محمد عبدالرحمن عريف

    يقول السعيد {كنت وزيراً للسد العالي وقبل ذلك كنت شاهدًا على الحلم منذ فترة مخاضه الى أن صار حقيقة وواقعاً؟}. فى عام 1959 صدر قرار بإنشاء اللجنة العليا للسد العالي برئاسة المشير عبدالحكيم عامر وكانت توجد دراسات للسد العالي بدأها المهندس محمود يونس والمهندس سمير حلمي وكان قبل ذلك قد جاء رجل يوناني اسمه دانينوس عام 1955 وتقدم بمشروع اقتنع به مجلس قيادة الثورة وبدأ محمود يونس وسمير حلمي يعملان إعلامياً للمشروع لكي يقتنع الناس به ويصبح مشروعاً قومياً، وجرى تنظيم سلسلة محاضرات وندوات عن السد العالي في نادي ضباط الجيش بالزمالك وفي نقابة المهندسين بهدف التمهيد للمشروع وتثبيت جذوره وإيجاد حماس جماهيري حول الفكرة وبدأ محمود يونس وسمير حلمي في دعوة خبراء لعرض الموضوع وحضر خبير انجليزي ثم خبير أمريكي الى أن تم تكليف محمود يونس برئاسة هيئة قناة السويس وكلف سمير حلمي بشركة كيما وكانا قد أنجزا دراسات مستفيضة حول السد إلى أن تم تشكيل لجنة عليا للسد برئاسة المشير عبدالحكيم عامر وكنت سكرتيرًا عامًا لهذه اللجنة.

    بالطبع كان أول ما فعلت أن جمعت كل ما أنجز من دراسات سابقة حول المشروع وصاحبت المشير في كل رحلاته للاتحاد السوفيتي الخاصة بشأن هذا المشروع ومنها زيارته المهمة بشأن توقيع عقد تمويل السد العالي وحضر هذا اللقاء خبراء روس منهم خبير اسمه “ماليشيف” وهو الذي بنى سداً كبيراً على نهر النولجا يشبه السد العالى وكانت تتفرع من اللجنة العليا للسد العالي لجان فرعية أخرى مثل لجنة الري ولجنة الكهرباء ولجنة المواصلات.

  لقد شكل مشروع السد العالي ميلادًا لمقاولين كبار مثل عثمان أحمد عثمان، فكيف كانت الخطوات العملية الأولى فى بدء بناء السد؟. يعرض السعيد هنا فيقول طرحنا في عام 1958 مناقصة لبناء السد العالي وتقدم لها عطاءان الأول اتحاد مقاولين “شركة أحمد عبود وآخرين” والثانى عثمان أحمد عثمان وشركاه وقد طلبت المجموعة الأولى تأجيل تقديم العطاءات وفتح المظاريف على الأقل لمدة شهر ربما لكي يفوتوا الفرصة على الاخرين وكنت آنذاك أعمل مديراً لمكتب الرئيس لشئون التخطيط والاقتصاد أثناء شغل موقع سكرتير اللجنة العليا للسد العالي وزارتي في المكتب المهندس أحمد محرم وكان معيداً في كلية الهندسة وكان بصحبته المهندس عثمان أحمد عثمان الذي أوضح أنه نقل أعماله من السعودية إلى القاهرة ويرغب في الحصول على مشروع كبير ويطمع في فوزه بمناقصة بناء السد العالي وأنه لا يرحب بتأجيل فتح المظاريف وحاولت المجموعة الأولى الضغط عليه لعدم التقدم للمشروع من خلال التأثير على البنوك حتى لا تعطيه خطاب ضمان ولم توافق الهيئة العليا للسد العالى على تأجيل موعد العطاء وكان رئيسها هو زكريا محيى الدين الذى جاء خلفًا للمشير عامر وتم فتح المظاريف في موعدها، وكان عطاء عثمان أقل العطاءات بمبلغ 9 ملايين جنيه.

