محمد عبدالرحمن عريف

    البدايات تأتي مع ليلة باردة من ليالي شتاء عام 1946 عندما تحرك سبعة أشخاص في الظلام الدامس في منطقة مصر القديمة بالقاهرة، تجاه منزل في حي الصليبة بجوار سبيل أم عباس، أحد الأسبلة التاريخية الشهيرة في تلك المنطقة. صعد السبعة إلى الطابق الأول من المنزل، ونقر أحدهم على الباب نقرة خاصة، وسأل: الحاج موجود؟ كانت تلك الطَرَقَات وذلك السؤال بمثابة كلمة سر انفتح على إثرها الباب، ليدلف السبعة إثر ذلك إلى حجرة ذات ضوء خافت مفروشة بالحصير، فيها مكتب موضوع على الأرض ليست له أرجل.

    برفقة أحد الأشخاص، دخل ضيوف المنزل الغامض، واحدًا بعد الآخر، إلى حجرة مظلمة تمامًا، يجلس فيها رجل مغطى من قمة رأسه إلى أخمص قدميه بملاءة. بعد أن غاب كل واحد منهم لبرهة في تلك الحجرة؛ عاد الضيوف إلى الحجرة الأولى ذات الضوء الخافت ليجدوا أمامهم شخصًا عرَّفهم بنفسه، وعرَّف الضيوف أنفسهم له، وكانوا حسب الأقدمية في كشوف الجيش المصري:  -النقيب عبد المنعم عبد الرءوف، من الكتيبة الثالثة مشاة. -النقيب جمال عبد الناصر حسين، من الكتيبة الثالثة بنادق مشاة. -الملازم أول كمال الدين حسين، من سلاح المدفعية. -الملازم أول سعد حسن توفيق. -الملازم أول خالد محيي الدين، من سلاح الفرسان. -الملازم أول حسين محمد أحمد حمودة، من الكتيبة الثالثة بنادق مشاة. -الملازم أول صلاح الدين خليفة، من سلاح الفرسان.

أوراق النشأة.. كيف تشكلت نواة التنظيم الأولى؟

     في مذكراته التي صدرت عام 1988 تحت عنوان: «أرغمت فاروق على التنازل عن العرش»، يقول عبد المنعم عبد الرءوف: “استطعت في شهر أكتوبر عام 1942 أن أدعو ضابطًا من الكتيبة الثالثة لحضور درس الثلاثاء بدار المركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، وهو النقيب جمال عبد الناصر حسين، ثم أتبعته بضابط ثانٍ وهو الملازم أول حسين أحمد حمودة الذي نقل على قوة الكتيبة، ثم دعوت ضابطًا ثالثًا هو الملازم كمال الدين حسين من سلاح المدفعية، وكان منزله قريبًا من منزلي بحي السيدة زينب، وكثيرًا ما تجاذبنا أطراف الحديث أثناء ركوبنا (الترام) صباحًا متوجهين إلى وحدتنا. ثم دعا الملازم أول حسين أحمد حمودة ضابطين؛ أولهما، شقيق زوجته الملازم أول سعد توفيق من سلاح الإشارة، وثانيهما، الملازم أول صلاح الدين خليفة زميلًا له من سلاح الفرسان هو الملازم أول خالد محيي الدين، واكتمل عددنا سبعة عام 1944، وواظبنا على اللقاء أسبوعيًّا في بيت هذا مرة، وفي منزل ذاك مرة أخرى، وهكذا، ولم يتغيب الصاغ محمود لبيب عن هذه اللقاءات إلا نادرًا. -يستكمل عبد الرءوف شهادته عن تلك الفترة ويقول: كانت أحاديثنا في هذه اللقاءات تتناول ضعف عتاد الجيش وتصرفات الملك فاروق الخليعة، وحوادث الصهاينة المتصاعدة ضد الفلسطينيين، وتكالب الأحزاب على الحكم، وكيفية تقوية خلايانا داخل صفوف الجيش، واتفقنا على دفع اشتراك شهري قدره خمسين قرشًا، وتكوين مكتبة إسلامية للضباط الإخوان، وكانت أمانة الصندوق طرف الصاغ محمود لبيب، وكان المسئول عن المكتبة الملازم أول حسين حمودة، وكنا كلما حل مساء الثلاثاء التقينا لنستمع إلى رأي الإخوان المسلمين في مشكلات الساعة داخليًّا وخارجيًّا، أو نستمع إلى محاضرة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية”.

    يؤكد صحة ما ورد خلال شهادة عبد الرءوف تطابقها مع رواية حسين حمودة، العضو السابق بتنظيم الضباط الأحرار، في مذكراته التي نشرت عام 1985 تحت عنوان «أسرار حركة الضباط الأحرار والإخوان المسلمين» التي يكشف فيها كيف نشأت الصلة بين أعضاء النواة الأولى لتنظيم «الضباط الأحرار» خلال لقاء بمنزل عبد المنعم عبد الرءوف بالسيدة زينب في مطلع عام 1944.

     يقول حسين حمودة في مذكراته: “تكررت اجتماعاتنا مرة كل أسبوع في منزل عبد المنعم عبد الرءوف بالسيدة زينب، وفي منزل جمال عبد الناصر في منطقة تقاطع شارع أحمد سعيد بشارع رمسيس (الملكة نازلي سابقًا)، وفي بيت خالد محيي الدين بشارع الخليج المصري بالحلمية، وفي بيتي بحمامات القبة. وتكررت اجتماعاتنا الأسبوعية، لم تنقطع أبدًا طيلة سنوات (1944-1945 -1946 -1947-1948)، وانقطعت اجتماعاتنا اعتبارًا من مايو سنة 1948 بسبب حرب فلسطين”.

     يروي حسين حمودة تفاصيل ما جرى خلال تلك الفترة قائلًا: “ظلت هذه الخلية تعمل سرًّا طيلة أربع سنوات وأربعة أشهر بدءًا من عام 1944 حتى 15 مايو 1948، لضم أكبر عدد ممكن من الضباط إلى صفوف هذا التنظيم السري، واتسع نطاق هذا التنظيم وتكونت خلايا جديدة فرعية منبثقة من الخلية الرئيسية، فشكل كل فرد من أفراد الخلية الرئيسية خلية فرعية، وكل خلية فرعية لا تزيد على سبعة أفراد، على ألا يخطر أي واحد منا الآخرين بأسماء المنضمين معه في هذه الخلايا السرية مراعاة لأمن الحركة.

الانتماء المزدوج: ضباط في الجيش وفي التنظيم الخاص للإخوان

   يروي خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة، والزعيم التاريخي لحزب التجمع اليساري، في مذكراته التي صدرت خلال عام 1992 تحت عنوان «الآن أتكلم»، ويقول “اتصل بنا صلاح خليفة وأخذنا أنا وجمال عبد الناصر إلى بيت قديم في حي الدرب الأحمر باتجاه السيدة زينب، وهناك قابلنا عبد الرحمن السندي المسئول الأول للجهاز السري للإخوان في ذلك الحين، وأدخلونا إلى غرفة مظلمة تمامًا واستمعنا إلى صوت أعتقد أنه صوت صالح عشماوي ووضع يدنا على مصحف ومسدس، ورددنا خلف هذا الصوت يمين الطاعة للمرشد العام في المنشط والمكره، وأعلنا بيعتنا التامة الكاملة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله”.

