اختتم الرئيس الأمريكي جو بايدن جولته الأولى له بصفته رئيساً إلى منطقة الشرق الأوسط؛ حيث بدأ محطته الأولى بزيارة إسرائيل، مروراً بفلسطين، قبل أن يغادر إلى السعودية؛ حيث حضر “قمة جدة للأمن والتنمية”، التي جمعته بقادة دول مجلس التعاون الخليجي، ومصر، والعراق، والأردن. وقد شهدت الجولة تعهد بايدن بأن الولايات المتحدة ستظل منخرطة في المنطقة لمواجهة النفوذين الروسي والصيني في المنطقة ومكافحة التهديد الذي تشكله إيران، والتأكيد على أن بلاده ستعتمد رؤية جديدة للمنطقة، ولن تسمح بوجود فراغ تملؤه قوى أخرى.

أبعاد متشابكة

تكتسب الجولة الأمريكية أهمية استثنائية لتشابك أبعادها الداخلية بأبعادها الخارجية، ولما تمثله من إعادة ترتيب للأولويات الدبلوماسية لدى بايدن، لاستعادة ثقة حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في مواجهة خصومها، خاصةً بعد تضاؤل نفوذ واشنطن في المنطقة وتدهور ثقة الشركاء الإقليميين بالضمانات الأمنية الأمريكية، نتيجة لعدم اعتبار الشرق الأوسط أولوية للولايات المتحدة، وهو ما ظهر في خفض تدخلها في حروب الشرق الأوسط وتحويل انتباهها إلى آسيا، ورفع إدارة بايدن الحوثيين من قائمة التنظيمات الإرهابية، فضلاً عن التداعيات الناجمة عن الحرب الروسية–الأوكرانية، والعلاقة المتوترة مع الصين.

أما على الصعيد الداخلي فتتجلى الضغوط في ارتفاع مستوى التضخم بمعدل 9.1%، وهو الأعلى منذ 40 عاماً، مدفوعاً بقفزة في أسعار البنزين إلى مستويات قياسية، تجاوزت 5 دولارات للجالون؛ الأمر الذي أدى إلى انخفاض تاريخي في معدلات قبول بايدن رئيساً بين الناخبين الأمريكيين، وهو ما يهدد مستقبل حزبه الديمقراطي خلال انتخابات الكونجرس المقبلة للتجديد النصفي. وقد أدى هذا الزخم إلى تقديم الرئيس الأمريكي خلال جولته عدداً من التعهدات وصفها بعض الخبراء بأنها محاولة أمريكية لقطع الطريق وتحجيم النشاط والنفوذ الكبيرين لمنافسي الولايات المتحدة في المنطقة. ومن هنا برز تساؤل مفاده: إلى أي مدي سيكون للتعهدات الأمريكية خلال زيارة بايدن إلى المنطقة فاعلية في تحجيم النفوذ الروسي والصيني والإيراني في المنطقة؟

التزامات أمريكية

ركزت التعهدات التي خرجت بها المباحثات الأمريكية مع قادة منطقة الشرق الأوسط بالأساس على تحجيم النفوذ الإيراني، ومواجهة أزمة الطاقة، ويمكن استعراض أبرز مخرجات جولة بايدن في المنطقة عبر ما يلي:

1– تعهد واشنطن بعدم ترك فراغ للخصوم: أبرز ما ميز قمة “جدة للأمن والتنمية”، تشديد الرئيس بايدن على أنه لن يترك فراغاً في المنطقة لتملأه الصين أو روسيا أو إيران، وأن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة ببناء مستقبل إيجابي في المنطقة، بالشراكة مع حلفائها، والتأكيد على أن واشنطن لن تغادر المنطقة. كما كان “بايدن” حريصاً على تسليط الضوء على أنه أول رئيس أمريكي يزور الشرق الأوسط دون أن يكون الجيش الأمريكي منخرطاً في حرب في المنطقة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001. كذلك كشفت الإدارة الأمريكية عن رؤية جديدة للشرق الأوسط تقوم على الحوار والتعاون الاقتصادي والعسكري، مدعومة بمحاولات لتحقيق المزيد من الانفتاح في العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.

