شكَّلت حرب المعلومات والدعاية المضادة جزءاً محوريّاً من مشهد الأزمة الأوكرانية الجارية؛ فالأزمة التي امتدَّت لشهور كشفت عن صراع محتدم بين روسيا والولايات المتحدة ومعها القوى الغربية الأخرى حول سردية الأزمة، ومحاولة إعادة صياغة مشهد الأزمة الأوكرانية على النحو الذي يتَّسق مع مصالح ورؤية كل طرف. هذا التنازع حول صياغة رواية الأزمة، استدعى عدداً من الأبعاد الرئيسية، ربما يكون أهمها أنه اعتمد على مجموعة متنوعة من الأدوات، مثل التصريحات الرسمية المتقابلة، وتوظيف وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها أداة في حرب المعلومات ضمن ما يُعرَف بدبلوماسية تويتر Twiplomacy، وكذلك وسائل الإعلام المفتوحة المصدر، مثل التقارير الإعلامية، والخرائط، وصور الأقمار الصناعية؛ للكشف على تطورات الصراع.

واللافت في خضم كل هذه السيولة المعلوماتية، أو الفوضى إن جاز التعبير، أن كل طرف تمكن من تحقيق بعض المكاسب؛ فالتقارير الغربية تتحدث عن أن الولايات المتحدة والدول الغربية تمكنت من إحباط مخططات الغزو الروسي، أو على أقل تقدير تأجيلها، من خلال استراتيجية “مكبر الصوت”، والكشف عن المعلومات الاستخباراتية المتاحة لديها. ولكن من جهة أخرى، حاولت موسكو استخدام التصريحات الرسمية من قادة الغرب، وخاصةً المتعلقة بتحديد مواعيد الغزو الروسي لأوكرانيا، في عمليات الدعاية المضادة وتشويه مصداقية الدول الغربية وحكوماتها.

أدوات التضليل المعلوماتي

أعادت الأزمة الأوكرانية حرب المعلومات information warfare إلى الواجهة مجدداً، وهو المفهوم الذي ظل واحداً من محددات صراع النفوذ بين روسيا والدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة. وبالرغم من أن فكرة التضليل المعلوماتي كانت حاضرة بصورة رئيسية في حرب المعلومات في السنوات الماضية، فإن أزمة أوكرانيا استدعت جانباً آخر متعلقاً بما يمكن وصفه بالصراع الاستخباراتي المعلن، أو ما يطلق عليه البعض استراتيجية مكبر الصوت، التي انطوت على كشف الدول الغربية عن بعض التقارير الاستخباراتية التي من المفترض أن تكون سرية، حول خطط وموعد الهجوم الروسي المزمع على أوكرانيا. وفي سياق كهذا، ارتبطت حرب المعلومات الراهنة بعدد من الأدوات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– صور الأقمار الصناعية: وهي أداة استحوذت على حيز هام في الأزمة الأوكرانية، وخاصةً مع استشهاد عدد من وسائل الإعلام الغربية، ومن المسؤولين، بصور الأقمار الصناعية التي تصدرها عدد من الشركات الخاصة، على غرار شركة Maxar الأمريكية، المتعلقة بتحركات القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا؛ فخلال الأيام الماضية، تم توظيف صور الأقمار الصناعية التي التقطتها الشركة لمعسكر روسي في “ريشيتسا” ببيلاروسيا، بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، يوم 14 فبراير الجاري ومقارنته بصور أخرى تم التقاطها يوم 4 فبراير الجاري؛ من أجل التدليل على أن القوات الروسية بدأت تتحرك من “مناطق السيطرة” إلى “مناطق الانتشار الأمامية” استعداداً للعمل العسكري ضد أوكرانيا. المثير للانتباه أن هذه الصور –بالرغم من الإشكاليات المرتبطة بها واحتمالية عدم دقتها وقصورها في إيضاح كافة الحقائق على الأرض– قدمت مادة خام للمحللين والمعلقين من أجل التماشي مع الرؤية الرسمية السائدة في أغلب الدول الغربية، من أن روسيا بصدد الهجوم العسكري على أوكرانيا.

