يومان مختلفان، 09 مارس 1994 و10 مارس الموالي، تغير فيهما الوضع الأمني في الجزائر، فارق 24 ساعة فصل بين مرحلتين من المأساة الوطنية، فما وقع في آخر أيام شهر رمضان 1994 كان تغيرا جذريا في تاريخ الجزائر، استعملت فيه أدوات بشرية رغما عنها، لم يستشر أحد مئات السجناء الذين تم تدبير فرارهم من سجن تازولت، ففي هذا اليوم، كان عدد كبير من السجناء على موعد مع هجوم خارجي مدبر، نفذه عدد كبير منهم رغما عنهم.

“هربنا لنموت”.. عبارة قالها سجين هرب من سجن لامبيز في ولاية باتنة، ثم ألقي عليه القبض بعد سنة من الفرار وأعيد إلى السجن بعد الإدانة، ثم حصل على عفو ضمن تدابير المصالحة الوطنية.. عبارة تلخص حادثة كان هدفها في البداية الإضرار بالأمن والجيش، لكن الوحيد الذي دفع الثمن كان مئات السجناء الذين تفرقوا في جبال الشرق الجزائري وأغلبهم مات، إما في المواجهات أو بسبب الجوع.

زغاريد في يوم الاعتقال

“سنة كاملة وأنا أتنقل من مكان إلى آخر، من جبل إلى جبل، ومن حفرة إلى مغارة، كانت أسرتي تعتقد أنني قد قتلت، وعندما تم توقيفي في ولاية جيجل بعد 14 شهرا من الفرار من سجن تازولت، وعند بلوغ الخبر إلى والدتي، عرفت لاحقا أنها صرخت بالزغاريد من قوة الفرح. أمي اعتقدت طيلة 14 شهرا أنني قتلت أثناء الفرار أو أثناء العمليات التي أعقبتها، وكان خبر توقيفي للمرة الأولى مصدرا لفرحة أسرتي”.

ويضيف سجين سابق في إفادته المنشورة قبل 13 سنة في منتدى على الإنترنت خاص بالمصالحة الوطنية: “قضى بعضنا ما بين 5 و7 أيام بلا طعام ولا شراب، بعد أقل من نصف ساعة بعد تنفيذ عملية الاقتحام، اختفت المجموعة التي فتحت لنا أبواب السجن، لاحظت كما لاحظ غيري أن المجموعة كانت مهتمة بتهريب عدد محدود من السجناء، وقامت بتأمين نقلهم إلى خارج مدينة تازولت. أما الغالبية العظمى من السجناء، فقد سارت على الأقدام دون أن يعرف أي منا إلى أين يذهب.. وكان الشهر الأول بعد الفرار الأسوأ في تاريخ حياتي، بل إنه كان أشد قسوة حتى من السجن”.

ويضيف السجين (ت. عمور)، وقد قدم نفسه بأنه مناضل سابق في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة: “أثناء سيرنا على الأقدام متجهين إلى جبل بوطالب، أدركنا أننا كنا جزءا من لعبة كبيرة، فالذين قاموا بتهريبنا لم يهتموا بالمطلق بمصيرنا. وكنا أمام خيارين كل منهما أسوأ من الآخر، فالاستسلام لمصالح الأمن كان مرعبا بالنسبة لنا في تلك المرحلة، أما خيار البقاء في حالة فرار فقد كان يعني الموت جوعا وبردا.. اضطررنا لاحقا لتشكيل جماعة ومبايعة أمير حتى نستمر على قيد الحياة، وفي اليوم السابع من الفرار وكنا قد قضينا 7 أيام كاملة بلا طعام، قال لي أحد الرفقاء وكان عددنا 20 شخصا لقد هربّونا لنموت”. ويضيف صاحب الشهادة: “لاحظت أن المهاجمين في يوم 29 رمضان كانوا على علم دقيق بتفاصيل أقسام السجن، وكانوا يتحركون بسرعة باتجاه زنازين المحكوم عليهم بالإعدام، فهمنا لاحقا أن خطة الفرار كانت تنقسم إلى مراحل، أول مرحلة هي تحرير المتهمين المدانين الأخطر، وضمان تنقلهم بسرعة، ثم تحرير المتهمين من أعضاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين توبع أغلبهم في قضايا إرهاب أو تجمهر. وفي الأخير، التفت المهاجمون لتحرير سجناء الحق العام ولم يكن هدفهم تحريرهم، بل خلق حالة فوضى كبيرة تؤدي إلى نجاح فرار المجموعة الأخطر”.

العملية الإرهابية الأخطر في تاريخ الجزائر

كانت عملية الفرار الجماعي لـ1200 سجين من سجن تازولت في مارس 1994 بداية سنوات العنف الأعمى في الجزائر، الأمر لا يتعلق هنا بعملية أمنية إرهابية حققت هدفها، بل إن الموضوع يتعلق بعملية حربية كاملة بكل المقاييس. ومنذ مارس 1994، تغير التعاطي الرسمي، سواء من قبل الدولة أو الجيش والأجهزة الأمنية مع التهديد الذي كانت تمثله الجماعات الإرهابية. وعند تصنيف أضخم العمليات الإرهابية في تاريخ الجزائر من ناحية إنسانية، سيتم ترتيبها على أساس أبشع المذابح التي وقعت في العاصمة والبليدة والمدية وغليزان في العشرية الحمراء. أما إذا تم تصنيف العمليات الإرهابية الأخطر في تاريخ الجزائر، فإنها ستصنف على أساس أكبرها وأكثرها تأثيرا على الوضع الأمني في البلاد. وطبقا لهذا هذا الترتيب، فإن عملية الفرار من سجن تازولت الرهيب في 1994 هي الأولى، وفي المرتبة الثانية تأتي عملية تيڤنتورين في عام 2013.

وكان تأثير عملية سجن تازولت أكثر شدة على الوضع الأمني في الجزائر، لعدة أسباب، أبرزها أن العملية رفعت عدد الأشخاص المطلوبين في غضون دقائق بأكثر من 1200 شخصا دفعة واحدة. لكن الأمر الأشد خطورة في العملية، والذي يثبت بالدليل المنطقي أن من خطط لها ونفذها كان على قدر كبير من الدهاء العسكري، كان يتعلق بالصراع الداخلي في الجماعات المسلحة في الجزائر، وقد ساهمت العملية في تكريس الجماعة الإسلامية المسلحة GIA على اعتبارها المنظمة الإرهابية الأكبر والأهم في الجزائر، وهذا ما تكشفت الوقائع.

