بقلم : فوزي حساينية

   كاتب ومتصرف مستشار بقطاع الثقافة

تمهيد ضروري واقتراح فكرة

   إن ما كان يُؤسفُ له حقا في السنوات الماضية هو قلة وعي المثقفين الجزائريين والعديد من الصحفيين وخاصة في فترة التسعينيات بأهمية ما كان يحدث في إيران من تطور، وكم كنت أتألم وأنا أتابع بعض الصحف الجزائرية آنذاك وهي تتعمد وصف إيران بدولة ” الملالي” جهلا وتعصبا وانسياقا وراء الدعاية الغربية المغرضة،لكن ولحسن الحظ فإن الوضع قد تغير الآن  ولو نسبيا لأن العديد من الصحفيين المنتمين لتلك الصحف قد زاروا إيران واكتشفوا بأنفسهم حقائق الواقع الإيراني بعيدا عن الأحكام المسبقة وبمنأى عن المغالطات الغربية،وقد حدث في سنة 2005أن نشر أحد الصحفيين مقالا في جريدة ” الخبرالأسبوعي” تضمنت الكثير من التهجم والطعن والتشويه في حق هذا البلد الإسلامي الكبير، فقمت على الفور بإعداد رد على المقال المذكور لكن الرد لم يجد طريقه للنشر آنذاك ! مما فوت فرصة حقيقية لنقاش جاد ومفيد حول الموضوع، واليوم ورغم ما حققته إيران من تقدم في شتى المجالات فإن العديد من الصحفيين الجزائريين لا يزالون في تناولهم للشأن الإيراني أقرب للدعاية الغربية، لذلك رأيت أن أرسل إليكم الرد المذكور كما كُتب في وقته لأنني أعتقد أنه لا يزال يحتوي على الكثير من المسائل المتصلة اتصالا وثيقا بالراهن الوطني والعربي والإيراني بشكل عام،كما أنني أتمنى صادقا أن تكون فكرة نشر مالم يُنشر في السنوات القليلة الماضية بداية ميمونة وتجربة جديدة تفتح المجال أمام رد الاعتبار لحرية التعبير- ولو بأثر رجعي – التي لم تُحترم كما ينبغي في وقتها المناسب من طرف بعض الصحف والتي قد تكون لها أسبابها وظروفها على أية حال.والمؤكد أن هناك الكثير من المقالات والردود والدراسات التي لم يتمكن أصحابها من نشرها في حينها فلربما يجد هؤلاء في فكرة ” من ذاكرة الماضي القريب “ حلا أو مدخلا مشجعا على استئناف علاقاتهم المعطلة مع الأقلام والأوراق.

تساؤلات جدية حول إيران 

“من ذاكرة الماضي القريب”

في العدد رقم 328 من جريدة الخبر الأسبوعي الصادر في الفترة من 11 إلى 17جوان 2005 وتحديدا في الصفحة السادسة عشر قرأت مقالا ممتعا للسيد نسيم سلامة حول الرهانات الكبرى التي تطرحها الانتخابات الرئاسية في إيران وخاصة لجهة ما يعرف بالملف النووي الإيراني، والمقال بعنوان:”رفسنجاني لإنقاذ إيران، طهران تقف على خط الدفاع الأخير” وبقدر ما أعجبني المقال فإن ثمة فقرات منه وجدت أنه من الضروري أن أعقب عليها بما قد يساهم في إثراء النقاش وتوضيح بعض الأفكار حول مسيرة هذا البلد الإسلامي المثير للجدل، والمقال يأتي في ثلاثة أجزاء الجزء الأول وهو عبارة عن مدخل عام والجزء الثاني خاص بــ” إرث الخاتمية أما الجزء الثالث والأخير فهو تحت اسم” الديمقراطية لإنقاذ المكاسب النووية” وسأبدأ بمناقشة بعض ما جاء في الجزأين الثاني والثالث على أن أعود فأعقب بسرعة على ما جاء في الجزء الأول وذلك لأنه يتضمن معلومات وحقائق ستظهر لنا بوضوح حجم التناقضات التي تضمنها المقال عندما نقارنها بما جاء في الجزء الثاني والثالث..

