كيف أثرت حرب أوكرانيا على نشاط مجموعة “فاجنر”؟

تعتمد روسيا بشكل متزايد على الشركات العسكرية الخاصة في ساحات التدخل الخارجي، وعلى رأسها مجموعة “فاجنر”. وبخلاف الدول الأفريقية التي لعبت تلك المجموعة فيها دوراً بارزاً، فإن معطيات وتطورات الحرب الأوكرانية، فرضت على الكرملين الاستعانة بخدمات الشركات الخاصة، وفي مقدمتها شركة “فاجنر”. وفي الوقت الذي تأمل فيه شركة “فاجنر” ومؤسسها “يفجيني بريجوجين” تحقيق بعض المكاسب من التدخل في الحرب الأوكرانية، وهو ما حدث بالفعل، فإن هناك آثاراً أخرى لهذا التدخل تواجه المجموعة على هيئة تحديات مقابلة لمكاسب الانخراط.

مكاسب مأمولة

تأمل مجموعة “فاجنر” ومؤسسها “يفجيني بريجوجين” تحقيق بعض المكاسب من جراء تدخلها ودعمها الكرملين في الحرب الأوكرانية، ونجحت المجموعة ومؤسسها بالفعل في حصد بعض تلك المكاسب؛ وذلك على النحو التالي:

1- استغلال الخسائر العسكرية الرسمية لدعم مكانة “فاجنر”: كشفت تقارير استخباراتية أمريكية عن انتقاد مؤسس شركة “فاجنر” يفجيني بريجوجين، إدارة وزارة الدفاع الروسية للحرب الأوكرانية، وأنه أخبر بوتين شخصياً أن قادته العسكريين يسيئون إدارة الحرب. ويُظهر ما نشرته بعض التقارير الإعلامية عن انتقاد وتوبيخ “بريجوجين” بشكل قاسٍ الأداء العسكري الروسي، تصاعد نفوذه وموثوقيته لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مقابل اهتزاز الثقة بجنرالات وقيادات القوات المسلحة الروسية في ظل الخسائر التي يعانيها الجيش الروسي في الحرب الأوكرانية.

ورغم نفي مؤسس فاجنر تلك التقارير فإنها إن صحت تشير إلى الدور المتصاعد لشركة فاجنر في المنظومة العسكرية الروسية، وأن الحرب الأوكرانية تمنحها فرصة تطوير وضعها ومكانتها، وتطرح احتمالات تطور نفوذ المجموعات شبه العسكرية وقياداتها مقابل الجيش الرسمي وقياداته؛ ما دفع البعض إلى اعتبار أن الأوضاع الحالية في موسكو تشير إلى صعود دور الميليشيات الخاصة والقوات شبه النظامية، وأن تعثُّر الجيش الروسي يعطي مزيداً من المساحة للميليشيات والشركات العسكرية الخاصة.

2- استفادة “بريجوجين” من تصاعُد مكانته العسكرية مقابل قادة الجيش: فيما تذكر بعض التقارير أن بريجوجين لا يحظى بشعبية كبيرة بين قادة الجيش الروسي، فإن ثمة أصواتاً منتقدة للأداء العسكري الرسمي في الحرب الأوكرانية، طرحت أهمية تغيير القيادات العسكرية الحالية، ومنها ما يطرح اسم “يفجيني بريجوجين” بديلاً لوزير الدفاع الروسي الحالي سيرجي شويجو، وهو ما يتوافق مع الانتقادات التي نسبتها وسائل إعلام لبريجوجين تجاه القيادات العسكرية الرسمية، ومحاولات مؤسس فاجنر إثبات تميز وكفاءة قواته العسكرية بالمقارنة بالقوات المسلحة الرسمية في الحرب الأوكرانية؛ ففي ظل احتمالات أن تُطيح الحرب الأوكرانية، على ضوء الخسائر الروسية، بالمزيد من القيادات العسكرية، فإن من الممكن أن يفكر “يفجيني بريجوجين” في تحقيق أقصى استفادة ممكنة من تلك التغيرات مستغلاً في ذلك دوره في الحرب الأوكرانية، وقربه الشخصي من الرئيس بوتين.

