حاجة الإنسان إلى الأمن

بسم الله الرحمن الرحيم

    ]وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين[ صدق الله العظيم (سورة البقرة: الآيتان 35-36)

يوضح الله، سبحانه وتعالى، في هاتين الآيتين، كيف أنه بعد أنّ خلق آدم (عليه السلام)، وهبه حاجاته البشرية. فأسكنه الجنة، ومعه زوجته، وبها مأكله، وحذّرهما من الخطأ. فلما أزلهما الشيطان، عصيا ربهما، فأخرجهما من المسكن الآمن (الجنة)، وأمرهما بالهبوط إلى مكان غير آمن (الأرض)، وجعل من ذريتهما أعداء لبعضهم بعضاً، كما جعل في الأرض مستقراً (بقاء ودواماً)، ومتاعاً (مطالب وأطماعاً دنيوية)، إلى أن تقوم الساعة.

وتفسر قصة خلق آدم، عليه السلام، ثم هبوطه إلى لأرض، المفهوم البسيط للأمن: فهو مكان يؤوي الإنسان، وزوجه تؤنسه، ومأكله ومشربه. وفي الأرض، على الإنسان أن يسعى لتحقيق أمنه بالحصول على تلك الحاجات، وأن يدفع عنه من سينازعونه فيها من أعداء، هم من بني الإنسان كذلك (فهم يحاولون تحقيق أمنهم الخاص، أيضاً، من وجهة نظرهم). ومن يحصل على تلك الحاجات الأولية، يحقق أولى درجات الأمن، بالاستقرار. ثم عليه أن يسعى لتحقيق درجات أخرى من الأمن، بالسعي للاستحواذ على متطلبات أخرى ليست ضرورية، ولكنها زيادة في متاع الدنيا. وتلك هي سنة الحياة الجارية في الكون، إلى أن تقوم الساعة.

فالأمن تعبير، يدل على حالة نفسية يوجد عليها الكائن الحيّ، عندما يشبع حاجاته، التي تختلف باختلاف الكائن الحي نفسه. وهي عند الإنسان ما يشعر به نحو حاجيات، بالحصول عليها تُستكمل مطالبه من الاستقرار. وهذه الحاجيات تختلف من إنسان لآخر، ومن مكان لآخر. فهناك من يبحث عن المأوى ]وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ[ (سورة الحجر: الآية 82).  ليحقق أمنه الأولي، ومنهم من يطلب الطعام  ]الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[ (سورة قريش: الآية 4). وإذا تحقق لدى الإنسان المأوى والمأكل، فإن الأمن يتحقق باستقرار الرزق الأمن ]وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ[ (سورة النحل: الآية 112).

  1. الجانب العلمي (النفسي) لحاجة الإنسان إلى الأمن

إنّ حاجة الإنسان إلى الأمن، مرتبطة بدوافعه الغريزية (الطبيعية). وتصل حالته النفسية إلى درجة من درجات الاطمئنان، عندما يحقق مطالب الغريزة. لذلك، وفّر سبحانه وتعالى تلك المتطلبات الأساسية، لآدم في الجنة ]إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى[ (سورة طه: الآيتان 118، 119). وبين ذلك الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، بقوله: ]مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا[ (ابن ماجة: 4131).

ليست مطالب النفس البشرية، هي الغرائز الأولية فقط (تنفس ـ أكل ـ شرب ـ تناسل)، بل هناك العديد من مطالب النفس، التي يحتاج الإنسان أن يشبعها، طبقاً لأولويات حددتها الغريزة. وهي الدافع الذي يحرك السلوك الإنساني، لينتهج الإنسان سلوكاً خاصاً للحفاظ على حياته وأسرته وممتلكاته. كما أن سلوك الإنسان، أصبح كذلك يتدرج من إشباع حاجات أساسية، إلى حاجات ثانوية، إلى مطالب تحقيق الذات، إلى مطالب رفاهية. ثم تعلو الدرجات التي يتنقل فيها السلوك الإنساني، من مطالب فردية ذاتية، إلى مطالب جماعية، تحتاجها الأسرة والجماعة، فالقبيلة، فالقرية فالمدينة، فالدولة، حتى يصبح الشعور الآمن جماعياً أيضاً.