الجزء الثاني :إرث الخاتمية

بعد الإشارة السريعة إلى الأمل الذي حملته المرحلة الخاتمية في إمكانية إحداث تغيير أو نقلة نوعية داخل المجتمع الإيراني وهو الأمل الذي يزعم صاحبنا أنه سرعان ما انتهى إلى مآل محزن، ينقل عن الصحفي الإيراني أمير طاهري التساؤل التالي“..هل كان خاتمي شخصا طيبا في نظام سيئ ؟ إذ تتفق التحاليل الغربية على اعتبار خاتمي- استثناء- داخل المؤسسة الدينية بل تذهب التقديرات الإعلامية إلى اعتباره لغزا بل مجرد صفقة سياسية تم بموجبها إعطاء انطباع للرأي العام الدولي بأن ” شيئا” ما يتحرك في إيران بهدف تلميع صورة الملالي…” وحسب هذا التحليل الغريب  نجد أن الرئيس خاتمي قد تحول إلى ظاهرة غير قابلة للفهم إطلاقا فهو ” شخص طيب في نظام سيئ” وهو” استثناء داخل المؤسسة الدينية ” وهو “لغز ” وأخيرا هو ” مجرد صفقة سياسية ” وعليك أنت أن تستخرج من هذه الوصفات المتناقضة المتداخلة ما يمكن أن نعتبره الرئيس خاتمي” ولكن لنسلم بهذه الأوصاف كلها ونتساءل إذا كان الرئيس محمد خاتمي مجرد صفقة سياسية، فمن هم الأطراف في هذه الصفقة ؟ومتى وأين جرى إبرامها ؟وما هو الهدف منها ؟ لا نجد جوابا إلا على التساؤل الأخير، إذ بموجب هذه الصفقة التي نجهل عنها كل شيء تم إعطاء انطباع للرأي العام الدولي بأن ” شيئا ما”- نحن لا نعرف كنهه ولا طبيعته – يتحرك في إيران وهذا الخداع كله الهدف منه تلميع صورة الملالي ؟ وأنعم به من هدف ينتخب من أجله رئيس دولة لعهدتين متتاليتين، ويبدو أن الرأي العام الدولي قد ذهب فعلا ضحية مكر الإيرانيين وخداعهم وأن صورة الملالي- والتعبير يهدف بوضوح إلى الإساءة البالغة للأمة الإيرانية – قد تحسنت ويخبرنا صاحب المقال أن من أسباب هذا النجاح:” الفترة التي قضاها خاتمي مديرا للمركز الثقافي الإيراني في ألمانيا في الثمانينات ” بل إن خداع الإيرانيين قد وصل إلى درجة ” التأثير على توجهات الإتحاد الأوربي فيما عرف بالحوار النقدي ..”.

ولا أدري ما هي العلاقة بين الفترة التي قضاها محمد خاتمي مديرا للمركز الثقافي الإيراني بألمانيا وبين توجهات الإتحاد الأوربي؟ فهل السياسة الخارجية للإتحاد الأوربي تجاه بلد معين تحددها السيرة المهنية لرئيس ذلك البلد في فترة معينة ؟ كلا، إنما الصحيح أن كون محمد خاتمي سياسي مثقف ورجل مفكر ومطلع على التطورات الفكرية والفلسفية الغربية والإسلامية، وكون إيران يقودها رجال دولة من طراز عال هو الأمر الذي مكن إيران من انتزاع مكانة دولية محترمة ومكن الدولة الإيرانية من أن تفرض نفسها على أوربا  كما فرضت نفسها في مواجهة أمريكا،فإيران دولة ذات سيادة كاملة وتحكم حقيقي في مقدراتها وتوجهاتها السياسية والثقافية، ولذلك فإن التعامل معها لابد أن يكون عن طريق الحوار النقدي وليس عن طريق الضغط المالي أو التهديد بنشر فضائح المسؤولين أو بواسطة الأوامر الصادرة عن العواصم العالمية.

 لكن لا علينا ولنتابع قراءتنا للمقال إذ يقول الكاتب: ” يعتقد الطاهري بأن عهد الرئيس خاتمي مر عبر ثلاثة مراحل أساسية بدأت في سنة1997 بأمل كبير في تحقيق الأمل المنشود، وانتهت بسلسلة مثيرة من التصفيات والاغتيالات التي مست العديد من المعارضين والمثقفين وميلاد عدد معتبر من الصحف والأسبوعيات المقربة من الإصلاحيين، بينما دشنت انتفاضة الطلبة في 1999 التي هزت أركان النظام الإيراني المرحلة الثانية التي انجاز فيها “خاتمي” لآلة القمع التي حركتها ميليشيات الحرس الثوري، أما المرحلة الثالثة فتبدأ من نهاية 2000التي شهدت حملة لحضر وتعليق أغلب الصحف الإصلاحية وتوقيف العديد من المقربين من الرئيس خاتمي، ولم تختلف عهدته الثانية في 2001عن الأولى إذ كرست أفول نجمه وانهيار الوهم الإصلاحي باستيلاء المحافظين على الأغلبية في المؤسسة التشريعية في انتخابات 2004 ” .

