الدكتور/ صالح بن عبد العزيز العقيل

       الحمد لله الذي أعطي كل ذي حق حقه، وأنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة.

       والصلاة والسلام على من ختم بشريعته ونبوته الشرائع والنبوة، فكانت شريعته أكمل الشرائع، وأبقاها إلى قيام الساعة، فلا مصلحة إلا واعتبرتها، ولا مفسدة إلا وألغتها، فكانت مناسبة للناس أجمعين، فلا خير إلا سبقت إلى شرعه، ولا شر إلا وحذرت منه.

       (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ).

       فعاش الإنسان في رعايتها وحفظها له في ضرورياته وحاجياته وما كان من المحاسن والمكارم.

       حفظت له دينه، ونفسه ونسله، وعرضه، وماله، وعقله، ودعت إلى ما يكمل المحافظة على هذه الأمور الضرورية من أمر حاجي، أو تحسيني.

       حفظته في ضرورياته وحاجياته وتحسينياته بما يحقق وجودها، وحفظته بما يدرأ عنها الخلل الواقع أو المتوقع.

       فكان هذا الإنسان هو مناط التكليف، وحمل الأمانة، فمنحه تعالى منزله الكرامة، وجعله خليفة في هذه الأرض، ومنحه كل حق يمكنه من أداء رسالته، فكانت حقوقه في مستوى كرامته وخلافته.

       لكن هذا الإنسان قد بخسر حقه ونقص من قدره حينما تولاه من هو مثله.

       ثم راجع هذا المتولى نفسه، فتفضل عليه بإعطائه بعض ما بخسه، فدعا أهل الأرض إلى مباركة هذا التفضل والتنازل، ورأي أنه انتصار منه على نفسه، ومنه على غيره.

       فكان من أهل الإسلام –قياماً بشريعته، وبياناً لأحكامه وتبليغاً لدعوته- من أعادوا التأكيد والبيان لما حوته شريعته من منح إلهية لهذا الإنسان، دون انتظار لما يجود به أمثاله عليه.

       فلا ينقص من حقه ولا قدره، إلا بقدر ما يتسبب فيه، فإذا ما عرض له خلل في وظيفته ورسالته فلا يؤاخذ إلا بقدر ما أخل فيه، ولا يجازي إلا بمثل ما جناه، أو تعدي فيه، ويبقي ما عداه على أصل اعتباره له.

       وحيث كان من صدر عنه الخلل أو تسبب فيه محلاً لمظنة تتجاوز بسببها حقوقه، فقد جاءت شريعة الإسلام مبينة بياناً كلياً أو جزئياً، لما يحقق التوازن في الحقوق، ويدرأ الخلل الواقع، فكان ما يمكن أن يصطلح عليه بـ “حقوق المتهم في الشريعة الإسلامية”.

عناصر تناول موضوع حقوق المتهم في الشريعة الإسلامية

  • المعني اللغوي والاصطلاحي لمصطلح حقوق المتهم.
  • الوسائل الشرعية لدرء التهمة قبل وقوعها.
  • تأصيل حقوق المتهم بالأدلة الشرعية والقواعد الفقهية الشرعية.
  • منهج تقرير حقوق المتهم وتطبيقاته.

المعني اللغوي والاصطلاحي لحقوق المتهم

       هذا العنوان مكون من لفظين مضاف أحدهما للآخر لفظ حقوق ولفظ متهم، ولكل منهما معني لغوي واصطلاحي من حيث كونهما مفردين، ولهذا العنوان معني اصطلاحي يراد به عند إطلاقه.

المعني اللغوي:

  • الحقوق: جمع حق والحق في اللغة مادة اللفظ تدل على إحكام الشيء وصحته فالحق نقيض الباطل، ويقال: حق الشيء وجب ([1]).

ومن معاني لفظ الحق الثبوت، واللزوم، والنصيب.

  • المتهم: مادة اللفظ من وهم، توهم الشيء تخيله وتمثله كان في الوجوب أو لم يكن.