عبدالناصر تخوف من اسناد مشروع ضخم كهذا لمقاول صاعد مثل عثمان أحمد عثمان

    “هل معقول بعد كل المعارك التي خضناها والتحديات التي واجهناها في مشروع مصيري كهذا أن نسند هذا المشروع لمقاول من القطاع الخاص، وطلب مني الاتصال بعثمان للحصول على موافقته لقيام الدولة بشراء 25% من أسهم شركته وطبقًا لقانون الدولة فإن الدولة إذا كانت تمتلك 5% من أى شركة فإنه يصبح من حق الدولة تعيين مجلس ادارة للشركة والتصديق على قراراتها فوافق عثمان فورًا ثم طلب الرئيس عبدالناصر أن تشترك مع عثمان إحدى الشركات التي تمتلكها يواجه ظروفًا مالية صعبة حتى أن الدولة اضطرت إلى أن تدخل وتشتري جميع أسهمه وبذلك أصبحت الشركات التي كان يساهم بها البنك شركات ملك الحكومة ومنها كانت شركة الأسمنت المسلح التي طلب الرئيس أن تشارك مع عثمان بنسبة 50% في اتحاد المقاولين لتنفيذ المشروع ووافق عثمان واجتمع رئيس شركة الأسمنت الدكتور طلعت مع عثمان وتكون اسم “المقاولون العرب”.

    يقول السعيد هنا لا تفوتنى الاشارة إلى أنه بعد تولي السادات رئاسة الجمهورية بدأ في إعادة بناء الدولة بتشكيل جديد لمجلس الوزراء برئاسة الدكتور محمود فوزي ثم جاءني شعراوي جمعة وكان آنذاك أميناً للتنظيم السياسي ووزيرًا للداخلية وأخبرني أن السادات يرغب في تعييني وزيراً للسد العالي وكان تصوري أن يستمر صدقي سليمان وزيراً للسد العالي حيث انه الأجدر إلا اننى فوجئت بقرار رئيس الجمهورية بتعييني وزيراً للكهرباء والسد العالي في 18 نوفمبر 1970.

   الواقع هنا أنه لم يمض وقت طويل بين قرار السادات بتعيين السعيد وزيرًا لكهرباء والسد العالي وبين اعتقاله في مذبحة 15 مايو 1971. فلقد قدم عدد من الوزراء استقالاتهم، يقول السعيد “لقد نزلت على رغبتهم أو على الأقل تضامنت معهم وقدمت استقالتي أيضًا، فتم تسجيلي على قائمة الخارجين على السادات ومن رموز الانقلاب الدستوري -على حد وصف الصحف آنذاك- وأننا نخطط للاستيلاء على السلطة. وأن هذا الانقلاب يبغي الاستيلاء على السلطة والسيطرة على مقاليد الحكم، وهذا غير منطقي لأن كل من تعرضوا للاعتقال كانوا جميعًا في مواقع قيادية في السلطة أصلًا وكان بإمكانهم البقاء في مواقعهم. إذا اتفقوا مع توجهات السادات.

   بعد وفاة عبدالناصر كان جميعنا يرى ضرورة تجاوز الفترة العصيبة وما تتطلبه من اتخاذ خطوات من شأنها ضمان استمرار الثورة وسرعة اختيار خليفة لعبد الناصر وتوالت اجتماعات اللجنة التنفيذية العليا واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى في يومى 3 و5 أكتوبر عام 1971 ثم اجتماع مجلس الإدارة في السابع من أكتوبر 1971 وكان ترشيح أنور السادات رئيسًا للجمهورية.. وهذا هو ما حدده تقرير اللجنة التنفيذية العليا وبيان اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي وبيان مجلس الأمة للتأكيد على جملة من المبادئ الأساسية للتحرك وكان منها استمرار الثورة كما رسمها عبدالناصر والقضاء على معوقات استمرارها، وتحميل المزيد من المسئوليات على المؤسسات السياسية والدستورية، ومشاركتها مع الرئيس الجديد ولم يتم الاعتراض عليه.

   كان الاتفاق العام هو مواصلة النضال من أجل تحرير كل الأرض العربية المحتلة منذ عدوان 1967، ومهما يكن من أمر فإن نتيجة الانتخاب جاءت الإجماع لاختيار السادات وألقى بيانه في مجلس الشعب.. وكان أشبه ببيان الطمأنة على مواصلة مسيرة الثورة والحفاظ على الميراث الوطني لعبد الناصر وطمأنة للحراس على هذا الميراث ولا أدري إن كان خطاب السادات مناورة لتهدئة النفوس القلقة أم، وكان يغازل عواطف المؤمنين بعبد الناصر فقد قال فيه الحرف الواحد: “انني أودع في هذا المجلس بيان 30 مارس، فذلك آخر برنامج متكامل قدمه جمال عبدالناصر لأمته وصدقت عليه جماهير شعبنا في استفتاء عام” وعلى أثر هذا وعلى سبيل التأييد لهذه المبادئ  قمت أنا وأخي سعد زايد بزيارة المحافظات حتى أسوان لتزكية السادات.