وبهذا نأخذ علما بأن الرئيس خاتمي انتهى إلى مصير مأساوي وأن مشروعه الإصلاحي قد حل به الدمار الشامل وأن ” الوهم الإصلاحي ” قد سقط إلى فاجعة رهيبة، وما هو السبب في هذه الكارثة المروعة؟ ” استيلاء المحافظين على الأغلبية في المؤسسة التشريعية في انتخابات 2004 “،فالمحافظون إذن تحصلوا على الأغلبية في المؤسسة التشريعية عن طريق الانتخابات وليس بواسطة القوة أو الحيلة وهذه الانتخابات قريبة عهد بنا (سنة 2004) فلماذا لا يتم الاعتراف بحقيقة أن إيران بلد ديمقراطي لا يمكن الوصول فيه إلى السلطة إلا عن طريق الانتخابات تماما كما هو الحال في الدول الديمقراطية المعروفة، ولكن صاحب المقال يؤكد في أكثر من موضع أن إيران بلد غير ديمقراطي ولا أثر فيه للحريات العامة، وأنه واقع تحت سطوة المؤسسة الدينية…مما يكشف لنا أنه ينطلق من موقف مسبق، وخلفية متعمدة ولا ينطلق من موقف موضوعي ورؤية فكرية متوازنة في حديثه عن الواقع الإيراني، أما زعمه أن وصول المحافظين إلى السلطة يكرس أفول نجم الإصلاحيين و ” انهيار التيار الإصلاحي” فهي مبالغة واضحة وموقف متحجر من الواقع الإيراني المليء بالحركة والسير الحثيث نحو التقدم والدليل أن إيران تواصل طريقها رغم كل العقبات، وعلينا أن نلاحظ أن إيران ليست هي البلد الوحيد الذي يجري فيه الصراع والتداول على السلطة بين تيارات محافظة وأخرى إصلاحية، وعادة ما تكون مراحل التحول الاجتماعي والسياسي مصحوبة باهتزازات ومظاهرات واحتجاجات تمثلها فئة الطلاب(فرنسا سنة1968) أو فئة العمال( بولونيا في الثمانينيات) أو أي شريحة اجتماعية أخرى تكون مهيأة للتعبير عن المرحلة التي وصل إليها المجتمع في سيره نحو المستقبل، وهذه حقائق تقرها الدراسات الاجتماعية والسياسية الحديثة، وهي لا تعني بحال انهيار الدولة أو زوال نظامها وأفول نجم الإصلاحيين فيها كما يقول الأستاذ نسيم سلامة نقلا عن الصحفي الإيراني، ومباشرة بعد ذلك يتساءل: ” لماذا فشل الرئيس خاتمي في مشروعه الإصلاحي رغم أنه حاول وضع ديناميكية للانفتاح؟ يحاول أمير طاهري تفسير هذا الفشل في التناقض العميق بين منطق الدولة ومنطق الثورة “…

والملاحظة الأولى هنا أن صاحبنا يسلم بفشل الرئيس خاتمي في جهوده الانفتاحية ولكنه لم يذكر لنا مظاهر هذا الفشل وفيما تجسد، وكيف توصل إلى هذه النتيجة الحاسمة؟ رغم أن أي إطلاع على واحدة من عشرات الدراسات المنشورة حول إيران في السنوات الأخيرة يجعلك تقف على حقائق مخالفة تماما لهذه الإدعاءات القاتمة، فإيران كدولة وكأمة قد قطعت أشواطا جادة في مختلف مجالات التقدم العلمي والاقتصادي والثقافي بصورة لم تحققها أي دولة عربية، وبطبيعة الحال فالإصلاحيون في إيران لم يحققوا كل الأهداف التي وعدوا بها الشعب،ومن هي الحكومة التي تستطيع أن تنجز كل وعودها للشعب؟ ولكنهم نجحوا إلى حد معقول في ترجمة شعاراتهم ووعودهم إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع والأهم أنهم فعلوا ذلك في هدوء وبطرق مدروسة، وبمنأى عن الحملات الدعائية القذرة التي تشتهر بها الدول العربية التائهة بين أوهام العولمة الخيالية وأحلام الشراكة المفخخة مع الأوربيين والأمريكيين، والمهم أن الحكم المطلق بفشل الجهود الانفتاحية التي قادها الرئيس خاتمي يفسره صاحبنا بالاعتماد على أراء الصحفي الإيراني أمير طاهري بــ ” التناقض العميق بين منطق الدولة ومنطق الثورة ” والواقع أن التناقض بين منطق الدولة ومنطق الثورة ظاهرة تاريخية شهدتها كل الثورات في العالم قديمه وحديثه، فهي ظاهرة ومحطة إجبارية طبيعية بالمعايير التاريخية والفلسفية، ونجاح أي ثورة في تجاوز هذه المرحلة الحاسمة في مسيرتها هو الانجاز الحاسم الذي يسمح لها بالانطلاق دون خشية على مستقبلها، وهنا تحديدا تكمن أهمية التجربة الإيرانية، فالدرس الجوهري الذي يخلص إليه كل من يدرس هذه التجربة دراسة جادة يجد أن الإيرانيين قد نجحوا لحد الآن في أن يجنبوا ثورتهم العظيمة المصير المأساوي الذي آلت إليه العديد من الثورات في العالم العربي مثل: الثورة الجزائرية الكبرى( إذ نجحنا في الثورة وفشلنا في بناء الدولة) والثورة المصرية (التي انتهت إلى كارثة الساداتية)، وقبل ذلك الثورة العربية سنة 1916التي قادها الشريف حسين مع الحلفاء الغربيين ضد الدولة العثمانية والتي انتهت إلى قيام إسرائيل في قلب الوطن العربي، وتفتيت بلاد الشام بصورة لم يسبق لها مثيل.