 2– التحذيرات والبيانات الرسمية: تختلف الأزمة الأوكرانية الحاليَّة عن غيرها من الأزمات السابقة، من حيث اتسامها بدرجة كبيرة من الكثافة في التصريحات والبيانات الرسمية من قبل المسؤولين، في روسيا وأوكرانيا والدول الغربية، بالإضافة إلى إصدار سفارات الدول الغربية في أوكرانيا بيانات تحذر رعاياها وتطالباهم بمغادرة الدولة تحسباً للغزو الروسي. واللافت أن هذه التصريحات والبيانات الرسمية بدت جزءاً من حرب المعلومات بين أطراف الأزمة؛ فكل طرف كان يستخدمها للترويج لسرديته ولتشويه خصمه. والنموذج الأبرز على ذلك، التقديرات الأمريكية الرسمية المعلنة حول موعد الغزو الروسي لأوكرانيا، التي كانت تُقابَل بحالة من الإنكار من قبل المسؤولين الروس، واتهام واشنطن بإدارة حملة تضليل معلوماتي ضد موسكو، ناهيك عن اتهام الدول الغربية بتهديد الأمن الروسي. ولعل هذا ما اتضح في خطاب الرئيس الروسي “بوتين”، يوم 21 فبراير الجاري، حينما ذكر أن “الأجواء الأوكرانية تُستخدَم لخدمة طائرات الاستطلاع التابعة للناتو التي تستهدف القوات الروسية”.

3– تفاعلات التواصل الاجتماعي: قامت وسائل التواصل الاجتماعي بدور رئيسي في حرب المعلومات القائمة، وخصوصاً أنها تعتبر مجالاً هامّاً لتدوير المعلومات دون التحقق منها. ومن ثم، تصبح أداة مهمة لإلقاء المسؤولية المتبادلة على كل طرف. وفي هذا الإطار، تسابق كل طرف إلى نشر الفيديوهات والصور التي تتضمَّن اتهامات مباشرة للطرف الآخر. ويظهر ذلك مثلاً مع مقطع الفيديو الذي انتشر على موقع فيسبوك، في أوائل شهر ديسمبر الماضي، والذي يظهر عملية إطلاق نار على بعض الأشخاص، والذي سرعان ما استخدمته وسائل الإعلام المحسوبة على روسيا وروجت له على أنه يُظهِر جنوداً أوكرانيين يطلقون النار على اللاجئين. وفي مقابل هذا، اعتمدت وسائل التواصل الاجتماعي المُعارِضة لموسكو، على آلية التكثيف والتركيز المعلوماتي والخبري على بعض الحوادث للترويج لخطابها بشأن الأزمة. ولعل هذا ما اتضح مثلاً مع تركيز منصات التواصل على حادث قصف روضة للأطفال في قرية ستانيتسيا لوهانسكا شرق أوكرانيا، يوم 17 فبراير الجاري، واتهام الحكومة الأوكرانية قوات موالية لروسيا بالتورط في الحادث.

4– التحليلات السياسية والإخبارية: لا تنفصل التحليلات السياسية عن حرب المعلومات بين الدول الغربية وروسيا؛ فقد أكسبت الأزمة الأوكرانية الحالية فكرة التحليلات الخاضعة للحسابات والانحيازات السياسية المزيد من الزخم. ومثل هذه التحليلات تعتمد بشكل ما على حجب المعلومات بهدف إعطاء تمثيل زائف لشيء أو شخص أو حدث ما، وكذلك إعادة إنتاج المعلومات – أو ما يطلق عليه “بارتون ويلي” إعادة التعبئة repackaging – وتحويلها عن جوهرها الحقيقي لتكتسب دلالات جديدة تخدم تحيزات وأهدافاً مسبقة.