ولفظ المتهم مأخوذ من التهمة أو التهمة بإسكان الهاء أو فتحها.

اتهم الرجل واتهمه وأوهمه أدخله عليه التهمة أي ما يتهم عليه.

واتهم الرجل إذا صارت به الريبة ([2]).

  • هذا عن المعني اللغوي للمفردين.

فالمعني اللغوي هو: الأمور الواجبة لمن صارت به ريبة.

المعني الاصطلاحي للفظ الحقوق:

       يطلق لفظ الحقوق اصطلاحاً على عدة معان تختلف مدلولاتها باختلاف متعلقاتها، ومقدار الحق وأحكامه ولكنها تتفق في المعني الكلي الذي دل عليه المعني اللغوي.

فبالنظر إلى اختلاف المتعلق، فالحقوق تكون على نوعين:

  • حقوق الله تعالى:
  • حقوق الخلق.

       فحق الله: هو عبادته وعدم الإشراك به، وعبادته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ([3]).

       كما دل على ذلك حديث معاذ: قال: قال رسول الله r: “أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً” ([4]).

       وحق المخلوق: ما كان راجعاً إلى مصالحة في الدنيا، فإن كان من المصالح الأخروية فهو من جملة ما يطلق عليه أنه حق لله ([5]).

       والأفعال بالنسبة إلى حق الله أو حق الآدمي ثلاثة أقسام:

       الأول: ما هو حق لله خالصاً كالعبادات، والأصل فيها التعبد، أي غير معقول المعني.

       الثاني: ما هو مشتمل على حق الله وحق العبد والمغلب فيه حق الله.

       وحكمه: راجع إلى الأول لأن حق العبد إذا صار مطرحاً شرعاً فهو كغير المعتبر كقتل النفس.

       الثالث: ما اشترك فيه الحقان وحق العبد هو المغلب وأصله معقولية المعني كالعفو عن القصاص، فالعفو حق للعبد إذا عفا سقط الحق.

  • وليس هناك حق للعبد خالصاً لأن الله هو الذي شرع هذا الحق له وشرع مراعاة هذا الحق، فالحكم عليه بأنه مصلحة للعبد حكم من الله.
  • فإطلاق أنه حق للعبد من حيث إن مصلحته الدنيوية فيه ظاهرة، كما أن الشارع أجاز له إسقاطه، وقد غلبت فيه الأحكام الدنيوية.
  • ومن بيان تلك القوة يتبين أن مصدر هذه الحقوق هو الله تعالى، فالعبد منح هذه الحقوق من الله تعالى، وطالب غيره بالمحافظة على أداء هذه الحقوق.
  • ومن المفارقات الاهتمام بحقوق الإنسان وعدم الاهتمام بحقوق الله فتنتهك حقوق الله بترك أوامره وارتكاب نواهيه ولا يوجد قائم للدعوة للمحافظة على حقوق الله ممن يدعو إلى المحافظة على حقوق الإنسان.

       ومما تقدم يتبين أن معني حقوق المخلوق أو الإنسان هي:

       ما يجلب له مصلحة أو يدرأ عنه مفسدة في الدنيا.

       وهنا يضيق المدلول بما يخص المتهم من جلب هذه المصالح أو درء هذه المفاسد.

المعني الاصطلاحي للمتهم:

       يمكن بيان المعني الاصطلاحي للمتهم بأنه: من نسبت إليه دعوى فعل محرم يوجب عقوبته ([6]).

المعني الاصطلاحي لحقوق المتهم:

       يمكن بيان المعني الاصطلاحي لحقوق المتهم بأنها: الأحكام الشرعية التي تجلب مصلحة أو تدرأ مفسدة عمن نسبت إليه دعوى فعل محرم يوجب عقوبته.

       أو الإجراءات والتدابير التي تجلب تلك المصلحة أو تدرأ تلك المفسدة.