     وما يسميه صاحبنا نسيم سلامة استهزاء وسخرية بــ” تلميع صورة الملالي” هو بالضبط ما يسميه الملاحظون الدوليون والباحثون المتخصصون في الشؤون الدولية بنجاح الإيرانيين في الانتقال بثورتهم إلى مرحلة جديدة ومن أبرز مقتضيات هذه المرحلة تدعيم البناء السياسي والاقتصادي والتكنولوجي للجمهورية الإسلامية وتعزيز قدراتها العسكرية والإستراتيجية مع الانفتاح على العالم الخارجي والقوى الدولية المختلفة،ويبدو أن انفتاح الإيرانيين- وهنا درس آخر لنا- على العالم الخارجي هو انفتاح مدروس ومحسوب بدقة رائعة وليس الانفتاح العشوائي الأرعن المطبوع بالنزعة الاستهلاكية المنحطة وبسيطرة النخب الموالية للغرب والعاجزة عن وضع أي تصور أو مشروع للنهوض بالمجتمع كما حدث في مصر مع أنور السادات وفي الجزائر مع الشاذلي بن جديد، وبالفعل فقد توصل الإيرانيون إلى عقد جملة من الاتفاقيات الاقتصادية والتحالفات الإستراتيجية مع كل من تركيا والصين وروسيا واليابان كما أنها قطعت شوطا معتبرا في بناء وتدعيم علاقتها مع العالم العربي كما حدث مع الجزائر- بمبادرة من الرئيس بوتفليقة – والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر …الخ.

  وبالجملة فإن علاقات إيران بالقوى الكبرى تخدم مصالح إيران كبلد مستقل ذو سيادة وتطلع إلى القوة والتقدم بعيدا عن التبعية والازدهار الوهمي الذي تعيش على وقعه أغلب أجزاء الوطن العربي.

والأمر الذي يؤكد ما سبق وأن قلته من أن صاحبنا في حديثه عن إيران ينطلق من خلفية وموقف مسبق هو قوله في الفقرة التالية: ” ..فلا يمكن لمترشحي الرئاسة العبور إلا بموافقة مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه رموز المحافظين كما أنه لا يمكن أثناء الحملة الانتخابية التعرض بسوء لشخص مرشد الثورة الذي يملك أدوات السلطة الفعلية أو المساس بالنصوص الأساسية للثورة الإسلامية..”.

نعم لا يمكن للذين يريدون الترشح للانتخابات الرئاسية في إيران أن ُيقبل ترشحهم- أو العبور كما يقول صاحبنا– إلا بموافقة مجلس صيانة الدستور، تماما كما لا يقبل الترشح للرئاسيات في الجزائر أو في فرنسا إلا بموافقة المجلس الدستوري لأن الأمر يتعلق بمصير الأمة ومستقبل الدولة ولا يمكن قانونيا أو سياسيا أو أخلاقيا فتح طريق الترشح لكل من يرغب في الترشح هكذا دون رقابة دستورية أو شروط خاصة، فمجلس صيانة الدستور هو هيئة دستورية عليا في النظام الجمهوري الإيراني يستمد وجوده ودوره الرقابي من التقاليد السياسية العريقة في نظم الحكم التي عاشتها إيران عبر العصور، ومن المبادئ والأفكار الديمقراطية الحديثة.

ولا أدري لماذا يريد صاحبنا أن يكون من مقتضيات الحملة الانتخابية للرئاسة في إيران وجود إمكانية للإساءة لشخص مرشد الثورة الإسلامية أو المساس بالنصوص الأساسية للثورة فهل الحملات الانتحابية وسيلة للتنافس في تقديم برامج البناء والتقدم أو هي وسيلة لإطلاق حملات الشتم والقذف والتجريح وهدم أسس الدولة أو النيل من النصوص الأساسية لثورة حررت الإيرانيين من طغيان النظام الإمبراطوري ومفاسده الهائلة؟ وهل تسمح دولة ديمقراطية مثل فرنسا للذين يترشحون للرئاسيات أن يمسوا بالطابع الجمهوري اللائكي للجمهورية الفرنسية؟ وهل تسمح إسرائيل للمتنافسين فيها على السلطة أن يتعرضوا بسوء للنصوص الأساسية للدولة العبرية المستمدة نصا وروحا من التوراة ؟ وهل تجيز الولايات المتحدة الأمريكية للمرشحين فيها أن ينالوا من الطابع الفدرالي للدولة ؟ فلماذا إذن يجب على إيران أن تفعل بنفسها مالا يقبل الآخرون أن يفعلوه بأنفسهم ؟ وإلا فهي دولة طاغية ومعادية للديمقراطية ؟.