   وسط كل ما سبق كان عبدالمجيد فريد هو المشرف على إعداد المؤتمر وتردد يومها أن السادات ينوي الانحراف عن طريق عبدالناصر، فكان الاحتفال فرصة للجماهير لتعلن عن تمسكها بخط ونهج عبدالناصر وكانت اللجنة المشرفة على الاحتفال قد أعدت مجموعة صور لعبد الناصر وكانت هناك مفارقة حيث الهتاف للسادات والصور المرفوعة لعبد الناصر واستطاع السادات ضبط هذا التباين لصالحه حيث وقف وألقى خطابه الذى قال في موضع منه.. أنه ليس من حق فرد أو جماعة أن تزعم لنفسها قدرة منفصلة عن هذا س2 مايو 1971 يقيل نائب رئيس الجمهورية “علي صبري ثم شعراوى جمعة يوم 13 مايو. ثم توالت الاستقالات الجماعية لإحراج السادات لكن هذا لم ينجح؟. لم الاستقالة وما توابعها؟. فشعراوي هو من قدم استقالته وقبلت، أما عن الاستقالات الجماعية، فبعد استقالة أو “إقالة” شعراوى جمعة”، اتصل بي سعد زايد يوم 13 مايو من منزل شعراوي جمعة وطلب مني الحضور وكان وقتها أخي، المستشار عبدالحميد يونس عندي في البيت فأخذته وذهبنا لمنزل شعراوي جمعة وكان هناك أخي سامى شرف وأخي محمد فائق وقمنا بتدارس الموقف الحرج وخروج السادات عن خط عبدالناصر، ورأينا أن أفضل تصرف هو تقديم الاستقالة لنجنب البلد أية مصادمات أو مضاعفات وكانت الاستقالات اختيارية فقد خير الجميع بين الاستقالة أو بقائه في موقعه وكان قرار تقديم الاستقالات هو الأسلوب الهادئ والمسالم في الرفض وكتب كل منا استقالته في سطرين ووضعنا الاستقالات كلها في مظروف واحد وأذكر أن أخى سامى شرف طلب أشرف مروان وقال له: “تعال خد الاستقالات وروح بيت الرئيس”… أما أخى محمد فائق الذى كان وزيراً للإعلام فقد ذهب إلى الاذاعة وتأكد أن الاستقالات قد أذيعت في نشرة الساعة الحادية عشرة مساءً أى قبل أن يقرأها السادات نفسه، وفي لحظة تجمعنا في بيت شعراوي جمعة اتصل عبدالمحسن أبو النور وقال لشعراوي جمعة إن ضياء الدين داود والدكتور لبيب شقير وصبري مبدى معه في البيت وأنهم سيقدمون استقالاتهم أيضًا. ثم وقعت الاعتقالات وأذكر أن النائب العام ماهر حسن هو الذى معنا.

   لقد بدأت التحقيقات معي في 5 يونيه 1971 وكانت بمقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة وقام بها المستشار ماهر حسن. الذى كان رأيه في القضية أنه لا يمكن أن يقدم أكثر من عشرة شخصيات إلى المحاكمة وأن القضاء العادي لا يمكن أن يعطي أياً منهم أحكاماً وأن النيابة تطلب معاقبة كل منهم في حدود 4 سنوات واقترح إنشاء محكمة خاصة للمحكمة وقال محمد ماهر حسن إنه لا يستطيع أن يوجه اتهامات لا تثبتها أدلة فغضب منه السادات ولهذا كان قرار السادات بتعيين الدكتور مصطفى أبو زيد في منصب المدعي العام الاشتراكي وهو منصب أنشئ لأول مرة وقد تحولت إليه القضية من النيابة العامة، وفي يوم 29 ديسمبر 1971 كانت المحكمة مؤلفة من حافظ بدوي رئيسًا وبدوي حمودة عضوًا وحسن التهامى وكان المدعى العام قد سألني: أنت استقلت ليه فقلت: استقلت قال: أنت متهم بالخيانة العظمى فقلت مندهشاً: خيانة عظمى لأني استقلت؟!! وكانت النتيجة أن حكم علي بثمانية أشهر وحكم على محمد فائق بعشر سنوات كاملة وكذلك سامي شرف وشعراوي جمعة.

