يرى جيلالي حجاج، رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد، أن رفع التجريم عن أفعال التسيير هو توجه عالمي يجب على الجزائر مواكبته، مقترحا في هذا الصدد إنشاء مجموعة عمل ينصب عملها على مراجعة القوانين واستبدال الطابع الجنائي لأعمال التسيير بعقوبات مدنية أو غرامات مالية. ويعود حجاج في هذا الحوار مع “الخبر السياسي”، إلى ما صنعته حملة “الأيادي البيضاء” سنوات التسعينات في حق مسيري المؤسسات العمومية، وخلفيات تلك القرارات التي ثبت مع الوقت أنها كانت ظالمة في حقهم.

هناك من يرجع تجريم فعل التسيير (La criminalisation de l’acte de gestion) إلى مرحلة رئاسة أحمد أويحيى للحكومة سنوات التسعينات عبر حملة الأيادي النظيفة.. ماذا حدث في تلك الفترة؟

لا تزال ما يسمى بحملة مكافحة الفساد التي أطلقها الثلاثي زروال وبتشين وأويحيى في عامي 1996 و1997 واحدة من أحلك الصفحات في الجزائر المستقلة. لقد ألقي حينها بأكثر من ألفي مدير تنفيذي لشركات عامة في السجن. وفي انتهاك للقانون، أمر وزير العدل آدمي القضاة بوضع جميع المشتبه بهم رهن الحبس المؤقت. والأكثر خطورة، كما أشار المحامي ميلود الإبراهيمي، في 4 أغسطس 1998، بعد أن استقبلته بعثة الأمم المتحدة في زيارة لتقصي الحقائق في الجزائر، “إن الغالبية منهم ليسوا متابعين لا بتهمة الفساد أو الاختلاس، وما يجري بحقهم يتم بطريقة ميكانيكية بحتة”. لقد تم وضع ألمع رؤساء المؤسسات في السجن بقرار سلطة الأمر الواقع ومحكمتها. وفي هذا السياق قدم المحامي بوتامين التفسير التالي: “هذه القضية هي تحويل للأنظار فقط، لأن بعض المراكز أرادت القضاء على كل ما يمكن أن يقاوم خيارات التوجه نحو اقتصاد “البازار” والتحرير الوحشي الذي يمارس تحت مسمى اقتصاد السوق”. في الواقع، كان الأمر يتعلق بتفكيك المؤسسات العمومية التي كانت لا تزال تعمل بشكل جيد أو من المحتمل أن تعود إلى هذا المستوى مرة أخرى. لقد كانوا منافسين جديين للشركات التابعة لسادة النظام. وبالفعل، شهدت المحاكمات التي جرت عام 1999 تبرئة غالبية مئات الكوادر المسجونين، ما يؤكد الطبيعة الفاسدة لهذه الحملة الرسمية. ولغرابة الأمور، فقد تحول المبادر بهذه الحملة، أحمد أويحيى، رئيس الحكومة في ذلك الوقت والذي تم إبعاده في عام 1998، إلى وزير الدولة المكلف بالعدل من قبل بوتفليقة!

حاولت الجزائر في سنوات الألفين رفع التجريم عن فعل التسيير وأنشأت لجنة لذلك الغرض.. لماذا في رأيك فشلنا في ذلك؟

كان وصول بوتفليقة إلى السلطة جزءا من سياسة التغيير في إطار الاستمرارية! “الجزائر بلد ملغم بالفساد”. كانت هذه كلمات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الساخطة خلال اجتماع عقد في 30 أغسطس 1999. ولا يبدو أن المعاينة غير المجاملة قد تغيرت منذ ذلك الحين خلال سنوات حكمه. خلال تجمع شعبي كجزء من الحملة الانتخابية، في وهران في 11 نوفمبر 2007، أدلى أحمد أويحيى، الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ورئيس الحكومة السابق، بالتعليقات التالية حول الفساد وسوء الإدارة: “لدي صديق، لا يزال وزيرا وفي منصب مهم جدا في الحكومة، قال لي عندما كنا نتحدث عن الفساد الموجود على أعلى مستوى في الدولة، إنه لا ينبغي أن ننسى وضع حد للفساد والتبذير في الأسفل (البلديات) والذي يقدر بمئات الملايين بل مليارات الدينارات”. ولهذا السبب، دعا وأصر على الحاجة إلى صياغة قانون أكثر صرامة عندما يتعلق الأمر بـ”المنتخبين المحتالين والمبذرين”. وقد قدم بوتفليقة الكثير من الوعود، لكن رؤيته كانت جزءا من نهج وحشي للاقتصاد من خلال تشجيع وصول الأوليغارشيا من القطاع الخاص، مع الاستمرار في كسر وإضعاف القطاع العام الاقتصادي. تقييم أعمال التسيير يتعلق أيضا بالقطاع الخاص: المحاسبة المزدوجة، إساءة استخدام أصول الشركات، اختلاس الأصول، تحويل الأموال المشبوهة وتهريب رأس المال، الفواتير المزيفة، العمل غير المصرح به والتهرب من الضمان الاجتماعي، السحوبات النقدية الضخمة، إخفاء الإيصالات، الزيادات المصطنعة في الرسوم والتهرب الضريبي، القروض البنكية المتكررة التي لم يتم سدادها، حالات إفلاس مزيفة، إلخ. يعاني القطاع الخاص الجزائري بشدة من جميع أنواع الاختلاس والغش والمخالفات بجميع أنواعها والممارسات المالية غير القانونية والفساد. في مواجهة هذه الكارثة، لم يتم حتى الآن اتخاذ أي مبادرة من قبل منظمات أرباب العمل لمحاولة البدء في تنظيف إسطبلات أوجياس (مقولة إغريقية تعني القيام بحملة تنظيف واسعة) وإدخال قواعد الأخلاق والشفافية والسلوك الجيد. ليس من الصعب جدا على المحاكم مقاضاة رجال الأعمال سواء في القطاع العام أو الخاص.