الجزء الثالث: ” الديمقراطية لإنقاذ المكاسب النووية”:

وفي بداية هذا القسم نقرأ:” يشكل مشروع تخصيب اليورانيوم وتطوير التكنولوجيا النووية أهم رهان بل أخطره لديمومة النظام الإيراني الذي تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وكرا من أوكار الشر والعراب الأول للإرهاب في الشرق الأوسط…” لماذا هذه النظرة الضيقة والتفسير الموشوه للحقائق الكبرى؟ ولماذا لا نقول أن مشروع تخصيب اليورانيوم وتطوير التكنولوجيا النووية هو أهم وأخطر رهان للحفاظ على وجود الأمة الإيرانية،وحماية مستقبل إيران كدولة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية العلنية بضرب إيران وغزوها ومنعها من بناء جمهورية إسلامية قوية ومستقلة في قراراتها الاقتصادية والسياسية والثقافية عن مراكز النفوذ العالمية المعروفة؟ ولماذا يجب أن يشكل سعي إيران لامتلاك التكنولوجيا النووية كما فعلت وتفعل الأمم الحية المتوثبة في العالم أمرا شاذا ومثيرا للجدل ؟ وهل تخلفنا نحن في المغرب العربي عن بناء برنامج نووي يعد أمرا صحيحا واختيارا سليما أم أننا بذلك نخون قدر أمتنا ونلعب بمستقبلها ونضع مصير أجيالنا الصاعدة على أبواب المجهول ؟.

ولكن وإمعانا منا في النقاش، لنسلم بصحة مقولة:” أن مشروع تخصيب اليورانيوم وتطوير التكنولوجيا النووية أهم رهان بل أخطره لديمومة النظام الإيراني…” بل ولنفترض أن النظام الإيراني قد توصل حقيقة إلى امتلاك التكنولوجيا النووية فهل فعلا تستطيع التكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم أن تحولا دون سقوط نظام معين عندما يفقد مقومات البقاء؟ لا أبدا فقد سقط النظام الشيوعي في الإتحاد السوفيتي رغم أنه يتوفر على ترسانة هائلة من الأسلحة والتكنولوجيا النووية، كما سقط النظام الموالي لروسيا في جمهورية أوكرانيا رغم امتلاكه هو الأخر لترسانة نووية معتبرة، وسقط نظام الشاه نفسه رغم ما كان يتوفر عليه من أسلحة وجيوش ومخابرات ودعم أمريكي وإسرائيلي بعيد المدى،وأنهار نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا رغم حيازته للأسلحة النووية وامتلاكه لآلة قمعية رهيبة، وذلك لأن بقاء أو سقوط الأنظمة ظاهرة تخضع لعوامل اجتماعية وسياسية معقدة ولا تتوقف على امتلاك نوع معين من التكنولوجيا أو الأسلحة حتى ولو تعلق الأمر بالأسلحة النووية، والحقيقة أن الرهان الأساسي لاستمرار النظام الإيراني هو إيمان الشعب الإيراني بنظام دولته الذي يشكل الإسلام ركيزته الرئيسية والمصدر الأول في تحديد وتوجيه ممارساته الإستراتيجية والسياسية،أما التكنولوجيا النووية فإيران في أمس الحاجة إليها لأنها- كما يقول الخبراء- تنفذ مشروعا حضاريا كبيرا، وبالنظر إلى الظروف الطبيعية القاسية لإيران فإن الطاقة النووية تصبح مصيرية واختيارا حيويا ليس لأمن إيران فحسب بل لوجودها ذاته.

وبعد ذلك يتابع فيقول: ” الذي تعتبره- النظام الإيراني- الولايات المتحدة وإسرائيل وكرا من أوكار الشر والعراب الأول للإرهاب في الشرق الأوسط..” وليت صاحب المقال طرح السؤال على نفسه لماذا تعتبر أمريكا وإسرائيل إيران وكرا للشر وعرابا للإرهاب في الشرق الأوسط؟ ولماذا الأمريكيون والإسرائيليون فقط هم الذين ينظرون لإيران هذه النظرة البشعة دون سائر الشعوب والأمم؟ وما هي جرائم إيران كدولة حتى ينظر إليها الأمريكيون والإسرائيليون هذه النظرة المشبعة بروح التعصب والتحيز؟ لا يوجد في الواقع إلا سبب واحد وهو كون إيران لا تشكل فقط الدولة الوحيدة ذات السيادة الحقيقية والكاملة على نفسها في منطقة الشرق الأوسط بل وتعد نموذجا حضاريا متميزا ودولة صاعدة بقوة وثقة وثبات تحت راية الإسلام، ولا تأثير للمخابرات الأمريكية أو الإسرائيلية عليها، وهو ما يفسر الضغينة والكراهية التي تكنها الأوساط المؤثرة في السياسة الأمريكية والإسرائيلية لإيران ولاختياراتها السياسية والإستراتيجية والثقافية.

ومما يكشف عن قلة إطلاع صاحب المقال على الشؤون الإيرانية هو قوله بعد ذلك مباشرة ” وإذا كان على رفسنجاني في حالة انتخابه رئيسا تسوية الملف النووي دون التنازل عن أي من المكتسبات..” والحقيقة أن إيران نجحت في أن تبني دولة المؤسسات ،ولذلك فإن المكتسبات النووية والصناعية وجميع الاختيارات الكبرى للجمهورية الإيرانية لا يقررها الرئيس بمفرده، وبالنسبة للملف النووي تحديدا فقد صرح السيد حسن روحاني كبير المفاوضين الإيرانيين لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية:” أنه يستبعد أن يكون للانتخابات الرئاسية في إيران تأثير حاسم على مجرى السياسة المتبعة حاليا في المجال النووي..” مفسرا ذلك- حسن روحاني- بقوله: ” لأن قضية الطاقة النووية قضية قومية تناقش وتتخذ القرارات بشأنها في إطار مؤسسات الجمهورية وليست قضية يتغير التعامل معها بتغير رؤساء الجمهورية “.