وليست حاجات الإنسان كلها مادية ملموسة (أكل، شرب، مأوى…)، فبعضها نفسي معنوي، لإشباع الأحاسيس الغريزية، التي خلق الله الإنسان بها (حب، تآلف، استئناس، زهو، تفاخر..)، وكما يرتب الإنسان حاجاته المادية بالفطرة، فإنه أيضاً يرتب حاجاته المعنوية. بل أن الحاجات المعنوية (في مجموعاتها)، تعقب الحاجات المادية في مجموعاتها، بمعنى أن الإنسان عندما يشبع ويسكن، يبحث عن الحب والألفة، وعندما يعمل ويطمئن على رزقه، يبحث عن التقدير والانتماء والرضا، وهو ما أوضحه علماء النفس في نظرياتهم، ورتبوا هذه الحاجات في درجات هرمية الشكل[1]. (اُنظر شكل هرم ماسلو)

  1. تطور مفهوم الأمن، بتطور المجتمع

أدى تطور المجتمعات من الأسرة إلى العشيرة، فالقبيلة، فالدولة، إلى إنابة آخرين لتأمين الطمأنينة والأمن. ففي الأسرة يحس الطفل بالطمأنينة، لوجوده بجوار أمه وأبيه، فهما يوفران له إشباع حاجياته المادية والمعنوية، في درجاته الأولى، وبعضاً من الدرجات الأخرى (أي في حدها الأدنى على الأقل). وباطمئنان الطفل يشب سوياً، أما إذا فقد جانباً من الأمن، نتيجة لفقد أحد الأبوين (أو كليهما) أو عدم تأمينهما لبعض الحاجات (طبقاً لظروف الأسرة)، تولد لديه قلق. ثم أصبحت العشيرة والقبيلة توفر الأمن لأعضائها. وباستقرار الإنسان، بعد اكتشافه الزراعة واستئناسه الحيوان، زادت مطالبه للمعيشة. فلم تعد حدوده هي أفراد أسرته وأدوات صيده، ولم تعد العشيرة أو القبلية مجرد عدد من الأسر، وإنما أصبح لديه ملكية من أرض وحيوان، ومخزون من الحبوب والأطعمة، ونهر أو فرع منه أو بئر للمياه، وأصبح للملكية حدود. وبدأ التنازع بين العشائر والقبائل على الملكية الأكبر، والأفضل، والأغنى، وكان لابد أن يتكاتف الجميع لحماية أنفسهم وأسرهم وممتلكاتهم التي كثرت وتنوعت، وتعدد الطامعين فيها. وطالب الإنسان بالحماية من الظواهر الجوية، التي لم يتمكن من قهرها أو فهمها[2]، ومن الحيوانات المتوحشة، ومن العشائر والقبائل المغيرة. وأصبح مفهومه للأمن أوسع، وإدراكه لما يهدده أكبر.

أصبح الأمن جماعي، بعد أن كان فردياً. ففي مرحلة الصيد، كان لدى الإنسان أدوات صيده، وما يصطاده، وهو قليل، وأسرة قليل العدد، وكهف يأويه. وحتى عندما يتجمع بعض للأفراد، ويتعاونون في صيد كبير، فإنهم يتفرقون بعد اقتسام الصيد، كل إلى كهفه وامرأته. أما في عصر الزراعة فإن التعاون فيه عمره أطول، منذ تهيئة الأرض لحين زرعها، فإنباتها، ورعايتها، وحصدها، وتخزينها للانتفاع بها على مدار العام، وهو عمل يحتاج على جهد جماعي دائم. فتطور المجتمع، وهبط الإنسان من الكهف إلى الوادي، وظهرت التجمعات السكنية (القرية).

اعتدت القرية على ما جاورها من قرى، وهددت أمنها، واستباحتها نساء وأرضاً، ماشية ومخزوناً، وضمتها إليها. وتعددت القرى في حوزة الأقوى بتكرار الغزو، فظهرت الدولة، وأصبح لها قانونها الخاص، وحاكمها وجيشها، يتولون حماية أمن المواطنين في دولتهم وخارجها. فالحاكم، ومعه رجال السلطة، يحققون حاجات الشعب، من المستوى الأول، ليطالبهم بعدها بحاجات المستوى الثاني. والشعب باعترافه بزعامتهم، وفضلهم، في تحقيق الأمن له، يوفر لهم حاجات المستوى الثاني، ليطالبوه بحاجات المستوى الثالث. وأصبح الأمن وتحقيقه مصالح متبادلة، بين أطراف تضع القواعد وتتمسك بها لتصون الأمن، وتبقى آمنة. قال تعالى: ]وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ[ (سورة سبأ: الآية 18).