اقتحام السجون من الخارج

تنقسم عمليات الفرار المدبرة من السجون إلى أنواع عدة، أسهلها على الإطلاق هي فرار سجناء أثناء عمليات الترحيل، وأكثرها صعوبة هي أن يتمكن سجناء منفردون من الفرار من السجون دون أي مساعدة خارجية، وفي الوسط تقع عمليات اقتحام السجون من الخارج لتهريب مجموعة من السجناء أو كل السجناء.

التجارب التاريخية في كل حوادث الفرار من السجون التي تمت باقتحام من الخارج تؤكد أن العمليات هذه تتشابه في بعض الصفات، مثل ارتباط العمليات بحروب خارجية أو حروب أهلية أو نشاط لعصابات منظمة مثل المافيا، لأن مثل هذه العمليات تحتاج لترتيبات مثل تجنيد عدد من المسلحين يقومون بالاقتحام من الخارج، وأن يقوموا بتسهيل نقل الهاربين من السجن. كما أن الدافع السياسي أو التنظيمي يرتبط بشكل مباشر بمثل هذا النوع من العمليات، وفي أغلب الحالات تقع هذه الأحداث بتواطؤ على مستوى ما من الحراس، أو على الأقل أن يقوم الحراس بتوفير معلومات أمنية دقيقة لجماعة الاقتحام القادمة من الخارج، والتي لا يمكنها بالمطلق التمكن من تنفيذ مثل هذه العمليات دون معلومات دقيقة.

وشهد العراق في جويلية 2013 عمليات مطابقة للفرار الجماعي من سجن تازولت، نفذها تنظيم القاعدة ضد سجني أبو غريب والتاجي، وهذا يؤكد أن تنظيم القاعدة في العراق الذي غيّر اسمه إلى تنظيم الدولة الإسلامية، استلهم فكرة الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية وطبقها بعد 19 سنة.

سجن لامبيز

لم تكن عملية اقتحام سجن لامبيز مجرد عملية إرهابية كبيرة تم التخطيط لها وتنفيذها للإخلال بالأمن الوطني وتغيير قواعد اللعبة بين قوى الأمن والجماعات الإرهابية، كانت العملية ذات رمزية. فسجن لامبيز إلى غاية عام 2010 كان الأكبر في الجزائر، وأحد أقدم السجون، وكان ضمن مجموعة قليلة من المؤسسات العقابية التي يتم فيها تنفيذ الإعدام الذي جمّد لاحقا.

سجن لامبيز الذي كان ينظر إليه بأنه قلعة أمنية حصينة لا يمكن الفرار منها أبدا، كان به عيب خطير في تسعينيات القرن الماضي، فالسجن لم يكن ملائما لإيواء متهمين في قضايا إرهاب لسبب بسيط، هو أنه كان موجودا في موقع قريب جدا من مرتفعات أوستيلي، وهي جزء من جبال الأوراس، والتي كانت نقطة انطلاق للعملية الإرهابية التي استهدفته لاحقا، كما أن هذه المرتفعات كانت المحطة الأولى التي هرب إليها الفارون من السجن بعد مغادرتهم.

تفجير مطار هواري بومدين

تبادل القياديان جعفر الأفغاني ونبيل صحراوي في الفترة بين ماي 1993 وديسمبر 1993 مجموعة من الرسائل، بعضها تم استرجاعه في عمليات أمنية، وبعضها الآخر كان رسائل شفهية نقلها مبعوثون بين جبال تمزغيدة في المدية وجبال الأوراس في الشرق الجزائري، وحصل على مضمونها محققون جزائريون، في سنوات لاحقة، تكشف عن بعض الحقائق التي تؤيدها شهادة حيّة لأحد الفارين من سجن تازولت، أكد هذا في سياق شهادته على أحداث تازولت 1994.

الحقيقة التي لا تعرفها سوى قلة قليلة في الجزائر، هي الفئة التي حققت في عملية الفرار الكبير من سجن تازولت في عام 1994 وجمعت الأدلة، هي أن بداية الفرار الكبير من سجن تازولت كانت في عام 1993. ففي أكتوبر 1992 بعد أيام من توقيف المتهمين في قضية تفجير مطار هواري بومدين التي وقعت في نهاية شهر أوت 1992، قررت قيادات الجماعات المسلحة في الجزائر، وعلى رأسها الـGIA الجماعة الإسلامية المسلحة، تحرير الموقوفين في قضية المطار، مهما كان الثمن.

القرار تم اتخاذه طبقا لمعلومات حصلت عليها “الخبر” من قبل القيادي الكبير في الجماعة سيد أحمد مراد “جعفر الأفغاني”، وكانت الفكرة الأولى هي تحرير الموقوفين من سجن سركاجي. وبدأ التحضير للعملية التي وقعت ولكن بطريقة مختلفة في فيفري 1995 وأحبطت لاحقا. ولكن وأثناء التحضير للعملية في سرية كاملة، علمت قيادات الـGIA في ماي 1993 بأن السجناء تم فصلهم بعد صدور الأحكام النهائية، وأن المحكوم عليهم بالإعدام في القضية نقلوا إلى سجن لامبيز في باتنة. وهنا، تم تغيير المخطط بالكامل، بالرغم من أن مخطط تدبير عملية لترتيب فرار جماعي من سجن سركاجي كانت في مراحل متقدمة، وتقرر في جوان 1993 ترتيب فرار جماعي من سجن تازولت.

والحقيقة التي ظهرت مع بداية ترتيب العملية أن مثل هذه العملية تحتاج لتدابير خاصة تسهل عملية الفرار الجماعي، أهمها اختراق حراس السجن وتجنيد عدد منهم. وأثناء تبادل الرسائل والاتصالات بين سيد أحمد مراد (جعفر الأفغاني) ونبيل صحراوي (أبو إبراهيم مصطفى)، وكانت الترتيبات جارية على أساس أن الفرار سيتم في أكتوبر 1993 لكن العملية أجلت في سرية مطلقة إلى رمضان 1994، بعد وصول خبر تنفيذ حكم الإعدام بحق المتهمين، حشايشي رشيد، سوسان سعيد، تشيكو جمال، عيمات محمد، فتوح عبد الكريم، منصوري ملياني. فمبرر إنقاذ حياة المحكوم عليهم بالإعدام، وبشكل خاص الأمير ومؤسس الـGIA منصور الملياني وتحدي السلطات لم يعد موجودا. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن أمير منطقة باتنة في الـGIA عارض تنفيذها بعد تنفيذ الإعدام في موقوفي قضية مطار هواري بومدين، وعلى رأسهم مؤسس الـGIA.