    وفق ما جاء في مذكرات حسين حمودة، قام الأخير وكمال الدين حسين وخالد محيي الدين بعد ذلك بترجمة كتاب عن حرب العصابات من اللغة الإنجليزية، وكانت حلقات الترجمة تعقد يوميًا في منزل حمودة بحمامات القبة بعد صلاة العصر، وبعد الانتهاء من الترجمة قام جمال عبد الناصر الذي أرسلت إليه نسخة من تلك الترجمة، بطباعتها في الكلية الحربية، التي كان يعمل مدرسًا بها، وسلمت تلك النسخ في الأخير إلى عبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري المدني للإخوان المسلمين، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جادة اشترك فيها حمودة وعبد الناصر لتدريب شباب جماعة الإخوان المسلمين على استخدام الأسلحة والقنابل اليدوية والنسف بأصابع الجيلجنيت في صحراء حلوان وجبل المقطم، وفي محافظة الشرقية ومحافظة الإسماعيلية أيضًا”.

    في مذكراته «النقط فوق الحروف»؛ يشرح أحمد عادل كمال القيادي السابق بالنظام الخاص لجماعة الإخوان المسلمين، الموقع التنظيمي لضباط الجيش في تلك المرحلة داخل ذلك النظام قائلًا: “ولادة التنظيم: «الضباط الأحرار» إلى النور كان قسم الوحدات الذي كان يرأسه ضابط البوليس صلاح شادي قد اختص بنشر الدعوة بين ضباط البوليس وعساكرهم وبين جنود وصف ضباط الجيش… أما ضباط الجيش من الإخوان فكانوا شعبة من النظام الخاص”.

   يروي حسين حمودة “في عام 1949 قبل وفاة محمود لبيب وكان قد دهمه المرض، زرته وأنا في إجازة ميدان فوجدت عنده جمال عبد الناصر ببيته بحي الضاهر، وكانت حالة محمود لبيب الصحية متأخرة، وكان راقدًا في فراشه، ولكنه كان رحمه الله صافي الذهن، وقال محمود لبيب إني سأموت ولن أعيش طويلًا وسأكتب الآن مذكرة بأسماء الضباط الذين يشملهم التنظيم السري والمبالغ المتبقية لدي من الاشتراكات وسأسلمها لجمال عبد الناصر. وهو ما جرى بالفعل في تلك الليلة، حيث لم يغادر عبد الناصر منزل لبيب إلا ومعه الورقة بالأسماء، وكذلك نقود الاشتراكات”، كما يذكر حمودة.

    يقول حسين حمودة إنه “على إثر قيام حرب فلسطين سنة 1948، توقف نشاط التنظيم السري للضباط، واستشهد عدد منهم في الحرب، ويذكر حمودة أن جمال عبد الناصر فاتحه في أوائل عام 1950 في إعادة تكوين التنظيم السري للضباط، وذكر له أنه سيتكون من عناصر التنظيم السري السابق للإخوان المسلمين في القوات المسلحة، الذين أخذ أسماءهم كاملة من محمود لبيب قبل وفاته، ومن عناصر أخرى من غير المتدينين بشرط أن تتوافر في الضابط صفة الشجاعة وكتمان السر. في السياق ذاته”.

      يروي أحمد عادل كمال في مذكراته.. كيف بدأ الخلاف في وجهات النظر يدب بين عبد الناصر وزملائه الضباط في النظام الخاص، الذين عرضوا الخلاف بينهم على عبد الرحمن السندي، المحبوس وقتئذ على ذمة قضية السيارة الجيب، والمقيم في مستشفى قصر العيني، بسبب إصابته بروماتيزم في القلب، مما كان يسهل من عملية زيارته، ويقول: “وفي يوم زاره جمال وعبد المنعم وأبو المكارم عبد الحي وكمال الدين حسين، وبينهم خلاف في الرأي كبير، جمال يقول: «إن منهج الإخوان طريق طويل ولا يوصل إلى شيء، فما جدوى أن نجمع الضباط في مجموعات لحفظ القرآن والحديث ودراسة السيرة… إلخ، وما ضرنا لو انضم إلينا ضابط وطني من غير دين الإسلام، أنرفضه لذلك فنحرم جهده معنا؟» وكان عبد المنعم يناقض جمال فيما ذهب إليه، فنحن إخوان ومسلمون ونعمل لهذه الدعوة ونستهدف قيام دولة مسلمة، ويتعين علينا ألا نزيغ عن أهدافنا ولا أن ننصرف عن التفقه في ديننا، وكان كمال الدين حسين من وجهة نظر عبد الناصر، كما كان أبو المكارم عبد الحي من وجهة نظر عبد المنعم عبد الرءوف”.

     في سياق متصل يروي حمودة أن جمال عبد الناصر قال له إنه «بموت حسن البنا ومحمود لبيب انقطعت صلة الإخوان بضباط الجيش، وإنه يرى لدواعي الأمن قطع الصلة بعبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري المدني للإخوان، وبخاصة بعد الحديث الذي دار بين جمال عبد الناصر وإبراهيم عبد الهادي رئيس الوزراء بشأن قيام عبد الناصر وبعض رفاقه من الضباط بتدريب شباب الإخوان المسلمين على استعمال الأسلحة قبل حرب فلسطين، فوافقته على عدم الاتصال بالسندي ضمانًا لأمن تنظيم الضباط». بعد نقاش دار بين حمودة وعبد الناصر حول الشروط الواجب توفرها في الضباط الذين سيتم ضمهم للتشكيل الجديد، واختلافهم في الرأي حول تلك النقطة، يذكر حمودة أن جمال عبد الناصر قال له إنه اتفق مع محمود لبيب قبل وفاته على أن يكون اسم التنظيم الجديد «الضباط الأحرار» حتى يتم إبعاد الشبهة عن جماعة الإخوان المسلمين، في حال انكشف أمرهم، وأن التنظيم الجديد لن يتم على أساس المعرفة والصداقة كالتنظيم السابق الذي بدأه محمود لبيب، بل سيتماشى طبقًا لتنظيم الجيش، بحيث يتم تشكيل خلية من خلايا الضباط الأحرار، داخل كل كتيبة أو وحدة من وحدات الجيش. وهنا بدأت مرحلة جديدة من التحضيرات للحدث الكبير الذي جرى في 23 يوليو/ تموز من عام 1952 بمشاركة وتنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين، الحركة السياسية الوحيدة في مصر التي علمت به قبل وقوعه، وهذه بحد ذاتها حكاية أخرى تستحق أن تروى.

