تحوَّل الاستحواذ على المعادن الأرضية النادرة إلى أحد أبعاد الصراع الأمريكي الصيني، لا سيما ما يتعلق بالحرب التجارية القائمة بين البلدين؛ إذ إن العناصر الأرضية أساسية في تصنيع الهواتف وبعض مكونات السيارات الكهربائية، وشاشات الهواتف الذكية التي تعمل باللمس، وأنظمة الدفاع الصاروخي، في وقت تسيطر فيه بكين على نحو 85% من إنتاج تلك المعادن النادرة التي تتألف من مجموعة من 17 عنصراً ذات قيمة كبيرة؛ بسبب خصائصها المغناطيسية والتوصيلية. وفي ضوء هذا، وافقت الحكومة الصينية على إنشاء واحدة من أكبر شركات المعادن الأرضية النادرة في العالم؛ وذلك بهدف الحفاظ على هيمنتها على سلاسل التوريد العالمية للمعادن الاستراتيجية. وسيُطلق على المجموعة الجديدة اسم “مجموعة الصين للمعادن الأرضية النادرة”، على أن تتمركز في مقاطعة “جيان جشي” الغنية بالموارد في جنوب الصين، كما تزامن ذلك مع إعلان منطقة شمال منغوليا الصينية في 12 ديسمبر 2021 عن زيادة إنتاج المعادن الأرضية النادرة بمقدار خمسة أضعاف بحلول 2025، وبما قيمته نحو 15 مليار دولار أمريكي.

مؤشرات واضحة

قطعت الصين أشواطاً هائلة في سبيل تكريس هيمنتها على سوق المعادن الأرضية النادرة على مدار السنوات الأخيرة. ويمكن تناول أبرز المؤشرات المتعلقة بتحركات الصين نحو تعزيز سيطرتها على مجال المعادن الأرضية النادرة على النحو التالي:

1– تأسيس شركة صينية للمعادن الأرضية النادرة: وافقت الصين على إنشاء واحدة من أكبر شركات المعادن الأرضية النادرة في العالم، بهدف الحفاظ على هيمنتها على سلاسل التوريد العالمية للمعادن الاستراتيجية، في ظل اشتداد التوترات مع الولايات المتحدة. وسيُطلق على المجموعة الجديدة اسم “مجموعة الصين للمعادن الأرضية النادرة”، على أن تتمركز في مقاطعة “جيان جشي” الغنية بالموارد في جنوب الصين.

2– تجنُّب ازدواجية النشاط بين الشركات الصينية: تهدف الصين من إنشاء الكيان، إلى دمج بعض الشركات الحكومية العاملة في قطاع تعدين العناصر الأرضية النادرة، مثل “شركة الصين للمعادن”، و”شركة الألومنيوم الصينية المحدودة”، و”مجموعة جانتشو للمعادن الأرضية النادرة”؛ وذلك لتعزيز قوة التسعير، وتجنُّب الصراع بين الشركات الصينية، واستخدام هذا النفوذ لتقويض الجهود الغربية للسيطرة على التقنيات الحيوية.

3– تفضيل دمج الشركات الصغيرة لتنظيم الإنتاج: كان الانتقاد الأكثر شيوعاً بين المسؤولين الصينيين لقطاع تعدين العناصر الأرضية النادرة، هو أن هذا القطاع يتكون من مؤسسات كثيرة صغيرة متفرقة وغير منظمة؛ لذلك عملت الصين خلال السنوات الماضية على دمج تعدين وإنتاج وتجارة وتصدير العناصر الأرضية النادرة، في إطار عدد أقل من الشركات تُديرها الدولة، مع تحديد حصص للإنتاج والتصدير. وقد قامت الصين، في عام 2014، بدمج شركات المعادن الأرضية النادرة في ستة كيانات، بهدف زيادة الأسعار وتعزيز القوة الاستراتيجية الصينية؛ وذلك عقب حكم منظمة التجارة العالمية لصالح الولايات المتحدة، الذي أكد انتهاك بكين قواعد السياسة التجارية العالمية، من خلال فرض قيود على صادرات عناصر أرضية وكيميائية نادرة، أدت إلى ارتفاع أسعار تلك المعادن.

4– رفع الإنتاج السنوي من العناصر الأرضية النادرة: قامت بكين في أواخر سبتمبر 2021، برفع حصص إنتاجها السنوي من العناصر الأرضية النادرة بنسبة 20% على أساس سنوي، وهو ما يعد أعلى مستوى على الإطلاق، في ظل رغبة بكين في معالجة شح العرض، ونمو الطلب العالمي، وهو ما وُصف بأنه حتمي، خاصةً مع إغلاق ميانمار المجاورة آنذاك حدودها لاحتواء تفشي فيروس كورونا؛ إذ تقوم الأخيرة بتوفير ما يقارب من نصف المواد الخام الثقيلة للمعادن الأرضية النادرة في الصين.

