أنطوان زحلان (**) – مركز دراسات الوحدة العربية

 مقدمة:

أركز هنا على تلك القضايا العلمية التي تهم الاقتصاد القومي الشامل والأمن القومي العربي. نحن نهتم بالعلم لأنه يولِّد نواتج مهمة ومفيدة للمجتمع. ليس هنالك أمن قومي ولا سيادة من دون العلم. وما كان للعديد من البلدان أن تستثمر تريليونات الدولارات كل سنة على الأنشطة العلمية لو لم يكن الأمر كذلك. لكن ليس هنالك بلد عربي واحد يدرك هذه الحقيقة. إن تصحيح هذا الخلل هو واحد من التحديات الكبرى التي تواجه البلدان العربية.

لقد مثّلت الاختراعات التي أدت إلى الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر نقطة تحول جذري في تاريخ العالم؛ فأثرت حصيلة التقدم الذي نتج من الثورة الصناعية في كل سمات الحياة الإنسانية في القرنين الماضيين. وتسارعت عمليات الاختراعات والتغيير خلال العقدين الماضيين.

كان هنالك توسع هائل في متابعة القضايا العلمية والتقانية على امتداد العالم، وتخصيص موارد متزايدة سنوياً لهذه الأنشطة. لكن ما هو محزن أن البلدان العربية لا تخصص إلا الضئيل من الموارد للبحث العلمي، ولم تتخذ إجراءات جدية للدخول في العصر الصناعي[1]. وبالطبع فإن المردود على أي بلد من الجهد العلمي يتناسب مع استثمارات هذا البلد والسياسات التي يعتمدها.

إن الإنفاق على البحث والتطوير ليس قضية أموال فقط. مثلاً، ترتكز مخرجات وفاعلية المؤسسات التي تقوم بالبحث على الانفتاح على العلم، وعلى التعاون الدولي، وعلى الانخراط السياسي والاجتماعي في البحث والتطوير. أضف إلى ذلك أن على الحكومات أن تقيم النظم الإدارية المناسبة لدعم المؤسسات العلمية. بكلمات أخرى، إن النشاط العلمي الناجح يحتاج إلى مجتمع وحكومة مهتمين وداعمين. ويكون دور الحكومة حاسماً في دعم برامج البحث والتطوير في المجتمعات النامية. ومع التقدم في التصنيع يبدأ القطاع الخاص تدريجاً في تأدية دور متزايد في الاقتصاد وفي دعم البحث والتطوير. وتغطي الشركات الخاصة نسبة عالية من تكاليف البحث والتطوير في البلدان الصناعية. لكن البلدان العربية افتقرت إلى هذين النوعين من الدعم المجتمعي والحكومي، فتخلفت عن سائر البلدان. والواقع أن البلدان المتقدمة الثلاثة (الولايات المتحدة والصين واليابان) تنفق وحدها سنوياً أكثر من تريليون دولار على البحث والتطوير. لكن البلدان العربية (عدد السكان فيها يفوق عدد السكان في الولايات المتحدة أو في اليابان) لا تنفق سوى بضعة مليارات من الدولارات سنوياً على البحث والتطوير!

وتستفيد البلدان التي تدعم البحث العلمي في كل المجالات الاقتصادية. وأي مسح سريع سيظهر أن إنتاج الغذاء، والوضع الصحي، والقدرة على مكافحة الأوبئة، والقدرات العسكرية، وظروف الحياة، وفرص العمل، ومستويات التعليم على كل المستويات، كل هذه القضايا تستفيد من البحث العلمي. لقد ابتليت الإنسانية بعدد من الأوبئة الجديدة وكان العلم الأداة الفاعلة في التغلب عليها، سواء الطاعون أو السيدا، أو الإيبولا مؤخراً، وغيرها كثير. إن الاختلافات في كثافة الأنشطة العلمية بين الأمم كبيرة جداً. فهنالك نحو المليار إنسان ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر المدقع وفي الجهل والمرض، في حين أن هناك مليار إنسان آخر يعيشون في مستويات عالية من الصحة والحياة الجيدة. وقد اعتمدت وكالات الأمم المتحدة عدداً من المؤشرات لتصنيف أداء الأمم. وليس هناك من مبرر إطلاقاً لأي أمة لأن تتجاهل ترتيبها بين الأمم الأخرى. لكن البلدان العربية ما زالت تقاوم التحرك إلى الأمام والإقرار بتبعيتها.

باختصار، لقد بُذلت استثمارات ضخمة من جانب معظم الحكومات العربية في التربية والصحة العامة والبنى التحتية (النقل وإدارة المياه والسياسات الزراعية) للحصول على الدخل من مواردها الطبيعية. لكن هذه الجهود لم تكن كافية لتصل البلدان العربية إلى المستوى المناسب من التقدم. في المقابل، نجحت بلدان مثل كوريا والصين في تحقيق إنجازات هائلة وفي تحسين موقعها بين الأمم، وهي في طريقها لتنضم إلى مرتبة الأمم المتقدمة. والمفارقة أن بعض البلدان العربية قبل عام 1960 كانت تسبق كوريا والهند في ناتج البحث والتطوير المحسوب على أساس الفرد من عدد السكان. وتظهر دراسة مقارنة لأداء البلدان العربية أن هناك تفاوتاً هائلاً بين البلدان العربية، لكنها جميعها تقع في مراتب ضعيفة مقارنة بالبلدان الصناعية والبلدان النامية الرائدة. ومؤخراً ناقشت في كتابي العلم والسيادة: الواقع والإمكانات في البلدان العربية[2] هذه القضايا بتفصيل. لكن أشير هنا إلى بعض هذه القضايا لتوضيح العمليات الجارية.

كان ناتج البحث في البلدان العربية مجتمعة عام 1967، مقاساً بما نشر في المجلات العلمية المرجعية، تبعاً لمعيار ISI‏[3]، 465 بحثاً منشوراً. وبديهي أن هذا الرقم يُعَدُّ صغيراً جداً ومتواضعاً؛ إذ بلغ ناتج إسرائيل في ذلك العام 1125 بحثاً منشوراً. وقد وصل ناتج مجموع البلدان العربية عام 2010 إلى 29725 بحثاً علمياً منشوراً؛ في حين كان ناتج إسرائيل في ذلك العام 13199 بحثاً منشوراً، مع ملاحظة ضآلة عدد سكان إسرائيل (4 ملايين) مقارنة بمجموع سكان البلدان العربية.

في المقابل، لم تقم أي دولة عربية بتأسيس منظمات علمية وطنية لتمكن علمييها واقتصاداتها من الاندماج العضوي في النظام العالمي. ومع ذلك، نحن نجد العلماء العرب كأفراد يشاركون على نحو واسع في الأنشطة البحثية في البلدان الصناعية، وبوتيرة مشاركة العلماء الصينيين نفسها، مثلاً. لكن لا يجري إدماج قدراتهم ومهاراتهم في الاقتصادات الوطنية. إضافة إلى ذلك، يؤدي غياب الجمعيات العلمية الفعّالة[4] في البلدان العربية إلى ضعف إدماج القدرات العلمية العربية في الاقتصادات الوطنية وفي الاقتصاد العربي الإقليمي.

في عام 1967 ساهمت مصر بما نسبته 63 بالمئة من الناتج العربي في البحوث. لكن تغيرات كبيرة حصلت في السنوات العشرين الماضية في النواتج النسبية لمختلف البلدان العربية. فنحن نجد أن بين عامي 2005 و2010 انخفضت مصر إلى المرتبة الثانية، وتركت المرتبة الأولى لمجموعة بلدان المغرب (المغرب والجزائر وتونس) أو لمجموعة بلدان الخليج العربية. وكانت هاتان المجموعتان في سباق متقارب بينهما على المرتبة الأولى. ومنذ العام 2013 أصبح ناتج السعودية وحدها يسبق ناتج مصر قليلاً. ودخلت البلدان العربية المتقدمة في البحوث (مصر والمغرب والجزائر وتونس وبلدان الخليج العربية) في حالة تنافس خفيف في ما بينها. وفي عام 1985 كانت كوريا الجنوبية تمتلك ناتجاً في البحث العلمي لكل مليون من السكان أقل قليلاً، أو مساوياً، لمجموع البلدان العربية. وفي عام 1990 كان لكوريا ناتج علمي يبلغ 39,4 ورقة علمية لكل مليون من سكانها، ولكن في عام 2007 وصلت كوريا إلى ناتج 866.3 منشور علمي لكل مليون من سكانها، في حين كان ناتج البلدان العربية راكداً عند حدود 44,7 منشور علمي؛ وكان هذا الناتج في العام 2007 يبلغ 154,4 في الصين، و41,1 في الهند، و161,1 في البرازيل و23,5 في نيجيريا. علماً بأن الناتج العلمي للبلدان الصناعية لكل مليون من السكان في عام 2007 كان يساوي 2244 في أستراليا؛ و2606 في السويد؛ و1488 في فرنسا؛ و2546 في إسرائيل.