تحقيق السعيد مع غيره

   يتحدث عن صلاح نصر فيقول: “نعم كان صديقي، لكننى قمت بالتحقيق معه بتكليف من عبد الناصر ولقد جنبت عواطفي بما يمليه علي ضميري الوطني ولكن شهادتي للتاريخ أن المخابرات حققت في عهده الكثير من البطولات والانتصارات التي أذهلت العالم وإسرائيل ذاتها، فقد نجحت في زرع رفعت سيد علي الجمال “رأفت الهجان” كما نجحت في إغراق الحفار الاسرائيلي في ساحل العاج فضلًا عن بطولات أخرى لم يكشف عنها النقاب بعد”.  يقول السعيد عنه: أنه “أولًا لابد أن أشير إلى أن صلاح نصر كما أعرفه عن قرب كان من أكفأ العناصر الوطنية، وقد أدى دوره بأمانة وكفاءة كما انه يوم ثورة 23 يوليو قائد الكتيبة 13 التى اعتمدت الثورة عليها فقادها وقام بمهام حاسمة وشجاعة لتأمين الثورة وحمايتها وعلى الرغم من إنه عاش حياة كريمة إلا إنه مات ولم يترك إلا بيتا بناه كان قد اشتراه بعد أن باع بيتًا قديمًا كان يملكه، بينما كان تحت يده خزائن بالملايين. وهو كان صديقى وأخى وكنا نتحدث هاتفيًا كل يوم تقريبًا ونلتقى كل يوم تقريبًا”.

    “أما عن يوم ذهابي للتحقيق معه ومع هذا اللقاء عليه فقد ذهبت يومها بصحبة شعراوي جمعة وهذا كان أول لقاء وكما تعلم أنه كان قد أصيب بذبحه صدرية وسقط في مكتبه، فلما رآني أنا وشعراوي جمعة قال لي: “أنتم جيتم المخابرات عشان تشوفوا أنا عيان ولا لأ” فقلت له “يا صلاح إحنا أصحاب” ولكنه توجس من اللقاء وأحس أن هناك تحقيقًا سيبدأ معه ومع رجال المخابرات. صلاح نصر نفسه هو الذى قال لي أن عبدالحكيم عامر حصل منه على السم ولما مات تم القبض على صلاح نصر وعباس رضوان الذين كانا صديقين لعامر.

    يقول السعيد “نعم والذي قدم له التقرير عن انحرافات المخابرات هو محمد نسيم أو كما تحب أن تسميه “نديم قلب الأسد”” وقد ذكر محمد نسيم في تقريره أن هناك انحرافات مالية ونسائية، وهو كان ضابط مخابرات كفؤًا وكبيرًا، فكلفنى الرئيس بمهمة التحقيق وقد أيد سامي شرف اختيار الرئيس لي وحين بدأت التحقيق مع صلاح نصر كان آنذاك في السجن الحربي فلما ذهبت إليه قلت له يا صلاح احنا صحاب فقال كلمته التى أشرت إليها حيث قال “أصحاب إيه”؟ وانتو جايين تتأكدوا إن أنا عيان وليس متمارضًا فلما سألته عن استخدام سلاح النساء والجنس في المخابرات فقال “نسوان إيه؟. والعالم كله بيستخدم الستات والجنس كسلاح فاعل، وقد حرصنا على السرية التامة في التحقيقات. أذكر أيضًا أنه قال: “الاثنين الستات اللى جبناهم من الكباريه جابولنا قضيتين مهمين من اثنين رجالة أجانب”. لكن تبقى مشكلة صلاح نصر أنه كان يحب المشير عامر وقد حققت معه على مدى يومين والمرة الثانية التي ذهبت إليه فيها كان قد تم نقله إلى مستشفى القوات الجوية.