كما أكد الرئيس الأمريكي التزام الولايات المتحدة بالعمل مع الشركاء الآخرين لمواجهة العدوان الإيراني والأنشطة المزعزعة للاستقرار، سواء كانت مدفوعة بشكل مباشر أو من خلال وكلاء طهران والمنظمات الإرهابية التي تدعمها في المنطقة، حيث صرح قائلاً: “لن نتسامح مع محاولة دولة واحدة الهيمنة على دولة أخرى في المنطقة من خلال التعزيزات العسكرية أو التوغل أو التهديدات”، في إشارة واضحة إلى إيران التي يتهمها جيرانها بمحاولة زعزعة استقرار الشرق الأوسط.

2– إعلان القدس للشراكة الاستراتيجية: حرص الرئيس الأمريكي على تبديد المخاوف الإسرائيلية المتزايدة من احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً خلال فترة قريبة، واستغلالها هذه الفترة الرمادية من المفاوضات لتحقيق ذلك، وتلويح القادة الإسرائيليين عدة مرات بإمكانية التصرف عسكرياً بشكل منفرد بعيداً عن الحليف الأمريكي في مواجهة طهران. لذلك وقعت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل اتفاقاً أمنياً حمل اسم “إعلان القدس” للشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ونص الاتفاق على أنه “تماشياً مع العلاقة الأمنية الطويلة الأمد بين الولايات المتحدة وإسرائيل والالتزام الأمريكي الراسخ بأمن إسرائيل، تؤكد الولايات المتحدة أن جزءاً لا يتجزأ من هذا التعهد هو الالتزام بعدم السماح لإيران مطلقاً بامتلاك سلاح نووي، وأنها مستعدة لاستخدام جميع عناصر قوتها الوطنية لضمان هذه النتيجة”.

3– عقد قمة افتراضية لمجموعة I2U2: أكدت القمة الافتراضية خلال زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إسرائيل، التي جمعته برئيس الوزراء يائير لابيد، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، على الاستثمارات المشتركة والمبادرات الجديدة في مجالات المياه والطاقة والنقل والفضاء والصحة والأمن الغذائي. وقد أعرب القادة عن تصميمهم على الاستفادة من الأسواق الراسخة لبناء حلول أكثر ابتكاراً وشمولية وقائمة على العلم لتعزيز الأمن الغذائي والنظم الغذائية المستدامة.

كما رحب القادة باهتمام الهند بالانضمام إلى الولايات المتحدة ودولة الإمارات وإسرائيل في مهمة الابتكار الزراعي لمبادرة المناخ (AIM for Climate). ومن جهتها، قامت وكالة التجارة والتنمية الأمريكية بتمويل دراسة جدوى للمشروع بقيمة 330 مليون دولار أمريكي. وأكد القادة أن هذه ليست سوى الخطوات الأولى في شراكة استراتيجية طويلة الأجل لتعزيز المبادرات والاستثمارات التي تعمل على تحسين حركة الأشخاص والسلع عبر نصفي الكرة الأرضية، وزيادة الاستدامة والمرونة من خلال شراكات تعاونية في مجال العلوم والتكنولوجيا.

4– مبادرات لمواجهة أزمة الأمن الغذائي: أعلن بايدن عن مساعدة أمريكية بقيمة مليار دولار للأمن الغذائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسط تصاعد أزمة الغذاء على وقع الحرب في أوكرانيا. كما قررت الولايات المتحدة تقديم مساعدات سنوية للأردن بقيمة 1.45 مليار دولار ابتداءً من عام 2023 حتى عام 2029، أملاً في عزل دول المنطقة عن تأثير الصين التي تتقن استخدام أداة ضخ الاستثمارات.