حادث 4 فبراير سنة 1942

    يقول حمودة “وقع في عام 1942 حادث هزني من الأعماق، ذلك هو حادث 4 فبراير سنة 1942. يوم أن حاصر الإنجليز قصر الملك فاروق بعابدين بالدبابات وأرغموه على تعيين مصطفى النحاس رئيس حزب الوفد رئيساً لمجلس الوزراء. فشعرت يومها بالذلة والمهانة وأيقنت أنه لا كرامة لملك ولا لشعب بلده محتل وامتلأ قلبي بالكراهية للإنجليز. وكان سبب محاصرة الإنجليز لقصر فاروق يرجع إلى هزيمة القوات البريطانية في الصحراء الغربية أمام القوات الألمانية بقيادة الفيلد مارشال رومل. وقد انتهز المصريون فرصة هزيمة القوات البريطانية أمام الجيوش الألمانية فقامت مظاهرات شعبية ضخمة في مدن مصر تنادي بسقوط انجلتره وترحب بقدوم الألمان وكانت الهتافات «أقدم، أقدم يارومل». وكان مصطفى النحاس خليفة سعد زغلول بطل ثورة 1919 وكان النحاس يتمتع بأغلبية شعبية بين المصريين وكانت سياسة القصر الملكي في مصر تعادي حزب الوفد الذي يرأسه مصطفى النحاس رغم تمتع حزب الوفد بأغلبية شعبية كبيرة في مصر. واعتمد القصر على أحزاب الأقلية في حكم مصر والتي كانت تلجأ إلى تزوير الانتخابات للحصول على أغلبية مزيفة في مجلس النواب. فطلب الإنجليز من الملك فاروق أني عهد لمصطفى النحاس بتأليف الوزارة حتى يأمنوا جانب الشعب المصري أثناء حربهم مع الألمان. فلما رفض الملك فاروق طلب الإنجليز حاصروا قصره بالدبابات وسلموه إنذاراً مكتوباً يتضمن إما تعيين النحاس في منصب رئيس الوزراء أو يتنازل عن العرش”.

    جمع الملك زعماء مصر للتشاور في أمر الإنذار البريطاني واتفق الزعماء على قبول الإنذار البريطاني وأن يتولى مصطفى النحاس وزارة قومية من جميع الأحزاب. فرفض النحاس وأصر على تشكيل وزارة وفدية. وهنا اتهم أحمد ماهر رئيس الحزب السعدي النحاس بالخيانة العظمى لقبوله الحكم على أسنة رماح الإنجليز. ولكن الملك فاروق نفى هذا الكلام وقال الملك لقد رجوت النحاس باشا أن يقبل الحكم وقبل بإلحاح مني إنقاذا للعرش. وكنت عند وقوع حادث 4 فبراير 1942 مريضاً بالمستشفى العسكري العام بكوبري القبة وكان في جناح المستشفى الذي كنت فيه في ذلك الوقت غرفة عليها حرس مكون من ضابط وأربعة جنود وبداخل الغرفة يرقد الفريق أركان الحرب عزيز علي المصري باشا رئيس هيئة أركان حرب الجيش المصري السابق.

التنظيم السري للإخوان المسلمين بين ضباط القوات المسلحة

   اقتنعت تماماً بالفكر الإسلامي كما تلقيته عن الأستاذ الإمام الشهيد حسن البنا. وصممت على العمل مع جماعة الإخوان المسلمين لتحقيق أهدافها في إحياء مجد الإسلام وتحرير أرضه من الاستعمار وتطبيق شرع الله في مصر وسائر بلاد العالم الإسلامي حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الله معناها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فاتفقنا نحن الأربعة الأستاذ الإمام الشهيد حسن البنا والصاغ محمود لبيب وعبد المنعم عبد الرؤوف وكاتب هذه السطور على نشر هذا الفكر الإسلامي بين ضباط القوات المسلحة المصرية. وسألت حسن البنا هل تعرفون أحداً من ضباط الجيش غيري أنا وعبد المنعم عبد الرؤوف يمكن أن نتعاون معه في هذا السبيل؟. فقال حسن البنا نعرف ضابطاً اسمه صلاح خليفة.

  التقيت بصلاح خليفة فوجدت أني أعرفه، فصلاح خليفة كان زميلًا لي أثناء دراستي الثانوية بمدرسة الأمير فاروق الثانوية بروض الفرج. فكرت في طريقة نشر الدعوة في الجيش، وكان يقطن بجواري بحمامات القبة ضابط ملازم أول من دفعتي اسمه سعد حسن توفيق فكلمته في الموضوع فوافقني على الفكرة. ثم التقيت مع عبد المنعم عبد الرؤوف وصلاح خليفة فقلت لهما إني تحادثت مع ضابط من دفعتي اسمه سعد حسن توفيق فقال صلاح خليفة إنه تحادث مع ضابط من سلاح الفرسان اسمه خالد محي الدين. وقال عبد المنعم عبد الرؤوف لقد تحدثت مع ضابطين هما اليوزباشي جمال عبد الناصر حسين والملازم أول كمال الدين حسين وسنلتقي جميعاً في منزلي يوم الجمعة القادم بعد صلاة المغرب.

   التقينا بمنزل عبد المنعم عبد الرؤوف بالسيدة زينب في مطلع عام 1944 وكان عددنا سبعة ضباط هم حسب الأقدمية في كشف الجيش المصري وقت ذاك. التقينا نحن السبعة وحضر اجتماعنا الصاغ محمود لبيب وكيل جماعة الإخوان المسلمين وتكررت اجتماعاتنا مرة كل أسبوع في منزل عبد المنعم عبد الرؤوف بالسيدة زينب وفي منزل جمال عبد الناصر في منطقة تقاطع شارع أحمد سعيد بشارع رمسيس (الملكة نازلي سابقاً) وفي بيت كمال الدين حسين بالسيدة زينب وفي بيت خالد محي الدين بشارع الخليج المصري بالحلمية ثم بمنيل الروضة وفي بيتي بحمامات القبة.

العمل السري لمدة أربع سنوات وأربعة أشهر

    كانت الخلية الرئيسية في تنظيم الإخوان المسلمين داخل القوات المسلحة مكونة من سبعة ضباط هم عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر وكمال الدين حسين وسعد توفيق وخالد محي الدين وحسين حمودة وصلاح خليفة. وظلت هذه الخلية تعمل سراً طيلة أربع سنوات وأربعة أشهر بدءاً من عام 1944 حتى 15مايو 1948 لضم أكبر عدد ممكن من الضباط إلى صفوف هذا التنظيم السري. واتسع نطاق هذا التنظيم وتكونت خلايا جديدة فرعية منبثقة من الخلية الرئيسية فشكل كل فرد من أفراد الخلية الرئيسية خلية فرعية وكل خلية فرعية لا تزيد عن سبعة أفراد على ألا يخطر أي واحد منا الآخرين بأسماء المنضمين معه في هذه الخلايا السرية مراعاة لأمن الحركة.