جعفر الأفغاني سيد أحمد مراد

الجدل ما يزال متواصلا حول السبب الحقيقي لتنفيذ عملية اقتحام سجن لامبيز، بعض التقارير الأمنية قالت إن جعفر الأفغاني أصر على تنفيذ العملية ليس من أجل تسهيل فرار المتهمين في قضية تفجير المطار، بل من أجل تسهيل فرار صديقه ورفيقه في أفغانستان رشيد أوكيلي المكنى أبو تراب الذي قتل في عام 2002. وما يؤيد وجهة النظر هذه هي أن إرهابيين سهلوا وصول رشيد أوكيلي إلى تمزغيدة في أول 48 ساعة بعد الفرار من سجن لامبيز، بل إن المنفذين الذي اقتحموا سجن لامبيز بحثوا بشكل خاص عن رشيد أوكيلي وحرروه مع أول السجناء الفارين.

كان يتكلم بالهمس بصوت خافت، لا يكاد يسمعه القريبون منه، تتناقض ملامحه وطريقة حديثه مع سلوكه في تنظيم GIA، كان دائما يفاجئ القريبين منه بقرارات غير متوقعة، وحمل عقيدة سلفية جهادية متشددة، وكان أحد مهندسي تحويل جماعة GIA إلى أكبر تنظيم إرهابي في تسعينيات القرن الماضي.. إنه سيد أحمد مراد، كان يحمل كنية سيف الإسلام أثناء مشاركته في القتال في أفغانستان رفقة إرهابي ثان كان آخر أمراء الجماعة الإسلامية المسلحة. يحمل كنية أبو تراب، اسمه الحقيقي رشيد أوكالي، إنه الرجل الذي تشير الشهادات المتقاطعة إلى أنه قرر تنفيذ عملية الفرار الجماعي من سجن تازولت.

تشير معلومات جمعتها “الخبر” من عدة مصادر إلى بعض التفاصيل التي تنشر للمرة الأولى حول عملية الفرار الجماعي من سجن تازولت، إلى أن الفرار الجماعي من سجون سركاجي وتازولت تقرر رسميا على مستوى إمارة الجماعة الإسلامية المسلحة GIA، وكان مهندس العملية الحقيقي هو جعفر الأفغاني الذي تولى إمارة الجماعة الإسلامية المسلحة رسميا في أوت 1993 بعد مقتل الأمير عيسى بن عمار.

تشير المعلومات التي جمعتها “الخبر”، إلى أن جعفر الأفغاني لو قدر له العيش لسنوات أخرى، لكان مسار سنوات الدم في الجزائر قد تغيّر وربما تواصلت لسنوات أخرى عديدة طويلة، واستفاد منه أكثر، ولكن سرعة وفاعلية القوى الأمنية الجزائرية أدت إلى تحييد جعفر الأفغاني الذي سبقه قدره ولم يعش إلى يوم تنفيذ العملية الأكبر التي خطط لها، عندما عالجته قوة أمنية في العاصمة وقضت عليه 11 يوما قبل موعد الفرار الكبير في 27 فيفري 1994 بالعاصمة الجزائر.

العمل الكبير الذي بذله جعفر الأفغاني ساهم إلى حد كبير في تعزيز حضور وقوة الجماعة الإسلامية المسلحة، وبشكل لافت الأمير الذي تولى قيادة “الجيا” بعد مقتل سيد أحمد مراد الشريف قوسمي. جعفر الأفغاني كان منذ بداية النشاط الإرهابي في الجزائر ضمن أهم وأخطر 10 من قيادات الجماعات المسلحة في الجزائر، أما الرجل رقم 02 في عملية الفرار من سجن تازولت، فكان نبيل صحراوي، القيادي الكبير السابق في الجماعة الإسلامية المسلحة أمير منطقة باتنة، ثم أمير كامل منطقة الشرق الجزائر، ثم أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وقد قتل في 2004.

التخطيط لتنظيم عملية الفرار الجماعي من سجن تازولت لم يبدأ من داخل السجن بل من خارجه، وتمت إدارة العملية بالكامل من قبل قيادات الجماعات الإرهابية في باتنة وجبال تمزغيدة، المقر والمعقل الأول للجماعة الإسلامية المسلحة في الفترة بين عامي 1992 و1995، وسنرى بالتفصيل كيف أديرت العملية.

 إلغاء عملية الهروب من سجن تازولت

المغامرة كانت كبيرة، وبالنسبة لأمير الجماعة الإسلامية المسلحة في باتنة، وهو الإرهابي غير المتمرس في تلك الفترة عام 1994، فإن مثل هذه المغامرة كانت في تلك المرحلة أكبر من إمكانات نبيل صحراوي. وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن أسباب عدة دفعت أمير باتنة أبو إبراهيم مصطفى لرفض تنفيذ العملية في خريف عام 1993، لأن تدبير هروب أكثر من 1000 سجين من أكثر السجون أمنا في الجزائر إلى غاية عام 1994، ليس بالأمر السهل.

نبيل صحراوي الذي عارض العملية طبقا لما توفر من معلومات، قدم مبررات رفض تنفيذ العملية إلى جعفر الأفغاني، وكان ضمنها أنه من المستحيل لإمارة منطقة باتنة بل ولكل منطقة الشرق الجزائري في الجماعة الإسلامية المسلحة في تلك الفترة، تحمل هذا العدد من الملتحقين الجدد وتوفير السلاح والطعام والمأوى لهم، وهذا يعني أن الغالبية العظمى من الفارين سيقضى عليها في الأيام الأولى بعد تنفيذ العملية، وانتهاء الأمر بمقتل أغلب السجناء الفارين في الأسابيع الأولى من الهرب.

