قضايا سياسية

حلفاء الأمس أعداء اليوم و احتمالات الصدام بين أمريكا وتركيا في سوريا؟

فالمشروع السياسيّ في فيدراليّة شمال سوريّا، لم يبنِ آماله وأهدافه على الدعم الأمريكيّ والغربيّ عموماً، فالكرد ومعهم شركاؤهم لم يضعوا كلّ بيضهم في السلّة الأمريكيّة، بل تركوا أمامهم مساحة واسعة من المناورة والدبلوماسيّة والتحرّك شرقاً وغرباً، لكي لا يقعوا فريسة وضحيّة التوافقات الدوليّة التي يبني عليها أعداء المشروع الفيدراليّ كثيراً بما فيها النظام السّوريّ، ويملكون من أوراق القوّة ما يكفيهم ويمكّنهم في تثبيت مشروعهم وحقوقهم في سوريّا وفي المنطقة على السواء اليوم وغداً، فالسيطرة على ربع الجغرافيّة السّوريّة والتحكّم بأهمّ مصادر الطاقة، يؤهّلها لأن تكون بين الكبار، وليس ورقة للمساومة تسقط بمجرد سحب الدعم عنها، فهي اعتمدت في بناء مشروعها وثورتها على ذاتها، ولم تأتِ على ظهور الدبّابات الغربيّة لتحرّر روج آفا وشمال سوريّا وشرقها من الإرهاب، بل هو – أي التحالف – من مدّ يده إليها، وهي قبلت وصافحتها وأصبحت شريكة لها في مكافحة الإرهاب، ومن الآن فصاعداً سوف تستمرّ الشراكة في بناء ما دمّره الإرهاب، ومن يتوقّع أنّ سيناريو جنوب كردستان سيُعاد تكراره في روج آفا وشمال سوريّا، فهو واهمٌ.

مع نهاية العام الاول للرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض، وبعد النكسات العسكرية التي الحقتها الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها السوريون بتنظيم “الدولة الإسلامية” بما في ذلك استئصال الإرهابيين من “عاصمة” الخلافة المزعومة في مدينة الرقة السورية، أعلنت الولايات المتحدة للمرة الأولى أنها ستُبقي قواتها العسكرية التي يزيد عددها عن الفي عنصر في شمال شرق سوريا إلى أجل مفتوح فالوجود العسكري الأمريكي في سوريا، يواجه معارضة من نظام بشار الأسد في دمشق وحليفيه الرئيسيين إيران وروسيا. المفارقة هي أن الطرف الذي قد يتحدى هذا الوجود الأمريكي العسكري وحلفائه سياسيا وميدانيا، ليس أي من خصوم أمريكا التقليديين في المسرح السوري، بل من “حليفها” القديم تركيا. احتمال بروز تركيا كخصم عنيد للولايات المتحدة في سوريا، هو من بين الحقائق الميدانية غير المتوقعة وغير المقصودة التي برزت في سوريا بعد سبع سنوات من القتال المدمر ، إضافة إلى احتمال تفاهم بين تركيا وإيران، وبدعم من روسيا، لتحدي الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا.

الصراع يشتعل بين انقرة و واشنطن

تشكل التناقضات الإقليمية ارتدادات تلقائية لنمط “التماسك الهش” الذي بات سمة العلاقات التركية -الأمريكية، فأنقرة وواشنطن نادرًا ما اتفقتا خلال السنوات القليلة الخالية، وبدا وكأن كل دولة لها مدارها المختلف. كل ذلك في وقت تصاعدت فيه نبرة وحدة خطاب أردوغان حيال الغرب، بما جعل تركيا شكليًا جزء من التحالف الغربي في الإقليم، غير أنها واقعيًا باتت أبعد ما تكون عنهلقد ارتبط الخلاف الأمريكي- التركي على هذا المستوى بالتحالف الأمريكي -الكردي عبر الإقليم، وما أثاره على مستويين، أولهما، ارتدادات الدعم العسكري الأمريكي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي المهيمن على قوات سوريا الديمقراطية، والذي يصنف بمقتضى القوانين التركية حزبًا إرهابيًا. وفيما حاولت تركيا طرح قوى بديلة، فإن واشنطن عززت مراكز الحزب الكردي الميدانية، وتمدداته الجغرافية على الشريط المحاذي للحدود التركية وفي مقابل الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية والحزب الكردي، فإن النظرة الأمريكية لوضعية الجيش التركي وقدرته على خوض معارك بديلة للقوى الكردية تتسم بالتدني، وذلك في ظل سياسات “التطهير” التي اتبعها أردوغان حيال المؤسسة العسكرية، وتراجع أهمية “وكلاء أنقرة” داخل الساحة السوريةمع تصاعد حدة التوترات بين تركيا وأكراد سوريا إلى حد غير مسبوق، بدت آفاق الصراع مفتوحة على مصراعيها؛ خاصة مع  تهديدات أنقرة بالقضاء على القوة الأمنية التي ينوي التحالف الدولي تشكيلها في الشمال وتواصل أمس التصعيد بين أنقرة والأطراف الكردية، ودفع الجيش التركي بتعزيزات إلى الحدود مع سوريا شملت دبابات، فيما طالب «حزب الاتحاد الديمقراطي» الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بإعلان «منطقتين آمنتين» في غرب الفرات وشرقه، وردع تركيا من شنّ هجوم عسكري على عفرين و حسب اعتقادي أن تركيا لن تتراجع عن حماية أمنها القومي ولو تقبل بوجود إقليم أو كيان كردي على حدودها وإن تطلب ذلك منها الدخول في مواجهات عسكرية، و أن واشنطن طرحت ورقة القوة الأمنية في سوريا للضغط على أنقرة.

القوة الامنية ذات الاوجه المتعددة و الاهداف الامريكية الجديدة في منطقة الشرق الاوسط الجديد

كشفت الولايات المتحدة الأمريكية عن نيتها في إنشاء “قوة حدودية” تتكون من عناصر “قوات سوريا الديمقراطية”، التي تضم في معظمها عناصر “حزب العمال الكردستاني”، وذراعه العسكري في سوريا “وحدات حماية الشعب” الكردية و قد أعلنت واشنطن، أنها ستطلق اسم “قوات حرس الحدود” على هذا التشكيل الجديد، على أن تنتشر هذه القوات على طول الحدود التركية والعراقية، تتوزع شمالا على الحدود التركية، وفي الجهة الجنوبية الشرقية على الحدود العراقية، بين المنطقة التي تخضع لنفوذ “قواتسوريا الديمقراطية” المدعومة من قبل واشنطن، والمنطقة التي يسيطر عليها النظام المدعوم من قبل روسيا، أي في منطقة وادي نهر الفراتمن جهته، هدد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بـ “خنق” القوة الكردية المزمع تشكيلها على حدود بلاده بدعم أمريكي، “قبل أن تولد”، متّهماً الولايات المتحدة بدعم تشكيل جيش لترويع تركياوأضاف: “تُصرّ دولة نَصِفُها بأنها حليف (أمريكا) على تشكيل جيش ترويع على حدودنا. ماذا يمكن لجيش الترويع هذا أن يستهدف عدا تركيا؟”. وأضاف: “مهمّتنا خنق هذا الجيش حتى قبل أن يولد”وتابع أردوغان: “القوات المسلّحة التركية أكملت استعداداتها لعملية في منطقة عفرين الخاضعة لسيطرة الأكراد بشمال غرب سوريا وبلدة منبج. هذا ما لدينا لنقوله لكل حلفائنا: لا تتدخّلوا بيننا وبين التنظيمات الإرهابية، وإلا فلن نكون مسؤولين عن العواقب غير المرغوب فيها” في غضون ذلك، حذّر وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو نظيره الأميركي ريكس تيلرسون ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس من خطورة “القوة الأمنية الحدودية”، مشيراً إلى أنها ستلحق الضرر بالعلاقات الأميركية- التركية “على نحو لا رجعة فيه”.