ويواصل صاحب المقال قراءته وتحليله للملابسات التي تحيط بالملف النووي الإيراني معتمدا في ذلك على رأي المحلل الإيراني محمد رضا الذي ينظر إلى المشاريع النووية من زاوية الديمقراطية، ويعتقد أن:” المشكلة لا تكمن في امتلاك إيران للتكنولوجيا كدولة نووية بل في طبيعة نظامها القائم الذي يحاول امتلاك هذه القوة، فلو كانت إيران دولة ديمقراطية تعمل بمبدأ التداول على السلطة وحرية الصحافة والانتخاب والمعتقدات لما شكل امتلاكها للسلاح النووي أي خطر على جيرانها- إسرائيل والدول العربية- فالمشكلة حسب محمد رضا ليست في السلاح بل في طبيعة النظام الذي يملك هذا السلاح..” سبحان الله يا لها من إنسانية رقيقة هذه التي تفكر في أمن إسرائيل- المدججة بالأسلحة والتي تهدد علنا بضرب إيران- وفي خطورة السلاح النووي الإيراني- غير الموجود- عليها،إسرائيل هذا الكيان المسالم الذي جعله صاحبنا جارا لإيران تماما كجيرته للدول العربية وهو أمر لا يحتاج إلى تعليق…ولكن واسترسالا مع هذا التحليل القلق على أمن الدولة العبرية،إذا نحن استطعنا أن نفهم كيف يمكن للسلاح النووي الإيراني أن يكون خطرا على إسرائيل فكيف ولماذا سيشكل السلاح النووي الإيراني مصدر قلق للدول العربية؟ ولماذا لا نقول بدل ذلك أن قوة إيران قوة للدول العربية، وسؤال آخر لماذا لا نرى القضية من الزاوية المقابلة ونضع الهواجس الأمنية لإيران في الحسبان ونقول عندئذ لماذا لا يحق للإيرانيين أن يعتبروا أن الترسانة النووية الهائلة لإسرائيل مصدر قلق مشروع لهم؟ خاصة وأن إيران محاصرة ومهددة بشكل جدي وهي تسعى جاهدة لضمان أمن ومستقبل شعبها؟ أم أن أمن ومستقبل ستة ملايين إسرائيلي أهم وأعظم من أمن ومستقبل ما يزيد عن سبعين مليون من الإيرانيين؟

وهكذا عليك أنت أن تستسيغ هذا المنطق المقلوب الذي يقضي بأن امتلاك إسرائيل للسلاح لأضخم ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط بما فيها كل أنواع أسلحة الدمار الشامل أمر لا يجب أن يثير أي قلق لدى الدول العربية، أما سعي إيران لامتلاك التكنولوجيا النووية فأمر مثير للقلق،ولأن إسرائيل دولة ديمقراطية ومحبة للسلام فلا ضير ولا خطر إطلاقا من استمرارها في امتلاك وتطوير كل الأسلحة الفتاكة، وهي الشروط التي لا تتوفر في إيران بطبيعة الحال؟.

وبصورة عامة فإن من يقرأ المقال يلاحظ تركيزا واضحا ومقصودا على قضيتين، الأولى هي التأكيد الدائم على أن إيران بلد غير ديمقراطي، والقضية الثانية هي التنديد المبالغ فيه بالمؤسسة الدينية في هذا البلد الإسلامي الكبير الذي يدين بتحرره للثورة الإسلامية سنة1979 ولذلك فإنني قبل أن أختم هذا الرد أود الوقوف قليلا عند هاتين النقطتين.

القضية الأولى: هل إيران دولة غير ديمقراطية فعلا ؟

بداية يجب أن نضع في الحسبان حداثة التجربة الديمقراطية في إيران فعمرها هو عمر الثورة الإسلامية لسنة1979ولذلك فإن هذه الحقيقة لابد وأن تكون نصب أعيننا في تقييمنا للسلبيات والإيجابيات إذ لا يمكننا أن نطلب من شاب في الخامسة والعشرين من عمره أن تكون له خبرة وحنكة شيخ في الستين، ثم إنه إذا كنا نريد أن نتحدث عن الديمقراطية بالمعايير العربية فمن المؤكد أن ذلك سيكون أمرا مفارقا لذاته لأن الأنظمة العربية عموما هي آخر من يحق لها التحدث في هذا الموضوع بله أن يكون معيارا للحكم على الآخرين،أما إذا كنا نريد أن نقيم التجربة الديمقراطية في إيران بالمعايير الغربية فإن المقارنة عندئذ تكون ممكنة شريطة أن نضع في الحسبان خصوصيات ومميزات التجربة الإيرانية،بل إننا إذا رحنا نقارن التجارب الديمقراطية داخل الديمقراطيات الكبرى فإننا سنجد فروقا واضحة بين هذه التجارب وهي فروق تعكس خصائص كل أمة والأحداث الكبرى التي طبعت تاريخها، ولم يقل أحد أن هذه التمايزات تنفي صفة الديمقراطية عن هذا البلد أو ذاك، وإنما يصبح التقييم ممكنا والمقاربة منتجة عندما ننطلق من قاعدة واضحة ومفاهيم عادلة، وعليه فإن أبسط وأوضح مفهوم للديمقراطية هو توفر الحرية السياسية للشعب أي حق المواطنين في الدولة أن يختاروا دوريا عن طريق الانتخابات الحرة النزيهة من يمثلهم ويدافع عن قضاياهم في مختلف المؤسسات المحلية والوطنية وبما يفضي إلى وجود إمكانية للتداول السلمي على السلطة وبهذا المفهوم فإيران دولة ديمقراطية بلا جدال، ولا حاجة بنا إلى التذكير أن الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية في إيران تجري بانتظام وفي مواعيدها المقررة، وبعيدا عن مظاهر العنف والفوضى، والانتخابات الرئاسية الأخيرة تقف شاهدا حيا على هذه الحقائق.