الوسائل الشرعية لدرء التهمة قبل وقوعها:

  • مما امتازت به الشريعة الإسلامية أنه –وسداً للذريعة المفضية للتهمة- قد وردت النصوص الشرعية التي ترشد الإنسان إلى البعد عن مواقع التهمة والظن سواء أكان ذلك بالنظر إلى من صدرت عنه التهمة أو من توجهت إليه.

       قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) ([7]).

  • وقال تعالى في قصة الإفك: (لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ (12) لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ (13) ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17) ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ([8]).
  • وقال تعالى تحذيراً من الوقوع في القذف وبيان عقوبة القاذف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وإن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ([9]).

       وقال تعالى: (إذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن ورَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ) ([10]).

       وقال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) ([11]).

       وقال تعالى: (وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) ([12]).

       وقال رسول الله r: “إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعملهن كثير من الناس فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعي حول الحمي يوشك أن يرتع فيه” ([13]).

       وقال الرسول r: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك” ([14]).

       قال الرسول r: “البر حسن الخلق وافثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس” ([15]).

       قول الرسول r: “البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس” ([16]).

تأصيل حقوق المتهم بالأدلة والقواعد الشرعية

  • الأدلة الشرعية التأصيلية لحقوق المتهم:

من القرآن:

  • قوله تعالى: (ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) ([17]).

والمتهم فرد من أفراد بني أدم.

  • وقال تعالى: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ) ([18]).
  • وقال تعالى: (وإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ) ([19]).

وقال تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومِنْهَاجًا) ([20]).

       وقال تعالى: (ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا)([21]).

       أي لا يحملكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام –وذلك عام الحديبية- على أن تتعدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلماً وعدواناً بل احكموا بما أمر الله به من العدل في حق كل أحد ([22]).

       والمتهم مظنة البغض.

       وقال تعالى: (ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) ([23]).

ومن السنة:

  • حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: “لو يعطي الناس بدعواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعي عليه” ([24]).
  • وفي رواية: “البينة على المدعي واليمين على من أنكر” ([25]).
  • وقول الرسول r: “إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا”.
  • وقول الله تعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي “إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا”.
  • وقول الرسول r: “من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه”.
  • وقول الرسول r: “مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته”.
  • وقول الرسول r: “ادرءوا الحدود بالشبهات” ([26]).
  • وفي رواية: “ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.
  • القواعد الشرعية:

       قاعدة اليقين لا يزول بالشك: ([27])

       هذه القاعدة من القواعد الشرعية الكلية:

       وقد اشتمل منطوقها على مرتبتين من مراتب الإدراك الخمس والتي يمكن أن يرد عليها الأم الثابت أو الأمر العارض.

  • اليقين.
  • الظن.
  • غلبة الظن.
  • الشك.
  • الوهم.

       فاليقين: الإدراك الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً.

       وغلبة الظن: الإدراك الذي يحتمل معنيين أحدهما راجح رجحاناً يقرب من مرتبة اليقين.

       الظن: الإدراك الذي يحتمل معنيين أحدهما راجح فوق الشك ودون غلبة الظن.

       الشك: الإدراك الذي يحتمل معنيين متساويين أي لا ترجيح بينهما.

  • الوهم: هو الاحتمال المرجوح من الاحتمالين، فإذا كان أحد الاحتمالين راجحاً، فما يقابله المرجوح.

       فالمراد بالشك في القاعدة هو ما تساوي فيه الاحتمالان ولا يعمل بالإدراك الذي في مرتبة الشك.

       وهذه القاعدة ترد في أصول الفقه ويراد بمدلولها أحد الأدلة الشرعية وهو دليل الاستصحاب.

       ومن القواعد المندرجة والتابعة لهذه القاعدة قاعدة:

       الأصل براءة الذمة: ([28])

       وهذه القاعدة أخص في موضوع حقوق المتهم من القاعدة الكلية “اليقين لا يزول بالشك”.

       فالأصل أن ذمة المخلوق أو الإنسان بريئة من حقوق الله ومن حقوق المخلوقين، وهو الأصل المتيقن الذي لا يزول بالشك.

       قال تعالى: (ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ([29]).