   كنا نحن الضباط السبعة في حالة غليان شديد ضد االإنجليز فطلبنا من محمود لبيب ضرورة العمل على تنظيم شباب الإخوان في خلايا سرية وتدريبهم على استعمال الأسلحة وأن نشرف على تنظيم حرب عصابات مسلحة للقتال ضد قوات الاحتلال. فقال الصاغ محمود لبيب «إذا أردتم أن تعملوا معنا في هذا المجال فلا يد من أخذ العهد وحلف اليمين وفقاً للأسلوب المتبع في جماعة الإخوان المسلمين».

تدريب شباب الإخوان المسلمين

   قمت أنا وكمال الدين حسين وخالد محي الدين بترجمة كتاب عن حرب العصابات من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية وكنا نقعد حلقات الترجمة يومياً في منزلي بحمامات القبة بعد صلاة العصر. وبعد أن فرغنا من الترجمة أعطيتها لجمال عبد الناصر الذي قام بطبعها في مطبعة الكلية الحربية حيث كان يعمل مدرساً بها. وبعد الطبع أرسل جمال عبد الناصر النسخ المطبوعة إلي في منزلي بحمامات القبة مع أحد ضباط صف الكلية الحربية وكان هذا الأخير محل ثقة جمال عبد الناصر. وسلمت بدوري جميع نسخ كتاب حرب العصابات بعد ترجمتها إلى العربية لعبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري المدني للإخوان المسلمين. وقد قام عبد الرحمن السندي بتوزيع نسخ هذا الكتاب بمعرفته على أفراد التنظيم السري المدني التابع له.

   بدأنا بعد ذلك مرحلة جادة في تدريب شباب الإخوان المسلمين. وكانت التدريبات تتم في صحراء حلوان وجبل المقطم وفي محافظة الشرقية ومحافظة الإسماعيلية وقد اشترك جمال عبد الناصر معي في تدريب شباب الإخوان المسلمين عامي 1946، 1947 وكان التدريب يتم على الأسلحة الصغيرة مثل الطبنجات والبنادق والرشاشات القصيرة والقنابل اليدوية وأساليب النسف والتدمير بأصابع الجيلجنيت وأسلوب استخدام زجاجات المولوتوف ضد دبابات العدو. والتدريب كان يتم لرؤساء الخلايا وهم يدربون الأفراد التابعين لهم بدورهم وذلك لأن معرفة أفراد التنظيم بالكامل لأي شخص غير مطلوبة للأمن السري.

حوادث العصابات المسلحة ضد قوات الاحتلال

   شهدت مدن مصر والقاهرة والإسكندرية ومدن قناة السويس خلال عامي 1946، 1947 حرب عصابات مسلحة ضد قوات الاحتلال البريطاني. وكان القائمون بهذا الكفاح المسلح ضد المحتلين شباب التنظيم السري المدني لجماعة الإخوان المسلمين برئاسة عبد الرحمن السندي بعد أن قام عبد المنعم عبد الرؤوف وجمال عبد الناصر حسين وكاتب هذه السطور وبقية الزملاء من الضباط بتدريب هؤلاء الشبان على استعمال الأسلحة بأسلوب حرب العصابات (اضرب وأهرب).

محنة الإخوان المسلمون سنة 1954 و1965

   بعد عودتي من الولايات المتحدة في نهاية ديسمبر سنة 1953 عينت في وظيفة أركان حرب اللواء السابع المشاة بالعباسية. وفي يوم 14/ 1/ 1954 نشرت صحف القاهرة بياناً صادراً من مجلس قيادة الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال حسن الهضيبي مرشد الجماعة وبعض أعضاء الجماعة وأودعوا السجن الحربي. وفي مساء يوم الجمعة 15/ 1/ 1954 كنت في ميدان الأوبرا حيث التقيت بالدكتور غراب والصاغ خليل نور الدين فجلسنا بعض الوقت في كازينو أوبرا نتجاذب أطراف الحديث. وعند انصرافنا تقابل خليل نور الدين مع شخص يعرفه يتردي الملابس المدنية فعرفنا به وهو الصاغ أحمد سبل. وقال له خليل نور الدين تعال معنا نوصلك في طريق عودتنا إلى منازلنا؛ فركبنا نحن الأربعة الدكتور غراب وأنا وخليل نور الدين وأحمد سبل عربة الدكتور غراب. فعرفت من أحمد سبل أنه نجل اللواء عبد الواحد سبل، فقلت له إني أعرف والدك وهو رجل معروف في الجيش بتدينه الشديد. وأثناء سير السيارة قال أحمد سبل: ما رأيكم في قرار مجلس الثورة بحل جماعة الإخوان المسلمين؟ فقلت له الموضوع غريب وبخاصة اتهام مجلس الثورة الإخوان بأنهم اتصلوا بالإنجليز من خلف ظهر مجلس قيادة الثورة، وقلت أنا سأستفسر عن هذا الموضوع من جمال عبد الناصر لأعرف تفاصيل الموضوع. فقال أحمد سبل «الموضوع واضح ولا يحتاج إلى استفسار فمجلس الثورة يريد الاستبداد بحكم البلاد واحنا لو سكتنا فما حدش هيقدر عليهم بعد كده» ثم قال «أنا عندي 12 ضابط إخوان مسلمين في آلاي مدفعية واحد وهم ثائرون جداً لحل الإخوان وعايزين يعملوا حاجة إيجابية، فإذا كنت يا خليل تعرف حد من ضباط الإخوان في المشاة أو المدرعات تبقى قوة كافيه هتقدر تعمل حاجة تخلص مصر من هذا الطغيان. فقلت له لا داعي لمثل هذا الكلام ولا داعي لإثارة المشاعر وعلينا التزام الهدوء حتى تتضح الأمور لأن جو الإثارة والانفعال ليس في مصلحة البلاد. وانصرف كل منا إلى منزله.

   في صباح 18/ 1/ 1954 اتصل بي تليفونيا في مكتبي برئاسة اللواء السابع المشاة بالعباسية الصاغ أركان حرب صلاح نصر مدير مكتب اللواء عبد الحكيم عامر قائد عام القوات المسلحة وطلب مني الحضور لمبنى القيادة العامة لمقابلة القائد العام للقوات المسلحة. فذهبت العلماء الفور وصعدت إلى مكتبه فاستقبلني صلاح نصر وأدخلني غرفة القائد العام. فوجدت جمال عبد الناصر جالساً على مكتب عبد الحكيم عامر ولم يكن عبد الحكيم عامر موجوداً في مكتبه. فسألني جمال عبد الناصر عن مدى صلتي الآن بالإخوان المسلمين فقلت له إن صلتي بالإخوان المسلمين أنت تعرفها جيداً ولا تعدو الصلة التي كانت تربطني وتربطك بهم منذ عام 1943 حتى 15 مايو 1948 وهو تاريخ دخول الجيش المصري حرب فلسطين حيث انقطعت صلتي بالإخوان. واشتركت معك سنة 1950 في تنظيم الضباط الأحرار كما هو معلوم لديك جيداً. ولما نقلت مدرسا بالكلية الحربية في 19/ 11/ 1950 انتظمت في نواة الضباط الأحرار بالكلية الحربية كما اتفقت على ذلك معك واشتركت في تنفيذ الثورة ليلة 23/ 7/ 1952 بتجهيز معتقل الكلية الحربية كما هو معلوم لك. وأنت تعلم جيداً أني لا أعرف أحداً من الإخوان المسلمين غير المرحوم حسن البنا والمرحوم محمود لبيب وعبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري المدني لجماعة الإخوان المسلمين. أما القيادة الجديدة للإخوان فلا أعرف حسن الهضيبي ولا أعرف أحداً من أعضاء مكتب الإرشاد ولا أي شخص في جماعة الإخوان المسلمين على الإطلاق. ولقد قطعت صلتي بعبد الرحمن السندي بناء على نصيحتك لي في سنة 1950 بعد أن أعلمك إبراهيم عبد الهادي رئيس وزراء مصر بأنك كنت مع آخرين من الضباط تدربون الجهاز السري للإخوان المسلمين.