كيف يمكن الموازنة بين تشجيع المسير على اتخاذ القرار ومحاسبته في حال ارتكب جريمة فساد؟

في كل مكان في العالم تقريبا، استحوذ مجال القانون الجنائي، منذ نشأته وبتسارع منذ منتصف القرن العشرين، بشكل تدريجي على جميع مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلى درجة أن آلاف الحالات لسجن رؤساء المؤسسات تم إحصاؤها. السياسة التشريعية المتبعة في القانون الجنائي للشركات التجارية تغيرت مع الوقت، بسبب التيارات التي اجتاحتها من التجريم إلى إلغاء التجريم، وعلى الرغم من أن هذا العمل لم يكتمل بعد بشكل كامل، إلا أنه يشير إلى تقدم مقارنة بمجالات أخرى من قانون الأعمال.

من الضروري اعتماد إلغاء التجريم تشريعيا بشكل حقيقي، بدءا باللجوء إلى العقوبة المدنية، بدلا من العقوبة الجنائية في حالة صدور قرار صادر عن العدالة في خلاف معين. يجب تحديد منهج لإلغاء التجريم. عندما يظهر القانون الجنائي ثانويا ولا يتدخل إلا كأداة تسمح لقانون الشركات بفرض معاييره الخاصة، يمكن حينها الحديث عن إلغاء التجريم. وسيشمل ذلك في المقام الأول عدم احترام الالتزامات التي يمكن أن يكون من المفيد استبدال عقوبتها بآلية مدنية. هذا يفرض إلغاء الجرائم التي تعاقب على مخالفة الالتزامات ذات الطبيعة الشكلية البحتة، أو تخفيف العقوبات المفروضة أو استبدال العقوبة الجنائية بعقوبة مدنية. الأمر المستعجل ليس في تقليص مكانة الجانب الجنائي في قانون الشركات التجارية بأي ثمن، ولكن الأهم هو المعاقبة بشكل أقل وأفضل.

ما هي اقتراحاتك حول ما يجب أن تتضمنه القوانين لرفع التجريم عن التسيير، وهل هناك معايير دولية يمكن الاحتكام إليها؟

من أسس المجتمعات الديمقراطية أن القانون يجب أن يسن فقط العقوبات القضائية الضرورية والمتناسبة مع الفعل. لا يهدف القانون الجنائي إلى تسوية النزاعات بين الأفراد سواء في القطاع الاقتصادي والتجاري الخاص أو بين مديري المؤسسات العامة والدولة باعتبارها المساهم الرئيسي. لم يعد القصد منه ضمان الامتثال للقيود الإدارية. يجب أن يكون الهدف منه حماية القيم الاجتماعية الأساسية، من خلال المعاقبة على السلوك غير القانوني والاختلاس، فالمعاقبة المفرطة داخل الحياة الاقتصادية تؤدي إلى آثار ضارة. الإجراءات غالبا ما تكون طويلة. غالبا ما يكون لها تأثير اقتصادي لا يتناسب مع الحقائق، كما يمكن لها أن تأخذا طابعا آخر بعيدا عن الوقائع بفعل المشتكين. وهذا الخطر القضائي يلقي بثقله على الجاذبية الاقتصادية للجزائر. يجب تجسيد التوجه نحو إلغاء التجريم دون مزيد من التأخير في مسائل قانون الشركات والمنافسة، وهو أمر اعترفت به الحكومات السابقة المختلفة، ويمكن تنفيذه دون جدل. يجب إنشاء مجموعة عمل يتم فيها تمثيل جميع الأطراف والتخصصات المعنية، بحيث تكون مسؤولة عن دراسة جميع العقوبات الجنائية التي تنطبق على الشركات في مسائل قانون الشركات والقانون المالي وقانون المستهلك. ستكلف مجموعة العمل هذه بفحص جميع الانتهاكات التي تؤثر على الشركات وستكون مسؤولة عن اقتراح إزالة العقوبات غير الضرورية. وقد يقترح أيضا تكييف هذه العقوبات أو استبدالها بإجراءات مدنية أو تجارية أو بعقوبات إدارية أو تأديبية أو مالية. وعندما تتعايش العقوبات الجنائية والعقوبات المدنية أو الإدارية، يجب على فريق العمل النظر في مبررات تجميع وتنسيق هذه الأنواع المختلفة من العقوبات.