وعلى الرغم من أن للهند ناتجاً علمياً لكل فرد من سكانها أقل من الناتج في أي من البلدان العربية لكل مليون من سكانها، فإن إنتاجها الصناعي كان أكثر وأكثر تقدماً تقانياً، وذلك بكل بساطة، بسبب قدرة الهنود على إدماج قدراتهم العلمية باقتصادهم. وهذا لا يعود فقط إلى أن الهند هي أكبر من أي من البلدان العربية؛ بل لأن البلدان العربية الكبيرة لا تُظهر أي قاعدة صناعية وعلمية أكبر من البلدان العربية الصغيرة. ونحن نرى سبب ذلك في غياب الجمعيات العلمية الفعالة وفي عدم فاعلية السياسات العلمية المعتمدة.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن هنالك درجة من الاندماج العالمي والعلمي في بعض المجالات الصناعية القليلة؛ ففي الهندسة المدنية، على سبيل المثال، يمكن للمرء أن يجد عدداً مهماً من الشركات الاستشارية وشركات المقاولات التي تعمل في البلدان العربية وفي الإطار العالمي.

في الوقت الحالي، يمكن مقارنة الناتج العلمي للبلدان العربية مجتمعة بناتج عدد من البلدان الصناعية الصغيرة. لكن غياب التعاون الجدي بين العلماء العرب، وضعف الجمعيات العلمية العربية (وغيابها في عدد من المجالات العلمية الهامة) يمد كل بلد عربي بخبرات مواطنيه العلماء فقط. والدرجة الضعيفة للتعاون المشترك بين البلدان العربية تؤدي إلى استخدام محدود للقدرات العلمية المتوافرة على امتداد المنطقة العربية.

بالمقابل، نجد أن أستراليا والسويد وفرنسا وإسرائيل قد اندمجت إلى درجة عالية بالمجتمع العلمي العالمي بسبب اندماج جمعياتها العلمية الوطنية بالجمعيات العلمية العالمية. ومعظم هذه البلدان الصغيرة المتقدمة هي أعضاء فعالة في مختلف مراكز البحث العلمي العالمية. وحسب معلوماتي لا يوجد بلد عربي واحد عضو في أي من مراكز البحث العلمي العالمية.

لقد قدم د. وجدي سواحل تقريراً مهماً عن خطة مصرية حالية لتحسين نظام التعليم العالي في مصر[5]. ويؤكد هذا التقرير عن المشروع المقترح ضعف مرتبة مصر في التعليم العالي، اعتماداً على تحليل للاقتصاد المصري قُدِّم في التقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي[6]. لكن تقرير وجدي لا يشير إلى الخطوات المحددة التي تنوي الحكومة المصرية اعتمادها لرفع المستوى الأكاديمي الجامعي. ومن الواضح في هذا التقرير أن وزارة التعليم العالي في مصر تدرك تماماً حالة التعليم العالي في ذلك البلد.

وقد راجع د. سميع البنّا الأداء المتحسن للبلدان العربية في نفاذها إلى الإنترنت[7] فوجد أنها مجتمعة أظهرت أسرع وتيرة نمو في النفاذ في الفترة 2000 – 2014. وقد كانت الزيادة بنسبة 5,296.6 بالمئة في فترة 13 – 14 سنة. وهذه هي النسبة الأعلى لأي مجموعة من الناطقين بأي لغة. وجد البنّا أن مستخدمي الإنترنت المتكلمين باللغة العربية قد زادوا من حوالى 2,5 مليون عام 2000 إلى 135,1 مليون عام 2013. وقد احتلت اللغة العربية المرتبة الرابعة بعد الإنكليزية والصينية والإسبانية. ويُظهر البنا في الجدول أنه يمكن تقسيم البلدان العربية إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: البلدان ذات النفاذ الأدنى في الإنترنت وهي: جنوب السودان (0 بالمئة)؛ والصومال (1,5 بالمئة)؛ وموريتانيا (6,2 بالمئة)؛ وجزر القمر (6,5 بالمئة)؛ والعراق (9,2 بالمئة)؛ وجيبوتي (9,5 بالمئة)؛ والجزائر (16,5 بالمئة)؛ وليبيا (16,5 بالمئة) واليمن (20 بالمئة)؛ والسودان (22,7 بالمئة)؛ وسورية (26,2 بالمئة).

الفئة الثانية: البلدان ذات النفاذ المتوسط إلى الإنترنت، وهي: تونس (43,8 بالمئة)؛ والأردن (44,2 بالمئة)؛ ومصر (49,6 بالمئة)؛ وفلسطين (55,4 بالمئة)؛ والمغرب (56 بالمئة)؛ والسعودية (60,5 بالمئة)؛ وعمان (66,4 بالمئة)؛

الفئة الثالثة: البلدان ذات النفاذ الأعلى إلى الإنترنت، وهي: لبنان (70,5 بالمئة)؛ والكويت (75,5 بالمئة)؛ وقطر (85,3 بالمئة)؛ والإمارات (88,0 بالمئة)؛ والبحرين (90 بالمئة).

وكان معدل البلدان العربية 35,8 بالمئة، وقد وجد البنّا أن البلدان الأكثر تقدماً في العالم كانت البلدان الصغيرة مثل اسكتلندا وأُستراليا وفنلندا وما شابه. وقد تراوحت نسبة النفاذ فيها بين 89 بالمئة و98 بالمئة.

جدول

بعض بلدان الإقليم مختارة من الجدول العام

السكان (تقديرات العام 2014) استخدام الإنترنت (31 كانون الأول/ديسمبر 2013) نسبة النفاذ (بالمئة)
تركيا 81,619,392 37,748,969 46.3
إيران 80,840,713 45,000,000 55.7
إسرائيل 7,821,850 5,537,870 70.8
المجموع 170,281,955 88,286,839 51.8

المصدر: Sami Albanna, «A Dramatic Increase in the Arab Countries Users of the Internet; BUT…,» Albanna’s Journal (2 October 2014), <http://samialbanna.blogspot.com/2014/10/a-dramatic-increase-in-arab-countries.html>, table 7.

أولاً: أهمية الماء

ليس هنالك من شك في أهمية الماء الاستراتيجية والاقتصادية. وتصنف المنطقة العربية على أنها المنطقة الأكثر جفافاً في العالم، لكننا نمتلك العديد من الفرص لتحديد مواقع الماء وتخزينه في الطبقات المائية الصخرية. وقلة من الناس تدرك أهمية الاستخدام الكفء للماء. وكثيراً ما يخلط هذا الموضوع مع خصخصة ملكية الماء.

وتكمن أهمية الماء في ضرورته لحياة الإنسان وإنتاج الغذاء والصحة؛ ولا شك في أن هنالك العديد من التكنولوجيات البسيطة السهلة الاستخدام لاستغلال مصادر المياه المتوافرة وكفاءة استخدامها. وتكنولوجيات المياه متوافرة على نطاق واسع في الأدبيات، وهنالك آلاف المواطنين العرب الذين تخصصوا في كل الاختصاصات والمهارات المتعلقة بالماء. وتظهر دراسة قاعدة بيانات عالم المعرفة عن العلماء العرب والمراكز العربية المتخصصة بالماء. ومع ذلك فهنالك جهود قليلة في البلدان العربية للقيام بعمل مشترك في هذا المجال الحيوي.

فالتعاون والتشارك بين العلماء العرب محدود جداً في مختلف المجالات العلمية وخصوصاً في قضايا الماء. ولم تحظَ قضايا إدارة الماء والموارد المائية بالاهتمام الكافي رغم أن تكنولوجيات إعادة ملء الطبقات الصخرية المائية بالماء وإدارتها وتحسين استخدام المياه معروفة، والمهارات في الموضوع منتشرة بشكل واسع من خلال علوم الاستشعار عن بعد.

ما زال الاهتمام المحدود بكفاءة استخدام المياه سائداً في البلدان العربية. ونظم توزيع المياه البلدية هي في وضع بائس، حيث التسرب منها قد يفوق 50 بالمئة من كمية المياه التي تضخ فيها. وهذه خسارة مكلفة، علماً أن العديد من السكان في المنطقة العربية ما زالوا محرومين من المياه، ونظم المياه القديمة والحديثة هي في وضع سيئ وتتسبب في خسارة باهظة الكلفة. وهنالك بلدان مثل اليابان قد نجحت على ما يبدو في إدارة نظم المياه فيها بحيث تدنى التسرب منها إلى ما دون 4 بالمئة. ويبدو أن اليابانيين يعملون على تغيير الأنابيب في شبكاتهم بشكل دوري قبل فترة طويلة من تهرُّئها بشكل سيئ.