5– ضمان ارتفاع أسعار المعادن الأرضية النادرة: تهدف بكين من سياساتها السابقة إلى ضمان ارتفاع أسعار المعادن الأرضية النادرة استناداً إلى فكرة مفادها أن عدداً أقل من الشركات سيحد من المنافسة المحلية، ويعزز قيم المعادن. وقد نجحت بكين في ذلك؛ حيث لم تعُد أسعار العناصر النادرة إلى المستويات الدنيا التي وصلت إليها في منتصف عام 2011.

تداعيات متعددة

من شأن الاهتمام الصيني المتزايد بالاستحواذ على أكبر قدر ممكن من سوق العناصر الأرضية النادرة؛ أن يعزز مخاوف الغرب من تلك السياسات، وهو ما يعكس بعض التداعيات يمكن تناولها على النحو التالي:

1– تعزيز هيمنة الصين على العناصر الأرضية النادرة: ثمة اختلاف حول درجة هيمنة الصين على صناعة العناصر الأرضية النادرة؛ حيث تشير بعض التقديرات إلى أن الصين تقوم بتعدين أكثر من 70% من العناصر الأرضية النادرة في العالم، كما أنها مسؤولة عن 90% من العملية المعقَّدة لتحويلها إلى مغناطيس، في حين قدَّر تقرير صادر عن البيت الأبيض أن الصين تسيطر على 55% من تعدين العناصر الأرضية النادرة في العالم، و85% من عملية إعادة التنقيب. ورغم اختلاف التقديرات حول نسبة امتلاك الصين للمعادن الأرضية، ونسبة مساهمتها في عملية تعدينها على مستوى العالم، فإن معظم التقديرات، حتى أقلها درجةً، تشير إلى هيمنة صينية على تلك الصناعة بين جميع دول العالم.

2– تصاعد الاهتمام الدولي بالمعادن الأرضية النادرة: انتبهت دول العالم، في السنوات الأخيرة، إلى الاستخدامات المتنوعة للمعادن الأرضية النادرة، وما يمثله امتلاكها وتعدينها من قوة استراتيجية كبيرة؛ لذلك توسع تعدين العناصر الأرضية النادرة في الصين وفي دول أخرى كرَّست حكوماتها جهودها وأموالها لمنافسة الصناعة الصينية.

3– قلق غربي من تحوُّل المعادن إلى سلاح جيوسياسي: بالتوازي مع الجهود الصينية المبذولة لتعزيز مكانة بكين في قطاع تعدين العناصر الأرضية النادرة، فإن ثمة مخاوف متزايدة في الدول الغربية من احتمالات توظيف الصين هيمنتها الصناعية في هذا القطاع كسلاح جيوسياسي، وهو ما عملت الصين من قبل على نفيه بتأكيد أنها ليس لديها نية لاستخدام المعادن الأرضية النادرة كإجراء مضاد ضد أي دولة. لكنها حرصت مع ذلك على التلويح بأن هذا سيبقى خياراً مطروحاً حال إضرار الشركات الأجنبية بمصالح بكين. ولقد كانت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج، عام 2019، إلى مناطق العمليات الرئيسية للمعادن الأرضية النادرة في مقاطعة “جيان جشي”؛ لحظة فارقة لذلك القطاع الصناعي؛ حيث اعتبرتها الحكومات الغربية دليلاً على أن بكين تنظر إلى المعادن النادرة باعتبارها مواد استراتيجية، بل يمكن أن تُقيِّد صادراتها.

4– سعي أمريكي إلى موازنة الهيمنة الصينية القائمة: في إطار المخاوف الغربية من التوظيف الصيني المحتمل لهيمنة بكين على العناصر الأرضية النادرة؛ وقَّعت وزارة الدفاع الأمريكية، في فبراير 2021، اتفاقية استثمار تقني مع شركة “Lynas” الأسترالية، بوصفها أكبر شركة تعدين للعناصر الأرضية النادرة خارج الصين. وبموجب شروط الصفقة، ستنشئ الشركة الأسترالية منشأة لمعالجة وتعدين العناصر الأرضية النادرة الخفيفة في تكساس. كما أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن، أمراً تنفيذياً باعتبار المعادن الأرضية النادرة، واحدة من أربعة مجالات رئيسية تحتاج إلى خيارات سياسية أكثر قوةً؛ للحد من مخاطر سلاسل التوريد. كما أوصت مراجعة للبيت الأبيض نُشرت في يونيو 2021، بالعديد من الخطوات لتوسيع الإنتاج المحلي وقدرة المعالجة، من أجل زيادة مرونة سلاسل توريد العناصر الاستراتيجية والحيوية.

وختاماً، فمن المرجح أن تتزايد وتيرة التنافس على سوق المعادن الأرضية النادرة في المرحلة المقبلة خاصةً في ظل تنامي المخاوف الغربية من لجوء بكين إلى توظيف تلك المعادن في مواجهة الخصوم لاسيما في ظل أهميتها في العديد من الصناعات الحيوية حول العالم، وبما يمكن أن يفتح الباب واسعاً أمام حرب موازية للحرب التجارية المستمرة بين بكين وواشنطن في الوقت الحالي.