ومن المعروف أن “بريجوجين” مدعوم من الكرملين، ومن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأنه اكتسب خلال السنوات الماضية صلاحيات واسعة داخل الكرملين، جعلته – وفق ما تذكر تقارير إعلامية – في وضع مقارب أو مكافئ لوزراء المؤسسات السيادية، كالخارجية والدفاع، في ظل قربه الشديد من الرئيس الروسي، وفي ظل الدور المهم الذي تلعبه “فاجنر” في الحرب الأوكرانية.

وهو ما أكده رجل الأعمال الروسي ميخائيل خودروفسكي أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، في نوفمبر الماضي، حينما قال إن بريجوجين أصبح يتمتع بالقدر نفسه من الوصول إلى الرئيس بوتين، الذي يتمتع به وزير الخارجية سيرجي لافروف، ووزير الدفاع سيرجي شويجو، موضحاً أن مؤسس فاجنر كان وراء تعيين الجنرال سيرجي سوروفكين لقيادة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا؛ ما يؤكد تصاعد نفوذ ومكانة بريجوجين داخل أوساط النخبة الروسية، بالشكل الذي يمكنه من التأثير في القرارات السياسية والعسكرية، كما حصل أيضاً على وسام “بطل الاتحاد الروسي” تقديراً لدور مجموعته المتنامي في الحرب، وهو أعلى وسام روسي.

3- الضغط من أجل زيادة التمويل الروسي للشركة: فيما تذكر تقارير إعلامية أن رجل الأعمال الروسي، يفجيني بريجوجين، يعتمد على مصادر تمويل متعددة؛ منها الخارجي ومنها المرتبط بعلاقته مع الكرملين، مثل عقد قيمته مليار دولار تقريباً نظير توفير الطعام للدولة الروسية، وتمويل من طبقة الأوليجاركية الروسية الغنية المرتبطة بالرئيس الروسي، فضلاً عن الأموال التي تجنيها شركته من أنشطتها في الدول التي تنشط بها مثل استخراج المعادن في أفريقيا. فإن بريجوجين يأمل أن تساهم الحرب الأوكرانية في زيادة مصادر تمويل مجموعته تحت ستار دعم الجهود الروسية في الحرب الأوكرانية.

وفي هذا الإطار، سبق أن انتقد “يفجيني بريجوجين” نقص وغياب دعم طبقة الأوليجاركية والأثرياء للحرب الروسية في أوكرانيا وقال: “يجب عليهم أن يدركوا أنه في وقت ما سيضطرون إلى التخلي عن كل ما يملكونه؛ أي عن العالم المليء بالمغريات من مطاعم ومنتجعات ومنازل قضاء العطلات وحمامات السباحة”، وكذلك انتقد الدور التمويلي لوزارة الدفاع الروسي تجاه “فاجنر”؛ حيث تشير تقارير الاستخبارات الأمريكية إلى أن بريجوجين استنكر أن وزارة الدفاع الروسية، رغم اعتمادها بشكل كبير على مجموعة “فاجنر”، لا تمنحها الأموال والموارد الكافية لإنجاز مهامها في الحرب الأوكرانية، وأنه اشتكى من نقص الطعام والإمدادات لمقاتلي مجموعته؛ للضغط على الكرملين ووزارة الدفاع الروسية من أجل زيادة التمويل الممنوح له.

4- زيادة فرص لعب دور بديل للجيش مع الدول الأخرى: مقابل الضغوط التي تمارسها الدول الغربية على الدول التي تمتلك علاقات تعاون عسكري مع روسيا، خاصة عقب الحرب الأوكرانية، فإن شركة “فاجنر” كانت تأمل أن تُمثل بديلاً أقل رسمية للدول التي تميل إلى استمرار علاقاتها العسكرية والأمنية مع روسيا، مع تجنب العقوبات الغربية الأمريكية والغربية في الوقت نفسه؛ بحيث تلعب فاجنر دوراً بديلاً للدعم العسكري والتدريبي الذي يقدمه الجيش الروسي لبعض الدول، إلا أن هذا الخيار ربما يواجه بعض العقبات في ضوء أن انخراط “فاجنر” في الحرب الأوكرانية وارتباطها بالكرملين يضعها تحت طائلة العقوبات والانتقادات؛ ما قد يتسبب في مخاوف أخرى للدول التي تفكر في التعامل معها.

5- اكتساب المزيد من الحضور شبه الرسمي داخل روسيا: لا تمتلك الشركات العسكرية الخاصة في روسيا صيغاً قانونية رسمية، ولسنوات لم يكن ثمة إعلان لارتباط “فاجنر” رسمياً بالحكومة الروسية، فيما تكتسب “فاجنر” قدرتها على العمل العلني بفضل علاقتها المباشرة والقوية بالكرملين، وبالرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل خاص. وتراهن شركة “فاجنر” على أن تمنحها الحاجة الحكومية إلى جهودها في الحرب الأوكرانية مزيداً من الحضور شبه الرسمي والمعترف به في روسيا.

ومن مظاهر هذا الحضور اعتراف يفجيني بريجوجين، بشكل معلن، في سبتمبر الماضي، بتأسيسه هذه المجموعة السرية للدفاع عن المصالح الروسية، وظهور مجموعة فاجنر للمرة الأولى للعلن رسمياً، في نوفمبر الماضي، عبر افتتاحها أول مقر لها في مدينة سانت بطرسبرج الروسية بمناسبة “يوم الوحدة الوطنية الروسية” من أجل “توفير بيئة مريحة لتوليد أفكار جديدة بغية تحسين القدرة الدفاعية لروسيا”، على حد وصف بريجوجين في بيان افتتاح المقر.

تكلفة مقابلة

على الجانب الآخر من المكاسب التي تحققها أو تسعى “فاجنر” إلى تحقيقها من انخراطها في الحرب الأوكرانية، فإن ثمة تكلفة مقابلة تدفعها المجموعة من انخراطها في الحرب؛ حيث فرضت الحرب الأوكرانية عليها عدداً من التحديات، منها:

1- اضطرار “فاجنر “إلى سحب بعض قواتها من الدول الأخرى: مع استمرار الحرب الأوكرانية وطول أمدها، فإن روسيا تحتاج إلى المزيد من القوات للانخراط في الحرب ومواجهة القوات الأوكرانية، وهو ما قد يضطر شركة “فاجنر” إلى سحب بعض قواتها من الدول الأخرى التي تنخرط فيها من أجل تلبية الطلب المتزايد على مقاتليها في الساحة الأوكرانية. وبالفعل يشير المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن إلى أن “فاجنر” سحبت أكثر من ألف مرتزق من مناطق عملياتها في أفريقيا للانضمام إلى ساحة المعركة في أوكرانيا، وهو ما أكده أيضاً الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند، في يوليو الماضي، عندما قال إن فاجنر سحبت المرتزقة من أفريقيا لدعم العمليات في أوكرانيا.

2- فرض مزيد من العقوبات على “فاجنر” ومؤسسها: سبق أن وقعت حكومات غربية عقوبات على يفجيني بريجوجين مؤسس شركة “فاجنر”، بسبب أنشطة مجموعته، ومنها العقوبات الأمريكية التي وقعتها وزارة الخزانة عليه عدة مرات على خلفية اتهامات تتعلق بالتدخل في الانتخابات الأمريكية، وعمليات التضليل، والأزمة الأوكرانية. ورغم أن تلك العقوبات لم تغير من دور “فاجنر” الداعم للكرملين، فإن استمرار وتزايد انخراط المجموعة في الحرب الأوكرانية يعرضها هي ومؤسسها لمزيد من العقوبات، فيما تدرس الإدارة الأمريكية تصنيف مجموعة “فاجنر” منظمة إرهابية أجنبية.

3- خفض معايير تجنيد مقاتلي مجموعة “فاجنر” الجدد: تحت وطأة الحاجة المتزايدة إلى مزيد من المقاتلين الداعمين لروسيا في الحرب الأوكرانية، تشير العديد من التقارير إلى خفض مجموعة “فاجنر” معايير تجنيد المقاتلين الجدد لتلبية الطلب المتزايد بفعل استمرار الحرب الأوكرانية، وتعويض الخسائر البشرية للحرب. ومن ذلك لجوء “فاجنر” إلى تجنيد مدانين في السجون الروسية بعضهم مدانون بجرائم قتل واغتصاب وتطرف وإرهاب، ويتم إرسالهم إلى الصفوف الأمامية، على نحو ما تذكر تقارير غربية.