وما يسبب الأسى أيضاً أن البلدان العربية تخلفت عن معظم البلدان الأخرى في إعادة تدوير مياه الصرف لاستخدامها في الزراعة. ورغم أن مياه الصرف يمكن تنقيتها إلى درجة عالية لجعلها صالحة للشرب، إلا أن هنالك رفضاً شعبياً واسعاً لاستخدام مياه الصرف المكررة؛ وكل هذه مشكلات تم التغلب عليها في معظم البلدان الصناعية.

أما التعليم وهو أهم نشاط فيحتاج إلى وقت. وهنالك ضرورة له لتطوير خدمات العلم والتكنولوجيا لحسن إدارة الموارد المائية. ولحسن الحظ تمتلك البلدان العربية رأسمالاً بشرياً كبيراً في كل هذه المجالات المطلوبة. فقد تم تطوير كل هذه المهارات إلى مرحلة الدكتوراه، ومنها: الهندسة المدنية، وتقانة الاستشعار من بعد، وإعادة تعبئة الطبقات الصخرية المائية، وتنقية المياه، وإعادة تدوير مياه الصرف، وإدارة الموارد المائية، وتقنية الري بالتنقيط، وتحلية المياه، والزراعة بالمياه المالحة.

وقد وصل العلماء العرب في عدد من هذه الاختصاصات إلى مستويات عالية من المهارة وأصبح بمقدورهم إدارة برامج بحجوم كبيرة. لكن اعتماد هذه القدرات العلمية في البلدان العربية يتطلب تطوير التسهيلات البحثية المناسبة والمنظمات العلمية. والتحدي هو في دعم تشكيل الجمعيات العلمية الوطنية والإقليمية للترويج للتبادل العلمي بسهولة، وللترويج للتعاون والتشارك بين العلميين العرب.

وإذا نجحت البلدان العربية في إقامة جمعيات علمية فعالة في أهم المجالات العلمية، وفي دعم هذه الجمعيات لتنظيم الاجتماعات المتكررة لأعضائها العلماء، فإنها تصبح قادرة على جنْي ثمار البحوث. ولا داعي إلى القول إن مثل هذه القدرات ستمكن البلدان العربية من أن ترتبط على نحو أكثر فاعلية على النطاق العالمي وأن تتعاون مع الآخرين في ذلك.

ثانياً: الاستثمار في التصنيع

إلى جانب تحسين رأس المال البشري والخبرات العملية الموجودة، أجرت البلدان العربية تغييرات أخرى أيضاً. مثلاً، نحن نجد في كل مكان أن الاستثمار في الصناعات المحلية كان كبيراً، فهنالك الآن ما يزيد على تريليون دولار من الاستثمار في الصناعات العربية. لكن هذه الاستثمارات لم تجلب التأثير المتوقع لأنها، في معظمها، نُفِّذت بعقود المفتاح باليد وبعمال أجانب. وبالتالي لم تساهم الاستثمارات الصناعية في تنمية العلوم والهندسة المحلية ومنظماتها؛ فالسياسات التي تعتمد على العمال الأجانب والمقاولين الدوليين من دون جهود منتظمة لبناء القدرات المحلية عجزت عن تمكين البلدان العربية من الإفادة من استثماراتها الوطنية ومن توفير فرص العمل لمواطنيها.

لكن لو أن مالكي هذه المعامل الصناعية اعتمدوا ببساطة على الشركات المحلية لصيانة هذه المصانع وتحديثها باستخدام القدرات المحلية للسكان، لكان لذلك تأثير مباشر وكثيف في فرص العمل المحلية والقدرات التقانية المحلية.

نحن نعرف من الصحف أن القطاع الصناعي في السعودية سيسهم بما نسبته 30 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي عام 2025‏[8]. وتقوم البنوك اللبنانية بتوسيع مجالات توفير رأس المال المبادر[9] المحلي. ومثل هذه المبادرات، مثل رأس مال مبادر والاستثمار في التصنيع، منتشرة في عدد من البلدان العربية. لكن هنالك حاجة إلى زيادة مشاركة الشركات العربية في تنفيذ هذه العمليات وإدارتها.

ثالثاً: موقع العلم في الحركة القومية العربية

من المهم أن تلتزم النخب العربية السياسية بأهمية تنمية روابط بين الأمن القومي والعلم. ويتضح من أدبيات المؤتمر القومي العربي أن المشاركين في هذا المؤتمر يؤمنون بأهمية العلم. لكن على المرء الاعتراف بأن المستوى الحالي لهذا الالتزام ما زال محدوداً وغير كافٍ ليغيِّر الظروف السائدة حالياً. ولا بد من ذكر بعض القضايا في هذا المجال.

إن قدرة الأمم على الدفاع عن نفسها وتحسين أدائها الاقتصادي كانت دائماً، ومنذ أقدم العصور، ترتكز على مواقف قوية وإيجابية تجاه العلم. وقد كانت بعض الأمم محظوظة بقادتها السياسيين الحكماء الذين دعموا التزاماً وطنياً قوياً تجاه العلم على فترات زمنية طويلة. لكن هذه لم تكن الحالة مع القيادة العربية السياسية. بيد أن التاريخ الثقافي العربي يشير إلى فترات في الماضي البعيد كانت فيه النخب السياسية الحاكمة داعمة لكل تقدم علمي.

لقد بدأ الاقتصاد الحديث مع محرك البخار والثورة الصناعية. ومن المفيد الإشارة إلى أن الاعتماد الأول لهذه التقانات في بريطانيا كان مصادفة، ولم يكن نتيجة سياسة مقصودة. كانت نقطة البداية في بريطانيا، حيث كانت معظم المستجدات التقنية تجري على يد تقنيين بسطاء. لكن كان هنالك تجاوب فوري وإيجابي للتقنيين البريطانيين الذين أثبتوا ميزة محرك البخار، وكذلك ميزة استخدام الفحم والحديد في صنع المدافع.

وقد انتشرت الأخبار بسرعة بين البلدان الأوروبية. وكان لذلك تأثيره الكبير والسريع في فرنسا وألمانيا. وأدت الثورة الفرنسية، التي نشبت بُعيد استخدام محركات البخار، إلى تحويل جذري للتعليم العالي في فرنسا وتحسينه وإقامة كلية البوليتكنيك. وكانت للتغيرات الكبيرة في القدرة العسكرية الفرنسية تأثيرات في المرتبة المقارنة لقوة بروسيا. وكان لهزيمة بروسيا أمام نابليون في معركة 1806 تأثير كبير في توسيع وجودة التعليم في بروسيا. وهذا ساهم أيضاً في توحيد ألمانيا.

وقد أطلق تصرف هذه البلدان الأوروبية الثلاثة الرائدة حركةً عالمية في إعادة هيكلة القوى السياسية والعسكرية في الإطار العالمي.

لقد استخدمت البلدان الصناعية الرائدة قوتها المتزايدة في التوسع الاستعماري وفي سلسلة من الحروب الأوروبية. وقد نجحت بريطانيا، وهي دولة صغيرة نسبياً مقارنة بفرنسا وألمانيا، في امتلاك القوة الكافية (الاقتصادية والعسكرية) لتحكم العالم، جزئياً بسبب علومها. وقد نجحت فرنسا في الإفادة من التمدد الاستعماري، لكن ألمانيا، على الرغم من جهود ضخمة بذلت، فشلت في الحصول على جائزة استعمارية ذات وزن.

لقد سيطر الأمريكيون على منطقتهم، ولم يسعوا إلى أن يكونوا قوة عالمية إلا متأخراً. وقد سعوا إلى الاستفادة من الموارد الغنية المتوافرة في بلدهم، لكنهم سرعان ما فهموا طبيعة اللعبة التي كانت القوى الأوروبية تلعبها. وفي نهاية القرن التاسع عشر بدؤوا جهوداً جدية لبناء قاعدتهم العلمية الوطنية أيضاً.

ومن اللافت أنه كانت للبريطانيين والأمريكيين قاعدة اجتماعية واسعة تدعم الالتزام بالعلم. وأُجبر اليابانيون على مواجهة القوى الاستعمارية بقيادة أمريكا. وقد أدرك اليابانيون مباشرة أن التهديد كان جديداً تماماً عليهم وأنهم كانوا محتاجين إلى معلومات ليحددوا السياسات التي عليهم اتباعها. وكان ردهم أن أرسلوا ثلاث بعثات على التوالي لزيارة القوى الغربية من أجل تقييم طبيعة موارد القوة الغربية.

وفي أقل من خمسين سنة نجح اليابانيون في اعتماد سياسات العلم والتقانة الضرورية. وقد نجحت عدة بلدان أخرى في القرن الماضي في أن تتبع المسار نفسه على خطى البلدان المبادرة الأولى التي فهمت طبيعة القوة الحديثة. ولسوء الحظ عجزت البلدان العربية عن اتباع المسار نفسه، وكان طريقها إلى المستقبل دائماً مسدوداً. كانت هذه البلدان تفشل دائماً في اعتماد العلم كأساس لمصدر القوة.