فاعلية محدودة

روج الرئيس الأمريكي لمسألة أن جولته إلى منطقة الشرق الأوسط تستهدف تحجيم النفوذ الروسي والصيني والإيراني في المنطقة في مقالة نُشرت في 9 يوليو الجاري بصحيفة “واشنطن بوست” قبيل الجولة؛ حيث كتب “بصفتي رئيساً، فإنَّ وظيفتي هي الحفاظ على بلادنا قوية وآمنة. علينا مواجهة العدوان الروسي، وأن نضع أنفسنا في أفضل وضع ممكن للتغلب على الصين، والعمل من أجل استقرار أكبر في منطقة مهمة من العالم. ومن أجل القيام بهذه الأشياء، علينا التعامل مباشرة مع البلدان التي يمكن أن تؤثر على تلك النتائج”. لكن هناك بعض الشكوك حول مدى فاعلية التعهدات الأمريكية السابق الإشارة إليها في تحقيق ذلك؛ بسبب عدة عوامل من أبرزها:

1– أزمة الثقة بالحليف الأمريكي: أغفلت الإدارة الأمريكية حقيقة أن عصر الانحياز إلى حليف دون آخر على طول الخط قد ولى؛ حيث أثبتت الكثير من المواقف التاريخية أن من الصعب أن تتبنى دول الشرق الأوسط مواقف حدية، بل تحرص جميعها على اتخاذ مواقف متوازنة تضمن لها الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الفاعلين الدوليين. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه مع مرور قرابة 5 أشهر على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، يستمر عزوف بعض حلفاء واشنطن في المنطقة عن الانخراط في الاستقطاب الدولي في ظل علاقات متعاظمة اقتصادياً وسياسياً مع الجانبين الصيني والروسي. ويشير الخبراء إلى أنه رغم استخدام الولايات المتحدة عدداً من الملفات الهامة لمحاولة تغيير رأي دول الشرق الأوسط المُحايد حول الحرب الروسية في أوكرانيا، فإنها ستظل محافظة على موقفها.

ويمكن الاستدلال على ذلك بالموقف الإسرائيلي من الحرب الروسية على أوكرانيا. فعلى الرغم من العلاقة التاريخية بين إسرائيل والولايات المتحدة، فإن الأولى لم تقدم ما كانت تتوقعه الولايات المتحدة منها في الحرب الروسية على أوكرانيا؛ حيث قصرت إمداداتها لأوكرانيا على الإغاثة الإنسانية فقط؛ لعدم إثارة غضب الجانب الروسي. فضلاً عن تصويت سوريا لصالح روسيا على مشروع قرار الولايات المتحدة لإدانة الهجوم الروسي على أوكرانيا.

2– صعوبة مُحاكاة تحالف “كواد”: يشير محللون إلى أنه على الرغم من سعي الولايات المتحدة والهند إلى ربط التحالفات الآسيوية بتحالف الشرق الأوسط I2U2، حتى يساهم في تحجيم نفوذ الصين في المنطقة على غرار تحالف “كواد” بين الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان، لمواجهة توسع نفوذ الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فإنه من غير المتوقع أن يكون له نفس الفاعلية؛ حيث إن دول الشرق الأوسط تدرك تماماً أنه يجب عليها تنويع تحالفاتها في ظل توجه الاهتمام الأمريكي بآسيا وتركيز أصولها العسكرية هناك. كما يؤكد تاريخ العلاقات الدولية المعاصر أن الولايات المتحدة دائماً ما تُعلي من مصلحتها على حساب مصالح الآخرين، وأن الضمانات الأمنية غير مجدية في حالة اختلاف المصالح، والأكثر من ذلك أن واشنطن سرعان ما تتخلى عن حلفائها. وأبرز مثال على ذلك انتقادات أغلب المسؤولين والخبراء لهشاشة الموقف الأمريكي في دعم أوكرانيا حليفتها في حربها ضد روسيا.