   يقو بخصوص الفنانات.. “هي قصة طويلة ولا يتسع لها المجال وهي تتلخص في أن قصة هذه السيدة خاضت فيها الصحف وكانت على علاقة مع أحد قيادات المخابرات، وكان لها أصدقاء أجانب وقد وقعت إقرارًا عام 1960 لتكون مندوبة مخابرات وتم تقديمها للسفارات لعمل صداقات مع رجال السلك الدبلوماسي وكان جميع زملائها في الوسط الفني يعلمون بعلاقتها مع أحد قيادات المخابرات والذى قدمها بدوره لأحد القادة السياسيين وقام بترتيب لقاء له معها في إحدى الفيللات الآمنة ولما قام القيادي السياسي بإشعال سيجارة عرفته السيدة “ن”، حيث كانت الغرفة مظلمة. ولذلك كانت تقول دائمًا إنها عرفته بسيجارة ووقعت في عام 1963 على ورقة زواج عرفي شهد عليها اثنان من أشقاء القائد السياسي وتم عمل كنترول وقد قالت إن القائد كان يحبها وكانت تعمل على راحته ليقارن بينها وبين زوجته.. “وبس”.

   هنا يقودنا الحديث عن صلاح نصر إلى الحديث عن أحد أصدقائه وهو المشير عبد الحكيم عامر والجدل الذى مازال دائرًا عن انتحاره.. أو أنه قتل ولصلاح نصر شهادة في الموضوع المتعلق بالسم كيف وصل السم للمشير؟. صلاح نفسه قال إن المشير حصل منه على السم، كما أنه تم القبض على صديق عامر بعد وفاته “صلاح نصر” و”عباس رضوان”.

   لقد كانت العلاقة بين ناصر وعامر قد تعرضت لكثير من التوترات فمن كان وراء هذا. هي نكسة 1967 هي التي أثرت على العلاقة بينهما كان قبلها منعطفات أخرى حتى أن المشير قدم استقالته أكثر من مرة عام 1962 وعام 1967؟. وفى تصوري أن المشير تهاون في عام 1967. وكون أن عبدالناصر وعبدالحكيم عامر كانا أشبه بشقيقين فإن هذا لا يمنع وقوع خلاف فى الآراء والتوجهات.

   نعم مثل الخلاف بسبب فشل الوحدة أو حرب 1956 أو حرب اليمن؟ أو 1967؟. {الصحافة كانت مسئولة عن فشل الوحدة؟. وحرب اليمن وحرب 1956 والنكسة ايضًا دائمًا تلقون بالمسئولين هذا الكلام قاله رجل من داخل البيت أعني صلاح نصر في مذكراته التي نشرت في المصور؟.

حمروش يلعب دورًا فى التهدئة بين لناصر وعامر بعد نكسة 1967

    هي الأجواء كانت متوترة للغاية في أعقاب النكسة وتوترت العلاقة بين ناصر وعامر وانقسم الناس إلى معسكرين أحدهما مع عامر والثانى مع الناصر، وذهبنا للمشير في منزله بالجيزة أنا وشعراوي جمعة وقلنا له: “ما يصحش انتو أخوه”.. وكان الرئيس زعلان منه وذهبنا لنصلح بين أخين، فأذكر مثلًا أن عبدالحكيم عامر قبل الثورة في رفح فلما كان يهبط إلى القاهرة في اجازة لا نرى عبدالناصر “وكانه اختفى أو فقد” وكأن عامر خطفه.. المهم ذهبنا لعامر لتهدئة الأجواء باعتبارنا مقربين لكليهما لكن دون جدوى وتطور الأمر إلى أن مات المشير.

   الذي حدث أن عددًا من الضباط اجتمعوا في بيت المشير عامر واخذوا يعملون على إثارته وإحداث وقيعة بينه وبين عبدالناصر.. وفي ذلك اليوم جاءني شعراوي جمعة وقال إن المشير له طلبات وهو مختلف في حاجات مع عبدالناصر، لقد كانت علاقة ناصر بــ”عامر” أكثر من الإخوة حتى إن عبدالناصر سمى أحد أبنائه على اسم عبدالحكيم عامر فيما سمى عامر أكبر أبنائه على اسم جمال عبدالناصر، كما أن حسين شقيق عبدالناصر تزوج من إحدى بنات المشير فهل معقول بعد كل هذا أن يقتل الشقيق شقيقه.

   نعم كنت أنا وأخي سامي شرف وشعراوي جمعة حريصين على وحدة الصف بين القيادة وكنا بحكم قربنا من عامر وناصر قد ذهبنا للمشير وقلنا له أنتم أكثر من أخوة وأية خلافات يمكن علاجها بالحوار، والموقف السياسي سيء ولا يحتمل خلافات وانشقاقات والمرحلة تحتاج إلى وفاق وليست في حاجة للانشقاق لكن موضوع المشير تطور وتحرك باتجاه الأسوأ بفضل مجموعة من الضباط المحيطين بالمشير فتعمقت الهوة بين الشقيقين واستحال الوصول إلى اتفاق وتسوية وانتهى الأمر بهذه النهاية المأساوية. “بالنحر أم بالانتحار؟ أو على نحو آخر أنت حققت مع صلاح نصر فهل سألته عن السم الذى انتحر به المشير على حد الروايات الرسمية؟.