وما أصاب البلدان العربية أيضاً عدم قدرتها على حل خلافاتها المتعددة، فتوحيد البلدان العربية عام 1500 أو عام 1800 كان ممكناً، لكن مثل هذه العملية لم تتم.

تمتلك البلدان العربية موارد طبيعية ضخمة، كما تتمتع بإرث ثقافي عظيم. لكنها مقسمة في نَواحٍ متعددة، وهي غير قادرة على التوحُّد من أجل المصلحة العامة. إضافة إلى ذلك فهي غير قادرة على السيطرة على مواردها لأنها غير قادرة على إقامة الأسس العلمية لذلك.

لقد شهد العالم تقدماً هائلاً في مجال الثقافة السياسية. فالكثير من البلدان المتقدمة كانت قادرة على إقامة مجتمعات ثابتة وحرة، ما وفر لها حيّزاً واسعاً من الخيارات. لكن يبدو أن العرب غرقوا دائماً في ثقافة سياسية فاسدة. ويبدو أن بعض المنظمات السياسية، مثل المؤتمر القومي العربي، بدأت تشجع الاهتمام بالعلم. وقد يتوقع المرء زيادة اهتمام الجمهور بالمبادرات العلمية. لكن غياب المنظمات التي تحاور وتناضل من أجل المزيد من الاستثمار في العلم كان دائماً معرقلاً لمصالح البلدان العربية.

1 – ملاحظات عن الموارد العلمية في البلدان العربية

العلم موضوع ضخم، وهناك العديد من الطرق المختلفة لمعالجته. وقد يكون من المفيد النظر إليه بطريقة تركز على الدرجة التي يفيد فيها العلم المنطقة. وقد تعلمنا من التاريخ الحديث للعلم أن علينا تقصّي عدد من أبعاد الموضوع في الوقت عينه.

بالطبع، إن المجتمع يحتاج إلى علماء قبل أن يصبح قادراً على الاستفادة من العلم. لكنه من المعروف أيضاً أنه لا يمكن للعلماء أن يقوموا بالبحث أو بناء المؤسسات العلمية إلا إذا توافر لهم الدعم المالي ليستفيدوا من ثمار العلم. فعدم القدرة على القيام بالبحث يؤدي بالعلماء إلى الموت المهني. ولا يستطيع العلماء العيش في عزلة. وهم يحتاجون إلى التواصل والتعاون فيما بينهم.

وتعكس البلدان المتقدمة الدرجة العالية من التواصل بين المجتمعات العلمية واقتصاداتها. وتخترق النخب العلمية والثقافية حدود وظائفها باستمرار، وتنعكس الطبيعة متعددة الاختصاصات للحكومات الحديثة في خبرات العاملين فيها. ويرتكز القطاع العام في البلدان الصناعية الحديثة بقوة على البحوث التي يقوم بها علميوها. وتعتمد الحكومات الحديثة في عملها على عدد كبير من المنظمات العلمية التي تحدد المعايير والسياسات. وبحلول عام 2014 كانت المجتمعات العربية قد تغلبت على العديد من الصعوبات الحاسمة. وأهم عامل في ذلك كان في طبيعة وحجم رأس المال البشري. فالأنشطة العلمية تتطلب عموماً شهادة دكتوراه وبعض التجربة حتى يستطيع إنسان ما أن يصبح مفيداً في حقله العلمي. ويستلزم التعليم المطلوب للوصول إلى المستوى المنتج العالمي 20 سنة من التعليم الجيد والعمل الخلّاق في حقول البحوث العلمية المتقدمة.

شهدت السنوات الثلاثون الأخيرة تقدماً ملحوظاً في عدد العلماء العرب ذوي التدريب العالمي. وإضافة إلى أكثر من 500 جامعة موجودة في البلدان العربية، كان هنالك نحو ربع مليون طالب عربي في الدراسات العليا يدرسون خارج هذه البلدان. وعدد العلماء العرب المهاجرين الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا الشمالية غير معروف، لكنه كبير ويغطي كل الحقول. وجزء بسيط من هذا الرأسمال البشري يكفي لتحسين جودة الجامعات القائمة في البلدان العربية. وإذا تم ذلك، وعندما يحصل، تتحقق تحولات جذرية في الاقتصادات العربية.

لسوء الحظ فإن الطبقة السياسية التي تهيمن على الفكر السياسي العربي ليست على اتصال بالمجتمع العلمي العربي، ولا تدرك التغيرات في العلوم في الإطار العالمي. وبالتالي فإن البلدان العربية تفتقر إلى النخبة السياسية القادرة على الإدارة الفعالة لرأسمال هذه الدول العلمي. فهنالك، على سبيل المثال، نحو ثلاثة ملايين مهندس في البلدان العربية. والمقياس لفشل السياسات العلمية الحكومية هو أن هؤلاء الملايين الثلاثة من المهندسين لا يصنعون سيارة واحدة، ولا أي آلة، ولا أي مادة كيميائية ذات قيمة (على الرغم من وجود مؤشرات إلى بدء تغير ذلك). وكل ما يجري في القطاع الصناعي العربي يتم عبر خدمات المفتاح باليد التي تقدمها شركات عالمية.

وفي الواقع إن أصحاب المهن العلمية والتقانية يعيشون بعيداً من الطبقة السياسية. وفي الدول الحديثة، يؤسس العلماء الجمعيات العلمية التي يستطيعون من خلالها أن يتواصلوا مع الطبقة السياسية. أما في البلدان العربية فليس هناك اليوم مثل هذه الجمعيات. وبالتالي فإن فرصة إفادة الاقتصادات العربية من الرأسمال العلمي العربي الضخم هذا ما زالت محدودة جداً[10]. إنه لفي غاية الأهمية تشجيع إقامة الجمعيات العلمية في كل حقول المعرفة وجَسْر الفجوة بين تلك الجمعيات والنخب السياسية والاقتصادية في البلدان العربية.

2 – المؤتمر القومي العربي وحال الأمة

ينعقد المؤتمر القومي العربية، سنوياً تقريباً، منذ عام 1990. وقد عقد المؤتمر الأول في تونس. وعلى الرغم من أن موضوع العلم في البلدان العربية كان كثيراً ما يطرح في اجتماعات المؤتمر، لكن ما زال موقع العلم وتأثيره فيها بلا تغيير يذكر، وما زال السلوك العربي تجاه العلم والتقانة سطحياً.

وعلى الرغم من العلاقات العضوية العميقة بين النشاط العلمي والثقافة المجتمعية والاقتصاد والسياسة والأمن القومي، فإن المرء لا يجد إدراكاً لهذه العلاقات ينعكس في السياسات الحكومية. وليس هناك حوار ذو معنى في البلدان العربية حول دور العلم في دعم هذه العلاقات. ومن الواضح أنه ليس هنالك بلد عربي قادر وحده على مواجهة التحديات المتعددة التي تواجه المنطقة العربية. وهناك حاجة إلى مقاربة تعاون واضحة وحقيقية للتغلب على التحديات العديدة التي تواجه البلدان العربية إفرادياً ومجتمعة.

إن التنظيمات الاجتماعية الضرورية لتمكين المجتمعات العلمية داخل كل بلد عربي، وعبر الحدود السياسية، ما زالت ضعيفة. وحتى أقدم الجمعيات العلمية (جمعية الأطباء العرب)، لا تحتل موقعاً متميزاً في المنطقة العربية. وما زالت كمية الأنشطة العلمية التي تنظم في كل بلد عربي محدودة، لكن ترابط هذه الأنشطة يمكن أن يجمع العلماء العرب في تعاون مفيد، حتى من دون إقامة الجمعيات العلمية العربية. وإذا أمكن للعلماء العرب أن يجمعوا قدراتهم فسيكونون قادرين على معالجة المعضلات المعقدة والمساهمة على نحو أكثر فاعلية في حل حيز واسع من القضايا التي تواجهها البلدان العربية.

إن إدراك البعد الثقافي المجتمعي للعلم ينبه إلى طبيعة العمليات الحيوية الضرورية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. لكن المحزن هو أن التعاون بين العلماء العرب نادر، على الرغم من أن التعاون بين العلماء العرب والأجانب واسع. والسبب في ذلك هو أن العلماء الأوروبيين والأمريكيين يمتلكون بنىً تحتية علمية راسخة، ومؤسساتهم في الغرب هي التي تمول علاقات التعاون. ولا عجب إذاً أن نجد هذه النتيجة غير المتوازنة لمصلحتهم.

إن التعاون المحدود بين العلماء العرب يقلل أيضاً من فرص التعاون بين المجتمعات العلمية والطبقة السياسية، على الرغم من أن هذا التعاون حيوي لصوغ السياسات وللتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولا بد من القول مجدداً إن المنظمات العلمية هي أيضاً ضرورية جداً لنشر المعرفة العلمية في المجتمعات المحلية. إن الالتزام بالعلم لا يدعم الأنشطة العلمية فقط، لكنه يشجع الحكومات العربية على الاستثمار داخل المنطقة العربية ويؤمن توظيف العلماء العرب في بلادهم.

