وليد عبد الحي

الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث ” تحقيق وحدة وطنية” للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة الغربية يكشف عن ان حماس تتلذذ باللدغ المتتالي ومن نفس الجُحر، إن تخدير مشاعر الارهاق والاحباط في الشارع الفلسطيني بعبارات اخلاقية عن وحدة وطنية وسلسلة من شعارات بالية ، يجب ان لا يخفي ان فتح تتبنى اختيارا استراتيجيا يقوم على التكيف التدريجي مع المخططات الاسرائيلية، بدءا من ” القبول في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي باقامة دولة على ” أي بقعة ” يجري تحريرها،لتتطور هذه الفكرة الى الاتصالات السرية مع اسرائيل ، للتتكشف آفاقها مع اتفاقية أوسلو التي بلغت ذروتها بالتنسيق الامني، مرورا بتفكيك منظمة التحرير الفلسطينية ورفع شعار التحلل من الاتفاقيات مع اسرائيل لخلق حالة من الفراغ السياسي للتنصل لاحقا من اية قرارات بينما قد تكون المفاوضات السرية جارية على قدم وساق من وراء ظهر كل التنظيمات والقوى الفلسطينية.
السؤال الذي على حماس ان تجيب عليه: هل ستلتحق فتح بالمقاومة بكل اشكالها؟ لماذا لا يذهب رئيس سلطة التنسيق الامني الى غزة حيث سيكون في بيئة أكثر أمنا لاتخاذ قرارات استراتيجية؟ واخشى ان تتم غواية حماس لجرها باتجاه التعاطي مع بعض جوانب التسوية مما قد يفتح المجال واسعا لتجاذب أستشرفه قادما بين حماس والجهاد الاسلامي قد يصل الى حد العراك العضوي…ولا يجوز لحماس ان تمنح عباءتها لتورية عورات عُراة اوسلو.
ان الاسراع بانتخاب قيادة بديلة للقيادة التي تبنت خيار اوسلو وتعاملت امنيا مع اسرائيل جهارا نهارا هو المطلب الاول الذي على كل شريف في حركة فتح ان يتبناه ويدعو له ، وإعادة ميثاق منظمة التحرير بصيغته الأولى هو المطلب الثاني ، وعلى حماس ان لا تطمئن لحركة تائهة سياسيا ومترهلة تنظيميا وينخر الفساد والتنسيق الأمني مع اسرائيل كل هياكلها، وعلى حماس ان تتخلص من انفصام اعلامها السياسي، فهي في خطابها القيادي ” تتغنى بمواقف ايران وحزب الله وتحاول الاعتذار بطريقة ملتوية من سوريا” لكن ما تقوله كوادرها داخليا تجاه القوى سالفة الذكر لا يختلف كثيرا عما تقوله ” جبهة النصرة” او الاعلام القطري الذي كان اول من ارسى قواعد التطبيع مع اسرائيل او العثماني الشريك التجاري الاول لاسرائيل في الشرق الاوسط والجندي النشط في خنادق حلف الاطلسي…
ان محاولات الترويج لوحدة وطنية قادمة وقاعدتها فتح وحماس هي مؤشر خطير على ان حماس بدأت تفر من ” الرمضاء للنار” وهي تعلم ان ” عسس” اسرائيل في بنية سلطة التنسيق الامني أكبر مما يبدو من بعيد، فاذا كانت اسرائيل ناجحة في تجنيد وخلق قنوات سرية للتواصل مع المئات من المسؤولين العرب البعيدين في السودان وتونس وقطر والامارات والسعودية وعُمان وليبيا والعراق ناهيك عن العلاقات الصريحة والمعلنة مع دول المعاهدات المشؤومة…الخ فهل يعقل انها بعيدة عمن ينام معها في نفس السرير؟ إذا كان لحماس ان تحاور أحدا فلا بد ان يكون مع قيادات فتحاوية لم يكن لها أي علاقة من قريب او بعيد باوسلو وهم كُثر.
ان الفراغ السياسي القائم حاليا في الجسد القيادي الفلسطيني بحجة التحلل من الاتفاقيات هو خطوة متفق عليها مع سلطات الاحتلال ، وسيتم استثمار هذا الفراغ من قبل سلطات الاحتلال لفسح المجال لاتخاذ قرارات لمزيد من الاستيطان ولمزيد من آليات خنق المقاومة ، وسيتبرأ قادة سلطة التنسيق الامني من تبعات القرارات الاسرائيلية بل وسيعملون على غواية حماس لمرافقة ” اخوتها للجُب “.
ان الحديث عن الضم يجري بطريقة توحي كما لو ان الضم نهج جديد، الم يتم ضم القدس وبقرار من الكنيست وتم تنفيذه؟ وأليس الاستيطان في عشرات المناطق من الضفة الغربية ضما صريحا ؟ وسمعنا من الدول العربية والتنظيمات الفلسطينية نفس الموقف من شجب وادانة، لكن ذلك لم يزد عن جعجة ولا طحنا…
ان تمرير المواقف السياسية بغطاء اخلاقيات الوحدة والتضامن هو خداع صريح، فالوحدة لا تقوم دون خطة استراتيجية متكاملة ؟ فما هي هذه الخطة ؟ خطة أيتام أوسلو او خطة المقاومة؟ ولا اعتقد ان هناك نقطة وسطى بين الخطتين..فهل ستعود كتائب الاقصى للعمل؟ ذلك هو المؤشر من زاوية موقف فتح، وعلى حماس ان تلجم قادتها الذين حاولوا جر الحركة باتجاه ربيع عربي مصنوع اهلك الحرث والنسل…وعليها ان تجدد دماء قادتها ولا يمنع ذلك من انتهاج دبلوماسية الهدوء في القول والصخب في الفعل، وان تحسم امر تحالفاتها الإقليمية والدولية وتتبنى استراتيجية واضحة مع حقها في ممارسة التكتيك الذي يخدم هذه الاستراتيجية ..فيا سارية الجبل الجبل…
انني اطالب حركة الجهاد الاسلامي رفض أي تفاوض مع أي شخصية ساهمت في اوسلو، وان تعلن هذه الشخصيات بشكل لا لبس فيه أن أي وحدة لا تقوم على اساس العودة لتبني المقاومة المسلحة وكافة الاشكال الأخرى مرفوضة، وفي تقديري ان عودة الفلسطينيين لخيار المقاومة سيجد له قدرا كبيرا من القبول الدولي كرد فعل على قرار الضم الذي اعلنت اغلب دول العالم رفضها له..فيا سارية الجبل الجبل.
نعم الواقع قاسٍ، ولكن لا تجعلوه اكثر قسوة بالتلذذ باللدغ المتكرر..