القضية الثانية:هل المؤسسة الدينية في إيران هيئة ظلامية تمارس القهر على المجتمع ؟

إنني أطرح هذا السؤال لأن من يقرأ مقال صاحبنا نسيم سلامة يشعر وأن المؤسسة الدينية في إيران غول رهيب يتربص بالناس الدوائر ويُهيمن على الأوضاع الاجتماعية بشكل مطلق وهو ما يتضح من تكرار استخدامه لكلمات ” سطوة ” و” قبضة ” المؤسسة الدينية.. وعادة ما ينسى الذين ينتقدون رجال الدين في إيران أن يضعوا الأمور في سياقها الصحيح فإذا كان رجال الدين في العديد من الدول العربية مجرد أدوات في أيدي الأنظمة القائمة فإن رجال الدين في إيران هم الذين قادوا الشعب إلى الحرية،ألم يكن الإمام الخميني رجل فقه ودين واقتدار سياسي نادر؟ ألم يكن المفكر علي شريعتي منظر الثورة الإيرانية مفكرا اجتماعيا ورائدا من رواد الفكر الإسلامي؟ ولذلك فإن ارتباط الشعب الإيراني برجال الدين- بالمعنى العلمي المستنير- هو ارتباط روحي برجال يجسدون حيوية الإسلام وديناميكيته ويتمتعون بالقدرة على قيادة أمتهم تحت راية القرآن وبوحي من المبادئ الإسلامية التي يجسدها البارزون من رجال وفقهاء آل البيت وفق المذهب الجعفري الذي يعتنقه الإيرانيون – كقاعدة عامة- ولذلك فإن المرء يتساءل لماذا كل هذه الإدانة والتهجم على المؤسسة الدينية في إيران؟ وهل لدينا دراية كافية وإطلاعا مقبولا على هذه المسألة؟ وهل وجود مرشد أعلى للجمهورية يعد بالضرورة عيبا في النظام الإيراني؟ و لماذا لا يمكن أن نعدَّهُ ميزة تميز إيران بنظامها الجمهوري الديمقراطي الذي يجسد استقلال إيران كدولة وثقتها بنفسها كأمة تعي وتتفاعل مع ميراثها الحضاري الذي لا تتوفر عليه أعرق الديمقراطيات الحديثة ؟ وبمعنى آخر فإننا مطالبون قبل إصدار الأحكام أو إعادة مضغ ما يقوله الآخرون بمزيد من البحث والدراسة، وقد رأينا مفكرا جزائريا له وزنه الفكري مثل الأستاذ محمد الميلي يسجل أن عدم وجود مرجعية عليا لدى أهل السنة كما هو الحال لدى أصحاب المذهب الشيعي قد تسبب في الكثير من القلاقل وأثار ويثير موجات من الخلافات التي اتخذت في العديد من المرات طابعا رهيبا من العنف والانتقام،ثم هل وجود مظهر أو طابع ديني يعني بالضرورة أمورا سيئة؟ وماذا نقول إذن في المؤسسة الدينية في إسرائيل وهي محسوبة في مصاف الدول الديمقراطية؟ وماذا نقول في الدور الحيوي والتاريخي الذي تلعبه المؤسسة الدينية في روسيا ممثلة في الكنيسة الأرثوذوكسية العريقة ؟ بل ماذا نقول في الدور الرهيب والمتصاعد الذي تلعبه المؤسسات الدينية المسيحية واليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تصفها الدراسات المتخصصة بأنها دولة مسيحية بامتياز ؟ إن التساؤلات الحية الناطقة في هذا السياق كثيرة ولكن البعض منا لا يزال مصرا على التمسك بمقولات وتحليلات قديمة لم تعد تصلح أساسا لمناقشة وتحليل قضايا الأمم في زمن العولمة.