الموقف الروسي الرافض

واعتبرت روسيا هذا الدعم الأمريكي لتشكيل القوة الحدودية الجديدة “مؤامرة لتفكيك سوريا، ووضع جزء منها تحت السيطرة الأمريكية”وفي إشارة إلى القوة الجديدة المزمع تشكيلها، قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف: “الإجراءات التي نراها حالياً تظهر أن الولايات المتحدة لا ترغب في الحفاظ على سيادة سوريا”في السياق، أعلنت حكومة بشار الأسد أن القوات الأمريكية في سوريا “قوة احتلال غير مشروعة” وأن أفراد قوات سوريا الديمقراطية “خونة” و في هذا التطور العسكري اعتقد أن كل المؤشرات تؤكد عدم تراجع تركيا عن مواقفها في ظل دعم روسي من اقتحام مدينة عفرين مستخدمة ذرائع قد لا تكون واقعية وإن نجحت في ذلك أعتقد أنها سوف تستمر عملياتها باتجاه مدينة منبج، وكل ذلك من خلال دفع فصائل مسلحة سورية لتبني هذه العمليات بغطاء منها كما و لا أعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضحي بتركيا كحليف لها في حلف الناتو كما أنها ستحاول عدم التصادم والمواجهة معها لأن ذلك ينفي عدم رغبتها بتقسيم سوريا وهو مخالف للقرارات الدولية وبشأن الأكراد أعتقد أن الأكراد هم الفريق الأضعف والخاسر وتحاول أمريكا استغلالهم كما استغلتهم روسيا، بداية من تأزم الموقف مع تركيا بعد إسقاط المقاتلة الروسية”، ان تركيا ستستغل حاجة روسيا لها في الصراعات السورية وتقضي على أي حلم لأكراد سوريا بإنشاء كيان لهم.

أعتقد أن الأكراد هم الفريق الأضعف والخاسر وتحاول أمريكا استغلالهم كما استغلتهم روسيا، بداية من تأزم الموقف مع تركيا بعد إسقاط المقاتلة الروسية ، و أن تركيا ستستغل حاجة روسيا لها في الصراعات السورية وتقضي على أي حلم لأكراد سوريا بإنشاء كيان لهم.

عفرين.. واللعبة الاستراتيجية بين القوى في سوريا

إن الولايات المتحدة الأمريكية تريد الضغط على تركيا عبر تلك القوة المراد إنشاءها على الحدود الشمالية السورية، ليكون الأكراد دائما شوكة في ظهر النظام التركي من جهة اخرى تعمل تركيا بتدخلها العسكري من أجل عدم قيام دولة للكرد جنوب بلادها، وهو ما تلعب عليه واشنطن، تساعد سوريا الديمقراطية وتدعمهم عسكريا وفي نفس الوقت تعلن صداقة مع الأتراكأحد الأهداف الرئيسية لواشنطن في سوريا، هو التصدي للنفوذ الإيراني السياسي والعسكري في تلك البلاد والعمل على إضعافه بمختلف الوسائل، باستثناء الدخول في حرب مع إيران في سوريا. اللافت هو أن قرار إبقاء القوات الأمريكية في شمال شرق سوريا، قد اتخذ دون أن يحظى بنقاش مسبق من قبل قيادات ولجان الكونغرس المختصة، ودون أي مساهمة علنية بهذا الشأن من قبل الرئيس ترامب. وقالت مصادر تتابع المداولات بين وزارتي الدفاع والخارجية ومجلس الأمن القومي حول سوريا أن الرأي السائد في هذه الأوساط هو أن انسحاب القوات الأمريكية في أي وقت قريب سيفسر على أنه انتصار كامل لروسيا وإيران، وسوف يسهل على إيران اقامة “جسر بري” يصلها عبر العراق وسوريا ولبنان إلى البحر المتوسط. ويعتقد أنه تم اقناع الرئيس ترامب بإبقاء القوات الأمريكية في سوريا، باسم التصدي للنفوذ الإيراني هناك.

هذا الموقف الأمريكي الجديد طرحه وفسره وزير الخارجية ريكس تيلرسون في خطاب رئيسي القاه في مؤسسة هوفر التابعة لجامعة ستانفورد في كاليفورنيا. وشدد تيلرسون على أن أهداف الولايات المتحدة الآنية تشمل مواصلة محاربة فلول تنظيم الدولة الإسلامية، وضمان عدم بروزهم من جديد، إضافة إلى تدريب قوة أمنية جديدة تعتمد على متطوعين حاربوا معها ضد إرهابيي الدولة الإسلامية من الذين كانوا منضوين تحت لواء قوات سورية الديمقراطية من سوريين عرب وأكراد. ومن المتوقع أن يصل عدد هذه القوة إلى حوالي 30 ألف عنصر. وكان مسؤولون عسكريون أمريكيون قد وصفوا هذه القوة في السابق بأنها قوات حرس حدود، سوف تنتشر على الحدود السورية-التركية-العراقية. رد الفعل التركي الرسمي كان سريعا وعنيفا على لسان الرئيس رجب طيب اردوغان الذي قال إن “تركيا سوف تخنق جيش الإرهاب هذا قبل ولادته”. وترى تركيا أن القوات الكردية في سوريا هي امتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا الذي تصنفه واشنطن وأنقرة تنظيما إرهابيا. هذا الرفض التركي المطلق للجيش الكردي بمعظمه، دفع بتيلرسون للتأكيد للمسؤولين الأتراك أن واشنطن لا تقوم بتدريب حرس حدودي (مع أن ضباط أمريكيين قالوا ذلك بوضوح) بل تدريب عناصر محلية بهدف تأهيلها لمواجهة أي إرهابيين من تنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة وفروعها من العودة إلى المناطق المحررة.

يعتبر الشمال الشرقي من سوريا نقطة صراع بين القوى الدولية، التي تريد تعزيز موقعها على الخريطة السورية؛ وهم تركيا وإيران وروسيا وأمريكا وصحيح أن التحالف الحالي بين أنقرة وطهران وموسكو في سوريا قوي، لكن العديد من الخبراء السياسيين يرون أنه مرحلي، وأن لحظة الفراق مهما بعدت فسوف تأتي، لذلك تحاول أنقرة قدر الإمكان إيجاد جيوب آمنة تحمي مصالحها في سوريا جغرافياً تمتد منطقة الشمال الشرقي من سوريا من الشرق لتضم في حدودها منطقة البادية السورية، وصولاً إلى الحدود العراقية، وتتواصل المنطقة من خط التيفور – تدمر، إلى الميادين – البوكمال على الحدود مع العراق شرقاً، ثم تصعد شمالاً باتجاه الحدود السورية – التركية، وتضم هذه المنطقة مدناً أبرزها تدمر والرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب مئات من القرى والبلدات، وتسمى اختصاراً بـ “منطقة الجزيرة”؛ لكون نهر الفرات يقسمها إلى شقينوتحوي “الجزيرة” أهم الثروات الباطنية في سوريا، من مناجم الفوسفات، إلى الملح الصخري، إضافة إلى حقول النفط والغاز، التي تشكل الثروة النفطية لسوريا، وفيها خزان الإنتاج الرئيسي للحاصلات الزراعيةووتتواصل أهمية الشرق السوري في تركيبته الديموغرافية، ورغم وجود أغلبية عربية من السكان هناك، فإن فيه أكبر تجمعات للسوريين الكرد، خصوصاً في محافظتي الحسكة والرقة، كما أن بين سكانه نسبة من المسيحيين السوريين من الآشوريين – السريان والأرمن، إضافة إلى جماعات عرقية أخرى بينهم التركمان.

إن التوتر الحالي بين تركيا وأمريكا ليس الأول ولن يكون الأخير، ان الحرب على داعش انتهت وباتت هناك مرحلة جديدة هي مرحلة حصاد النتائج، فأمريكا لا تعنيها المعارضة ولا يعنيها النظام، لديها مشروع تريد تحقيقه، وإلا لما كانت تدخلت في الساحة السورية وجعلت من حرب داعش شماعة، واختارت الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني (الانفصالي) حليفاً لها .لان الشمال الشرقي من سوريا هو ضمن إطار مشروع واشنطن الكبير الذي لن يتحقق دون استمرار صراع النظام والمعارضة، وإلهائهم بجولات مكوكية في جنيف، وكذلك استنزاف لروسيا وتركيا على المدى البعيد، ريثما يخلق واقع جديد وتتغير التركيبة الديمغرافية في الجغرافيا التي حددتها واشنطن مسرحاً لمصالحها لكن تبقى ردة الفعل التركية المعارضة لأي وجود كردي انفصالي هي الأقوى في وجه واشنطن، خاصة أن الحكومة التركية توعدت باقتحام عفرين معقل القوات الانفصالية الكردية في سوريا، أن الاحتمالات كلها مفتوحة ، وليس من مصلحة واشنطن أن تفتح جبهة مع دولة تعتبر حليفة لها، في ظل هذا الاحتقان الإقليمي والدولي ضدها بعد قضية القدس الأخيرة ، و بالتأكيد ان واشنطن لم تنسَ تجربتها في العراق و يبقى أن عقدة الولايات المتحدة الآن هي أنها تتعامل مع أطراف معادية لها في سوريا ومحيطها وإن بمستويات مختلفة، وهذا يشمل ليس فقط النظام السوري، بل روسيا وإيران وحتى العراق وتركيا.