المبرر الثاني الذي قدمه نبيل صحراوي في خريف 1993 كان أن مثل هذه العملية قد تنتهي إلى فشل، يؤدي إلى عملية انتقامية ضد السجناء المحكوم عليهم في قضايا إرهابية، كما أن مصطفى أبو إبراهيم لم يكن متحمّسا لتحرير سجناء الحق العام، وهذا وضعه في تناقض في حالة التنفيذ، لأنه إذا ترك سجناء الحق العام في السجن سيعرض الـGIA لانتقادات لاذعة، أما إذا قام بتحريرهم فهذا سيعقد العملية أكثر.

مخاوف أبو إبراهيم مصطفى تعلقت أيضا باحتمال تدخل سريع من القوى الأمنية الموجودة في تازولت، في الرسائل المتبادلة بين إمارة الـGIA بباتنة، اقتنعت قيادات في الجماعة بوجهة نظر أبو إبراهيم مصطفى، كما أن طبيعة شخصية نبيل صحراوي وهو شديد الحذر من الاختراقات، دفعته على الأغلب للاعتقاد أن تحرير بعض المحكوم عليهم في قضايا إرهابية ومنهم مجموعة ڤمار وبعض الأفغان الجزائريين، سيفجر خلافات حول من تحق له قيادة منطقة الأوراس بل والشرق الجزائري.

القرار النهائي

أما القرار النهائي، فقد جاء لفرض تنفيذ العملية بناء على مجموعة من المبررات. قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة في مقرها عام 1993 في جبال تمزغيدة، كانت تنظر إلى الأمور بمنطق آخر مختلف، وهو أن تنفيذ مثل هذه العملية سيحقق مجموعة من الأهداف ذات الطابع الاستراتيجي للمنظمة وهي:

هدف معنوي

أدرك قادة الجماعات الإرهابية في الجزائر من البداية أن معركتهم ضد القوى الأمنية والعسكرية الجزائرية خاسرة، وكان أملهم الوحيد هو حدوث تغير في موازين القوى عبر التفاف الشعب خلفهم، أو انهيار معنويات القوى الأمنية والعسكرية، لكن أي من الهدفين لم يتحقق بعد عامين من بداية الحرب الأهلية في الجزائر؟

وتكشف المعلومات والتفاصيل أن الدافع الأهم للاستمرار في التخطيط لتنفيذ العملية كان معنويا، الـGIA وقياداتها أدركت أن نجاح مثل هذه العملية حتى لو أدى لاحقا لتوقيف أو مقتل أغلب الفارين، سيؤدي إلى رفع معنويات الجماعات الإرهابية، وإلحاق ضرر كبير بالروح المعنوية للأجهزة الأمنية، بشكل خاص في حالة نجاح اقتحام أكبر سجن في الجزائر في تلك الفترة، وهذا المبرر لوحده كان مهما بالنسبة لإمارة الجماعة الإسلامية المسلحة، وأدى إلى إرغام نبيل صحراوي على تنفيذ الأمر.

الصراع السياسي

يحقق الفرار الجماعي من سجن تازولت هدفا سياسيا وتنظيميا مهما للجماعة الإسلامية المسلحة، حسب المعلومات المتوفرة وحتى بالتحليل المنطقي، فالفرار من هذه القلعة الحصينة سيكرّس القوة الأمنية للمنظمة الإرهابية المسلحة، ويساهم في جعلها الجماعة الأكبر والأهم. ففي أعوام 1992-1993-1994، عاشت ساحة العمل الإرهابي في الجزائر صراعا بين المنظمات الكبرى، الحركة الإسلامية المسلحة MIA والجماعة الإسلامية GIA، وبعض الكتائب الصغيرة، فيما عرف في وقت لاحق بمحاولة الوحدة بين الجماعات المسلحة في الجزائر. وكان من الواضح أن الـGIA الجماعة الأكثر تشددا في تلك الفترة، تسعى بكل الوسائل إلى تكريس نفسها كقيادة شرعية يجب على الجميع تقديم بيعة السمع والطاعة في المنشط والمكره لقيادتها، وكانت عملية بهذا الحجم مهمة جدا للجماعة لتكريس نفسها كقوة عسكرية لا يمكن لأحد تحديها. والأخطر هنا هو أن الجماعات المسلحة كانت تسعى بكل الوسائل لضمان بيعة السجناء، سواء المنتمين للجبهة الإسلامية للإنقاذ، أو المتهمين في قضايا إرهابية، وسيمكن عمل مثل هذا من ضمان ولاء آلاف السجناء، وهذا أرغم الجميع في الجماعة على العمل على إنهاء كل الترتيبات قبل تنفيذ العملية.

هدف عسكري أمني

أدركت قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة، وحتى باقي المنظمات التي كان تركيزها كبيرا في ولايات الوسط، وتحديدا في المنطقة الممتدة بين ولايتي غليزان في الغرب وجيجل في الشرق والمدية في الجنوب العاصمة شمالا، أن الجيش الوطني الشعبي والقوى الأمنية ركزت في الفترة بين عامي 1992 و1994 ما يصل إلى 70 بالمائة من قواتها في هذه المنطقة التي تضم 14 ولاية، وكانت تعرف تماما أن عملية كبيرة في منطقة الأوراس ستؤدي إلى تخفيف الضغط العسكري والقبضة الأمنية في المعاقل الرئيسية، وهذا ما تحقق بالفعل، فقد أسفرت عملية تازولت الكبيرة عن إعادة توزيع القوات العاملة في مكافحة الإرهاب، وهذا ما أدى إلى تواصل النشاط الإرهابي في الجزائر، بل وإلى اشتداده فيما بين عامي 1994 و1997، وأرغم القيادة العليا في الجزائر على اللجوء إلى تجنيد قوات إضافية، والاستعانة بالحرس البلدي واستدعاء الاحتياط العسكري للمرة الأولى منذ الاستقلال، وهذا يعطي فكرة واضحة تماما هي أن ما بعد عملية تازولت هو مرحلة ثانية مختلفة عمّا سمي بالعشرية السوداء في تاريخ الجزائر، الهدف العسكري الثاني المهم بالنسبة للجماعة الإسلامية المسلحة كان التمكن من تحرير عدد من أخطر المتهمين في قضايا إرهابية في الجزائر.