دلالات الحرب المعلوماتية

تنطوي حرب المعلومات المتعلقة بالأزمة الأوكرانية على عدد من الدلالات الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– تصاعد أهمية الحروب الهجينة: تكشف الأزمة الأوكرانية عن التداخل المستمر بين أدوات الحرب التقليدية وغير التقليدية، وهو النمط الذي راهنت عليه موسكو خلال السنوات الماضية. وليس أدل على ذلك من قيام الجنرال الروسي ورئيس الأركان العامة الروسية “فاليري جيراسيموف” بنشر مقال، في عام 2013، عن التحديات الجديدة وأساليب تنفيذ العمليات القتالية. وكان هذا المقال بمنزلة تأسيس لما يُعرف في الغرب بعقيدة جيراسيموف The Gerasimov doctrine. وهذه العقيدة تنطوي على مجموعة من الأفكار بشأن الأدوات غير التقليدية في الحروب الراهنة، التي تتضمن أدوات مختلفة؛ منها المعلومات، سواء من خلال الفضاء الإعلامي أو الفضاء الإلكتروني، واستهداف نقاط الضعف للخصوم، وتجنب المواجهة العلنية حتى المراحل النهائية للصراع.

2– تفضيل الغرب التكتيكات غير المكلفة: يبدو أن حرب المعلومات القائمة تقدم للدول الغربية خياراً أقل كلفةً في التعاطي مع الأزمة الأوكرانية، وخاصةً أن الولايات المتحدة ودولاً غربية أخرى أوضحت أنها لن تتدخل عسكريّاً في أوكرانيا حال قيام روسيا بغزوها؛ لذا اهتمت وسائل الإعلام الغربية، على غرار الشبكة الإعلامية الألمانية دويتشه فيله، بإضفاء الطابع الإيجابي على الاستراتيجية المعلوماتية للدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، والترويج لفرضية مفادها أن سياسة بايدن ساهمت في إفشال الخطط العسكرية الروسية، وحرمان موسكو من فرصة التحرك المفاجئ. بل إن بعض المنصات الإعلامية الأخرى ذكرت أن الإدارة الأمريكية كانت محقة ودقيقة في تصريحاتها بشأن توقيت الغزو الروسي لأوكرانيا، وأن هذه التصريحات هي التي منعت موسكو من تنفيذ الهجوم العسكري على أوكرانيا.

3– التشكيك الروسي في مصداقية الدول الغربية: استخدمت موسكو والمنصات الإعلامية التابعة لها، الخطابات الرسمية الصادرة من واشنطن، وغيرها من الحكومات الغربية، بصورة معاكسة بهدف إضعاف مصداقية خصومها، وساعدها على ذلك أن واشنطن قدمت في أكثر من مناسبة، وعلى مدار شهري يناير وفبراير 2021، تقديرات بشأن موعد الغزو الروسي لأوكرانيا وهو ما لم يحدث. وفي هذا السياق، حرصت موسكو على السخرية من هذه التقديرات؛ فعلى سبيل المثال كتبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية “ماريا زاخاروفا”، يوم 16 فبراير الجاري، على قناتها في موقع تيليجرام، قائلةً: “طلب موجه إلى وسائل التضليل الإعلامي الأمريكية والبريطانية: بلومبيرج ونيويورك تايمز وذا صن وغيرها، أعلِنُوا الجدول الزمني لغزونا للعام المقبل.. نود أن نخطط لإجازاتنا”.

4– إضعاف العلاقة بين كييف وحلفائها: إذ استحضر التوجه الروسي التشكيك في مبررات الدعم الغربي لأوكرانيا، والترويج لارتباط هذا الدعم بالحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، وهو الأمر الذي استهدف، بشكل أو بآخر، إضعاف العلاقة بين كييف وحلفائها، وإقناع الحكومة الأوكرانية بأن الدول الغربية لا تهتم كثيراً بدعمها أمنيّاً وعسكريّاً. لقد ظهرت هذه الفرضية في الكثير من التحليلات المنشورة على المنصات الموالية لموسكو، على غرار مؤسسة الثقافة الاستراتيجية Strategic Culture Foundation المعروف عنها الارتباط بالمؤسسات الرسمية الروسية؛ فعلى سبيل المثال، نشرت المؤسسة مقالاً للكاتب Martin Jay، بتاريخ 19 فبراير الجاري، وتضمَّن المقال هجوماً على الدول الغربية، وما سماه حملتها وأخبارها الكاذبة التي تنشرها بشأن أوكرانيا، وذكر أن القادة الغربيين مثل “بوريس جونسون” و”جو بايدن”، يستخدمون موضوع الغزو الروسي لأوكرانيا باعتباره إلهاءً إعلاميّاً، ويمكن أن ينقذهم من الإطاحة بهم في صناديق الاقتراع من قِبَل الناخبين في بلدانهم.