الخلاصة

ان الإعلان الأمريكي عن تأسيس جيش حرس حدود كشف عن الخطوط الأساسية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سوريا التي كانت مترددة بين عدة خيارات. إذ يُركز النهج الجديد الذي تجري مناقشته حاليا على تقسيم سوريا، ويؤكد مؤيدوه على أن سوريا مقسمة بالفعل بحكم الأمر الواقع، وأن على الولايات المتحدة أن تعترف بهذه الحقيقة، وتوقف القتال من أجل إعادة إقامة حدود مصطنعة تعود إلى عهد الاستعمار، حسب معهد دراسات الحرب الأمريكي. ويرتبط هذا النهج ارتباطا وثيقا بالمناطق الآمنة التي وعد الرئيس ترامب بإنشائها. ويبدو أن الخطوط العريضة لهذه الفكرة، التي لم تكن واضحة قبل أشهر عندما كتب معدو دراسة معهد الحرب، باتت أشد وضوحا، وهي تأخذ بتوصياتها التي طالبت الولايات المتحدة مساعدة وكلائها (أي المليشيات الموالية لها) على تأمين مساحات جغرافية يمكن للولايات المتحدة بعد ذلك تجميدها وحمايتها بطريقة يمكنها معالجة المشكلة الأساسية. ويؤكد مسار العمل هذا على الوجود الأمريكي على مسرح الأحداث، بغض النظر عن الجهات الفاعلة الأُخرى، وعلى النية في العمل على بناء قوة عربية سنية شريكة للولايات المتحدة في الحرب على السلفيين الجهاديين، ومنعهم من إعادة ترتيب صفوفهم، والعمل أيضا على إعادة توطين اللاجئينتدرك روسيا خطوط الاستراتيجية الأمريكية، ولذلك فقد تخلت مرحليا عن أكراد عفرين بانتظار نهاية عملية إدلب. وكان الجنرال الروسي ألكس كيم قد عقد اجتماعا، في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2017، مع الناطق باسم وحدات حماية الشعب نوري محمود، وأدلى ببيان صحفي أمام العلم الروسي وراية الوحدات. وتحتفظ روسيا بعلاقات جيدة مع أكراد سوريا، وهي مقتنعة أن تركيا ستنسحب في النهاية. فمع بداية العملية التركية في عفرين، قررت القوات الروسية الانسحاب من المنطقة، وهو ما يعني فسح المجال للقوات التركية بالتدخل، حيث انسحب عناصر الشرطة العسكرية الروسية من مواقعهم في محيط قرية كفر جنة، شمال عفرين، باتجاه مدينتي نبل والزهراء، الخاضعتين لسيطرة النظام السوري في شمالي حلب. فمع بداية عملية عفرين، زار رئيس الأركان العامة الفريق أل خلوصي أكار، ورئيس جهاز الاستخبارات التركية هاكان فيدان؛ روسيا، والتقيا بوزير الدفاع الروسي، وذلك للسماح لتركيا القيام بهجمات جوية على منطقة عفرين فعملية غصن الزيتون العسكرية التركية في عفرين توضح خطوط استراتيجيتها الدفاعية بمواجهة مخاطر إنشاء كيان كردي، تقوده حركات تعتبرها إرهابية تهدد أمنها القومي، لكنها تحمل رسالة سلام لكافة أطراف التنافس الدولي في سوريا الأمريكي والروسي، فهي تستند في تحركاتها بناء على تفاهمات يشوبها الشك، فتركيا لا تزال تتبنى نهجا أتاتوركيا واقعيا يبتعد عن المغامرة، ولا تقدم نفسها كقوة إقليمية سنية منافسة تحتضن مكونات سنية تتوافر على أهداف سياسية مشروعة. وبهذا، فإن عملية عفرين ستبقى محدودة ومحددة، ولن تتجاوز حدود السياسات الدفاعية في سوريا، في ظل سوريا باتت مقسمة بين أمريكا وروسيا.

الدكتور حكيم غريب

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock