بقلم: عميد/ أحمد عيسى

 مدير عام معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي سابقا

رام الله 13/3/2019

يأتي تكليف الدكتور محمد اشتية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح بتشكيل الحكومة الفلسطينية الثامنة عشر، في لحظة تاريخية فارقة بلغت فيها التحديات والتهديدات التي تواجه القضية الفلسطينية نقطة الذروة، الأمر الذي يجعل من مهمة نجاح الحكومة العتيدة في مواجهة التحديات الماثلة في الواقع الفلسطيني، ومعالجة التهديدات الجارية والمتوقعة خياراً وحيداً أمامها لإستعادة الشرعيات المتآكلة للمشروع الوطني وقيادته لا سيما القيادة المتمثلة في حركة النحرير الوطني الفلسطيني فتح.

حيث يواجه الشعب الفلسطيني في هذه اللحظة من الزمن تحديات وتهديدات استراتيجية، لا زالت حاضرة وفاعلة في مكونات البيئة الاستراتيجية الفلسطينية (الدولية والإقليمية والمحلية).

فعلى صعيد البيئة الدولية يواجه الشعب الفلسطيني منفرداً الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم في العالم، التي من جهة لا زالت تهيمن على النظام العالمي، وتسعى من جهة أخرى الى انتاج نظام عالمي جديد أكثر استقراراً من النظام القديم يخدم مصالحها وفق (شعار أمريكا أولاً) ويبقيها على رأس النظام العالمي، ويُمكن اسرائيل في نفس الوقت من تحقيق ما عجزت على تحقيقه خلال العقود السبع الماضية، وذلك عبر تمرير الصفقة التي تدعو اليها والتي تجلت بوضوح في موضوعات القدس، واللاجئين، والمكانة الديبلوماسية الفلسطينية في واشنطن.

وعلى صعيد البيئة الاقليمية التي يشهد نظام الإقليمي فيها تحولات جذرية بدأت تظهر منذ بداية العقد الجاري وتشير الى نهاية النظام القديم وتؤسس في نفس الوقت لميلاد نظام اخر جديد، يواجه الشعب الفلسطيني ومعه مئات الملايين من الشعب العرب التهديد الكامن في تنامي استعداد بعض الدول العربية لتطبيع علاقاتها مع اسرائيل بشكل يتناقض مع شروط مبادرة السلام العربية العام 2002.

ويزيد من مخاطر هذا التهديد تزامنه مع وصول العلاقة الفلسطينية الاسرائيلية الى نقطة اللاعودة وفقاً لتصريحات كبير المفاوضين الفلسطينيين السيد صائب عريقات، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. الأمر الذي يتجلى بوضوح في سن واصدار البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) قانون القومية الذي يجعل من فلسطين وطناً قوميا لليهود فقط، ويحرم الفلسطينيين من حق تقرير المصير، علاوة على ازدياد وتيرة التهويد والاستيطان في الضفة الغربية خاصة في مدينة القدس المحتلة، ثم أخيراً قرصنة أموال المقاصة التي تقوم عليها الموازنة الفلسطينية.

أما على صعيد البيئة المحلية فيعاني النظام السياسي الفلسطيني من غياب الشرعية الانتخابية، كما يعاني المجتمع الفلسطيني برمته من انقسام سياسي واجتماعي منذ سيطرة حركة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة في العام 2007..

وفي ذات الشأن تشير التقارير الاحصائية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يشهد تراجعاً لافتاً على المستويات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وفوق ذلك كله يشهد المشروع الوطني الفلسطيني وقيادته المتمثلة في حركة فتح تآكلاً متواصلاً في شرعيتيهما السياسية والأخلاقية، الأمر الذي ترى هذه المقالة أنه فيما يضع الحكومة الفلسطينية القادمة أمام تحدِ هو الأصعب الذي يواجه الحكومات الفلسطينية المتعاقبة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، فهو يوفر فرصة ربما تكون هي الأخيرة أمام حركة فتح لاستعادة هذه الشرعيات المتآكلة او بعض منها.

وفي شأن تآكل الشرعيات جادل البعض بأن نصوص وملحقات إتفاق أوسلو العام 1993، قد جرى صياغتها في ظل غفلة من المفاوض الفلسطيني لتصنع في نهاية المطاف الموجبات التي تجعل من تآكل الشرعيات نتيجة حتمية.

 وعلى الرغم من أهمية هذه المجادلة ووجاهتها، ترى هذه المقالة أن مسببات تآكل الشرعيات تعود لغياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي في ضبط التطبيق والتنفيذ الفلسطيني للنصوص، لا سيما بعد اغتيال رئيس الوزراء اسحاق رابين العام 1995 على يد أحد افراد اليمين الذي يهيمن على الحكم في اسرائيل في الوقت الراهن.

فمن حيث الشرعية السياسية للمشروع الوطني الفلسطيني فترى هذه الورقة أن هذه الشرعية مرتبطة بتحقيق غايتين، تتعلق الغاية الأولى في اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران العام 1967 بما فيها القدس الشرقية كعاصمة للدولة وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفق ما نصت عليه الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، وتقع مسؤولية هذه الغاية على عاتق منظمة التحرير الفلسطينية قبل السلطة الفلسطينية، أما الغاية الثانية فتدور حول تطوير وتنفيذ برنامج صمود جاد وشفاف يعزز من صمود الشعب الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، وتتربع هذه الأولوية على رأس قائمة أولويات الحكومة القادمة.

أما من حيث الشرعية الأخلاقية للمشروع الوطني الفلسطيني ولقائدة هذا المشروع (فتح)، ووفقاً للصورة النمطية لكل منهما في ذهن الفلسطينيين، فقد تحول المشروع الوطني من مشروع جسدته وعبرت عنه صورة الفدائي الفلسطيني، الى مشروع للتكسب المادي والاغتناء المالي، وكذلك الحال بالنسبة لحركة فتح بصفتها قائد هذا المشروع، فقد تحولت من نموذج ناجح في تجسيد الوطنية الفلسطينية الى نموذج عنوانه الفشل في الحكم والإدارة، اذ كان الفساد الإداري والمالي صفة أصيلة من صفات هذا النموذج خلال فترات ترأسها للحكومات الفلسطينية حتى العام 2006، وذلك طبقاً لتقارير هيئة الرقابة الادارية والمالية الفلسطينة، الأمر الذي أكد عليه التقرير النهائي للجنة المستقلة التي شكلها السيد الرئيس محمود عباس للتحقيق في أحداث غزة العام 2007.

 وكانت حركة فتح  قد أكدت على ذلك من جهتتها في مسودة مشروعها السياسي وخطة البناء الوطني التي قدمت للنقاش في المؤتمر العام السابع الذي انعقد في رام الله العام 2016، حيث حددت هذه الوثائق معالم حركة فتح الجديدة بأنها “فتح الموحدة، والمتجددة دوماً، والمصطفة الى جانب الجماهير في الداخل والخارج، والمستندة دائما في عملها على الجماهير، والتي ترفض التباعد عنهم أو الترفع عليهم أو النأي عن مطالبهم، والتي تبعد عن التواكل والشللية والتكسب من العمل النضالي…..}.