  1. الدلالة اللغوية للأمن الوطني

الأمن لغة نقيض الخوف، ويعني السلامة أيضاً، فيقال: أَمِنَ بمعنى سَلِمَ، وأَمِنَ البلد يعني اطمأن به أهله، يقول سبحانه وتعالى: ]مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ[ (سورة النمل: الآية 89). وكذلك قوله: ]لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ[ (سورة الفتح: الآية 27).  أوضحت هذه الآيات، النقيضين الخوف والأمن، وهما حالتان، لا يجتمعان، تستقر أحدهما في نفس الإنسان أو الجماعة. ففي حالة الأمن، يمارس الإنسان نشاطه العادي بلا توتر، وفي حالة الخوف من تهديد لأمنه، فإن عصبيته تثار، ويظهر التوتر على أدائه، ويظل كذلك حتى تزول، المسببات (تهديدات الأمن) أو يواجهها ليزيلها بنفسه (أو مع مجموعته)، بأي وسيلة يراها مناسبة لقدراته، أو قد يهرب من المواجهة، ويخسر ما كان يخاف عليه لعدم قدرته على حمايته، منقذاً أمنه الشخصي في أدنى درجاته (حياته المجردة مع قليل من الاحتياجات الأولية لو أمكن). وعندما تتوفر له الإمكانات المناسبة، فإنه قد يبادر بالتخلص مما يرى فيه تهديداً لأمنه. فقد يسارع لبناء سد يحجز عنه غائله الفيضان أو السيل، أو قد يُنشئ ملجأً محصناً، يصد منه اعتداءات الآخرين، أو قد يحشد قوة ويجهزها ويدربها ليرهب بها أعداءه فيتجنبوه، وقد يبادر هو بالاعتداء عليهم، إذا ظن أنهم اقتربوا من قوته وقد يفوقونه لاحقاً.

بتقدم الحضارة، أصبح أمن المجتمع والدولة هما أساس أمن المواطن. وتقدم الأمن الجماعي (أمن الوطن) على الأمن الذاتي (أمن الفرد). وبتعدد احتياجات المواطن ومطالبه، وشعوره بالقهر عند حرمانه منها، ظهرت أهمية تأمين الدولة لتلك المطالب والاحتياجات، لينعم المجتمع بالأمن في الوطن.

ويكمل مصطلح “الأمن”، مصطلح “الوطني”، وهي صفة للأمن، حتى يتحدد بالشكل المطلوب التطرق إليه. والوطن لغة هو “مكان الإنسان ومقره”، ويصبح البقاء في المكان هو استيطان له، واتخاذه موطناً”.

وبذلك، يكون مفهوم “الأمن الوطني” لغوياً: سلامة المكان، أي أنه المكان الذي يستقر فيه جمع من الناس، في سلام من دون خوف، وبهذا الفكر البسيط، يصبح مفهوم الأمن الوطني، هو “كل ما يبعد الأخطار عن مكان وسبل العيش”، ويصبح تحديد هذه الأخطار وما يتأثر بها، هو المعضلة التي يجب البحث والدراسة فيها، لتحقيق السّلامة والأمن.

[1] أشهر النظريات هي مدرج ماسلو الهرمي، نسبة للعالم النفسي ماسلو، حيث يرتب الحاجات الإنسانية في درجات الهرم، بدءاً من القاعدة، وفقاً لدرجة إلحاحها. ففي القاعدة الحاجات الأكثر أهمية (الحاجات الضرورية للحياة)، وفي قمة الهرم أقلها أهمية (حاجات تحقيق الذات).

[2] الزلازل والبراكين والسيول والأعاصير والريح العاصفة والحرارة الشديدة، وغيرها.

المصدر: http://www.moqatel.com/