 منظار ميدان

قبل تنفيذ أي عملية إرهابية بهذا المستوى أو حتى أقل، لا بد من توفر معلومات دقيقة وكاملة عن الهدف، وطريقة حراسته، وعدد الحراس وأنواع السلاح، وطرق الدخول والخروج، وهذا ما يسمى بالاستطلاع في العلم العسكري، لكن أي خطة لا يمكن أن تقوم إلا على أساس معلومات دقيقة وموثوقة ومن مصادر عدة. ولم تكتف جماعة نبيل صحراوي الإرهابية بالحصول على المعلومات من متعاونين معها من حراس سجن لامبيز، بل عمدت إلى مراقبة سجن لامبيز من أحد المرتفعات القريبة.

وتشير بعض المعلومات التي تضمنها محاضر التحقيقات اللاحقة، إلى أن الجماعة التي نفذت عملية الاقتحام من الخارج راقبت من موقع قريب من السجن عبر أحد المتعاونين معها بالسجن، كما تم تكليف عناصر بمراقبة السجن من أحد مرتفعات جبل وستيلي بمنظار ميدان. عملية المراقبة هذه تمت بشكل متقطع في شهر ماي 1994 ديسمبر، ثم تم تكثيف المراقبة في شهر فيفري 1994، الجماعة الإرهابية كانت تراقب الموقع من أجل التأكد بشكل دقيق من تعداد الحراس في السجن أولا، ويبدو أن المسؤول المباشر عن التنفيذ لم يكن يثق في المعلومات التي كانت تصله من حراس متعاونين.

عملية المراقبة سواء عبر المتعاونين في مدينة تازولت وسجن لامبيز، كان هدفها الأول هو معرفة مدى قدرة القوى الأمنية الموجودة في منطقة تازولت ومحيطها على التصدي لمثل هذه العملية وإحباطها من البداية، ولهذا السبب، فإن المراقبة بالمنظار تم تكثيفها في الأسابيع الثلاثة التي سبقت العملية، لكن قبل هذا، كان على الجماعة الإرهابية الخاضعة لقيادة نبيل صحراوي أبو إبراهيم مصطفى أن تحضر جيدا للعملية من داخل وخارج السجن.

عيد الفطر 1994

يتذكر كل من عايش سنوات المأساة الوطنية في الجزائر أن الجماعات الإرهابية كانت تعمد في كل شهر رمضان للتصعيد وتنفيذ عمليات دموية، وكانت ساعة الصفر في 90 بالمائة من هذه العمليات هي موعد الإفطار، وهذه كانت ساعة الصفر أيضا في عملية اقتحام سجن تازولت. لكن الفكرة في هذه العملية كانت أضخم بكثير، ساعة الصفر الحقيقية كانت عيد الفطر المبارك وليس موعد الإفطار، كما تشير التفاصيل التي ننشرها للمرة الأولى.

الإرهابيون الذين خططوا لعملية تازولت كانوا يدركون تماما أن أخطر ما في العملية الضخمة هو ما بعدها، ليس ساعة التنفيذ فقط، لهذا كانت الأيام الأخيرة من شهر رمضان قبيل عيد الفطر هي أنسب موعد للتنفيذ، على أساس أن كل الأجهزة الأمنية والقوى العسكرية تضع في الأسبوع الأخير قبل العيد مخطط الإجازات المؤقتة للعناصر والضباط Les permissions، وفي آخر يوم من أيام شهر رمضان يكون أغلب الحاصلين على الإجازات قد غادروا بالفعل الثكنات، وبهذا يصبح بمقدور الإرهابيين أن العمل العسكري واسع النطاق على مستوى محلي على الأقل في ولاية باتنة سيكون صعبا بشكل خاص لوحدات الجيش وحتى القوى الأمنية. وعلى هذا الأساس، تم اختيار يوم 10 مارس 1994 الموافق ليوم 29 رمضان ليلة الشك قبل عيد الفطر، وهو الموعد الأكثر حساسية الذي تصل فيه درجة الاسترخاء وسط كل الأجهزة الأمنية، بالرغم من الاستنفار الكبير بسبب الوضع الأمني في البلاد، إلى المستوى الأقل، فحتى في حالة إلغاء كل العطل القصيرة المؤقتة للعسكريين العاملين في ولاية باتنة والولايات المجاورة، يحتاج الأمر لما لا يقل عن 24 ساعة من أجل أن تكون كل القوات في أقصى جاهزية، وحتى في حالة نقل تعزيزات بسرعة قصوى، فإن هذه التعزيزات تحتاج لما لا يقل عن 12 ساعة لوصول القوات التي ستصل مفتقرة للخبرة بالمنطقة بحكم أنها تأتي للمرة الأولى، وبالتالي فإن فاعليتها تكون أقل.

الجماعات الإرهابية خططت بالتفصيل لكل جزئية من جزئيات هذه العملية الرهيبة طبقا للتحقيقات التي تمت لاحقا، وهذا ما سنكشفه في التفاصيل اللاحقة، لكن الأهم في كل هذه العملية الإرهابية أن القيادة العسكرية تعلمت من هذه التجربة وغيّرت الكثير من الإجراءات التي كانت متبعة في السابق.

60 دقيقة على الأقل

يبعد سجن تازولت عن مدينة باتنة بـ10 كلم، وهذا يعني أن أي تهديد للسجن سيعقبه وصول قوات عسكرية وأمنية كبيرة من مدينة باتنة، وقدرت الجماعة الإرهابية أن أي تأخر في الانسحاب يعني وصول تعزيزات أمنية كبيرة من باتنة، واكتشف الإرهابيون أثناء مراقبة الهدف، قبل تنفيذ العملية، أن مجموعة التنفيذ التي اقتحمت السجن كانت تحتاج لما لا يقل عن ساعة كاملة لإنجاز العملية والانسحاب السريع، وكان هذا يعني أنه من الضروري بالنسبة للإرهابيين في الساعة الأولى بعد الاقتحام أن يتم ترتيب الانسحاب بالنسبة للجماعة الإرهابية والمتهمين المدانين في قضايا إرهاب المطلوب تهريبهم، ولهذا السبب تم استقدام سيارات وشاحنات لتنفيذ العملية بالسرعة. ولكن الأهم هو أن الجماعة الإرهابية بالتعاون مع عملائها من داخل السجن، كانت تمتلك قائمة بأسماء المطلوب تهريبهم في الدفعة الأولى، في ذات السياق، تم تقسيم الجماعة الإرهابية إلى 03 مجموعات، كانت الأولى مجموعة الاقتحام، والثانية كانت حاضرة من أجل الإسناد والتصدي لأي تدخل من أي قوة أمنية في الطريق الرئيسي في الشمال الغربي لسجن لامبيز، وفي الجنوب الشرقي للسجن في الطريق الرئيسي الثاني، وقد تضمن المخطط انسحاب المجموعتين مع نهاية اقتحام السجن، في ذات الوقت، قامت المجموعتان بحفر خندق في الطريقين يعرقل أي تقدم لقوات أمنية.