    فقال جمال عبد الناصر «أنا لا أسألك عن هذا ولكن أسأل عن مدى صلتك الآن بعبد المنعم عبد الرؤوف فقلت له «أنت تعلم أن عبد المنعم عبد الرؤوف هو الذي أدخلني تنظيم الإخوان العسكري وهو الذي أدخلك هذا التنظيم سنة 1943 وتعلم المجهود الذي قام به المرحوم محمود لبيب في تكون التنظيم السري لضباط القوات المسلحة في الفترة من سنة 1943 حتى 15 مايو سنة 1948. فقال أنا أعرف ذلك ولكني أريد أن أعرف صلتك ب عبد المنعم عبد الرؤوف بعد الثورة.

   ثم سأل جمال عبد الناصر ما مدى صلتك بأبي المكارم عبد الحي فقلت له البكباشي أركان الحرب أبو المكارم عبد الحي من خيرة ضبا الجيش وكان زميلا لي في التدريس في الكلية الحربية وهو من الضباط الإخوان الممتازين. ثم سألته ماذا تقصد من هذه الأسئلة؟ ولماذا قمت بحل الإخوان؟ وهل ما زلت عند اتفاقك الذي عاهدنا الله عليه قبل الثورة في أن الحكم سيكون بكتاب الله عز وجل إن وفقنا الله في الاستيلاء على السلطة في الدولة. فقال جمال عبد الناصر من جهة الحكم بالقرآن أنا أحكم به من الآن ولكن خطوة خطوة حتى يطيق الناس لأن في البلد أجانب ومسلمين فاسقين والأمر يحتاج إلى ترو وسياسية. فقلت له وما سبب حل الإخوان؟. فقال: لأنهم عصاة. فقلت له وما مظاهر عصيانهم؟. قال جمال عبد الناصر أنا طلبت من حسن الهضيبي حاجات رفضها. فقلت له وما هي هذه الطلبات التي رفضها حسن الهضيبي؟ فقال عبد الناصر «طلبت منهم الانضمام لهيئة التحرير فرفضوا» فقلت له هم أحرار طالما لا يأتون أعمالًا من شأنها الإضرار بالصالح العام. فقال عبد الناصر: لا ليسوا أحرارًا، أنا عايز البلد تنتظم كلها في هيئة سياسية واحدة تمشي وراء أهداف الثورة وبذلك نستطيع تحقيق أهداف الثورة بسرعة وبلا منازعات أو اختلاف في الرأي، أنا عايز البلد كلها على رأي وفكر واحد هو فكر الثورة. فقلت لعبد الناصر ولكنك في قرار حل الإخوان اتهمتهم بالخيانة لاتصالهم بالإنجليز. فقال جمال اتصالهم بالإنجليز كان بعلمي وبالاتفاق معي ولكني أؤدبهم حتى يخضعوا لإرادتي ونعرف نمشي بالبلد ولا يبقاش في مصر سلطتين أنا عايز سلطة واحدة بس.

إلى المعتقل للمرة الأولى في عهد عبد الناصر

   اعتقلت للمرة الأولى في حياتي وللمرة الأولى في عهد جمال عبد الناصر يوم 18 يناير سنة 1954. ورحلت بواسطة الشرطة العسكرية من مكتب جمال عبد الناصر إلى مقر الشرطة العسكرية بباب الحديد حيث وضعت في زنزانة تحت الأرض ثم نقلت يوم 1/ 2/ 1954 إلى سجن الأجانب بباب الحديد. فوجدت في سجن الأجانب بعض ضباط الجيش المسجونين في قضية رشاد مهنا وأذكر منهم مصطفى راغب محمد ومحسن عبد الخالق ووجدت بعض الضباط المعتقلين لكونهم من الإخوان المسلمين أذكر منهم البكباشي عبد المنعم عبد الرؤوف والبكباشي أبو المكارم عبد الحي والصاغ معروف الحضري والصاغ جمال ربيع. وكان يوجد معنا في سجن الأجانب في ذلك الوقت الأستاذ فؤاد سراج الدين.

    في 23 فبراير 1954 جاءتنا أنباء ونحن في السجن أن مجلس قيادة الثورة قبل استقالة اللواء محمد نجيب، وقد كان لاستقالة محمد نجيب رد فعل عنيف في الجيش والشعب. وانقسم الجيش إلى فريقين فريق يؤيد محمد نجيب وتزعم هذا الفريق ضباط من سلاح المدرعات وفريق آخر يؤيد عبد الناصر من سلاحي المدفعية والمشاة. وكاد هذا النزاع يؤدي إلى حرب أهلية تقتتل فيها قوات مصر المسلحة. ولكن جمال عبد الناصر استجاب للفريق المؤيد لمحمد نجيب نظراً لاندلاع المظاهرات الشعبية من أسوان للإسكندرية تطالب بعودة نجيب وتبين لعبد الناصر أن نجيب يتمتع بشعبية كبيرة في مصر والسودان حيث قامت مظاهرات مماثلة في السودان الشقيق تطالب أيضًا بعودة نجيب.

   قبل عبد الناصر إعادة محمد نجيب إلى رئاسة الجمهورية يوم 27/ 2/ 1954 وذلك حتى يملك الوقت الكافي لتهدئة الجو وخداع الضباط الذين أيدوا محمد نجيب ثم ينقض عليهم ويعتقلهم بعد أن يطمئنوا ويتركوا وحداتهم المعتصمين فيها ويذهبوا إلى بيوتهم. وبذلك يستطيع عبد الناصر أن يحقق حلمه في الانفراد بالسلطة.

   ما إن علمت جموع الشعوب المصري يوم 28/ 2/ 1954 بعودة محمد نجيب حتى عمت المظاهرات الشعبية جميع مدن مصر وكنت أرى من شباك الزنزانة بسجن الأجانب بباب الحديد جموع المتظاهرين التي ملأت الشوارع وهي تهتف لمحمد نجيب وللحرية والديمقراطية وكان شعب مصر بحسه المرهف يتوجس خيفة من أن تنحرف ثورة 23 يوليو 52 إلى ديكتاتورية عسكرية تحل محل طغيان فاروق.