في المقابل، حرص الجانبان الروسي والصيني على الرد على هذه التحركات الأمريكية في الحال بلقاء الرئيس الروسي رئيسي تركيا وإيران. كذلك تستغل كل من روسيا والصين هذا النهج الأمريكي القائم على المصالح في الترويج لسياستهما وتغلغلهما أكثر فأكثر في المنطقة؛ حيث يقيم كلاهما علاقات قوية وطويلة الأمد مع جميع دول الشرق الأوسط. بل تقدم الصين نفسها، على سبيل المثال، في المنطقة على أنها دولة صاعدة وليست قوة عظمى مثلما تفعل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي يزيد الثقة بالجانب الصيني.

3– التركيز على مواجهة نفوذ إيران: بطبيعة الحال احتل الملف الإيراني موقعاً رئيسياً في المحادثات بين دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة، فمن جهة تتذمر دول الشرق الأوسط من دور إيران وأذرعها الإقليمية في زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة، وتتزايد هذه المخاوف حال تطوير طهران سلاحها النووي. لكن على الرغم من وجود هذه المخاوف منذ أمد بعيد، تلاقت هذه المرة مع القلق الأمريكي من إيران بوصول الملف النووي إلى نقطة حرجة للغاية عقب فشل المفاوضات الجارية مع طهران، وإثارة الحديث عن الخيارات المحتملة للتعامل مع الموقف من جانب الولايات المتحدة. لذلك، قد تكون هذه القضية هي الأساس التي انشغل بايدن بها خلال لقاءاته مع قادة دول الشرق الأوسط أكثر من غيرها، ليس فقط لأنها نقطة تلاقٍ بين الجانبين، وإنما وجدها بايدن الورقة الفعالة لاسترضاء القادة ولحشد دعمهم لواشنطن في الملفات الدولية الأخرى.

وإجمالاً لما سبق، تعزز أول زيارة للرئيس الأمريكي جو بايدن إلى منطقة الشرق الأوسط الدور الأمريكي في المنطقة، بينما تسعى روسيا والصين إلى تعزيز نفوذهما في تلك المنطقة الاستراتيجية، وطمأنة الحلفاء التقليديين بأن الولايات المتحدة لا تزال حليفاً يُعتمد عليه في مواجهة التحديات والتهديدات التي تعيشها دول المنطقة، فضلاً عن إقناع السعودية بزيادة إنتاج النفط لخفض أسعار الطاقة عالمياً خلال أسابيع أو أشهر المقبلة. ولكنها فشلت في تبني سياسات أكثر وضوحاً للحد من النفوذين الروسي والصيني في المنطقة، كما وعد الرئيس الأمريكي قبل زيارته؛ حيث انخرط بايدن في مواجهة النفوذ الإيراني سواء في “إعلان القدس” أو قمة “جدة” لاسترضاء دول الشرق الأوسط، كذلك لم يتم التعامل مع الملفات التي تشهد تزايداً للدور الروسي المباشر كالملف السوري، وكل ما تم ذكره في هذا الصدد كان مجرد إشارات. في المقابل سعى بايدن إلى توفير حل لأزماته الداخلية على حساب نظيرتها الخارجية؛ حيث سيطر سعي الرئيس الأمريكي إلى تحقيق هدف ضمان زيادة إنتاج النفط لخفض الأسعار على أجندة الجولة.

هاجس الداخل

لذلك، يمكن القول بأن البُعد الداخلي وهاجس الخسارة الوشيكة لسيطرة الديمقراطيين في انتخابات الكونجرس في نوفمبر المقبل والبيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، قد سيطر على فاعليات الجولة الأمريكية في المنطقة؛ حيث حاول بايدن تقديم صورة جيدة عن نفسه وحزبه للناخب الأمريكي بإصلاح الضرر الذي لحق بسمعة السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. كذلك من المتوقع أن ترتد واشنطن مرة أخرى إلى توجهها نحو آسيا وعدم إعطاء أولوية للشرق الأوسط، كما يُرجح أن تكون هذه الجولة ومخرجاتها مجرد محاولة مؤقتة وغير مجدية لتحجيم النفوذ الصيني والروسي والإيراني.

المصدر إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية