بقلم العميد: أحمد عيسى

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

تكشف المشاركة الواسعة للجاليتين العربية والإسلامية في الإنتخابات الأمريكية الأخيرة مقارنة بالجولات السابقة عن إندماج هذه الجاليات في الحياة الأمريكية العامة، مما سيكون له تداعياته على السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما في القضايا التي تحظى بإهتمام هذه الجاليات، الأمر الذي يفرض على صانع السياسة الفلسطيني توظيف هذا التأثير المتوقع أن يزداد في العقدين القادمين لوضع الحقوق الفلسطينية على رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

ويبلغ عدد الجالية العربية الأمريكية وفقاً لتقديرات مركزي غالوب وبيو، نحو 5 مليون نسمة، صوت منهم 59% لمرشح الحزب الديمقراطي بايدن وفقا لما نشره المعهد العربي الأمريكي في واشنطن، فيما صوت لصالح الرئيس ترامب ما نسبته 35% من أصحاب حق الإقتراع من التعداد الكلي للجالية.

وتحتل الجالية الفلسطينية المرتبة الرابعة في الجالية العربية من حيث الحجم، إذ تحتل الجالية اللبنانية المرتبة الأولى، ثم السورية والمصرية، إذ يبلغ عدد الجالية الفلسطينية حوالي نصف مليون شخص اي ما نسبته 10% من اجمالي عدد الجالية العربية، وعلى الرغم من صغر حجمها إلا أنها تعتبر الجالية الأكثر نشاطاً في الجالية العربية لا سيما على الصعيد السياسي، إذ نجح اثنان من الفلسطينيين الأمريكيين (رشيدة طليب وإيمان جودة) في إنتزاع مقاعد لهم في الكونجرس كممثلين عن الحزب الديمقراطي على حساب منافسيهم الجمهوريين.

أما الجالية المسلمة فيزيد عددها عن 3,5 مليون نسمة (أغلبها من العرب) وتعتبر ثالث أكبر مجموعة دينية في الولايات المتحدة الأمريكية بعد المجموعتين المسيحية واليهودية، إذ يبلغ تعداد هذه الأخيرة حوالي 6 مليون نسمة اي ما نسبته 1,9% من مجموع السكان، ومن المتوقع أن تحتل الجالية المسلمة المرتبة الثانية بعد المسيحية في العام 2040 وفقاً لتنبؤات مركز (بيو) للمسوح واستطلاعات الرأي.

وقد شارك ما نسبته 84% من الجالية المسلمة في الجولة الأخيرة من الإنتخابات، صوت ما نسبته 69% منهم لصالح مرشح الحزب الديمقراطي بايدن، فيما صوت ما نسبته 17% لصالح مرشح الحزب الجمهوري ترامب، وذلك وفقاً لما نشره مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية بتاريخ 5/11/2020.

ويرى البعض من المراقبين للإنتخابات الأمريكية أن إرتفاع نسبة تصويت الجاليتين العربية والمسلمة لمرشح الحزب الديمقراطي بايدن تعود لجملة الإجراءات العنصرية التي اتخذها الرئيس ترامب ضد العرب والمسلمين خاصة ما يتعلق بإجراءات منح الجنسية وحظر السفر من الدول الإسلامية لأمريكا علاوة على تشديد تطبيق القوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب ضد المواطنين الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية، الأمر الذي تعهد الرئيس بايدن بمعالجته فور فوزه بالرئاسة، وكان بايدن قد عبر عن هذا التعهد بنشره خلال حملته الإنتخابية خطة للشراكة مع الجالية العربية يؤكد من خلالها على الإلتزام بالحقوق المدنية والرخاء وكذلك بسياسة خارجية أكثر توازنا في الشرق الأوسط، كما أكد في خطته على حرية التعبير بحملة المقاطعة بي دي أس (BDS).

وحول اهتمام الجالية العربية في قضايا الشرق الأوسط فقد كشف السيد جيمس زغبي مدير المعهد الأمريكي العربي في واشنطن في مقال له نشرته صحيفة القدس يوم الثلاثاء الموافق 17/11/2020، نتائج إستطلاع للرأي كان قد نفذه المعهد في الأونة الأخيرة حول نظرة العرب الأمريكيون لعدد من قضايا الشرق الأوسط، وحول كيف يقيمون الطريقة التي سيعالج بها كلا المرشحين ترامب وبايدن لهذه القضايا.

حيث أظهرت النتائج أن 5% من العرب الأمريكيين إختاروا قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من بين 14 قضية أعطيت لهم كأولوية، أما من حيث ترتيب أهمية قضايا الشرق الأوسط فأظهرت النتائج أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يأتي في المرتبة الأولى بواقع 44%، ويأتي في المرتبة الثانية الحاجات الإنسانية في سوريا بواقع 33%، والأزمة الإقتصادية في لبنان في المرتبة الثالثة بواقع 28%، وتلا ذلك قضايا (إنهاء الحرب في اليمن، وتحسين العلاقات مع العالم العربي ومواجهة التهديد الذي تشكله إيران، وتحقيق الإستقرار في العراق وإعادة إعماره بواقع 11% – 16%).وبينت النتائج كذلك أن أكثرية كبيرة ترى أن معالجة الرئيس ترامب لقضايا الشرق الأوسط كانت عديمة الفعالية، فيما أعربت نسبة تتراوح بين 48-32% أن سياسة جو بايدن ستكون أفضل في تحسين العلاقات مع العالم العربي.

وحول تزايد أهمية الدور الذي تلعبه الدول المختلفة في الشرق الأوسط، فقد أبدى الأمريكيون العرب أكبر التأييد تجاه مصر والإمارات العربية المتحدة والسعودية، وكان من اللافت أن 78% من المستطلعين يعتبرون الإتفاقات التي وقعتها الإمارات مع إسرائيل تطوراً ايجابياً، وعبر 63% عن أملهم في أن تساهم هذه الإتفاقات في جعل الشرق الأوسط منطقة أكثر سلاماً.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن ارتفاع نسبة تصويت الجاليتين العربية والإسلامية في أمريكا للحزب الديمقراطي، علاوة على زيادة عدد نواب الحزب من العرب والمسلمين في الكونجرس وكذلك في المجالس النيابية للولايات تتوافق مع تنبؤات البعض من خبراء السياسة الأمريكية بأن الحزب الديمقراطي سيشهد تحولات جذرية في العقد القادم أو ما يزيد, تتعلق بتآكل تأييده لإسرائيل، لا سيما وأن الجالية اليهودية المؤيدة للحزب الديمقراطي والتي صوت أكثر من 60% منها لصالح الحزب الديمقراطي في الإنتخابات الأخيرة تشهد تآكلاً مماثلا في تأييدها لإسرائيل، الأمر الذي تناولته بالتفصيل في مقالة حملت عنوان (القضية الفلسطينية في عهد الرئيس بايدن) كان قد نشر في صحيفة القدس ومواقع إعلامية أخرى بتاريخ 9/11/2020، إلا أن تدني نسبة من يعتبرون الصراع الفلسطيني الإسرائيلي اولويتهم من الجالية العربية الى 5%، وارتفاع نسبة المصوتين للرئيس ترامب الى 35% تعتبر من الاشارات التي ينبغي التوقف أمامها، ما يفرض على صانع السياسة الفلسطيني تطوير ما يلزم من خطط وبرامج ترفع من نسبة إهتمام العرب الأمريكيين بالقضية الفلسطينية، وتقلل في نفس الوقت من تأييدهم للحزب الجمهوري الذي لا يخفي عدائه للقضية الفلسطينية.