    لقد نجحت المظاهرات الشعبية واعتصام ضابط المدرعات في ثكناتهم في تثبيت النصر الذي أحرزه محمد نجيب مؤقتًا. ولذا بدا للشعب المصري أن محمد نجيب قد عاد للسلطة وأنه سيجمع كافة السلطات في يده ولكنهم نسوا أمراً هاما جداً. وذلك الأمر الهام هو أن جمال عبد الناصر كان هو الشخص الوحيد من ضباط الجيش الذي أشرف على تنظيم الضباط الأحرار بعد حرب فلسطين سنة 1948 وكان يعرف الضباط الأحرار كلهم تقريباً واحداً واحداً.

   استطاع عبد الناصر أن يأخذ موافقة مجلس الثورة على تعيين عبد الحكيم عامر قائدا عاماً للقوات المسلحة وكان عبد الحكيم عامر هو صديق العمر بالنسبة ل جمال عبد الناصر فاختاره من بين جميع الضباط الأحرار لقيادة القوات المسلحة لأنه موضع ثقته وإن لم يكن أكفأ الضباط الأحرار لتولي هذا المنصب الخطير وقام عبد الناصر وعبد الحكيم عامر بتوزيع أعوانهما على وحدات الجيش المقاتلة ليضمنا السيطرة على القوات المسلحة. ولما هال جمال عبد الناصر شعبية نجيب عند شعب مصر وعند شعب السودان حاول استمالة الإخوان إليه. فقرر يوم 25 مارس 1954 الإفراج عن حسن الهضيبي وجميع المعتقلين من الإخوان المسلمين. وقد زار جمال عبد الناصر حسن الهضيبي في منزله بمنيل الروضة مهنئا بالإفراج عنه في نفس يوم الإفراج. وأعلن عبد الناصر زوال كل أثر لقرار حل الجماعة الصادر في يناير 1954 (والذي اتهمهم فيه القرار بغير حق بالخيانة والاتصال بالإنجليز من خلف ظهر الثورة).

    في يوم 29/ 3/ 1954 سمعنا حركة غير عادية في سجن الأجانب حوالي الساعة 9 مساء ووجدت محمد أحمد سكرتير عبد الناصر يحضر ومعه بعض الضباط المقبوض عليهم تحت حراسة البوليس الحربي وكان عددهم يزيد على 25 ضابطًا ولما نظرت فيهم وجدتهم جميعا من ضباط المدرعات. الذين أيدوا محمد نجيب في فبراير سنة 1954 وأذكر منهم البوزباشي أحمد علي حسن المصري.

التعذيب والقتل في سجون عبد الناصر

   هنا تقشعر الأبدان لذكرى تلك الشنائع التي كان أعوان جمال عبد الناصر يوقعونها على الأبرياء من الإخوان المسلمين مما سوف يسجله التاريخ في صفحات الوحشية التي لا يسبق لها مثيل في صحيفة من صحائف المظالم من يوم أن خلق الله الإنسان. فكم من نفوس قتلت ورجال صلبت وجسوم مثل بها وهي على قيد الحياة وبالنسبة لشخصي فقد نالني من هذا العذاب الكثير والذي لا يحتمله بشر ففي صباح يوم 20 /11 / 1954 استدعيت لمكتب حمزة البسيوني قائد السجن الحربي ووجدته في مكتبه ومعه اليوزباشي شمس بدران مدير مكتب عبد الحكيم عامر. وكان بالغرفة اثنان من الجنود بأيديهم الكرابيج السودانية. وما إن رآني شمس بدران حتى بادرني بسيل من الشتائم القذرة التي لا تصدر إلا من أحط الناس خلقا وأعرقهم في الإجرام والخسة والنذالة. فقلت له عيب يا شمس، فقال بتقول أيه يا ابن…. وانهال على ضربًا بيده القذرة الملوثة بدماء الشرفاء والأبرياء ثم أمر من كان بالغرفة من الجنود أن يذهبوا بي إلى غرفة التعذيب فجذبني أحد الجنود من ملابسي فمزقها ودفعني خارج الغرفة وانهال هو وزميله على ضربًا بالكرباج ثم اقتادوني إلى زنزانة في سجن (4) وعلقت كما تعلق الذبائح على صلبة من الحديد رأسي إلى أسفل وقدماي إلى أعلى من ثنى الركبتين وربطوني بالحبال وانهال على الجنود بالكرابيج السودانية على كل جسدي: على الصدر والظهر والبطن والأرجل والوجه والرأس حتى تعب الجنود من كثرة الضرب فأنزلوني من فوق التعليقة بعد أن فقدت الوعي وظن الجلادون أني فارقت الحياة فألقوا على جداول مياه باردة فأفقت بعض الشيء وشعرت بقشعريرة شديدة من البرد ثم نقلوني على نقالة إلى زنزانتي بمعتقل (2) وأنا بين الحياة والموت. وسمعت أحد الجنود يقول سيبوه ابن…. هنا لحد الصبح وإن مات ندفنه جنب المعتقل اللي دفناه أمبارح بعد ما مات من التعذيب.

   في اليوم التالي 21/ 11/ 1954 جاءني اليوزباشي علي شفيق صفوت مساعد شمس بدران وفتح باب الزنزانة فلم أستطع الوقوف من شدة الإعياء وكنت لم أتناول طعامًا منذ 19/ 11/ 1954 فما كان من الجندي المرافق لعلي شفيق صفوت إلا أن قال قوم يا بن… فلم أستطع الوقوف فركلني الجندي بقدمه وأوقفني بالقوة وأمسك بي ليسندني حتى لا أقع على الأرض وانهال علي شفيق صفوت ضربًا بالبوكس على وجهي عدة ضربات فسالت الدماء من أسناني التي كسرت نتيجة هذه الضربات وظل علي شفيق صفوت يضربني بالبوكس حتى تعب فأمسك الكرباج من الجندي المرافق له وظل يضربني على جسدي حتى وقعت على الأرض من شدة الألم حتى فقدت الوعي تمامًا ورحت في غيبوبة تامة. وقد شاهد عملية تعذيبي الأخ جمال إسماعيل (ضابط شرطه) والأخ جمال ربيع (ضابط جيش) حيث كانا يشاركانني الإقامة في الزنزانة.