الجزء الأول:

والآن نأتي إلى الجزء الأول لاستعراض ومناقشة أهم ما جاء فيه ومقارنته بما تقدم حتى تتضح الصورة، ففي بداية هذا الجزء يذكر الكاتب بوضوح تام “…أن ملايين الإيرانيين مقبلين على التصويت في انتخابات هي التاسعة في تاريخ الجمهورية الإسلامية…” وأنه بعد ” عهدتين متتاليتين1997-2005من حكم الإصلاحي محمد خاتمي فإن هذا الأخير يستعد لتسليم كرسي الرئاسة في 17جوان2005“.

وفي الفقرة الثانية من هذا الجزء يخبرنا أيضا ”  أن عددا من المترشحين سيدخلون سباق الرئاسيات وأنهم يمثلون مختلف التيارات السياسية “ وأكثر من ذلك يخبرنا أن ” إيران تعرف ظاهرة سبر الآراء لتقدير حظوظ المترشحين في الفوز ووزن وشعبية كل منهم ” ولاشك أن سبر الآراء الذي يسبق الانتخابات ظاهرة صحية تعرفها كل الديمقراطيات الراقية في العالم إذ لا يمكننا أن نتصور وجود إمكانية للقيام بعملية سبر للآراء في نظام استبدادي أو نظام يتبنى فكرة المرشح الوحيد،كما يسجل لنا الكاتب: ” أن رفسنجاني الذي سبق له أن شغل منصب الرئاسة لعهدتين متتاليتين1989-1997 في لحظة حاسمة من تاريخ إيران تتمثل في رحيل قائد الثورة الإسلامية أية الله الخميني وخروج إيران من حرب مدمرة مع العراق، يريد العودة إلى الرئاسة من جديد “ وما هي الطريق إلى هذه العودة ؟ الترشح كباقي المتنافسين الآخرين ورغم أن كل” المؤشرات الناتجة عن عمليات سبر الآراء التي سبقت عملية الانتخاب كانت توحي بنزوع الناخبين الإيرانيين لشخص الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني الذي كان يعد المترشح الأوفر حظا “ إلا أن نتائج الانتخابات أظهرت أن الإيرانيين منحوا ثقتهم للمرشح الذي كان يعد الأقل حظا محمود أحمدي نجاد الرئيس السابق لبلدية طهران فعلى ماذا يدل ذلك كله؟ ألا يعكس ذلك واقع أن الإيرانيين يتمتعون بحرية الاختيار وأنهم يختارون رئيسهم دوريا دون أن ُيفرض عليهم هذا المرشح أو ذاك؟ ألا تدل الحقائق المذكورة أعلاه أن إيران قد قطعت أشواطا عظيمة في بناء وترسيخ ثقافة الممارسة الديمقراطية؟ وصاحبنا نسيم سلامة بدل أن يبني تحليله للواقع الإيراني على هذه المعطيات والحقائق الحية التي يذكرها هو نفسه فإنه في بقية فقرات مقاله التي مرت بنا يتجاهل هذه الحقائق برمتها ولا يمل من التأكيد على أن إيران بلد غير ديمقراطي وخاضع لقبضة المؤسسة الدينية ولا أثر للحريات فيه ! .فلماذا هذا التناقض يا ترى؟ إن أبسط تفسير يمكن تقديمه في هذا الصدد هو أن بعض المثقفين الجزائريين يشعرون بأهمية وعظمة التحدي الذي رفعه الإيرانيون ويدركون حقيقة الصعود الإيراني في سلم الأمم ولكنهم في الوقت نفسه جبناء مهزومين لا يملكون شجاعة الإعراب عن مواقفهم تملقا منهم لجهات معينة أو خضوعا لتقاليد صحفية رجعية جامدة تعودت أن تضع إيران بوعي أو بدون وعي في خانة ” التعصب والتطرف” وتصفها بــ” نظام الملالي” غباء وتعصبا أو حقدا وغيرة.

إنها مجرد تساؤلات ولكن المؤكد أن المثقفين الجزائريين- في غالبيتهم الساحقة- لا يكتبون عن إيران من منطلق الوعي والتحليل الموضوعي وإنما هم يعيدون نسخ أراء وتحليلات بعض المعارضين الإيرانيين الذين يؤدون اليوم دورا شبيها بالدور الذي نهض به المعارضون العراقيون قبل غزو العراق واحتلاله أو هم متأثرون بآراء مراكز الدراسات الغربية التي تتحرك بأهداف ونوايا لم تعد تخف على أحد، وهذه الجهات هي التي أشار إليها صاحب المقال في قوله ” إذ تتفق التحاليل الغربية ” ولكنه لم يذكر لنا في مقاله شيئا عن التحليلات غير الغربية، ماذا عن التحليلات والمواقف الصينية والروسية مثلا ؟ وماذا يقول المفكرون الأوروبيون والأمريكيون- المستقلون- عن إيران وعن مشروعها الحضاري الكبير؟ ولكن البعض من المثقفين الجزائريين لا يحبون الاجتهاد ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث والتمحيص للوصول إلى الحقيقة فيفوتون بذلك على أنفسهم وعلى مجتمعهم فرصة الاستفادة من تجارب حية ما كان ينبغي أن تفوتنا فرصة الاستفادة منها .

Print Friendly, PDF & Email