وفي عصر منظمة التجارة العالمية أصبحت المعايير المادية للسلع وللتنظيم حاسمة في الحياة الجيدة في البلدان الصناعية. والمعايير هي واحد من العوامل النادرة في اتفاقية التجارة العالمية التي يمكن لبلد ما أن يستخدمها للحد من استيراد سلعة ما ودعم السلع المحلية في الأسواق العالمية. لهذا فإن الصادرات الزراعية من المنطقة العربية قد تأثرت سلباً بهذه الإجراءات. وهناك كثير من مواطني البلدان المتقدمة لا يسافرون إلى البلدان التي لا تفرض ضبط الجودة على الغذاء وعلى جودة المؤسسات السياحية فيها. وقلة هي البلدان العربية التي تضمن أدنى معايير الجودة للمياه والأمن الغذائي والأماكن العامة.

رابعاً: لماذا تتخلف البلدان العربية عن غيرها؟

إلى عام 1945، كان الاستغلال الاستعماري لمعظم البلدان العربية السبب الرئيسي في تأخرها في التنمية، لكن ما إن حصلت البلدان العربية على الاستقلال حتى انطلقت في سياسات تربوية نشيطة. فقد زاد عدد الجامعات من أقل من عشر في عام 1950 إلى أكثر من 500 جامعة عام 2014. لكن كان هنالك تفاوت كبير بين البلدان العربية في وتيرة التوسع في عدد الطلبة المسجلين في هذه الجامعات. ومن أسفٍ، لم تحظَ المعايير الأكاديمية بالاهتمام اللازم إلى اليوم[11]، ولا تزال المعايير الأكاديمية للجامعات العربية متدنية. وهنالك حاجة إلى جهود مكثفة لتحسين جودة التعليم في كل البلدان العربية. والمردود الاقتصادي لمثل هذا الجهد سيكون مباشراً وكبيراً.

ومن البديهي، مثلاً، أنه كان على البلدان العربية تحسين القطاع الزراعي وتحديث مدنها في الوقت نفسه. بدلاً من ذلك كان هنالك هجرة كثيفة من الريف إلى المناطق الحضرية. كانت المناطق الريفية بحاجة إلى مهارات خريجي الجامعات الجدد، في حين لم تكن المدن جاهزة بعد لاستقبالهم. كان الاعتماد على الزراعة، لكن الاهتمام كان محدوداً بالمهارات البسيطة للنظم الحديثة في استخدام المياه، وتحديث كل النظم الأساسية لتحسين جودة الإنتاج الزراعي ومردوده. أنا أفهم أن هنالك حالياً اهتماماً متزايداً، ولكنه محدود، لتحسين كفاءة استخدام المياه في الزراعة في معظم البلدان العربية.

والإنتاج الزراعي في غاية الأهمية لإطعام الأمة، لكن لا يوجد اهتمام كافٍ في تحديث النظم الزراعية من خلال تحديث مهارات المزارعين. وتستورد المنطقة العربية 50 – 60 بالمئة من حاجاتها الغذائية. وهذه السياسة في الاعتماد على الغذاء المستورد تعني أننا نخسر فرص عمل، ونفشل في تحويل بعض مواردنا القليلة للتصنيع. وبالطبع إذا كنا نستطيع أن نوفر الغذاء في الأسواق بأسعار متهاودة، فإننا نستطيع خفض تكلفة الحياة، ونمكن السكّان من اعتماد أساليب غذاء صحية ومن الحصول على حياة أطول. إن تكلفة الحياة المنخفضة حاسمة في التنافسية العالمية.

خامساً: الأبعاد المتعددة للعلم

من المهم أن يركز المؤتمر القومي العربي اهتمام النخبة السياسية العربية والاقتصاديين العرب على الأبعاد الحاسمة للعلم. فقد شهدت القرون القليلة الأخيرة تقدماً متنوعاً للعلم تُوِّج بظهور عدد من الحقول الجديدة. كانت الثورة التقانية الأولى في إنتاج الغذاء نحو عشرة آلاف سنة قبل المسيح في الشرق الأوسط. وكانت الثورة الثانية في تقانة البناء، 4 آلاف سنة قبل المسيح. وهذه أيضاً حصلت في الشرق الأوسط. وأخذ اكتشاف علوم المعادن يتطور ببطء بعد عام 1000 قبل الميلاد. بعد ذلك حصل تقدم دراماتيكي في تطوير صناعة الحديد والفحم. وكان محرك الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر تطوير محرك البخار وتداعياته الهائلة. ومنذ القرن الثامن عشر أدت سلسلة اختراعات وتطويرات مستمرة في عدة علوم جديدة، إلى حالة المعرفة الفائقة التي نعيشها حالياً. وأُدمج التقدم المتواصل للعلم بعمق، منذ القرن الثامن عشر، بتغيرات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية موازية. فالاختراعات والحرية والديمقراطية والانتخابات والحركات العمالية والأنشطة السياسية والصحة العامة، وغيرها وما إلى ذلك، كلها أصبحت كلاً متكاملاً واحداً.

فالقدرة على إطعام السكان على نحو مناسب والاهتمام بالصحة العامة وتوفير السكن المناسب وتحسين التبريد والتدفئة في البيوت وكل الأجهزة الأخرى لراحة الإنسان، كانت كلها متكاملة مع التقدم الاجتماعي.

لقد أدت تنمية المجتمعات إلى اختراع طرائق جديدة لتحسين التنمية الاقتصادية فيها. فالكوريون الذين كانوا فقراء إلى حد البؤس في خمسينيات القرن الماضي نجحوا في تنمية مهاراتهم في تقانات البناء الأساسية واستخدموا مداخيلهم من تصدير هذه الخدمة إلى البلدان العربية لتمويل تنمية صناعية وطنية[12]. وقد أنجزوا تنمية قطاعهم الصناعي بالتعاقد مع مقاولين خارجيين لصناعة مكونات السيارات والأجهزة الإلكترونية[13].

ومثل الصينيين، استخدم الكوريون الوفرة الكبيرة من القوى العاملة المدربة جيداً والكفوءة للمنافسة في الأسواق العالمية. وركزوا اهتمامهم على تجنب مشاريع المفتاح باليد في بلادهم. وسعوا إلى القيام بكل مشروع على نحو يؤدي إلى تعلّم سبل القيام به بأنفسهم. ونحن في البلدان العربية، نركز على مشاريع المفتاح باليد، ولا نسعى كفايةً إلى التعلُّم كيف نصمم وننفذ أي مشروع مع الحد الأدنى من المساعدة الخارجية.

وسعى الكوريون، باستمرار، إلى جانب عملهم لبناء قاعدتهم الصناعية، إلى تصنيع المزيد من السلع المعقدة. وقد تطلب هذا التطور أن يعلِّموا المزيد من العلماء والمهندسين المتقدمين. وكان عليهم امتلاك الخبرة في عدة أبعاد علمية وتقانية في الوقت نفسه. كان النجاح في إدارة القطاع الزراعي دائماً حاسماً في التنمية، لأنه يمكّن الدول من تأمين اقتصاد تكلفة حياة منخفضة. ومن نافلة القول إن هذا يتطلب إدارة ناجحة للمياه والاستخدام الكفء لموارده. وهنالك حيز واسع جداً من التقانات التي يمكن استخدامها لتحسين الاستخدام المنتج للمياه. وقد صادف وقوع معظم البلدان العربية في منطقة شديدة الجفاف. وعلى الرغم من ذلك، لو نجحنا في إدارة مواردنا المائية المحدودة على نحو فعّال لكنّا في حالة أفضل. إضافة إلى ذلك، لو اعتمدنا تقنيات تحلية المياه بالطاقة الشمسية لكانت عندنا القدرة المتدرجة لردم الفجوة المائية. لكن لسوء الحظ، لم تعط البلدان العربية الاهتمام الكافي لهذا الموضوع. لكن لم يفتنا الوقت لذلك بعد.

وهناك بُعد آخر حاسم في التنمية، هو صناعة البناء وإنتاج المكونات الضرورية للبناء. فهنالك حيِّز واسع من الخدمات الهندسية التي نحتاج إليها لدعم الأنشطة الاقتصادية. فالزراعة تحتاج إلى حيّز هائل من خدمات الهندسة المدنية؛ وأي اقتصاد حديث يحتاج إلى شبكة مواصلات كثيفة ومعقدة. وإسكان المواطنين بشكل مناسب موضوع في غاية الأهمية. ومعظم تكلفة البناء تذهب إلى المعدات والعمالة ومواد البناء. وتستثمر البلدان العربية في أنشطة البناء نحو 200 مليار دولار في السنة. وتعتمد البلدان العربية على استيراد معظم لوازم البناء بدلاً من إنتاجها محلياً. وكل هذه التقانات الأساسية حاسمة إذا تمت إدارتها على نحو جيد وبتكلفة متدنية. إضافة إلى ذلك، تستخدم البلدان العربية الملايين من العمالة الوافدة بدلاً من تدريب العمالة الوطنية للقيام بعمليات البناء.