       وقال تعالى: (ومَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ومَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إلاَّ وأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) ([30]).

  • أصل أو مبدأ عام في حقوق الله تعالى وحقوق المخلوق:

       هنا أصل وهو: أن حق الله تعالى مبني على التوسع والتسامح.

       قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا) ([31]).

  • وفي صحيح مسلم أن الله تعالى قال: قد فعلت.
  • ولذلك فإن الحدود تدرأ بالشبهات كما في قول الرسول r: “ادرؤوا الحدود بالشبهات”.
  • وحينما جاء من زني إلى الرسول r معترفاً بالزني قال له r: “لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت”([32]).

محاولة منه r لدرء الحد عنه.

  • ولو رجع من اعترف بالزني قبل منه رجوعه.
  • ولذا لما هرب من رجم في الزني فأدرك، قال الرسول r: “هلا تركتموه فيتوب فيتوب الله عليه”.
  • أما حقوق المخلوقين فمبنية على الضيق والشح.

ولذا يجب ضمان ما أتلف من أموال المخلوقين وإن كان في حال الخطأ.

  • تلك جملة من النصوص والقواعد والمبادئ التي تمثل مستنداً لمعاملة المتهم، وقد حفظت الحقوق الأساس للمتهم، ومن جهة لم تمنع مرونة في الإجراءات المتخذة بشأنه، أو الإجراءات التي يتخذها هو بشأن الدفاع عن نفسه إذا كانت من قبيل الوسائل لتحقيق العدل وحفظ حقوق الجميع.

       وقاعدة الشريعة إعطاء الوسائل حكم المقاصد، أو الغايات.

       فتكون تلك الإجراءات من قبيل المصالح المرسلة التي لم يرد نص معين باعتبارها أو إلغائها، ولكن يمكن معرفة أحكامها من قواعد الشريعة العامة ومقاصدها.

       وهو مبدأ لا يخص الإجراءات في باب الاتهام والعقوبة.

       الحقوق العام التي يمكن استخلاصها من تأصيل حقوق المتهم في الشريعة الإسلامية والتي يمكن في ضوئها بيان حقوق تفصيلية:

       يمكن استخلاص الحقوق الآتية:

  • الأصل براءة ذمة المتهم.
  • التهمة خلاف الأصل فتراعي بقدر الحاجة كالرخص مع العزائم.
  • التهمة لا تكون معتبرة إلا ببينة أو قرينة.
  • الأصل في الدماء والأعراض والأموال حرمتها فلا تستباح بالتهمة المجردة.
  • العداوة لا تبيح الظلم أو الاعتداء.
  • المساواة بالعدل بين الخصوم حق متعين لهما.
  • حقوق الله تعالى مبنية على التوسع والمسامحة وحقوق المخلوق مبنية على الضيق والشح.
  • تدرأ الحدود بالشبهات.

المنهج في تقرير حقوق المتهم في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته:

       لتقرير حقوق المتهم في الشريعة فإن الذي يظهر لي هو أن المنهج الذي يتبع هو:

  • النظر إلى الأدلة والقواعد والمبادئ الشرعية واستمداد تلك الحقوق والأحكام المتعلقة بالمتهم منها.
  • أن الشريعة الإسلامية في موضوع حقوق المتهم قد نصت على الأحكام والحقوق الكلية، وبعض من الإجراءات الجزئية التفصيلية، وبقي إجراءات تفصيلية يمكن أن يتحقق بها حق للمتهم، وهي من الوسائل التي تختلف باختلاف الأزمنة، أو الأمكنة، أو المجتمعات، وقد تنشأ محدودة العدد لكن لاختلاف الحوادث، والأحوال يزداد عددها، ففي زمان أو مكان يمكن أن يستمد عدد محدود، وفي زمان أو مكان يمكن أن يزيد هذا العدد.

       لكن المناط المعتبر هو أن تكون تلك الإجراءات الجزئية التفصيلية غير معارضة للأصول الكلية في موضوع حقوق المتهم، ولا لمقاصد الشريعة في معاملته.

  • أن السلطة القضائية والسلطة التنفيذية في المجال التطبيقي لغير الشريعة الإسلامية لا تعمل إلا بنصوص جزئية تفصيلية، وإلا اعتبرت الحال فراغاً قانونياً “أو تشريعياً كما يسمي” لا تملك أمامه إلا التوقف أو الاجتهاد الذي قد يتأثر باعتبارات شخصية، وربما كان ثغرة منها عن أن يلتزم بالأحكام.
  • أما في مجال تطبيق الشريعة الإسلامية، فالوقائع التفصيلية وإن لم يرد أو يطلع على نص معين لبيان حكمها، فإنه يمكن استمداد الحكم أو الحق بالنظر إلى الأدلة والقواعد العامة والنظر في مقاصد الشريعة في هذه الواقعة.
  • وهذا هو مناط استيعاب الشريعة لكل نازلة وصلاحها لكل زمان.

والفرق بين الحالين حال من يطبق الشريعة الإسلامية، وحال من لا يطبقها –مع عدم النص المعين الدال على الحكم في الواقعة- هو:

  • اعتبار حق الله تعالى، فمن يقوم على تقرير الأحكام الشرعية واستنباطها وتنفيذها يستشعر حق الله فيها، ومحاسبته له في كل حكم ينسبه للشرع، وفي كل إجراء يتخذه، وأن حال عدم نص معين، لا تعني البراءة من المحاسبة على أي إجراء يتخذه، وخلو الواقعة من حكم معين، أو بيان حق معين لا يعني إباحة مطلقة يرتفع عنها الحرج بأي اجتهاد يتخذ.
  • أن الولاية للحاكم هي الولاية الجامعة لكل الولايات.
  • لكن مع توسع المسؤولية، وعدم إمكان الحاكم العام القيام بكل لوازم الولاية، فإن الحاكم يوزع ولايته وفق ما تقتضيه المصالح، وهو منهج شرعي بدأ زمن التشريع.
  • وهكذا تتوزع الولاية وتتدرج حتى تؤول إلى درجة أدني لا يملك معها من وليها إلا قدراً يسيراً منها لتوزع مشمول الولاية حسب كل من له علاقة بنوع منها، وهذا وارد في حقوق المتهم، حيث تتوزع المسؤولية حسب تنوع الولاية وتدرجها.
  • فإذا ما أريد وضع تنظيم يشمل حقوق المتهم، وجد أنه لا بد من توزيع هذه الحقوق وفق تنوع الولاية وتدرجها، فلا يناط بفرد أو جهة من تلك الحقوق إلا بمقتضي ما تمليه ولايته.
  • ولبيان هذا المنهج واعتباره يمكن أن يكون الناظر تصوراً عن حقوق المتهم تفصيلاً.

تطبيق لمنهج تقرير حقوق المتهم:

       يمكن تطبيق منهج تقرير حقوق المتهم بإبراد الحقوق الآتية:

  • الأصل في تصرفات الإنسان أنها جارية على أصل السلامة.
  • من ظهرت على تصرفه أمارة تدعو إلى الريبة كان لمن له سلطة أو مسؤولية اعتراضه واستجوابه.

مستندها

       قول الرسول صلي الله عليه وسلم: “من اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعي حول الحمي يوشك أن يقع فيه”.

  • وقول الرسول r: “من رأي منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه”.
  • للمتهم أن يدفع عن نفسه التهمة.
  • مستنده:
  • قول الله تعالى في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا العِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وأَقْبَلُوا عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ ولِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ ومَا كُنَّا سَارِقِينَ)([33]).
  • حديث صفية بنت حيي بن أبي أخطب، أم المؤمنين زوج النبي صلي الله عليه وسلم “أنها جاءت إلى رسول الله r تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب “ترجع أو تعود” فقام النبي r معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله r، فقال لهما النبي r: على رسلمكما إنما هي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما، فقال النبي r: إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً” ([34]).
  • حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي r، حيث قال له رسول الله r: “يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءاً ملصقاً بقريش –أي حليفاً لهم- ولم أكن من أنفسها وكان معك من المهاجرين من لهم بها قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت –إذ فأتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي ولم أفعله ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله r أما إنه قد صدقكم” ([35]).

