعدم ممارسة هذا القائد العسكري أو الشخص سيطرته على هذه القوات ممارسة سليمة والتي من الممكن ان تتخذ شكل من الاشكال التالية دون حصر:

أ- إذا كان ذلك القائد العسكري أو الشخص قد علم، أو يفترض أن يكون قد علم، بسبب الظروف السائدة في ذلك الحين، بأن القوات ترتكب أو تكون على وشك ارتكاب هذه الجرائم.

ب- إذا لم يتخذ ذلك القائد العسكري أو الشخص جميع التدابير الالزامية والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

أما في الشق الثاني من ذات المادة، فتم التطرق إلى مسؤولية الرئيس او القائد العسكري أو من يقوم مقامه مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم التي تم ارتكابها والتي تدخل في اختصاص المحكمة من قبل من هم أدنى منه أو من مرؤوسيه تحت إشرافه وسلطته وسيطرته، ولذلك نتيجة لعدم ممارسة هذا الرئيس أو القائد السيطرة على هؤلاء المرؤوسين ممارسة سليمة، ومن الممكن أن تندرج هذه الممارسات في حال كتالي:

أ – إذا كان الرئيس قد علم أو تجاهل عن وعي أية معلومات تبني بوضوح أن مرؤوسيه يرتكبون أو على وشك أن يرتكبوا هذه الجرائم؛

ب – إذا تعلقت الجرائم بأنشطة تندرج في إطار المسؤولية والسيطرة الفعليتين للرئيس؛

ج – إذا لم يتخذ الرئيس جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع أو قمع ارتكاب هذه الجرائم أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة.

مؤتمر كمبالا وتعديلاته على نظام روما الاساسي لمحكمة الجنائية الدولية

في تاريخ 31 مايو/ أيار لعام 2010 في العاصمة الاوغندية، مدينة كمبالا، تم افتتاح المؤتمر الاستعراضي لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ومثل أول فرصة للنظر في التعديلات التي أدخلت على نظام روما الأساسي وتقييم تنفيذها وأثرها منذ دخوله حيز النفاذ في عام 2002 حيث تم النظر في عدة قضايا مختلفة وكجزء من التعديلات المقترحة على نظام روما الأساسي ، وكان التركيز الاكبر في المناقشات على تعريف جريمة العدوان.

وكان قد تم توضيح من خلاله اركان جريمة العدوان بناءً على تعديلات في أركان الجرائم في المرفق الثاني، والتي جاءت:

1- قيام مرتكب الجريمة بتخطيط عمل عدواني أو بإعداده أو بدئه أو تنفيذه.

2- كون مرتكب الجريمة شخص في وضع يمكّنه من التحكم فعلاً في العمل السياسي أو العسكري للدولة التي ارتكبت العمل العدواني أو من توجيه هذا العمل، قد يوجد أكثر من شخص واحد تنطبق عليهم هذه المعايير .

3- ارتكاب العمل العدواني المتمثل في استعمال القوة المسلحة من جانب دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأي صورة أخرى تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

4- كون مرتكب الجريمة مدركاً للظروف الواقعية التي تثبت أن استعمال القوة المسلّحة على هذا النحو يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

5- العمل العدواني يشكل، بحكم طابعه وخطورته ونطاقه، انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة.

6- كون مرتكب الجريمة مدركا للظروف الواقعية التي تثبت هذا الانتهاك الواضح لميثاق الأمم المتحدة .

المصادر والمراجع:

نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقعت في 17 تموز / يوليه 1998 ودخلت حيز النفاذ في 1 تموز / يوليه 2002.

د. الحسن أبكاس، جريمة العدوان ومخاوف تسييس العدالة الجنائية الدولية، مقال نشر في مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 27: مارس 2020، الصفحة 11.

محمد حسين هيكل، حرب الثلاثين سنة – ملفات السويس، دار الشروق، الطبعة الاولى 2004، القاهرة.

 داود محمد أحمد، الحماية الأمنية للمدنيين تحت الاحتلال في القانون الدولي الإنساني، رسالة دكتوراه، مطابع أخبار اليوم، القاهرة، 2014 ، ص 113.

قرار الجمعية العامة 3314 (د -29) المؤرخ 14 كانون الأول / ديسمبر 1974 (تعريف العدوان)، مكتبة الأمم المتحدة السمعية البصرية للقانون الدولي.

المؤتمر الاستعراضي لنظام روما الاساسي لمحكمة الجنائية الدولية، كمبالا 31 آيار\مايو – 11 حزيران\يونيو 2010

كلاوس كريس، دراسة حول تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية على جريمة العدوان، مجلة الإنساني- اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 6 أيلول / سبتمبر, 2018.

حصيلة شاملة لنتائج الهجوم الإسرائيلي على غزة،  المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، 28 أغسطس 2014.

الإعداد العلمي: ملك سعيد – Malak Saeed – الموسوعة السياسية