والصحة بدورها هي بعد حاسم آخر. فالتنمية الاقتصادية تستلزم مواطنين أصحّاء. وهذا يعتمد جزئياً على توفير الغذاء، والمياه النظيفة والخدمات الطبية الأساسية. وقد نجحت الحكومات العربية في إنتاج ما يكفي من الخبرات المهنية الطبية، لكنها فشلت في توفير المياه النظيفة لكل السكان. وإذا كانت البلدان العربية بين البلدان الأولى في تصدير الأطباء إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، إلا أنها فشلت إلى اليوم في دخول ميادين البحث في العلوم الصيدلانية والصناعات الطبية. وفي عدد من البلدان العربية، هنالك إعادة تصنيع واسعة للعقاقير العامة، لكن لا توجد بحوث في هذا الحقل. وكل الأجهزة الطبية تستورد بأسعار غالية. لكن يمكن إنتاج معظم هذه الأجهزة في البلدان العربية بعد دفع الحقوق لمالكي براءات الاختراع. وقد يكون من الممكن المنافسة مع الشركات القائمة في العديد من الحقول. وفي النهاية لا بد من أن يصبح العلماء العرب قادرين على اختراع بعض هذه الأجهزة.

والصناعات الميكانيكية والكيميائية هي من الأبعاد الحاسمة الأخرى. وقد نجحت البلدان العربية بتعليم أكثر من 3 ملايين مهندس في هذه الحقول، لكنها فشلت في الإفادة من رأس المال البشري الكثيف هذا من المهندسين. والسوق المحلية في البلدان العربية للصناعات الإلكترونية والميكانيكية والكيميائية ضخمة. لكن هذه السوق تعتمد، إلى اليوم، على المقاولين الأجانب والعمالة الوافدة. وفي إمكان البلدان العربية أن تخفف من الاعتماد على الخارج بسرعة ضمن برامج جيدة للتدريب والتخطيط.

وليس صعباً على البلدان العربية أن تتعاون لتطوير صناعة السيارات والقطارات وبناء السفن ومختلف المعدات اللازمة للبناء، وهكذا. ومن الصناعات الأقل تكلفة والأكثر ربحية هي صناعة السياحة. وعلينا تثقيف مواطنينا على أهمية السياحة، وعلى الإرث الثقافي العظيم في المنطقة. ولا داعي إلى القول إن المنطقة هي، ربما، أكبر مخزن للتراث الأركيولوجي والآثار، وما زال معظم الإرث الحضاري للمنطقة ينتظر بحوث الآثار المناسبة لاستكشافه. ويمكن للصناعات السياحية في المنطقة أن تنمو لتصبح من أهم الموارد الاقتصادية.

إن الأبعاد المذكورة أعلاه هي كلها ضمن القدرات العربية المتوافرة اليوم. وعلى البلدان العربية أن تسعى أيضاً إلى الدخول في قطاعات أخرى متقدمة متعددة.

ولتنمية هذه الأبعاد العلمية بنجاح على الأرض العربية نحتاج إلى تطوير البنى التحتية الداعمة، مثل البنوك وأسواق المال؛ وأن نتعلم كيفية دمج الشركات في ما بينها، وكيفية تسويق السلع عالمياً، وكيفية الدخول إلى أسواق التعاقد مع الخارج، وكيفية الدخول إلى قطاعات الصناعات الجديدة المعقدة، مثل تصنيع السيارات والطائرات والقطارات والسفن… وما زال علم إدارة الموارد الرأسمالية في حالة سيئة في البلدان العربية. علينا أن نتعلم كيف ندير مواردنا الرأسمالية وكيف نستثمر فيها بحذر لنحقق المردود العالي منها. ولا داعي إلى القول، إن الفساد ينتشر على مستوى عال في معظم البلدان العربية. ومن الصعب التقدم إلى الأمام من دون إصلاحات فعالة للتخفيف من هذا الهدر للموارد.

سادساً: الأمن القومي والعلم

يمكِّن العلمُ المجتمعَ من تأمين الأدوات والموارد الضرورية للحفاظ على التقدم والأمن.

لقد كان المؤتمر القومي العربي مهتماً دائماً بقضية الأمن القومي العربي؛ وقد ساهم د. هيثم الكيلاني بورقة بحث عن الأمن القومي العربي في اجتماع المؤتمر الحادي عشر عام 2001‏[14]. وقد وفرت الورقة معلومات قيمة عن الصعوبات العديدة الجمة التي كانت تهدد الأمن القومي العربي. وكان واضحاً في العرض أن الانقسامات بين البلدان العربية لم تكن وحدها السبب، ولكن كان هنالك أيضاً شلل في قدرة البلدان العربية على مواجهة النزعات المتعددة الناشئة بينها. وقد قدم الكيلاني عرضاً مفصلاً للعديد من القضايا التي تهدد العلاقات بين البلدان العربية. ولم يكن هناك جهد واضح خلال المؤتمر لمعالجة هذه المعضلة الصعبة. لكن يمكن أن نذكر هنا أن هنالك حيزاً واسعاً من التقانات لحل النزاعات[15].

ويذكر الكيلاني أنه ليس من جهد جدي مشترك في المدى القريب لوضع الحلول. وفي الواقع، كانت البلدان العربية عام 2014 ما زالت تصارع المعضلات نفسها التي كانت تعانيها لعدة عقود، وليس في الأفق القريب ما يشير إلى أن تلك المعضلات على طريق الحل.

وحقيقة أن البلدان العربية تعاني التوترات والصراعات في ما بينها، كان يجب أن تثار خلال اجتماعات المؤتمر القومي العربي المتتالية، لمعالجة ما تفعله البلدان في مثل هذه الظروف. ومن اللافت للنظر أن المؤتمر القومي لم يكن قادراً على مساعدة البلدان العربية على التغلب على هذه النزاعات.

واليوم هنالك علم خاص، بين العلوم الاجتماعية، بعنوان «حل النزاعات» ويُستخدم هذا العلم على نحو واسع في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مناطق أخرى، وعلى مستويات متعددة. هنالك دائماً إشكالات تنشأ بين البلدان المختلفة، وبين البلديات المختلفة، وبين المؤسسات الصناعية والظروف البيئية. ومن مثل هذه الإشكالات: التشارك في موارد المياه بين البلدان المجاورة؛ وتخفيف تلوث الهواء، عبر الحدود السياسية؛ وحماية مصادر المياه من التلوث؛ وتنظيف المناطق الحضرية؛ وتوفير الخدمات الصحية على نحوٍ كافٍ؛ ويمكن حل كل هذه الإشكالات من خلال اعتماد صبور لآليات حل النزاعات. وهذه الآليات هي بالطبع بطيئة وتتطلب من الأطراف المعنية الالتزام بمثل هذه المفاوضات.

نحن نعلم من دراسة التلوث في المنطقة العربية أن عدداً من هذه البلدان يرفض استخدام التقانات الناجحة في إزالة حبيبات الغبار من مداخن مصانع الإسمنت وغيرها من المصانع[16]. ونحن نعلم أنه في بعض هذه البلدان تكون تكلفة الضرر الحاصل على الزراعة من جراء التلويث الناتج من معامل الإسمنت هو أكبر من ثمن الإسمنت المنتج! ومع ذلك فإن استخدام التقانات المتوافرة يمكن أن يزيل غبار الإسمنت. وقد يوجد بعض مواد الأرض النادرة والغالية الثمن في هذا الغبار، إذا تم جمعه. وما يجعل الأمر محيراً أكثر هو أننا نعلم أن بعض المصانع تمتلك حالياً التجهيزات الضرورية لإزالة الغبار وللحفاظ على المنتوج الزراعي وعلى صحة السكان حولها، ومع ذلك فإن هذه التجهيزات لا تستخدم! ومن الواضح أن هنالك حاجة إلى جهود مضنية لتحقيق تغيير جدي في الثقافة المجتمعية على امتداد البلدان العربية. وفشل البلدان العربية في إيجاد طرائق جديدة لمعالجة النزاعات هو عملية انتحار.

ويمكن للذين ينتمون إلى الطبقة السياسية، من بين أعضاء المؤتمر القومي العربي، أن يقدموا مساهمة كبيرة في تنمية البلدان العربية باعتمادهم منهجية حل النزاعات، وبتشجيع استخدامها للمساعدة في الوصول إلى حلول للصراعات بين البلدان العربية. ومن البديهي أن ذلك ليس بسيطاً، ولا هو موضوع سهل المتابعة. لكن البديل، كما نراه، هو بقاء البلدان العربية كلها في حالة أزمات دائمة.