 5– تزايد مؤشرات الامتعاض الأوكراني: بالرغم من مراهنة الدول الغربية على حرب المعلومات أداةً لإدارة الأزمة مع روسيا، كان لهذا النهج انعكاسات سلبية تجلَّت ملامحها في طبيعة الرسالة التي وصلت إلى كييف من السلوك الغربي، ودرجة اقتناعها بمدى جدية الدعم الغربي لها. لقد ظهرت مؤشرات التململ الأوكراني من الاستراتيجية المعلوماتية الغربية مع التعليق الساخر الذي كتبه الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي”، يوم 14 فبراير الجاري على فيسبوك، بشأن موعد الغزو الروسي؛ حيث ذكر: “قيل لنا إن 16 فبراير سيكون يوم الهجوم.. نحن سنجعله يوم الوحدة، وتم بالفعل التوقيع على مرسوم بذلك، وفي هذا اليوم سنرفع الأعلام ونضع شرائط زرقاء وصفراء ونظهر للعالم وحدتنا”، كما أشارت تقارير إلى أن الرئيس الأوكراني عبَّر عن استيائه لنائبة الرئيس الأمريكي “كامالا هاريس” أثناء مؤتمر ميونخ للأمن، من تكرار التحذيرات الخطيرة حول الغزو الروسي، وأوضح أن هذا “التكتيك يضر باقتصاد أوكرانيا ويخاطر بإحباط الأوكرانيين”.

6– خلق بيئة مواتية للمصالح الروسية: إذ إن حرب المعلومات تستهدف، في جانب منها، محاولة خلق بيئة متسامحة Permissive environment للمصالح والرؤية الروسية. ولا يتوقف إيجاد مثل هذه البيئة على إدراج المعلومات التضليلية في سلسلة صنع السياسات على سبيل الحصر، لكنه يمكن أن يجرى عبر وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية لإحداث تأثير في آراء وتوجهات الأفراد العاديين، ومن ثم جعلهم أكثر تقبلاً وتسامحاً مع الرواية الروسية الرسمية، وبالتبعية تخفيف حدة المقاومة للسياسات الروسية.  ويتجلى هذا الأمر في تعاطي المنصات الإعلامية الروسية، مثل قناة روسيا اليوم، مع خطاب الرئيس الروسي “بوتين”، يوم 21 فبراير الجاري، الذي انتهى بإعلان استقلال جمهوريتي لوجانسك ودونيتسك عن أوكرانيا. فالقناة اهتمت في تغطيتها للخطاب بتأكيد أنه يعبر عن وقوف موسكو بجانب تطلعات الشعوب ومساعدتها في مواجهة عمليات القمع والاضطهاد من الحكومة الأوكرانية، كما روجت لوجود احتفاء شعبي كبير في لوجانسك ودونتيسك باعتراف روسيا باستقلالهما.

خلاصة القول أن حرب المعلومات ستظل واحدة من الأدوات الرئيسية المستخدمة في الأزمة الأوكرانية؛ لاعتبارات رئيسية أهمها أن روسيا تمتلك خبرة هائلة في هذا المجال، كما أن الدول الغربية يبدو أنها تحافظ على صورتها وتحاول تقليل الانتقادات الموجهة إليها بعدم تقديم الدعم الكافي لكييف من خلال استخدام حرب المعلومات على نطاق واسع بهدف التشويش على خيارات موسكو، والتكريس للسردية الغربية فيما يتعلق الأزمة. علاوة على ذلك، فإن إعلان الرئيس “بوتين”، يوم 21 فبراير الجاري، استقلال جمهوريتي لوجانسك ودونيتسك عن أوكرانيا سيُكسِب حرب المعلومات أبعاداً جديدة توضح حدود التصعيد الممكنة بين أطراف الأزمة.