  كان السجن الحربي قد امتلأ بالمعتقلين من الإخوان وحشر واحشرا في الزنزانات حتى امتلأت ففتحت الحكومة معتقلات أخرى في القلعة وغيره أو كان لحمزة البسيوني هواية عجيبة هي الإشراف على طوابير التعذيب الجماعية للمعتقلين السياسيين وكانت هذه الطوابير تجرى في فترتين من 7- 8 صباحًا ومن 4-5 مساء وكان الطابور يبدأ بإدارة أسطوانة لأم كلثوم تذاع بواسطة ميكرفون هي أسطوانة يا جمال يا مثال الوطنية. ويجمع المعتقلون جميعًا في فناء السجن الحربي وينتظمون في طابور ويصدر لهم الأمر بالجري بالخطوة السريعة داخل فناء السجن لمدة ساعة وتنهال عليهم كرابيج الحراس وكان بعض المعتقلين مرضى بالقلب أو من كبار السن الذين لا يستطيعون الجري فينهال عليهم ضربًا بالكرابيج حتى مات عدد كبير منهم أما أعين باقي المعتقلين فتحضر عربة تنقل إليها الجثث وتخرج أمام أعيننا لتدفن في الصحراء.

    في يوم 22/ 11/ 1954 استدعيت لمكتب حمزة البسيوني فوجدت على شفيق صفوت الذي قال لي المطلوب منك أن تشهد ضد اللواء محمد نجيب وتذكر أنه كان يتعاون مع حسن الهضيبي ضد جمال عبد الناصر ومجلس الثورة. فقلت له: أنا لا أعرف محمد نجيب ولم أقابله في حياتي مطلقًا ولا أعرف حسن الهضيبي فيردا على علي شفيق صفوت ويقول: أنا كل بنشتم من تحت رأسك فقلت له مين اللي بيشتمك قال جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر فقلت «ليه» قال بيقولوا أنت خايب مش عارف تمضيه على ورقة يقول فيها إن محمد نجيب هو اللى بيحرض الإخوان ضد مجلس قيادة الثورة فقلت له يا علي أنا لا أعرف محمد نجيب ولا حسن الهضيبي فيعتدي على علي شفيق صفوت بالضرب بالبوكس والكرباج حتى يتعب ثم يمشى.

   هكذا ظل التعذيب يتكرر يوميًا بواسطة علي شفيق صفوت حتى تورمت قدماي من الضرب وصار لون جسدي كله كلونه الكبدة تمام وفي يوم طلبوني لمكتب حمزة البسيوني فوجدت هناك علي صبري وصلاح الدسوقي الششتاوي وما إن رآني صلاح الدسوقي الششتاوي حتى بادرني بسيل من الشتائم القذرة فنهره علي صبري وقال له اسكت يا صالح وجاب كرسي وأجلسني وأرسل في استدعاء طبيب السجن وطلب منه أن يغير على الجروح التي أحدثها الضرب. وبعد أن انتهي الطبيب من عمله أخذني علي صبري خارج المكتب وقال : الريس عبد الناصر عارف أن موقفك سليم ومفيش حاجة عليك بس عايزك تروح المحكمة تشهد إن محمد نجيب هو المحرض للإخوان ضد عبد الناصر ومجلس الثورة فقلت له أنا متألم جدا من التعذيب وجسدي كله بينشر وقد لا أستطيع السير ولا الذهاب إلى المحكمة فأمر حمزة البسيوني بالكف عن تعذيبي وتركي أستريح يومين قبل الذهاب للمحكمة وفعلًا رفع عني التعذيب لمدة ثلاثة أيام ثم ذهبت تحت حراسة مشددة لمجلس الثورة بالجزيرة وأدخلت إلى حجرة فوجدت فيها زكريا محيي الدين وزير الداخلية فقلت له: يا أفندم ده فيه تعذيب في السجن الحربي وضرب وإهانة شديدة للمعتقلين وفيه ناس ماتت من التعذيب فابتسم زكريا محيى الدين وقال: وماله يا سيدي لما تنضرب.

     لما جاء ميعاد الشهادة صممت على أن أقول للناس كلمة للتاريخ قبل أن يقتلني هؤلاء السفاحون فوقفت أمام المحكمة وكانت برئاسة جمال سالم وقلت: المعلومات التي أعرفها أن اللواء محمد نجيب مطرشق من أعضاء مجلس الثورة بسبب الحكم الديكتاتوري في البلاد وأن الإخوان المسلمين والوفديين وسائر الأحزاب السياسية وكل شعب مصر يطالب بالحرية والحكم الديمقراطي ويرفض الديكتاتورية العسكرية رفضًا باتا. وشعب مصر ليس له سوى مطلب واحد هو الحرية والحكم النيابي السليم.

   عدت للسجن الحربي فوجدت حمزة البسيوني في انتظاري فقال: إيه اللي قلته في المحكمة دة، لقد جاءت أوامر من عبد الناصر شخصيًا بضربك علقة جامدة على كده ولأمر لا أعرفه جاء أحد الجنود وأخبره بشيء فخرج من مكتبه مسرعًا وقال للحارس وديه الزنزانة فذهبت مع الجندي إلى الزنزانة ولم أخرج منها إلا إلى المحاكمة.

مهزلة المحاكمة

    شكل مجلس الثورة ثلاث دوائر لمحكمة الشعب كل أعضائها من العسكريين لمحاكمة الإخوان المسلمين وحوكمت أمام دائرة محكمة الشعب يرأسها ضابط طيار لا أعرف اسمه وكان الاتهام الذي قدمت به إلى المحكمة وقدم على أساسه أكثر من ألف إنسان من الإخوان هو «أتى أفعالًا نظام الحكم الحاضر وذلك باشتراكه في تنظيم سرى مسلح». والعجيب أن هذه التهمة كانت باطلة بطلانًا تامًا لسبب بسيط وهو أن التنظيم السري المدني للإخوان كله كان يؤيد جمال عبد الناصر ضد حسن الهضيبي ولم يعتقل عبد الرحمن السندي رئيس التنظيم السري للإخوان عام 1954 وكان أعوان عبد الرحمن السندي كلهم خارج السجون في عهد عبد الناصر. وكان رئيس المحكمة يسأل المتهم (الضحية) إن كان مذنبًا أو غير مذنب فيرد المتهم بأنه غير مذنب فيأمره بالانصراف وفي اليوم التالي يأتون بالمتهمين الذين مثلوا بالأمس أمام المحكمة ليسمعوا الحكم عليهم بالشنق أو الإعدام رميًا بالرصاص أو السجن المؤبد أو المؤقت.

   لقد حكمت محكمة الشعب على حوالي 1000 شخص من الإخوان المسلمين منهم ستة بالشنق. وقد واجهوا الموت بشجاعة وقالوا وهم معلقون على حبل المشنقة «نشكر الله لأننا نموت شهداء» وتحدثت صحف العالم كله عن شجاعة هؤلاء الذين اقتحموا الموت بهذه البطولة النادرة ولم تكتب صحف مصر حرفًا واحدًا عما قاله هؤلاء الأبطال وهم على حبل المشنقة وأما الشهيد القاضي عبد القادر عودة فقد قال وهو على حبل المشنقة بعد أن حمد الله الذي رزقه الشهادة «اللهم أجعل دمي لعنة على رجال الثورة ».