إن لجنة التخطيط في المؤتمر تحضر سنوياً وثيقة تحليلية للنزاعات بين البلدان العربية، وتقدم توصيات لكيفية التغلب عليها. ومجرد نقاش هذه القضايا علناً يمكن أن ينقّي الجو السياسي العام في المنطقة. والعرض الذي قدمه الكيلاني لا يعالج كيف يمكن لرأس المال البشري وللبحوث المحلية وللتعاون العربي في التقانات العسكرية أن تحرك الوضع بعيداً من الاعتماد على القوى الأجنبية. مثلاً، يمكن للبلدان العربية أن تخصص موارد مالية ومناسبة لتمكين الجامعات العربية من الوصول إلى مستويات أعلى في أنشطتها الفكرية. وتحسين الموقع العربي في كل الحقول العلمية والثقافية هو منهج أكيد للوصول إلى تخطيط للاقتصاد أكثر كفاءة وإدارة أفضل. وهنالك معطيات واسعة عن تكلفة الجودة في التعليم العالي. وتحتاج البلدان العربية في البداية إلى دزينة من الجامعات بميزانية من مليار دولار لكل منها. ومثل هذه الجامعات النخبة يمكنها أن تخرج مهارات تستطيع أن تساعد البلدان العربية على الخروج من حالة الأزمة المستمرة التي تعيشها.

وعلى البلدان العربية أن تسعى إلى الخروج من حالة التبعية التقانية، وإلى تحديث مجتمعاتها الصناعية وتوطين تقاناتها. يجب أن تكتسب البنى التقانية الهائلة القائمة حالياً، قاعدة للبحوث وأن تتعلم أن تحسن التعاون بين مؤسساتها العلمية والتقانية على امتداد المنطقة العربية. ومثل هذا التحول العميق سيعطي فوائد هائلة لكل دولة عربية. ليس هذا فقط، ولكن هذا التحول قد يضع الأسس لقيام إمبراطورية عربية صناعية هائلة. ولم يناقش الكيلاني القدرات العربية الصناعية القائمة وكيف يمكن استخدامها للتغلب على ثقافة التناقض والتنازع التي تسود المنطقة. وقد يكون من الأنسب أن نركز على القاعدة الصناعية المدنية وتحديثها قبل الالتفات إلى تصنيع أي سلاح. ولا داعي للقول هنا إن التوترات بين البلدان العربية قد أضافت عوائق جديدة أمام قضايا الأمن القومي. ومن المعروف جيداً أن لدى إسرائيل برنامجاً نووياً شاملاً، وليس لدى البلدان العربية حتى برنامج نووي متواضع يمكِّن شعوب المنطقة من مواجهة التحديات الأساسية التي تطرحها التقانة النووية.

إن الاستخدام الواسع من قبل الأمريكان والإسرائيليين للسلاح المتضمن لليورانيوم، مثلاً، قد تسبب في انتشار المخلفات النووية (المشعة) في العراق والكويت. وانتشار المواد النووية المشعة قد أدى إلى السرطان بين السكان. ولكن، إلى عام 2014 على الأقل، لم يقم العراق بتنظيف مناطقه من هذا التهديد الجدي لسكانه. ولا داعي إلى القول هنا إن على الحكومات العربية واجباً حتمياً لحماية سكانها من الاستخدام الإجرامي للأسلحة المشعة التي تنشر السرطان بين السكان.

وإذا نظرنا إلى السنوات العشرين الماضية نستطيع أن نرى بوضوح أنه كان للنزاعات العربية تداعيات باحتمالات كارثية في المنطقة. ومن الواضح أن محاولة التوسط لمعالجة الخلافات هو شيء مهم في المنطقة. إن أي تحليل جدي لقضايا الأمن القومي العربي لا بد من أن يتضمن إجراءات لحل النزاعات يمكنها أن تتجنب النزاعات أو تحلها. وبديهي، أن حل النزاعات هو مهارة ذات أهمية حيوية تؤدي إلى حماية الأرواح وحماية الموارد الاقتصادية الحيوية للأمة.

ولا داعي للقول إن أحداث العقود الماضية تؤكد بصورة واضحة أن النخب السياسية العربية تفقد المهارة الحيوية في حل النزاعات. وهنالك حاجة إلى جهود جدية لمعالجة هذا النقص في هذه المهارة الحيوية ويمكننا أن نتصور أن جامعة الدول العربية، وبعض الحكومات العربية وجامعاتها يمكن أن تستثمر في البحوث والتدريب في هذا المجال.

سابعاً: اعتماد السياسات الحاسمة

تفتقد البلدان العربية السياسات العلمية المعيارية الواضحة وممارساتها. وتتطلب العلوم والتقانات الحديثة سياسات وممارسات واسعة التنوع. فالتقانة تتقدم بسرعة وتتطلب موارد مالية ضخمة، ولهذا لا بد من أن يكون هنالك استعداد لدى المؤسسات التقانية المختلفة للاتصال فيما بينها، وأن تتفاوض على الاندماج والترويج للتعاون فيما بينها. إضافة إلى ذلك هنالك حاجة إلى الترويج للتنافس على نحو واسع بين المؤسسات التقانية الوطنية.

وكل ما سبق قد أدى في البلاد الصناعية إلى تنمية مهارات عظيمة في القضايا المالية وفي اندماج الشركات وفي التنافس الإبداعي التجديدي.

1 – السياسات الحاسمة الموجهة إلى تحويل جذري للمناطق الريفية والحضرية

في القرن الثامن عشر بدأت البلدان الأوروبية بصورة لافتة للنظر، بنقل معرفة صنع الأشياء إلى البلدات الصغيرة والقرى، لتشجيع التنمية الاقتصادية فيها. وقد تحركت هذه العملية بتشجيع خريجي مدارس الهندسة لقبول التوظيف في بلديات المناطق الريفية. لقد قام هؤلاء الخريجون الشباب بصورة مثيرة بالزواج من بنات الفلاحين الأغنياء ورجال الأعمال في تلك المناطق، ما شجعهم على الإقامة الدائمة فيها. وكان لهذا الأمر تأثيرات كبيرة في التنمية الوطنية. لكن ليس هناك شيء مماثل لهذا النمط من التصرف الاجتماعي والسياسي في معظم – وربما في كل – البلدان العربية.

2 – السياسات الحاسمة الموجهة لخلق فرص العمل

تمثل العلوم حقلاً واسعاً. وحتى تنجح المنطقة العربية في التقدم على نحو فعال عليها أن تسعى إلى التقدم السريع في كل حقول العلم باستخدام مواردها الطبعية ورأس مالها البشري بصورة منتجة. ويمكن للبلدان العربية أن تعتمد في البداية على إجراءات ذات أولوية يمكن تنفيذها بسهولة وبتكلفة متدنية، وفي الوقت نفسه تبحث عن نواتج صناعية لها مردود ربحي عالٍ.

ومن الواضح أن كل التقانات الأساسية المتعلقة بالمياه ومواد البناء، والنقل، وقطاع الصحة، هي كلها مهمة للرفاهية الوطنية. ومن الضرورة الحتمية توفير الصحة الجيدة للقوى العاملة. وهنا لا بد من اعتماد السياسات التي تحسِّن القطاع الزراعي بسرعة من أجل توفير حاجات الغذاء بأسعار متدنية. وتبدأ الصحة العامة الجيدة بتوفير المياه النظيفة ونظم الصرف الصحي الآمنة، لتأمين حياة صحية ومنتجة للقوى العاملة. ومواد البناء قد تكون رخيصة لكنها ضرورية لبناء المنازل لكل السكان.. والبلدان العربية غنية بمواردها الطبيعية لتصنيع الألمنيوم والزجاج والأسمنت والحجارة والمعدات للمنازل والمشاغل. وليس من داعٍ لتكرار القول إن هنالك حاجة كبيرة لمعدات البناء.

إن سياسات عربية موحدة لمعالجة هذه الأنشطة من خلال التعاون يجب أن تكون مفيدة لكل البلدان العربية. مثلاً، إن الألمنيوم المصنّع في أحد البلدان العربية يمكن مبادلته لتصنيع مكونات البناء لصنع النوافذ والأبواب في بلدان عربية أخرى. وبعض البلدان العربية قد تكون مجهزة أكثر من غيرها لتصنيع معدات البناء المعقدة، في حين أن دولاً أخرى قد تكون أفضل في إنتاج المواد الخام.