وبدأت العملية بالفعل مع الساعة 18.42 مساء مع أذان المغرب، وقبيل أذان العشاء، كان السجن عبارة عن بناء فارغ تم به احتجاز عدد من الحراس، كما اختبأ عدد من السجناء الذين رفضوا المغادرة وكان أغلبهم من سجناء الحق العام الذين قاربت محكوميتهم على الانتهاء، وبقي بعضهم في مدينة تازولت وسلموا أنفسهم في اليوم الموالي، وهذا يفسر التضارب في الأرقام بين 1200 و1300 سجين، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى فرار 1200 سجين وتشير مصادر غير رسمية إلى فرار 1300 سجين.

ليلة الشك..”يوم الفتح”

أطلق الإرهابيون على عملية الفرار من سجن تازولت في نشراتهم التي صدرت بعد العملية الإرهابية اسم “يوم الفتح”، هذا التعبير كان قريبا جدا من الواقع، لأنه فعلا كان يوم فتح لكنه فتح أبواب جهنم على 1200 سجين فار، كلهم عاشوا المرحلة الأصعب مأساتهم الإنسانية، فمن أصل 1200 سجين فار، انتهى الأمر بالجميع إما قتيلا أو محبوسا من جديد مع تهمة ثانية جديدة.

كان يوما رمضانيا عاديا داخل المؤسسة العقابية تازولت، وعلى الأغلب أن كل حراس السجن كان تفكيرهم منحصرا في موضوع كيفية قضاء عيد الفطر المبارك، بعضهم سيكون محظوظا بقضاء عيد الفطر وسط عائلته، والبعض الآخر سيعيش يوم العيد مع السجناء. في ليلة الشك من رمضان 1994 وقبيل أذان المغرب بدقائق، كانت حوارات أغلب الحراس تتعلق بموضوع واحد هل سيكون يوم غد يوم عيد أو يوما متمما لشهر رمضان.

وسط هذه الأفكار والنقاشات، اقتربت ساعة بداية العملية، ومع أذان المغرب في تمام الساعة 18.42 من يوم 10 مارس، توجه أغلب الحراس إلى المطعم لتناول الإفطار بعد توزيع وجبة إفطار السجناء، ولم ينتبهوا إلى أن حارسين على الأقل من طاقم الحراس المناوب الذي كان يفترض فيه تأمين الحراسة في توقيت الإفطار قد بدأوا بالفعل في تنفيذ خطة الهرب. ففي الدقائق العشرة التي سبقت بداية التنفيذ، قام الحارسان بتسليم 03 قطع سلاح كانوا قد هربوها إلى داخل السجن في ذات اليوم إلى 03 من السجناء من المتهمين المدانين في قضية الاعتداء الإرهابي على الأميرالية بالعاصمة.

وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن المرحلة الأولى من العملية اشترك فيها عدد من السجناء قد يزيد قليلا عن 40 سجينا، من بينهم متهمون في قضايا إرهاب من ولاية باتنة سيطروا على السجن باستعمال السلاح المسلم لهم، وبأسلحة قاموا بالاستيلاء عليها من مخزن أسلحة السجن، فقد كان من المهم عدم السماح للحراس الموجودين في المطعم بالوصول إلى مستودع الأسلحة مهما كان الثمن. وبعد دقائق، تم اقتحام المطعم واقتياد كل الحراس إلى زنزانة أغلقت عليهم، وعندما قام أحد الحراس تعرضت مجموعة منهم للضرب المبرح، وأطلقت عيارات نارية أصيب فيها حراس.

من البداية، تم التخطيط بشكل دقيق للعملية باتفاق بين الحراس المتواطئين ومجموعتي المعتدين على الأميرالية وسجناء باتنة الذين قدر عددهم بـ22 سجينا، حيث انقسمت الجماعة إلى 03 مجموعات، سيطرت الأولى على مخزن السلاح ثم هاجمت الحراس لاحقا، وقامت الثانية بفتح البوابة الرئيسية، وبدأت الثالثة في التفتيش عن زنزانات المحكوم عليهم بالإعدام والمؤبد.

وتشير الشهادات المتعلقة بالحادثة إلى أن 90% من تفاصيل ومراحل العملية تم تنفيذها من قبل مجموعة السجناء المتواطئة مع الحراس من الداخل، دون تدخل من مجموعة الاقتحام التي جاءت من الخارج، وقد يعود هذا إلى أن مجموعة الاقتحام كانت مهمتها محصورة في جمع السجناء الهاربين وانتقائهم لنقل الأخطر منهم بسرعة بوسائل النقل التي تم توفيرها، كما أن مجموعة الاقتحام لم تكن تعرف الكثير عن السجن من الداخل، ولهذا تركت تنفيذ هذا الجزء من العملية للسجناء الذين باتوا مسلحين.

وتشير الشهادات إلى أن أحد الحراس المتواطئين كان قد أبلغ أغلب السجناء المحكوم عليهم بالإعدام وبالمؤبد في قضايا إرهاب، بوجود مخطط للفرار الجماعي من السجن في يوم 10 مارس، ساعات قبل التنفيذ.

المرحلة الأخطر من عملية لامبيز

لم تتوفر، إلى اليوم، معلومة دقيقة وثابتة على الأقل لدى المتابعين المتخصصين، حول المرحلة الأخطر من عملية لامبيز الإرهابية، وهي مرحلة تمكن الجماعة الإرهابية من تجنيد 2 من حراس السجن، وتمكن الجماعة الإرهابية في باتنة من التواصل مع الحراس وبداية التخطيط لتنفيذ العملية. ونحن هنا أمام روايتين، الأولى هي أن التجنيد تم من داخل السجن، عن طريق أحد السجناء الذي يدعى سعيد القارئ، وكان له دور محوري في العملية كلها. أما الرواية الثانية، فتشير إلى أن التجنيد تم عن طريق إرهابي له قرابة مع أحد الحراس، ويؤيد هذا أن اللقاءات بين الحارسين المتواطئين وعناصر جماعة باتنة الإرهابية كانت تتم في سكن في حي شعبي بمدينة باتنة، وهنا يصعب الإثبات، لأن كل الحراس المتواطئين والإرهابيين الرئيسيين الذين شاركوا في الاجتماعات قتلوا لاحقا.

وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن الإرهابيين عاصم أبو عقبة وعبد الباسط وصالح أبو يعقوب، كانوا في البداية مكلفين بالتواصل مع الحراس من قبل نبيل صحراوي، وتم ترتيب عدة لقاءات بين الحراس والإرهابيين الثلاثة. في هذه اللقاءات، تم تبادل الرسائل بين سجناء جماعة سعيد القارئ وجماعة متهمي قضية الأميرالية، و لكن “الحس الأمني” والخوف تحرك في قلب نبيل صحراوي، عندما فاجأه معاونوه بطلب غريب، وهو أن الحراس نقلوا طلب سجناء هو الحصول على أسلحة. على الأغلب، فإن نبيل صحراوي أبو إبراهيم مصطفى شك في الموضوع، واعتقد أن الأمر يتعلق بلعبة أمنية يديرها الأمن الجزائري للإيقاع بالإرهابيين، وحجز أسلحة وضبطها بشكل مباشر لدى السجناء. ولهذا، قرر خوض المغامرة والتنقل بنفسه متخفيا إلى داخل مدينة باتنة، للتأكد بنفسه من طبيعة طلبات الحراس.

وطبقا لما استنتجه المحققون لاحقا، فإن أبو إبراهيم مصطفى كان حتى إلى غاية الأسابيع الأخيرة قبل تنفيذ الهجوم الإرهابي الخطير يشك في حقيقة ولاء الحراس للجماعة الإسلامية المسلحة. أيضا، فإن الاجتماع النهائي الذي عقد في منزل في حي شعبي في باتنة في الأسبوع الثالث من شهر فيفري 1994، في يوم جمعة، تم فيه ترتيب كل شيء يتعلق بالعملية الإرهابية، باستثناء أمرين اثنين، موعد تنفيذ الهجوم وحجم المساعدة التي تقدمها الجماعة الإرهابية من خارج السجن، لأن أي مشاركة من الجماعة الإرهابية القادمة من جبل أوستيلي كان مرهونا بأمر مهم، هو وضعية القوى الأمنية في مدينة تازولت وعموم ولاية باتنة في ذات يوم تنفيذ الهجوم.

وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن القرار النهائي لموعد تنفيذ العملية تم في يوم 28 فيفري 1994، وأبلغ به الحراس في يوم 01 مارس، حتى يقوموا بترتيب إمكانية وجودهم ضمن الخدمة، إما في يوم 09 أو 10 مارس 1994.

الدم على الأرض

كان يوم 11 مارس 1994 غير عادي في ولاية باتنة ككل وفي منطقة تازولت تحديدا، فقد تواصل وصول تعزيزات عسكرية إلى الولاية بأمر قائد الناحية العسكرية الخامسة في قسنطينة إلى المنطقة من كل الولايات الشرقية المجاورة.

يقول مجند عسكري سابق شارك في عملية تعقب الفارين من سجن تازولت “بن حيلة. ع”: “صدرت الأوامر لوحدتنا العسكرية التي كانت موجودة في مدرسة الدبابات في باتنة بالتحرك بسرعة إلى تازولت، فهمنا مباشرة بأن الأمر يتعلق بعملية عسكرية كبيرة لمواجهة الفرار الكبير من سجن تازولت، لأننا علمنا بخبر الفرار بعد أقل من نصف ساعة من وقوعه، بعد إفطار يوم رمضاني، وتقرر استنفار كل القوة الموجودة في المدرسة وأغلب المواقع العسكرية، والحقيقة كانت أن الاستنفار لم يكن ضروريا، لأن كل الوحدات العسكرية الجزائرية كانت في حالة استنفار بسبب طبيعة الأحداث التي عاشتها الجزائر في عام 1994. وصلنا منتصف ليلة 10 إلى 11 مارس 1994، وكنا ضمن مجموعة العسكريين الثانية التي وصلت إلى داخل السجن، حيث قامت المجموعة الأولى بتأمين السجن بالتعاون مع الدرك الوطني. بدأنا في تمشيط مجموعة المرتفعات القريبة من المدينة، كان المنظر بشعا ومثيرا، فساحة السجن كانت تعج بآثار العنف والدم على الأرض، ومخازن السجن تم تكسيرها ونهبها. ومن البداية، أدركنا حتى قبل العلم بأي تفاصيل بأن الأمر يتعلق بعملية اقتحام كبيرة للسجن تمت من الخارج، وكان واضحا تماما أن المئات من الأشخاص مروا من هنا في طريقهم إلى جبال الأوراس. كنا نحاول الوصول إلى الأودية التي تفصل مجموعة الجبال القريبة من مدينة تازولت، وفوجئنا أثناء المسير بوجود آثار دم في كل مكان، فهمنا بعدها أن بعض السجناء تعرضوا للإصابة أثناء إطلاق نار بدأ في ليلة 10 إلى 11 مارس 1994. في ذات اليوم ضمن وحدتنا العسكرية، تمكنا من إلقاء القبض على 15 من الفارين، أغلبهم كانوا مختبئين في حفر وخنادق في المرتفع القريب من مدينة تازولت، ونقل الموقوفون إلى سجن تازولت من جديد للتحقيق معهم. واصلنا العمل في العملية طيلة شهري مارس وأفريل، وتمكنت وحدتنا من توقيف أكثر من 50 سجينا، أغلبهم كانوا من سجناء الحق العام الذين قرروا البقاء في أماكنهم واستسلموا بلا مقاومة”. *الجنرال محمد العماري

لم تكن القيادة العسكرية الجزائرية بحاجة في مارس 1994 لخبر بمثل خطورة ما وقع في تازولت، كان الأمر كما قلنا في السابق يتعلق بعملية حربية كاملة المعالم بكل المقاييس، وهذا ما استدعى تنقل الفريق محمد العماري، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، شخصيا إلى ولاية باتنة للإشراف على تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق وعلى مراحل.