   يقول السعيد: ” أنا سألت صلاح نصر.. لماذا استوردت المخابرات هذه السموم من الخارج فأجابنى بقوله إن المخابرات استوردت نوعًا متقدمًا من السم، وهو “الأكونيت” وهو يستخرج من نبات اسمه “خانق الذئب” ولما سألته لأى غرض استورده قال نحن نستورده من أجل كبار القيادات الذين يرغبون في الانتحار في حال الهزيمة، لأنها تحدث قتلاً فوريًا ودون ألم، وسألته هل أخبرت الرئيس عبدالناصر عن هذا السم فقال نعم قلت له وقد علم بهذا قبل 5 يونيه 1967، فغضب وقال بحدة “مش أنا اللى انتحر” وقال لي صلاح نصر لكن المشير عبدالحكيم عامر أخذ واحدة منها وقد وجدوا مكان لصقها بين فخذيه، وهي التي أودت بحياته وبالمناسبة أود أن أشير إلى أن كل التحقيقات تم تسجيلها على شرائط وجميعها تم تسليمها للنيابة العامة”.

مشاركة حمروش فى تدريب متطوعين لثوار فى الجزائر والمغرب

   يقو: “نعم وكنت آنذاك أعمل في مكتب رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وتم تكليفي بهذه المهام على النحو الذي فعلت في معسكرات الحرس الوطني، وكان يتولى مسئولية التدريب الأمير محمد عبدالكريم الصغير”، أما عن تفاصيل المهمة فقد حضر عبدالحكيم عامر قبل أن يصبح قائدًا عامًا إلى مكتبي وقال: “فيه ناس من الجزائر والمغرب عاوزين ندربهم وأنت مكلف بهذا الموضوع، فقم بالتنسيق مع صلاح نصر”، وكان يتم تدريب هؤلاء الثوار في الكتيبة 13 وكنت اتفقت مع صلاح نصر على أن نذهب في لوري ونقابلهم في جامع في الدقي حيث أرسلهم الأمير عبدالكريم الخطابي على أن يتم تسليمهم لنا على مجموعات ثم نرجع بهم ليلًا إلى المعسكر ونقودهم على أنهم عساكر مستجدون، لكننا كنا نعزلهم عن بقية العسكر لهم مآكلهم ونومهم لكنهم موجودون في الكتيبة 13، وقد تم ذلك في سرية تامة لم يكن يعلم تفاصيلها إلا عدد قليل ممن قاموا بالتدريب، وكان عبدالناصر يولي اهتماما بالغًا بهذه المهمة، وهذا الدعم كان واحدًا من الأسباب المهمة لنجاح ثورة الجزائر.. بل كان من الأسباب الرئيسية في انضمام فرنسا للعدوان الثلاثي على مصر.

   يبقى في النهاية أنها مذكرات.. فيها تعرض المهندس حلمى السعيد لمناطق أكثر سخونة ويمضي بنا في مساحات ملغومة، قد تثير جدلاً أوسع، حيث تحدث عن تكليف عبدالناصر له للتحقيق فيما عرف باسم انحراف المخابرات، كما يعاود الحديث تفصيلاً لا بالإشارة إلى ملابسات وفاة المشير عامر، كما يتحدث عن اعتقالات مايو 1971 ودوره في تدريب ثوار الجزائر.

   في الخاتمة عندما نعيد التعريف بالمهندس حلمى السعيد فقد شارك في حرب فلسطين وكان واحدًا من عناصر مجموعة عبدالناصر في الضباط الأحرار وشارك في تدريب الحرس الوطنى وكان مستشارًا لـ”عبدالناصر” لشئون التخطيط والاقتصاد، كما عاون المشير عامر كسكرتير اللجنة العليا للسد العالي، كما كان أول رئيس للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وشغل موقع وزير الكهرباء والسد العالي في عهد الرئيس السادات إلى أن تم اعتقاله فى 15 مايو 1971 لمشاركته في الاستقالات الجماعية.