وفي قضايا الصحة العامة، تكون نقطة البداية الحرجة في حل نهائي كامل لإشكالات إدارة المياه على امتداد المنطقة العربية. يلي ذلك إقامة نظم للصرف الصحي وتدوير المياه، وبرنامج مكثف لبناء مراكز صحية ومستشفيات، وإطلاق برامج مكثفة لتصنيع الأدوية والأجهزة الصحية لخفض تكلفة الصحة العامة. ومن البديهي أن المنطقة العربية، التي يتزايد عدد سكانها بسرعة، تحتاج إلى التركيز على كل التقانات الجديدة لتأمين الحاجة المتزايدة من الأعضاء الصناعية لأجسامنا وللمعالجات التي تستخدم الخلايا الجذعية. وكل هذه الأساليب في المعالجة الصحية قد أصبحت منتشرة في الأسواق في البلدان المتقدمة، وينبغي اعتمادها في البلدان العربية بأسرع ما يمكن، على الأقل من باب التجربة.

وفي قطاع النقل هنالك حاجة إلى نظم كثيفة للنقل البري، بما في ذلك التصنيع المحلي للقاطرات والسيارات. ويجب إعطاء الاهتمام الجدي لتصنيع الطائرات. وهذا ممكن بالتعاون مع الصناعات الدولية القائمة في هذه المجالات، بدءاً بمرحلة التجميع والتعاقد على استيراد المكونات من الخارج. إن المنطقة العربية هي نقطة تشابك كبير للنقل على امتداد العالم وقد آن الوقت لامتلاك قاعدة صناعية لهذه الأنشطة.

ويمكن اعتماد كل الإجراءات المذكورة لسد الحاجات العربية المحلية أولاً، إذ قد تصبح المنطقة العربية موطناً لنحو مليار إنسان مع نهاية هذا القرن. وتمتلك المنطقة العربية موارد هائلة من النفط والغاز والفوسفات وغيرها من المواد الخام، وكل هذه المواد الكيميائية تمتلك احتمالات واعدة لنواتج جديدة لها أسواق واسعة.

ملحق
أهمية الجمعيات العلمية

لقد أدت الجمعيات العلمية أدواراً مهمة في عمل العلماء وفي حياة المجتمعات العلمية. ببساطة، إن البحث العلمي هو نشاط تشاركي يشمل كل العلماء. وبالتالي فإن المجتمعات العلمية في كل البلدان تهتم بأدائها من خلال جمعيات علمية متنوعة. وتختلف وظائف هذه الجمعيات من حقل علمي إلى آخر. وقلما تهتم هذه الجمعيات بالرواتب التي يكسبها العلماء. فاهتمامها الأول يكون بالنشاط العلمي في الحقل الذي يعنيها. ويكون التقدم العلمي نتيجة الأنشطة الهائلة التي يقوم بها العلماء على اختلاف اختصاصاتهم. وبالتالي يكون هنالك دائماً تنافس وتعاون، في الوقت نفسه، بين العاملين في الحقل العلمي.

وتؤدي الجمعيات العلمية أدواراً في تنظيم الأدبيات العلمية التي تنشر نواتج العلماء. كما تؤدي أيضاً دوراً مهماً في تنظيم الاجتماعات العلمية حيث يتم تسهيل التعاون الوظيفي الحرج وتمويله. وتسمى الشبكات بين العلماء الذين يلتقون في هذه الجمعيات «الكليات غير المرئية». وتتكفل الحكومات بمصاريف الجمعيات العلمية، كما تأتيها التبرعات من الشركات والأفراد. ونسبة كبيرة من تكاليف العاملين في هذه الجمعيات تكون مدعومة من المالية العامة. كما يكون بين هؤلاء العاملين متطوعون من دون أجر.

وتوفر هذه الجمعيات العلمية مصدراً مهماً للاستشارات في القضايا العلمية للعموم. وتكون الجمعيات البارزة مرجعاً استشارياً للحكومات والمنظمات، وتوفر الاستشارات الحرجة وقت الأزمات. وهي أيضاً مصادر المعلومات للحكومات في تحديد المستشارين العلماء. ويكون لهذه الجمعيات فروع محلية في المدن والجامعات. وتدار هذه الفروع من قبل متطوعين؛ وهذه تؤدي أدواراً مهمة في تنظيم المؤتمرات وفي حل المعضلات التي تنشأ مع تطور العلم. مثلاً، تمت مناقشة قضايا تعليم العلوم والسياسات العلمية في العديد من الجمعيات العلمية. وتسعى هذه الجمعيات أيضاً إلى بناء الجسور بين مختلف الحقول العلمية. وبالتالي، مثلاً، تقيم هذه الجمعيات الجسور بين العلماء الأكاديميين والمهندسين، في القطاع الخاص وفي الجامعات. وهكذا فهي توفر الآليات لنقل المعرفة بفاعلية من مختبرات البحث الأكاديمية إلى العلماء والمهندسين الذين يهتمون بتطبيق هذه الاكتشافات العلمية الجديدة.

المصادر:

(*) نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 436 في حزيران/ يونيو 2015.

(**) أنطوان زحلان: مستشار دولي في شؤون السياسة العلمية والدراسات المستقبلية وبناء المؤسسات – لبنان.

البريد الإلكتروني: [email protected]

[1] في هذا المقال المختصر كان لا بدّ من إهمال حيّز كبير من القضايا التنموية السياسية والاقتصادية في البلدان العربية. والمفترض أن القارئ يستطيع القيام بملء النواقص المذكورة؛ لقد تمّ عرض شامل للتحديات التقانية التي تواجه البلدان العربية في عدد من الكتب التي نشرها مركز دراسات الوحدة العربية، ولن يجري تكرارها هنا.

حالياً هنالك مؤشرات على أن بعض البلدان العربية قد بدأت باعتماد بعض التصنيع. لكنّ الجهود في هذا المجال ما زالت محدودة إذا أخذنا في الحسبان حجم البلدان العربية.

[2] نشره مركز دراسات الوحدة العربية عام 2012، كما نشرته دار Palgrave بالإنكليزية في السنة نفسها.

[3] مؤسسة Thomson Reuters/ISI هي المصدر العالمي الرئيسي للمعلومات الذكية عن الأعمال والمهنيين. وهي تراكم المعلومات من الخبرات الصناعية والتجديد التقاني لتقدّم معلومات حرجة إلى قادة صنع القرار في قضايا المال والقانون والضرائب والمحاسبة والعلوم والعلميين والصحة العامة وأسواق الإعلام التي تحركها المنظمات الجديدة العالية الموثوقية. ومقرّ هذه المؤسسة هو نيويورك ولها مكاتب عاملة في لندن وإيجن في منيسوتا في الولايات المتحدة. وتستخدم أكثر من 50 ألف موظف في 93 بلداً. ولمزيد من المعلومات عنها يمكن مراجعة موقعها على الإنترنت. انظر:       Thomson Reuters Website, <http://thomsonreuters.com>.

[4] حول هذا الموضوع، انظر الملحق في نهاية المقال.

[5] وجدي سواحل، خطة السنوات الثمان المصرية للتعليم العالي، أخبار الجامعات العالمية، الطبعة الدولية، العدد 332 (29 آب/أغسطس 2014).

[6] Wagdy Sawahel, «Eight-Year Egyptian Plan for Higher Education,» University World News, Global Edition Issue, vol. 332 (29 August 2014), and Klaus Schwab, The Global Competitiveness Report, 2013-2104 (Geneva: World Economic Forum, 2014).

[7] Sami Albanna, «A Dramatic Increase in the Arab Countries Users of the Internet; BUT…,» Albanna’s Journal (2 October 2014), <http://samialbanna.blogspot.com/2014/10/a-dramatic-increase-in-arab-countries.html>.

[8] سيد الأبيض، الصناعة السعودية ستشكل 30 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي عام 2015، الشرق الأوسط، 25/11/2014، ص 150.

[9] اتفاق على صندوق مبادر: الصندوق المؤثر، الحياة، 25/10/2014.

[10] انظر الملحق في نهاية المقال.

[11] هنالك عدد من تصنيفات الجامعات التي تصدر كل سنة. ولا تظهر الجامعات العربية في مواقع منافسة عالمية. يمكن للقارئ الحصول على هذه التصنيفات من محرّك البحث غوغل.

[12] هناك العديد من التصنيفات العالمية للجامعات كل عام. وإن الجامعات العربية لا تحقق نتائج جيدة ضمن هذه المنافسة العالمية. يمكن للقارئ الوصول إلى هذه المعلومات والتصنيفات من خلال غوغل.

[13] Antoinne B. Zahlan, Acquiring Technological Capacity: A Study of Arab Consulting and Contracting Firms (London: Macmillan, 1991), Chapter 10.

[14] هيثم الكيلاني، الأمن القومي العربي،في: حال الأمة العربية: المؤتمر القومي العربي الحادي عشر: الوثائق – القرارات – البيانات (أيار/مايو 2001) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 313.

[15] عند البحث في محرّك البحث غوغل حول حلّ الصراعات عام 2014  نجد هنالك 36,500,000 نصّ حول الموضوع.

[16] توفّر الإنترنت مراجع كثيرة حول هذا الموضوع.

اضغط على الصورة