ولكن القرار الأول المتخذ من الجنرال محمد العماري كان فتح تحقيق معمّق حول العملية، وكشف تفاصيلها بأسرع وقت ممكن، وبدأت العملية أولا بعزل منطقة جغرافية هي عبارة عن دائرة بيضاوية تمتد على مسافة 30 إلى 50 كلم إلى الشمال والجنوب والشرق والغرب من منطقة تازولت، لعزل المنطقة التي يفترض أن الهاربين من السجن قد وصلوا إليها، وقامت فكرة العملية العسكرية التي تقرر تنفيذها بمشاركة من قيادات الناحيتين العسكريتين الخامسة والرابعة، على أساس أن الشخص الذي يسير على قدميه لا يمكنه المسير كحد أقصى لمسافة تتعدى 30 إلى 40 كلم في 24 ساعة، وبالتالي من المهم منع وصول أغلب الهاربين إلى ولايات الشمال الشرقي الجنوب والوسط، وحصارهم في منطقة جغرافية معيّنة تمهيدا للتعامل معهم في عملية متدرجة لتوقيفهم أو القضاء عليهم.

وقد سارع في تنفيذ هذه العملية التي امتدت إلى ولايات خنشلة، أم البواقي، سطيف، ميلة، المسيلة وبسكرة، وهي الولايات الست المحيطة بولاية باتنة، العملية هذه التي استدعيت لها قوات من النواحي العسكرية الرابعة والخامسة، تواصلت إلى غاية أكتوبر 1994، وكانت المرحلة الثانية منها تقسيم الدائرة الجغرافية المحددة إلى مربعات والتعامل معها مربع بعد آخر، وسمحت بتوقيف عدد كبير من الفارين والقضاء عدد منهم.

قائمة 431 مطلوب

القرار الأول المتخذ على أعلى مستوى في باتنة كان إعداد قائمة مطلوبين بالصور وتوزيعها على كل ولايات الوطن، وبشكل خاص الولايات القريبة، لإمكانية توقيف المطلوبين. في ذات الوقت، بدأت عملية البحث في المحيط القريب عن أخطر المطلوبين الفارين، وفهمت القيادة العسكرية في الساعات الأولى بعد الفرار الكبير من سجن تازولت طبيعة هدف العملية الإرهابية العسكري، وهو تحرير مجموعة من أخطر المتهمين المدانين في قضايا إرهاب. وعلى الفور، تم إعداد قائمة كانت تضم 431 مطلوبا خطيرا للأمن، من بينهم المحكوم عليهم بالإعدام، تم توزيع صورهم، وكان من بينهم المتهمين المدانين في قضية الأميرالية والمتهمين المدانين في قضية حادثة ڤمار، وعدد من المدانين في قضايا إرهاب من ولايات باتنة، خنشلة، سطيف، برج بوعريريج، تبسة وميلة، وبعض “الأفغان الجزائريين” وعلى رأس المجموعة كان المدعو أبو تراب اسمه الحقيقي رشيد أوكيلي، ومعهم مجموعة المتهمين في قضية الأميرالية.

التقارير الأمنية اللاحقة أكدت أن المتهمين في قضية الأميرالية كانوا النواة الأولى الصلبة التي بدأت في التخطيط للفرار، وعلى الأرجح، فإن هذه المجموعة مع مجموعة ثانية من المتهمين في قضايا إرهابية من ولاية باتنة تعرف باسم “مجموعة بريكة” ساهمت في التخطيط للعملية، بل وفي تجنيد أحد الحراس للعمل. مع أخطر المطلوبين، كانت توجد أسماء المتهمين في قضية الهجوم على ثكنة ڤمار بولاية الوادي، والغالبية العظمى من قائمة الـ431 إرهابيا قتلت في الفترة بين عامي 1994 و1998 في عمليات أمنية وعسكرية في مناطق قريبة من ولاية باتنة باستثناءات قليلة، مع وجود مفقودين غير معروف مصيرهم إلى الآن، وزادت المخاوف على المستوى الأمني من إمكانية تحول أكثر من 600 سجين من سجناء الحق العام إلى إرهابيين مفترضين.

04 اتجاهات

بدأ قادة الوحدات العسكرية المشاركة في العملية في تنفيذ الأوامر الصادرة من أول اجتماع عسكري عقده الفريق محمد العماري رفقة قائد الناحية العسكرية الخامسة، وتم توزيع المهام، وكانت الخطة والتعليمات العسكرية الصادرة من القيادة العسكرية قائمة على فكرة أن الغالبية العظمى من الفارين من سجن تازولت تكون قد هربت إلى جبل أوستيلي، ومن المهم في المرحلة الأولى حصار الجبال عبر السيطرة على الممرات الفاصلة بين مجموعة الجبال. وتواصل العمل بهذه الخطة بإسناد من القوات الجوية التي ساهمت في العملية بشكل كبير، وتعززت سيطرة القوات العسكرية على المنطقة في مساء يوم 12 مارس 1994 مع وصول عدة كتائب من القوات الخاصة التي جاءت على عجل من ولاية بسكرة المجاورة، ونجحت القوات العسكرية الكبيرة التي وصلت في 48 ساعة الأولى في عزل مرتفعات أوستيلي عن باقي جبال منطقة الأوراس والمناطق المجاورة، وشملت الخطة العسكرية عزل جبال شيليا والشلعلع وجبال تاغندا وجبال عين كرشة بالكامل بقوات كبيرة سيطرت على الأودية وسفوح الجبال وبعض المرتفعات، وخضعت كل الطرق الصغيرة والكبيرة للمراقبة ليلا ونهارا.

وكان هدف الخطة العسكرية منع وصول الفارين من سجن تازولت إلى ولايات الشرق المجاورة وإلى ولايات الوسط، الخطة العسكرية التي تواصلت عدة أشهر أثبتت أنها كانت شديدة الفاعلية، ومنعت استفحال الوضع بالرغم من نجاح عدد كبير من الإرهابيين في مغادرة كامل المنطقة في اليوم الأول للفرار