ترتبط قضية التسيير بقانون مكافحة الفساد لسنة 2006.. هل تعتقد أن هذا القانون يجب أن يخضع للتعديل؟

النواقص الكثيرة في القوانين والنظم الجزائرية المتعلقة بالوقاية من الفساد ومكافحته، تزيد من تعقيد المشهد. لم يشهد تصديق الجزائر على الاتفاقيات الدولية لمكافحة الفساد (الأمم المتحدة وإفريقيا) أي إسقاط نوعي على القوانين الجزائرية. إن ضعف تكييف القوانين المحلية مع هذه الاتفاقيات يكشف بشكل خاص عن غياب الإرادة السياسية. إن قانون 20 فبراير / شباط 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته “فقير” للغاية: التصريح عن الممتلكات مفرغ من جوهره، لا توجد حماية للمبلغين عن الفساد، لا يمكن الوصول إلى المعلومات، استبعاد المجتمع المدني، لا استقلالية للوكالة الحكومية لمكافحة الفساد، وما إلى ذلك. يجب فهم النظام القانوني لمكافحة الفساد على أنه جميع النصوص لها مهمة محددة لمنع وقمع الفساد، ولكن أيضا اللوائح التي تهدف إلى ضمان الشفافية، حتى النصوص التي تكرس الديمقراطية وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين. في العديد من البلدان، ازدادت حالات الفساد الكبير التي تشمل السلطات التنفيذية والمسؤولين المنتخبين وكبار المسؤولين ورؤساء الشركات الكبرى في العقود الأخيرة. هذا الوضع الذي قوض الديمقراطية وهدد استقرار المؤسسات، دفع الحكومات إلى إصدار قوانين محددة لمكافحة الفساد، ولو كانت القوانين القمعية كافية للتصدي للفساد، لاختفت هذه الظاهرة من حياتنا. من الضروري إذن ضمان فعالية القوانين وإنفاذها من قبل مؤسسات قضائية موثوقة. إن الإرادة السياسية للسلطة التنفيذية وثقافة النزاهة في السلطة القضائية أمران أساسيان لتحقيق ذلك. من دون إرادة سياسية حقيقية، ستذهب قوانين مكافحة الفساد أدراج الرياح.

أنشأ رئيس الجمهورية مفتشية لمحاسبة الموظفين العموميين.. ما رأيك في هذا القرار؟

“المؤسسات الرقابية” هي من بين الأدوات التي يجب على الدولة أن تجهز نفسها بها لمنع الفساد والمعاقبة عليه، أو لتقييم عمل “الموظفين العموميين”، لا سيما في الولايات. هذه المؤسسات متعددة ومختلفة من حيث مهامها ووسائل عملها، ولكنها متكاملة في أهدافها. في كثير من الأحيان، ينص عليها الدستور وترتبط بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. لا يعني وجودها بالضرورة أنها مستقلة، حتى عندما ينص القانون على هذه الاستقلالية. وتتحدد الرقابة الإدارية بشكل عام حول نوعين من الهياكل: الهياكل التي تتدخل بشكل أفقي وتلك التي تعمل بشكل عمودي. الأولى التي نحن بصددها تمارس مهامها بشكل عام على مستوى الدولة وتتدخل نيابة عن السلطات المركزية (رئيس الجمهورية على سبيل المثال). لكن تجارب هذا النوع من الهياكل في البلدان التي لها نفس المستوى من التنمية لم تكن حاسمة: حالة الرقابة الإدارية ليست مشجعة للغاية وتتميز بظهور نقاط ضعف. إن عدم استقلالية الهياكل الرقابية، بسبب عدم قدرتها على اتخاذ القرار بنفسها، وكونها تمثل دور القاضي والخصم في نفس الوقت، يجعلها عديمة الفعالية. إن عدم تطبيق التعليمات المحتواة في التقارير يشجع على اللاعقاب في حق الأشخاص المتورطين، والذين يمكنهم الاستمرار في العمل دون اكتراث لأحد.

ويؤدي عدم نشر التقارير الموجهة للسلطات الإدارية فقط، إلى تعزيز غموض العمل وعدم وصول الجمهور إلى المعلومات. بالإضافة إلى ذلك، يؤدي عدم التماسك في هياكل الرقابة إلى تفاقم الارتباك وازدواجية التدخل، ما يضر بفعاليتها. علاوة على ذلك، فإن الطريقة، التي غالبا ما تكون غير موضوعية لتعيين “مراقبين – مفتشين” تجعل الرقابة تفقد كل مصداقيتها. هشاشة وظيفة المراقب – بسبب غياب الضمانات القانونية والحماية من الاعتداء على سلامته الجسدية – لا تساعد في جعل هذه المهنة جذابة. غالبا ما يستخدم القصور المزمن لوسائل عمل هذه المؤسسات الرقابية للحد من مهامها، علما أن فعالية المؤسسات الرقابية تعتمد أساسا على التقدم الديمقراطي للمجتمع وعلى الإرادة السياسية للسلطة التنفيذية وعلى حرية التعبير في وسائل الإعلام.