وبطبيعة الحال فإن خفض معايير التجنيد والتوظيف يؤثر على الفاعلية التشغيلية لشركة “فاجنر” في أوكرانيا، وعلى كفاءة مقالتيها في الحرب. وقد يؤدي ضم مقاتلين محدودي الخبرة إلى إضعاف قوة المجموعة وسمعتها القتالية. وتشير تقديرات بريطانية إلى انخفاض أعداد المدانين في السجون الروسية بأكثر من 23000 سجين، فيما تشير تقديرات أخرى إلى انضمام أكثر من 10 آلاف سجين إلى مقاتلي “فاجنر”، وأن مؤسس فاجنر وعدهم بتقاضي رواتب وتخفيف العقوبات بعد انخراطهم في الحرب الأوكرانية لمدة 6 شهور، مع دفع تعويضات لعائلات القتلى في المعركة؛ وذلك بعد أن كان معظم مقاتلي “فاجنر” من الجنود السابقين ذوي الخبرة، والمؤهلين الذين تلقوا تدريبات عسكرية.

4- تهديد الخسائر في أوكرانيا سمعة “فاجنر” العسكرية: كما هو الحال مع الجيش الروسي، فإن شركة “فاجنر” ليست بعيدة عن الخسائر التي تتلقاها القوات الروسية في الحرب الأوكرانية، والتراجع الميداني الذي تواجهه موسكو بين الحين والآخر مقابل تقدم القوات الأوكرانية، بالشكل الذي يفقدها بعض المناطق التي سبق أن سيطرت عليها القوات الروسية. وقد أشار تقرير لوزارة الدفاع البريطانية حول أوكرانيا، إلى تكبُّد “فاجنر” خسائر فادحة شرق أوكرانيا؛ ما انعكس على تراجع روحها المعنوية، مع قصف المدفعية الأوكرانية، في أغسطس الماضي، مقر “فاجنر” في بوباسنا، كما أجبر الجيش الأوكراني مقاتلي “فاجنر” على الخروج من مواقع استراتيجية مثل مدينة ليمان.

وتؤثر خسائر “فاجنر” في الحرب الأوكرانية على سمعتها القتالية؛ ما دفع بعض الخبراء الأمنيين الغربيين إلى الحديث عن تهديد الحرب الأوكرانية وخسائر “فاجنر” مستقبل المجموعة وسمعتها العسكرية والطلب عليها من الدول الأخرى، فيما تدفع تقديرات مقابلة بأن أداء “فاجنر” في أوكرانيا لن يقوض عمل المجموعة كأداة للسياسة الخارجية، باعتبار أنها تتمتع بأداء أفضل في مهام وعمليات أخرى غير الحرب الأوكرانية.

5- اتهام مقاتلي المجموعة بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب: في حين أن أحد تفسيرات إقدام الحكومات على توظيف الشركات العسكرية الخاصة في حروبها هو عدم تحمل مسؤولية الانتهاكات وجرائم الحرب؛ فإن مجموعة “فاجنر” تواجه بالفعل اتهامات بارتكاب انتهاكات وجرائم حرب في الحرب الأوكرانية كما واجهتها من قبل في أفريقيا؛ حيث اتهمت برلين مقاتلي “فاجنر” بالتورط في “مذبحة بوتشا” أواخر مارس الماضي، واتهم الادعاء الأوكراني ثلاثة مرتزقة من مجموعة فاجنر بارتكاب جرائم حرب في قرية موتيزين في أبريل الماضي، واتهمت كييف المجموعة أيضاً بقتل مدنيين في مايو الماضي، فضلاً عن أن تجنيد “فاجنر” السجناء والمدانين يزيد المخاوف والاتهامات بارتكاب جرائم الحرب التي تشمل القتل والتعذيب.

ختاماً، دفعت الانتقادات المتزايدة لأداء القوات المسلحة الروسية، إلى تزايد الاعتماد على الشركات الخاصة في الحرب الأوكرانية، خاصةً أن أداء الجيش الروسي الرسمي في الحرب لم يحقق للكرملين أهدافه الأولية بالاستيلاء على كييف وإنهاء العملية العسكرية الروسية في وقت صغير. وكما استفادت مجموعة “فاجنر” ومؤسسها “يفجيني بريجوجين” من تلبية حاجة الكرملين إلى دورها في الحرب الأوكرانية، فإن هذا الدور لا يخلو من بعض التحديات التي تواجهها المجموعة الروسية الخاصة. ويأمل “بريجوجين” مع انتهاء الحرب الأوكرانية، أن يحظى أداء مقاتليه برضا الكرملين، وأن تفوق المكاسب التي يحققها من تلك الحرب، التحديات التي يواجهها والخسائر التي يتكبدها.


mohamed basyoni – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

vote/تقييم

SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى