Print Friendly, PDF & Email

محمد عبدالرحمن عريف

  في محاولة لتسليط الضوء على حقوق الإنسان في الفكر الإسلامي والفكر الغربي المعاصر، وإبراز اهتمام المفكرين المسلمين والمعاصرين في مجال حقوق الإنسان، بغرض الوصول إلى صورة توفيقية تجمع أفضل ما في الفكرين تتمثل فيهما الأصالة والمعاصرة، يمكن أن نخلص إلى أنّ النّظرة الإسلامية المعاصرة لحقوق الإنسان شاملة لجميع أنواع الحقوق؛ كحرية الاعتقاد والفكر، والعمل، والتعليم، وحق الحياة، والحرية الشخصية، وحماية الأموال والأعراض، وحقوق الأطفال، والمرأة، والمساواة أمام القانون، ومكافحة التمييز العنصري.

  نجدها أظهرت بروز الأصالة والاستقلالية في الحقوق والحريات في الفكر الإسلامي والتوازن في التشريع، وأن أوجه التلاقي إسلامياً وعالمياً في مجال حقوق الإنسان قد برز في الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان عام (1990)، والذي جاء ليؤكد المساهمة في جهود البشر المتعلقة بحقوق الإنسان التي تهدف إلى حمايته من الاستغلال والاضطهاد، وتؤكد على حريته وحقه في الحياة الكريمة والتي تتفق مع الشريعة الإسلامية، مما يدلل على أنَّ كثيرًا من هذه المبادئ كان لها جذور متأصلة في الفكر الإسلامي.

  نعم تنطلق كل من الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية في مسألة حماية الأفراد من منطلق حقوق الإنسان، ويستمد كل منهما شرعيته في مسألة الحقوق من مرجعية ذات أصول فكرية وعقدية متباينة. وتقتضي منا المقارنة عند تناول قوانين حماية المرأة في كل من النظامين الإسلامي والدولي، بيان المنهجية والأسس التي تشكل المنطلقات الرئيسة في التعامل مع التشريعات ذات العلاقة بحماية المرأة، والتي ينبغي الإشارة إليها:

-الحقوق في الشريعة الإسلامية تعتمد (الحاكمية لله) مرجعية شاملة، وتدور الحريات في فلك حفظ مصالح الفرد والمجتمع، بينما تستمد الحقوق في المواثيق الدولية من العلمانية التي ترفض الدين وتسعى لإلغاء أثره نهائيًا في المجتمعات الإنسانية. الشريعة الإسلامية تعطي المرأة حقوقًا وتكلفها بواجبات، في حين أن المواثيق الدولية تركز على حقوق المرأة دون ذكر للواجبات، وتنظر إلى المرأة كفرد قائم بذاته، وفي حالة صراع وتنافس دائم مع الرجل.

-المواثيق الدولية تتعامل في تشريعاتها مع المرأة كفرد مستقل عن غيره، أما الإسلام فهو ينظر إلى المرأة والرجل ضمن مؤسسة الأسرة، وينظر إليهما وإلى الأسرة من خلال المصلحة العامة للمجتمع.

  تعتمد المواثيق الدولية فيما تصدره من مواثيق تتعلق بالمرأة من فكر معين منهجية محددة، حيث تنطلق المواثيق الدولية من رؤية منهجية مستمدة من فكر الحركة الأنثوية (feminism)، وهي من أقوى الحركات الفكرية التي ترعرعت في ظل النظام العالمي الجديد، وتمارس هيمنتها عبر منظمات الأمم المتحدة ومؤسسات المجتمع المدني، وتسعى لإحداث عمليات التغيير الثقافي والاجتماعي وعولمة القوانين والتشريعات المتعلقة بالمرأة عبر الدساتير والمواثيق الدولية.

  ترفض المواثيق الدولية حقيقة وجود اختلاف أو تمايز بين الجنسين، وتتبنى مصطلح النوع الاجتماعي (Gender) بديلاً لمصطلح ذكر وأنثى، وذلك لإلغاء جميع التشريعات والمفاهيم المترتبة على الجنس، والدعوة إلى تماثل المرأة التام مع الرجل في الأدوار والموارد والمسؤوليات، في حين أن الإسلام ينطلق في تشريعاته من وجود فروق جوهرية بين الرجل والمرأة تحقق لكل منهما وظيفته في الحياة، وتجعل كلاً منهما مكملاً للآخر. ومن أهم المواثيق الدولية المتعلقة بالمرأة وحقوقها ما صدر عن مؤتمرات الأمم المتحدة الآتية:

مؤتمر مكسيكو لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلام، المكسيك عام 1975. اعتمد فيه أول خطة عالمية متعلقة بوضع المرأة على المستوى الحكومي وغير الحكومي في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة: القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، عام 1979. وخرج المؤتمر باتفاقية ملزمة للدول التي توافق عليها إما بتصديقها أو بالانضمام إليها، وقد نصت على إبطال جميع القوانين والأعراف دون استثناء لتلك التي تقوم على أساس ديني، واستبدل بها قوانين دولية.

المؤتمر العالمي لعقد الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلام، كوبنهاجن، الدانمارك عام 1980. لاستعراض وتقويم ما أنجز في توصيات مؤتمر المكسيك وتطويرها.

المؤتمر العالمي لاستعراض وتقويم منجزات الأمم المتحدة للمرأة: المساواة والتنمية والسلم، نيروبي عام 1985. ووضع فيه استراتيجيات نيروبي للنهوض بالمرأة.

-المؤتمر العالمي المعني بالمرأة في بكين عام 1995. وقد دعا المؤتمر بصراحة إلى عدد من الأمور التي تخالف الفطرة والشرع، ومنها: الدعوة إلى فتح باب العلاقات الجنسية المحرمة، والسماح بالإجهاض، وتحديد النسل، ومنع الزواج المبكر، وإباحة الزواج اللانمطي (رجل + رجل أو امرأة + امرأة) والدعوة إلى الاعتراف بالشواذ، والتركيز على التعليم المختلط بين الجنسين وتطويره والقضاء على أي فوارق بين الرجل والمرأة.

-مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة: للمساواة والتنمية والسلام، نيويورك عام 2000. وقد تضمنت وثيقة المؤتمر: الدعوة إلى الحرية الجنسية، والإباحية للمراهقين والمراهقات، والتبكير بها مع تأخير سن الزواج، وأوجدوا مسمى جديدًا للداعرات وهو (عاملات الجنس) وتشجيع جميع أنواع العلاقات خارج إطار الأسرة الشرعية (للرجل والمرأة) وتهميش دور الزواج في بناء الأسرة، والسماح بزواج الشواذ من الجنس نفسه، وفرض مفهوم المساواة الشكلي المطلق بين الجنسين في جميع النواحي، والمطالبة بإلغاء التحفظات التي أبدتها بعض الدول الإسلامية على وثيقة بكين. ويعتبر أهم هدف في هذا المؤتمر هو الوصول إلى صيغة نهائية ملزمة للدول بخصوص القضايا المطروحة على أجندة هذا المؤتمر، والتي صدرت بحقها توصيات ومقررات في المؤتمرات الدولية السابقة تحت إشراف الأمم المتحدة. وفي مناقشتنا لما يقدمه كل من النظامين الإسلامي والدولي للمرأة من حماية، ينبغي ألا تحجب الرؤية عن العديد من المواضيع المتفق عليها بحكم التلاقي الإنساني العام في المسائل التي لا تمس القضايا الفكرية الأساسية في الغرب، كالمساواة بين الرجل والمرأة في حق الحصول على التعليم والرعاية الصحية والأمن، والقضاء على الأمية والفقر بين النساء، ومحاربة البغاء والاتجار بالمرأة واستغلالها جنسيًا، وضمان مشاركة المرأة في أوجه الحياة العامة، وغيرها العديد من الجوانب الإيجابية المشتركة.

  هناك أوجه عدة للحماية تكفلها كلاً من الشريعة الأسلامية الغراء والمواثيق الدولية. وسوف نتناول فيما يلي أوجه الحماية التي تكفلها الشريعة الإسلامية للمرأة مقارنة بما تقدمه المواثيق الدولية سابقة الذكر، فتعد المواثيق الدولية الحرية في العلاقات الجنسية وفتحها بلا ضوابط حقًا من الحقوق الأساسية للمرأة، ومن ذلك الحرية الجنسية والتبكير بها للمراهقات وتأخير زواجهن، ورفع وصاية الوالدين، وتشجيع جميع أنواع العلاقات الجنسية خارج إطار الأسرة الشرعية، وممارسة الجنس دون قيود ولا أطر تقليدية، والاعتراف بحقوق الزناة والزانيات.

  في المقابل نجد أن التشريع الإسلامي حرم الزنا، وسن حدودًا شرعية لضبط العلاقة بين الجنسين، وشجع الرابطة الزوجية، وجعلها هي الأساس الوحيد المنظم للعلاقة بين الرجل والمرأة، وأسس لها بحقوق وواجبات تحمي المرأة، وتحافظ على المجتمع من التفكك والانحلال وتعزز التمسك بقيم الطهر والعفاف.

  تعترف المواثيق الدولية بالأشكال المختلفة للأسرة وتشجع نماذج الأسرة اللانمطية، وتهمش دور الزواج في بناء الأسرة، كما تسمح بأنواع الاقتران الأخرى، والتي تتكون من جنس واحد (رجلين، أو امرأتين) وتبيح الشذوذ الجنسي (اللواط والسحاق)، وتطالب بمراجعة ونقض القوانين التي تعتبر الشذوذ الجنسي جريمة. وقد اعتمدت الشريعة الإسلامية الأسرة الطبيعية فقط، المكونة من الرجل والمرأة بعقد قران له شروط وضوابط، وحرمت اللواط والسحاق والممارسات التي تتنافى مع الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، وأسست الشريعة لحماية المرأة والرجل معًا من الفوضى والانحدار الخلقي وتفشي الأمراض الفتاكة.

   لقد دعت المواثيق الدولية إلى تحديد النسل، وطالبت بإجازة الإجهاض، وتعميم استخدام موانع الحمل والترويج لها، والتباعد بين الولادات، ومنع حالات الحمل المبكر، واعتبرت ذلك حقًا من حقوق المرأة دون موافقة الزوج، واعترفت للمرأة وحدها بحق التحكم في جميع الأمور المتعلقة بخصوبتها، ومنها تقرير عدد أطفالها. وفي المقابل نجد أن الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة في إطار كيان الأسرة، وينظر لهما وللأسرة في إطار الكيان المجتمعي المتكامل، ويضع أهداف الإنجاب باعتبارها أهدافًا اجتماعية كبرى. والتناسل من المصالح والمقاصد الشرعية الأساسية التي شجع عليها الشرع، ولذا حرم تحديد النسل، وأجاز تنظيمه، وحرم الإجهاض دون عذر طبي، وشجع الزواج المبكر، واعترف للرجل والمرأة معًا بالاشتراك في تقرير الأمور المتعلقة بالإنجاب حماية للعلاقة فيما بينهما، وتأكيدًا لاستمرارها الذي يؤمن الاستقرار النفسي والاجتماعي للمرأة.

  تشجع المواثيق الدولية الاختلاط بين الجنسين في جميع أوجه الحياة، وتدعو إلى الاختلاط في التعليم، وفي بيئة العمل، وتعد الفصل بين الجنسين تمييزًا على أساس الجنس، في حين يحرم الإسلام الخلوة بين الرجل والمرأة، ويدعو إلى عدم الاختلاط للمحافظة على العفة، ويفرض الحجاب على المرأة عن الرجال من غير المحارم. تنادي الاتفاقيات الدولية بفرض مفهوم المساواة الشكلي والمطلق في الحقوق المالية بين الرجل والمرأة في عقد الزواج وفي أثنائه، وبعد فسخه، وفي رعاية الأبناء، وبالمساواة في الإرث بغض النظر عن الجنس. وفي ذلك تعارض صريح مع الأحكام الشرعية المنظمة لعقد الزواج، والتي تصب في مصلحة المرأة، ومنها المهر قبل العقد، والنفقة، والقوامة على أمر الأسرة في أثناء العقد، والنفقة على الأبناء بعد انتهاء العقد، والحالات التي يرث فيها الذكر مثل حظ الأنثيين هي حالات محددة لا تنطبق على جميع الحالات، وأحكام الإرث في الإسلام توفر حماية مضاعفة للمرأة، حيث إن نظام النفقات في الإسلام يوجب النفقة ويلزم بها الرجل لا المرأة، وما يرثه الرجل تستفيد منه المرأة في جميع أحوالها، وذلك عن طريق التكليف الشرعي للرجل بالنفقة على الزوجة أو الأم والأخت والابنة، في حين أن ما ترثه المرأة لا تكلف شرعًا بالنفقة منه على نفسها أو أي من ذوي قرباها.

  تمنح المواثيق الدولية المرأة والرجل الحقوق نفسها على قدم المساواة في عقد الزواج وفي أثنائه وعند فسخه، وكذلك في القوامة والولاية على الأبناء. وفي ذلك تعارض صريح مع التشريعات الإسلامية في مسائل رضا ولي الزوجة عند العقد، وقوامة الرجل على الأسرة، وتعدد الزوجات، ومنع زواج المسلمة بالكتابي، وأحكام الطلاق والعدة، وعدة الوفاة، وحضانة الأبناء، وفي هذه التشريعات تفاصيل جزئية تحقق العدل والحماية للمرأة من أوجه متعددة منها المادي ومنها المعنوي.

  تدعو المواثيق الدولية إلى القضاء على العنف ضد المرأة (الجسدي والمعنوي)، وتطالب بإلغاء الحدود الجزائية في الشريعة الإسلامية كحد القتل عمدًا، وحد الزنا، وغيره من الحدود، وتصفها بالعنف، وتطالب بإنشاء محاكم أسرية تقاضي الزوج بتهمة اغتصاب زوجته، وفي المقابل تحرم الشريعة الإسلامية معاملة المرأة بقسوة، أو الاعتداء على حقوقها المادية أو المعنوية كحرمانها من النفقة، أو عدم العدل في المعاملة أو عضلها أو التضييق عليها، وقد وردت العديد من الأدلة في القرآن والسنة التي تحث على إيفاء النساء حقوقهن، والرفق بهن، وحسن عشرتهن.

  تطالب المواثيق الدولية الحكومات القيام بإصلاحات تشريعية وإدارية لتمكين المرأة من الحصول الكامل على الموارد الاقتصادية مناصفة مع الرجل في التوظيف والتدريب، وتيسير حصولها على القروض الربوية، والدعوة إلى خروجها للعمل بأجر للحصول على استقلالها الاقتصادي وذلك للتخلص من تبعيتها للرجل، والتقليل من عمل المرأة المنزلي، واعتبار ذلك عملاً ليس له مقابل، ومن ثم فهو من أسباب فقر المرأة، وتطالب الزوج بدفع أجر مقابل عمل المرأة المنزلي، وهو غير مكلف بالنفقة على المرأة، في حين أن نظام النفقات في الشريعة الإسلامية يكلف الرجل بتحمل جميع الحقوق المالية كالمهر والنفقة، وللمرأة الحق في مقاضاته عند التقصير في أداء هذه الحقوق، وجعلت خدمتها في منزل الزوجية من حسن العشرة ولا تلزم بها، وأعطتها الحق في أخذ مقابل مادي من الرجل عند الرضاعة، وأباحت لها العمل خارج منزلها عند تحقق الحاجة إليه، ويضمن الإسلام للمرأة حق التصرف في أموالها الشخصية.

  تدعو المواثيق الدولية الحكومات والمنظمات لاتخاذ جميع الإجراءات لتحقيق مشاركة المرأة في جميع الأنشطة السياسية، ومنها حق التصويت للمرأة، وحقها في الانتخاب، والدعوة إلى تمثيلها تمثيلاً منصفًا على جميع المستويات في المجالس والهيئات، وحقها في أن تتولى جميع المناصب بما فيها رئاسة الدولة، ويمكن الشرع الإسلامي المرأة من المشاركة في النشاط السياسي كالبيعة والانتخاب والشورى، ولا تتولى الولاية العامة عند معظم الفقهاء.

  تنص المواثيق الدولية على أن يكون الإجهاض حقًا من حقوق المرأة، وتيسر حصولها على هذا الحق عندما تريد إنهاء حملها، وتدعو إلى إنشاء مستشفيات خاصة به، وتبيح قتل الأجنة داخل الأرحام بحجة أنه حمل غير مرغوب فيه، وتدعو إلى إلغاء الجزاءات المتعلقة بذلك، وتدعو إلى السلوك الجنسي المأمون، والاعتراف بالعلاقات الجنسية المحرمة المسببة للأمراض، وتجعل علاج الأمراض المنقولة جنسيًا جزءًا لا يتجزأ من خدمات برامج الصحة الإنجابية التي تلزم الحكومات بتوفيرها، في حين أن الشريعة الإسلامية بتحريمها الزنا والشذوذ تحمي المجتمع من الأمراض التي تنتقل عن طريق هذه العلاقات المحرمة، وتفرض الوضوء والطهارة والغسل، وتحرم قتل الأجنة وعمليات الإجهاض.

  تطالب المواثيق الدولية بالقضاء على الأدوار النمطية للمرأة، وهي أدوار المرأة المتعلقة بالإنجاب، وأدوار ربة البيت المتفرغة لرعاية أطفالها، وتطالب كذلك بتعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية للقضاء على العادات القائمة على فكرة تفوق أحد الجنسين، وتدعو إلى اتخاذ جميع التدابير المناسبة بما في ذلك التشريعي منها لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف التي تشكل تمييزًا ضد المرأة.

  الإسلام يساوي بين الذكر والأنثى في النوع، ويفرق بينهما في الجنس، ويجعل لكل منهما وظائف ومهام تتفق مع أدوار كل منهما في الحياة، ولا يعني ذلك أن هناك جنسًا أفضل من الآخر، بل يعني أن كليهما يتميز على الآخر في بعض الجوانب، ويقدر الإسلام الأمومة ويمنح الأم مرتبة تفوق مرتبة الأب، ويجعل التقوى معيارًا للتفوق، ويعطي المرأة حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمشاركة في النشاط الاجتماعي مع توفر الحشمة والوقار.

  هي حقوق المرأة في الإسلام والمواثيق الدولية المتعلقة بذات الشأن. وقد استخلصنا من البحث أن أوجه الحماية الممنوحة للمرأة في المواثيق الدولية تطرح حلولاً لمشاكل المرأة تقوم على الفكر الغربي العلماني الذي يهمش دور الدين في المجتمع، ولم تراع هذه المواثيق التباين الثقافي الواسع بين المجتمعات، واختلاف أوضاع المرأة ومشكلاتها من مجتمع إلى آخر، واختلاف الموروث التاريخي والديني والوضع الاقتصادي، ثم إن المشكلات التي نجمت عن تطبيق القيم الغربية، وما وصل إليه حال المرأة في الدول الصناعية المتقدمة في ظل الإباحية الجنسية والتحرر من القيم والأخلاق، وتفكك الأسرة وانحلالها، لهو دليل قاطع على فشل النموذج الغربي في صلاحيته ليكون نموذجًا يُحتذى في توفير الحماية للمرأة.

  لقد أحاط الإسلام المرأة بسياج من الرعاية والعناية، وارتفع بها وقدَّرها، وخصَّها بالتكريم وحُسْن المعاملة ابنةً وزوجةً وأختًا وأمًّا، فقرَّر الإسلام أوَّلاً أنَّ المرأة والرجل خُلِقَا من أصل واحد؛ ولهذا فالنساء والرجال في الإنسانيَّة سَوَاء، قال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً..} [النساء:1]، وهناك آيات أخرى كثيرة تُبَيِّن قضاء الإسلام على مبدأ التَّفْرِقَة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانيَّة المشترَكة.

   كذلك دفاع رسول الله عن المرأة: وانطلاقًا من هذه المبادئ، وإنكارًا لعادات الجاهليَّة والأمم السابقة فيما يخصُّ وضع المرأة، قام رسول الله يدافع عن المرأة ويُنزلها المكانة التي لم تبلغها في حضارة ماضية، ولم تُدْرِكْها في أُمَّة تالية؛ حيث سنَّ للمرأة -كأمٍّ وأخت وزوجة وابنة- من الحقوق منذ أربعةَ عَشَرَ قرنًا ما تزال المرأة الغربيَّة تُصارِع الآن للحصول عليه،  ففي جملة بلاغيَّة رائعة أصَّل رسول الله لقاعدة مهمَّة؛ وهي أن النساء يُماثِلن الرجال في القَدْر والمكانة، ولا ينتقص منهن أبدًا كونُهنَّ نساء، فقال: «إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» أي: نظراؤهم وأمثالهم، وقد ثبت عن رسول الله أنه كان دائم الوصيَّة بالنساء، وكان يقول لأصحابه: «…اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا»، وتكرَّرت منه هذه النصيحة في حجَّة الوداع وهو يخاطب الآلاف من أُمَّته.

  لمَّا كانت عادة العرب في الجاهلية وَأْد البنات؛ إذا برسول الله يُجَرِّم ويُحَرِّم قتل البنات وإهانة المرأة، وذلك انطلاقًا من تشنيع القرآن الكريم على أهل الجاهليَّة بسبب وَأْدِهم البنات ومهانة المرأة عندهم؛ حيث قال الله: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير:8،9]. بل وجعله رسول الله من أعظم الذنوب؛ فعن ابن مسعود أنه قال: “سألتُ رسول الله: أيُّ الذَّنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ» قال: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»”.

  رغم ذلك فهى لا تزال لم تتحصل على حقوقها فى جميع امور الحياة، ولا يزال هدف المرأة العام فى جميع المجتمعات البشرية، هو كيفية حصولها على حقوقها سواء كان ذلك المجتمع شرقيًا أم غربيًا. ومعلوم ايضًا، أن المنظمات الدولية، وبخاصة الأمم المتحدة قد اضطلعت بدور مهم -كاطار مؤسسي- لحماية حقوق الانسان، بدأ من صياغة الأطر القانونية التي توفر الاسس التشريعية الضرورية وانتهاءًا بانشاء العديد من آليات الحماية. وقد كان هذا الموضوع، على وجه الخصوص، محلًا لاهتمامات الكثير من الباحثين الاكاديميين الذين عنوا بالبحث فى تقييم دور المنظمات الدولية فى حماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية وتوفير الضمانات اللازمه التى تكفل التمتع بها على نحو سليم وكامل.