       فالرسول r قد مكن حاطباً من دفع التهمة عنه.

  • كما أن مراعاة أصل البراءة يقتضي سماع دفع التهمة عنه.
  • يسمع من المدعي عليه “المتهم” كما يسمع من المدعي.
  • مستنده:
  • حديث عمر رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله r أقرأنيها وكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله r فقلت: إني سمعت هذا يقرأ على غير ما أقرأتنيها، فقال لي: أرسله، ثم قال له: اقرأ، فقرأ، فقال: هكذا أنزلت، ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال: هكذا أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا منها ما تيسر” ([36]).
  • كل إجراء يتخذ بشأن المتهم يجب أن يراعي فيه أنه إجراء بقدر الحاجة أو الضرورة والحاجة تقدر بقدرها.
  • يحدد أقصر زمن يمكن فيه استجواب المتهم، “أو عدم إطالة حبس المتهم أو حجزه”.
  • مستنده:
  • حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي r حبس في تهمة ([37]).
  • قال علي بن المديني: حديث بهز بن حكيم صحيح.
  • وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم حبس في تهمة يوماً وليلة”.
  • حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي r خيلاً قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج عليه النبي r فقال: ما عنك يا ثمامة؟ فقال عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فترك حتى كان الغد ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلى من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدكم أحب البلاد إليّ ([38]).
  • فهنا الرسول r لم يزد على ثلاثة أيام.
  • وهذا معمول به الآن في كثير من الإجراءات المتبعة في تحديد زمن الاستجواب إذا قويت أدلة الاتهام.
  • وتحديد أقص مدة يمكن فيها الاستجواب، لن تقدير الزمن للحاجة والحاجة تقدر بقدرها.
  • لا يكره المتهم على الاعتراف بمجرد دعوى التهمة إذا لم يكن هناك مستند قوى للتهمة.
  • وسائل الإكراه أو أسبابه متعددة منها:
  • الضرب الشديد.
  • الحبس الطويل.
  • إلحاق الضرر بمن يسوؤه إلحاق الضرر به من والد، أو زوج، أو ولد.
  • قال تعالى: (ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ).
  • وقال تعالى: (ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى).
  • وقال رسول الله r: “لا ضرر ولا ضرار” ([39]).
  • أما إذا قويت التهمة على وجود الحق لديه أو شغل ذمته فامتنع عن أدائه فإنه يضرب أو يحبس ليؤدي الواجب الذي يقدر على وفائه.
  • دليل حديث ابن عمر: “أن النبي r لما صالح أهل خيبر على الصفراء والبيضاء سأل زيد بنسعيد عم حيي بن أخطب فقال أين كنز حيي؟ فقال: يا محمد أذهبته النفقات، فقال للزبير: دونك هذا، فمسه الزبير بشيء من العذاب، فدلهم عليه في خربة، وكان حلياً في مسك ثور”.
  • قال ابن القيم: هذا أصل في ضرب المتهم ([40]).
  • لكن الضرب بضوابطه الشرعية من أن لا يتلف نفساً ولا عضواً ولا يورث عاهة، فالضرر لا يزال بضرر كما هي قاعدة الشريعة.
  • للمتهم أن يقيم وكيلاً لدفع التهمة عنه:
  • مستنده:
  • قوله تعالى: (إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ولا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ([41]).
  • وقال تعالى: (ولا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) ([42]).

فالأصل جواز الوكالة إلا لمن كانا مبطلاً أو خائناً.

  • فالنهي عن الوكالة في الخصومة لمن كان بهذا الوصف دلالة على جوازها لمن عداه وبقائها على أصل الجواز.
  • قال القرطبي: نهي الله عز وجل رسوله عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله في خصمهم من الحجة، وفي هذا دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة لا تجوز ([43]).
  • للمتهم أن يقدم كفيلاً له:
  • للمتهم حق تقديم الكفيل لكن على تفصيل فيه وضوابط.
  • يترجح بها إمكان إعادة المتهم واستيفاء الحق منه.
  • ولذا ورد في الحديث “لا كفالة في حد” ([44]).
  • ومفهومه جواز الكفيل في ما لم يشارك المنطوق في المعني كالقصاص، لأنه لا يمكن استيفاؤه من الكفيل.
  • حق المتهم في إعادة النظر في الحكم الصادر عليه، أو تظلمه إلى جهة أعلى.
  • مستنده:
  • قوله تعالى: (واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) ([45]).
  • وجه الدلالة: أن مفهوم المخالفة يقتضي أن حكم غير الله تعالى يجوز تعقبه.
  • قوله تعالى: (ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وعِلْمًا).
  • فنبي الله داود حكم بدفع الغنم لصاحب الزرع جزاء ما أتلفته، فلما اطلع عليه سليمان –عليه السلام- أتي أباه فقال: يا نبي الله إنك حكمت بكذا وكذا، وإني رأيت ما هو أرفق للجميع، قال: وما هو؟ قال: أن تدفع الغنم لصاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حالة التي أصابته الغنم في السنة المقبلة رد كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال نبي الله داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك، وقضي بينهما بما قضي ه سليمان” ([46]).
  • حديث علي رضي الله عنه حينما حكم في مسألة الزبية (حفرة للأسد)، وهي أن قوماً احتفروا بئراً باليمن فسقط فيها رجل فتعلق بآخر والثاني بثالث والثالث برابع فسقطوا جميعاً فماتوا، فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: اجمعوا من حفر البئر من الناس، وقضي للأول بربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني بثلثها لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع الدية تامة، فأتوا رسول الله r العام المقبل فقصوا عليه القصة فقال: هو ما قضي بينكم.
  • وفي رواية أنهم أبوا أن يرضوا بقضاء علي فأتوا رسول الله r وهو عند مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله r وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا” ([47]).
  • وجه الدلالة رفع التظلم إلى جهة أعلى.
  • إذا آلت التهمة إلى عدم ثبوتها فيجب إخلاء سبيل المتهم دون تأخير.
  • مستنده:

إنه رجوع إلى الأصل الذي دلت عليه القاعدة الشرعية: الأصل براءة الذمة.

  • للمتهم الذي انتفت عنه التهمة أن يعوض عن الضرر الذي لحقه سواء أكان ضرراً محساً “مادياً” أو ضرراً معنوياً.
  • أما التعويض عن الضر المادي في بدنه أو ماله، أما في البدن فأدلته: الأدلة الدالة على القصاص في الأطراف.
  • وأما في المال فمن أدلته حديث البراء بن عازب أنه كان له ناقة فدخلت حائطاً فأفسدت فيه فقضي رسول الله r أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأنا ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها”.
  • أما التعويض عن الضرر المعنوي.
  • فدليله حد القذف، فما كان دون القذف فالقاعدة الشرعية فيه وجوب التعزير.

الخاتمة

      الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وبعد:

      فهذا ما تيسر إيراده في موضوع قوق المتهم في الشريعة الإسلامية.

      وأوجز نتائج تناول هذا الموضوع:

  • الإنسان هو مناط التكليف وحمل الأمانة، منحه الله الكرامة وجعله خليفة في هذه الأرض ومنحه كل حق يمكنه من أداء رسالته فكانت حقوقه في مستوى كرامته وخلافته.
  • المتهم: هو من نسبت إليه دعوى فعل محرم يوجب عقوبته.
  • حقوق المتهم: هي الأحكام الشرعية، أو التدابير والإجراءات التي تجلب مصلحة أو تدرأ مفسدة عن المتهم.
  • امتازت الشريعة بسد الذرائع المؤدية إلى التهمة.
  • قد دلت الأدلة من القرآن والسنة والقواعد الشرعية على حقوق المتهم دلالة كلية أو جزئية.
  • الأصل براءة ذمة المتهم.
  • المتهم خلاف الأصل فتراعي بقدر الحاجة، كالرخص مع العزائم.
  • التهمة لا تكون معتبرة إلا ببينة أو قرينة.
  • الأصل في الدماء والأعراض والأموال حرمتها فلا تستباح بالتهمة المجردة.
  • العداوة لا تبيح الظلم أو الاعتداء.
  • المساواة بالعدل بين الخصوم حق متعين لهما.
  • حقوق الله تعالى مبينة على التوسع والمسامحة، وحقوق المخلوق مبنية على الضيق والشح.
  • تدرأ الحدود بالشبهات.
  • من حقوق المتهم ما هو من الوسائل التي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، لكن المناط المعتبر هو أن تكون غير معارضة للأصول الكلية في موضوع حقوق المتهم، ولا لمقاصد الشريعة في معاملته.
  • عند إرادة وضع تنظيم يشمل حقوق المتهم فلا بد من توزيع تلك الحقوق وفق تنوع الولايات وتدرجها، فلا يناط بفرد أو جهة من تلك الحقوق إلا بمقتضي ما تمليه ولايته.
  • كل إجراء يتخذ بشأن المتهم يجب أن يراعي فيه أنه إجراء بقدر الحاجة أو الضرورة، والحاجة تقدر بقدرها، وصلي الله وسلم على نبينا محمد.

المصادر والمراجع:

  • تفسير القرطبي.
  • تفسير ابن كثير.
  • الموافقات للشاطبي.
  • السياسة الشرعية لابن تيمية.
  • الطرق الحكمية لابن القيم.
  • الأشباه والنظائر للسبكي.
  • الأشباه والنظائر للسيوطي.
  • الموسوعة الفقهية الكويتية ج 18.
  • لسان العرب لابن منظور.
  • مقاييس اللغة لابن فارس.

(*) وكيل وزارة العدل المساعد للشؤون القضائية.

([1]) المقاييس 2/ 15.

([2]) اللسان 6/ 4934.

([3]) الموافقات 2/ 317.

([4]) رواه مسلم.

([5]) الموافقات 2/ 318.

([6]) أنظر السياسة الشرعية 94.

([7]) الحجرات 12.

([8]) النور 12- 18.

([9]) النور 23- 24.

([10]) النور 27 -28.

([11]) الأحزاب 53.

([12]) النور 30.

([13]) النور 31.

([14]) رواه البخاري.

([15]) رواه الترمذي، كتاب صفة القيامة.

([16]) رواه مسلم، كتاب البر والصلة.

([17]) الإسراء 70.

([18]) النحل 90.

([19]) النساء 58.

([20]) المائدة 48.

([21]) المائدة 2.

([22]) تفسير ابن كثير.

([23]) آل عمران 104.

([24]) رواه ملم.

([25]) رواه البيهقي.

([26]) رواه البيهقي.

([27]) الأشباه والنظائر للسبكي.

([28]) الأشباه والنظائر للسبكي.

([29]) الإسراء 15.

([30]) القصص 59.

([31]) البقرة 286.

([32]) رواه البخاري.

([33]) يوسف 70- 73.

([34]) رواه البخاري كتاب الاعتكاف.

([35]) رواه البخاري كتاب المغازي.

([36]) رواه البخاري كتاب الخصومات.

([37]) رواه أحمد وأبو داود.

([38]) البخاري/ كتاب المغازي/ كتاب الخصومات.

([39]) رواه البيهقي وابن ماجه.

([40]) السياسة الشرعية 108.

([41]) النساء 105.

([42]) النساء 107.

([43]) أحكام القرآن 5/ 377.

([44]) رواه البيهقي وابن عدي في الكامل.

([45]) الرعد 41.

([46]) رواه البيهقي أدب القاضي.

([47]) رواه الإمام أحمد في مسنده/ الفتح الرباني/ كتاب القتل والجنايات والدماء.