   لقد حاولت تقصى الحقائق في موضوع الشروع في قتل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية سنة 1954 فما وجدت أحد من المحكوم عليهم والذين كانوا معي في السجن له يد في جريمة الشروع في قتل عبد الناصر من قريب أو بعيد مما يغلب على الظن أن الحادث كان مدبرًا بإحكام وبتخطيط جيد لدفع جمال عبد الناصر للانقضاض على جماعة الإخوان المسلمين والفتك بهم على هذه الصورة الوحشية وتبين لي أن محكمة الشعب التي شكلها مجلس الثورة لم تكن تستهدف عدلًا ولا يعنيها أن تجري إنصافًا أو تتحرى الحقيقة وإنما قصدها توقيع أحكام معينة لتصفية جماعة الإخوان تصفية نهائية فهي أشبه بمذبحة القلعة التي نفذها محمد على ضد المماليك.

ليمان طره

    في 17 يناير 1955 رحلت إلى ليمان طره مع عدد كبير من الإخوان المسلمين لم أكن أعرف منهم أحدًا من قبل ولما دخلنا ليمان طره أجبرنا على ارتداء زى المساجين الأزرق ووضعت في أرجلنا السلاسل الحديدية ووضعنا في عنبر خاص بالإخوان المسلمين وكلفتنا إدارة الليمان بتنفيذ عقوبة الأشغال الشاقة بالذهاب يوميًا إلى الجبل في طابور يضم ما لا يقل عن ألفين من المسجونين في ملابسهم الزرقاء يتقدمهم مأمور الجبل على صهوة جواده شاهرًا سيفه ويحيط بالطابور مائة جندي مسلحون بالبنادق من طراز لي انفلد الإنجليزية الصنع مركبًا بها السونكيات وكان الإخوان المسلمون من المسجونين السياسيين في مقدمة الطابور يليهم المجرمون من المسجونين العاديين من القتلة واللصوص ومهربي المخدرات وهاتكي الأعراض وكان نزلاء طره قبل 23 يوليو 1952 من المجرمين العاديين وبعد حركة 23 يوليو 1952 انضم إلى نزلاء ذلك الليمان علماء الأزهر الشريف وأساتذة الجامعات والوزراء السابقون وضباط الجيش والشرطة ورجال القضاء والمحامون والمهندسون والأطباء والصحفيون ورجال الفكر وطلال الجامعات والعمال والفلاحون وكنا نعمل في قطع الأحجار في جبل طره (9ساعات يوميًا) تبدأ من الساعة السابعة صباحًا حتى الساعة الرابعة بعد الظهر. ويحيط الجنود بمنطقة العمل بالجبل شاهرين أسلحتهم والبنادق معمرة وجاهزة لإطلاق النار على المساجين لإفنائهم لدى ظهور أي بادرة من بوادر التمرد أو الامتناع عن العمل، فينهال الرصاص على الجميع فيقتل من يقتل ويصاب من يصاب ولا دية له. وهذا هو نظام الليمان منذ أن أنشأة الإنجليز عند احتلاهم مصر سنة 1882.

   حدث ذات يوم ونحن نعمل في تقطيع وحمل الأحجار لوضعها في عربات السكة الحديد أن جاء اللواء محرم عثمان مدير عام مصلحة السجون ومحرم عثمان كان ضابطًا بالجيش المصري ونقلته الثورة بعد 23 يوليو إلى مصلحة السجون. وكنت أعرفه فقابلته في الجبل وتحدثت معه وقلت له هل يجوز أن يكلف المسجون السياسي بقطع الأحجار وحملها على هذا النحو المهين فابدي الرجل أسفه وقال إنها تعليمات وزارة الداخلية ولا أملك سوى تنفيذها.

تأميم قناة السويس

استمعنا لخطاب جمال عبد الناصر يوم 26/ 7/ 1956 والذي أذاعته محطة القاهرة على الهواء مباشرة وفوجئنا بإعلان جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. وكان تأميم قناة السويس حلما يراود شعب مصر وعملًا جريئًا قام به عبد الناصر وهو عمل وطني مائة في المائة. وعلى أثر هذا القرار التاريخي قررت إرسال برقية لعبد الناصر أعلن تأييدي له في هذه الخطوة الوطنية المباركة. فتشاورت مع فؤاد جاسر وجمال ربيع فوافقا معي على إرسال البرقية وطلبا قبل إرسالها أخذ رأي كبار الإخوان من أعضاء مكتب الإرشاد الموجودين معنا في السجن وحبذا إصدار بيان من الإخوان بتأييد جمال عبد الناصر في هذا الموقف الوطني الجريء. فتناقشنا مع أعضاء مكتب الإرشاد في موضوع تأميم القناة وحبذنا إصدار بيان من الإخوان لتأييد الحكومة في موقفها فكان رد أعضاء مكتب الإرشاد أن تأميم القناة عمل وطني وجرئ لاشك فيه ولكن إرسال برقية تأييد ونحن مسجونون قد يفسرها عبد الناصر على أنها نفاق أو ضعف لاستجداء الإفراج عنا ولكن الوضع يختلف لو كنا أحرارا خارج السجون.

   لم يأخذ برأي مكتب الإرشاد الدكتور خميس حميدة وكل الجماعة وأصدر بيانًا قرأه على الإخوان الموجودين في السجن أيد فيه الحكومة في موقفها الوطني من تأميم القناة. وقال إن فقهاء المسلمين أفتوا بأن الحاكم الظالم لو دعا المسلمين إلى الجهاد معه لرد أعداء الله وجب على المسلمين أن يجاهدوا أعداء الله معه ورفض باقي أعضاء مكتب الإرشاد فكرة تأييد الحكومة وهم داخل السجن وقالوا إن هذا التأييد ذلة لا يرضونها لأنفسهم ولقد رأى كثير من شباب الإخوان أن تأييد حكومة عبد الناصر في موقفها الوطني لا غبار عليه من الوجهة الشرعية وقالوا نحن ننسى التعذيب الوحشي والمحاكمات الظالمة وآلام السجن والنفي في سبيل مصر التي تتعرض الآن لخطر العدوان عليها من الدول الاستعمارية.

   يبقى في النهاية أنه عندما نعيد التأمل في الروايات والشهادات التاريخية عن تلك المرحلة، سنكتشف أن الأمر كان أعمق وأعقد من ذلك بكثير، حيث كان تنظيم «الضباط الأحرار» على خلاف عديد التصورات التاريخية السائدة عنه تنظيمًا منبثقًا من رحم جماعة الإخوان المسلمين، حرفيًّا، وبكل ما تحمله العبارة من دلالة، حيث بدأت نواة التنظيم الفعلية كأحد أسر جماعة الإخوان المسلمين السرية داخل الجيش المصري، والتي كنت تلتقي أسبوعيًّا بشكل سري في بيوت أحد أعضائها، برعاية ومتابعة مستمرة من الصاغ محمود لبيب وكيل جماعة الإخوان المسلمين للشئون العسكرية آنذاك. لكن النهايات لا تأتي دئمًا كما تم التخطيط لها.