دكتورمحمد مراح

انتشرت في بعض المدن الجزائرية احتفالات بما يصطلح على تسميته ب“الربيع الأمازيغي” (1980) و”الربيع الأسود” (2001). وجرت الاحتفالات بالراية الأمازيغية التي يبدو أنها استأنست بالعلم الوطني أثناء المسيرات الأسبوعية . ورفع شعارات منها ( الجزائر حرة ديمقراطية) .

طيب الأمر في ذاته لا جديد فيها، وأصحاب هذه المناسبة يقدسون ذكريي الحدثين؛ ويعدانهما من التضحيات الجسام التي قدمت للاعتراف بالهوية الأمازيغية .

لكن أليس لنا أن نطرح مجموعة أسئلة  وملاحظات نزولا عند حكم ( جزائر حرة ديمقراطية) ؟! أعتقد هذا من حقنا، كما من حق أي جزائري أن يسأل، ويعلّق، ويبدى وجهة نظر ما حول حدث ما أو موضوع ما ؟ فالديمقراطية ما وضعها الأثينيون إلا لهذا ؟ ور كن الخطباء في (هايد بارك) رمز الديمقراطية الشعبية ، وحق كل صاحب فكرة إن كان يحلو له طرحها على العموم، له ذلك بطيب نفس، وقوة قانون يمنح هذا الحق ويحميه. وقد يُتيمن بذكر هذا الركن، فيُشيد نظيره بجوار أدارج البريد المركزي؛ في العاصمة؛  كي يمتطيه كلّ من (طلعت في راسو\بدت له) ، فكرة أو خاطرة، أو حتى أمنيه، أو ما شابه ذلك، ومن ثمة نكون قد دخلنا إلى الديمقراطية من أحد أبرز رموزها الشعبية .

طيب وبما أن المتاح لي – على الأقل في هذ اللحظات – الكلام عبر هذا الفضاء، فسأتخيلني في ( ركن GP)، وقد هدأت أهازيج المحتفين بهاتين الذكريين، وأتوجه بأسئلتي للعموم:

  • المرحلة الحالية هي مرحلة الالتفاف حول مطالب كبرى وطنية، انتدب لها نصف الشعب الجزائري (على الأقل حسب تقديرات غير رسمية، لأعداد الحراكيين كل جمعة على المستوى الوطني ) جهده ووقته ونفسه، وماله وعرقه، وعائلته، وصحبه، وعشيرته الأقربين، وجيرانه بالجنب للنضال في سبيل تحقيقها ، و مع هذا فكلّ المعطيات التي تقدمها لنا نتائج هذا الغليان الفوّار وطنيا، تُجمعُ على حقيقة تؤرق الجميع؛ وهي ( أننا نتجه نحو وضع الانسداد)، والتأزم ربما في أعلى مستوياته ومخاطره ؛ لأنه لا يوجد أي مؤشر على الشروع في اعتماد خطوات عملية جادة نسلكها للخروج عبرها من عنق الزجاجة؛ بما يحقق مطالب الجماهير، أو على الأصح المطالب المجمع عليها . فهل من الحكمة أن نُفرّع على الحراك (حُريّك)،  يعكس كثيرا من خصائص الحراك أهمها (خاصة في العاصمة) : (المكان ، الراية، الأهازيج ، الشعارات، الوجوه)، التي من المرجح أن تكون مستدامة في الحراك؟ أليس هذا تشتيتا للاهتمام ،مهما تكن القضية مقدّسة لدى أصحابها، والذكرى عزيزة عليهم؟!
  • ينتشي موقع إلكتروني شهير، فيعلق 🙁 أحداث أعادها الحراك الشعبي الذي تعيشه الجزائر منذ 22 فيفري بلون وطعم جديدين، يفوح بعبق النضال المتجدّد من مسيرات الكرامة والحرية والاعتراف بالهوية الأمازيغية ) استصحابا لهذه الحال ؛ وتحت راية ( الجزائر حرة ديمقراطية) ، ألا يحق  -مثلا – لمن سُلب منهم حقُّهم الدستوري بفوز ساحق في انتخابات التسعينيات، أن يخرجوا رافعين  الجريدة المتضمنة أسماءهم ، مما يذكر بحقهم الدستوري الذي ما زال مثبتا فيها؟ هل ستبقى حينئذ مثلا( الجزائر حرة ديمقراطية) ، أم أنها ستصير( الجزائر هرّة شرسة[  وفق نطق المطربة الإفريقية الكبيرة  ميريام ماكيباللفظ هرة ]) ؟
  • لنتجاوز هذا الاحتمال الذي لا أحد يفكر في احتمال طرحه؛ نظرا لما ترتب عليه من مأساة وطنية قاسية علمتنا – على الأقل حتى هذا الحين دروسا ثمينة، تجلّت ثمارها في ما اتسم به الحراك من خصائص، غدت موضع إعجاب وإبهار داخليا وخارجيا .

ولنفرض مقوم اخر من نظير الربيع المنكوب ذات زمن على أيدي النظام الشمولي، و اعنى به الاضطهاد والانتهاك الدستوري والنفسي والديني والاجتماعي للغة العربية، على مستويات رسمية ( الدولة ورمزها البشرية والمادية)، و فصائل متطرفة  فئويا وشعبيا وثقافية ، وفنية وغيرها ،ضد العربية، كارهة لها، مناضلة بكلّ استماتة لمنعها من أن تأخذ مكانها الطبيعي والتاريخي، فإن تكن الأمازيغية لاقت مقاومة من النظام ، فإن العربية على مدى عقود الاستقلال ، لاقت الاضطهاد البشع الشنيع : تحقيرا، وذمّا لها، ولأهلها، والتعصب المنحط الهمجي جهرة وعلى الملأ عبر وسائل الإعلام والأعمال الأدبية والفنية ، ثم وسائل التواصل الاجتماعي ، التي تحولت فيه مساحات واسعة من (فيس بوك)  من الفضاء الأزرق إلى مساحات شاسعة منه فضاء أصفرا منتنا، تفوح منه نتانة فضلات الحقد والكراهية لكل ما هو عربي بل وإسلامي، فكيف سيكون موقف المنكوب ربيعهم، لو اغتنم هؤلاء فرصة الحراك ، فقالوا والله ( فرصة ثمينة ) لا تُضيّع، فلنخرج حاملين نصوص الدستور الوطني في كل مراحل إصداره منذ أول دستور إلى آخره ، المشرعة للغة العربية ، وركنيته الرئيس في الهوية الوطنية، ويبدعون على عجل راية تحمل الشعار الباديسي المشهور( الجزائر بلدنا والعربية لغتنا، والإسلام ديننا)، ثم يتداعى لهذا الخروج أنصار هذا الركن الركين في الهوية الوطنية للخروج والاحتفال للمطالبة بإعادة الاعتبار الوجودي  الشرعي للغة العربية  ، إنصافا للحقائق الواقعية والتاريخية والحضارية والواقعية؛ ( الغالبية العظمى من الشعب عربية اللسان – العربية لغة حضارة سادت العالم قرونا عديدة، احتضنها من العرقيات التي استظلت بالحضارة الإسلامية، ما لا يبلغه حصر ولا عدّ- اللغة العربية أحد أهداف النضال في الحركة الوطنية، وثورة التحرير _ اللغة العربية لغة القرآن الكريم، دين 99 بالمائة من

الجزائريين)؟  أعتقد أن الإجابة يعرفها الجميع؛ لأن التركة الخبيثة التي خلفتها فرنسا الاستعمارية، ورعاها عبدتُها في الجزائر، أفضت إلى الحال التي صورها قال مالك بن نبي رحمه الله تعالى قائلا: ( البلاد لم تعد تحوي نخبتين: وإنما مجتمعين متراكبين : أحدهما يمثل البلاد في وجهها التقليدي والتاريخي، والثاني يريد صنع تاريخها ابتداء من الصفر) [ مشكلة الأفكار ، ص 141) .

  • البلد الآن في مرحلة مفصلية ، فإن تكن اختياراتنا حضارية، تتطلع لبناء دولة ومجتمع على أسس ديمقراطية سياسية واجتماعية، برعاية قيمنا العريقة، التي أعادت تشكيل الشخصية الجزائرية منذ تمهّدت للإسلام كنفا ودودا، احتضنت دعوته، وشريعته، وقيمه، ولغته، دون مدافعة منه لتقاليده العريقة، ولا اضطهاد للهجات سكانه الأصليين، فستكون الوثبة والانطلاق على قواعد يُثرى فيها مستقبل البلد على كافة الأصعدة بروافد وطاقات بشرية وقيمية وثقافية، بناءة، ندخل فيها العصر بمتطلباته بعناصر قوية، هي في الأصل متوفرة لدينا موادا خاما ، أو مهملة، بفعل الانتهاكات الفظيعة التي ارتُكبت في حق هذا الوطن من سلطة ونخب، دون إخلاء الشعب من قدر من المسؤولية، فهذا مقتضى العدل في توزيع مسؤوليات ما وصل إليه حالنا .

قُلتُ هذه الإمكانات البشرية والقيمية الخامة الموجودة لدينا أصالة ؛ تنويها بأصلتها انتسابا للأرض والشعب، فتكوّن بهذا رصيد قوة، يمكن معه استلهام –بالمقارنة – الذكاء الذي يفصح عنه الغرب في بعض نماذجه الناجحة علميا واقتصاديا ؛ فأقوى دولة في العالم بناها أشتات من الأعراق والأجناس،  فكيف بمن لديه تشكيل رائع من جنسين على الأقل

 ( أمازيغ وعرب) ، وبعض الموريسكيين  و الكراغلة، مزجهم التاريخ والحضارة في شعب واحد، إن يضيع من بين يديه هذا الكنز، بنزعات عنصرية همجية يلفظها العصر الحجري لو عاد للوجود ، أو خدمة حقيرة لمستعمر الأمس، ركن المأساة اليو مسببا خفيا، لهي حقا جريمة الأزل !

 كما أن كثيرا من دول الغرب  في أوربا وأمريكا وأستراليا تجري وراء العنصر البشري النوعي من مختلف الأجناس، لتُرصّع به تاج منجزاتها الحضارية .

إذن نحن في مرحلة الاختيارات الأبدية لمصائر الأجيال؛ إما أن نسلك سلوك المخلصين الصادقين في مسيرتنا الجديدة، التي من أبجدياتها أن الأمم في مراحل التحول الكبيرة، والأزمات الحرجة، تلتف حول أهدافها الكبرى، وتؤجل اختياراتها الفئوية، الأيديولوجية، إلى حين تجاوز المراحل الكبرى الأساس لدولة سيدة على أرضها وشعبها ومقدراتها ومؤسساتها الكبرى، وحين تتهيأ الظروف الثقافية والنفسية والاجتماعية المناسبة ، تُفتح الملفات ، والقضايا، وتناقش بحرية، واستعدادات نفسية وفكرية تبدع الحلول، التي لو أصررنا على تمريرها تحت أرجل الحراك الهادر الآن، فسيكون الديناميت المفجر لكلّ شيء* كما قال مالك بن نبي أيضا ، وأخطر هذه المفجرات جريمة خلق كل شيء من الصفر .  

———–

  • جربت (الويزة حنون) زعيمة حزب العمال اليوم، إلقاء متفجر (فشفاشي\ضعيف المفعول)، بتصريحها أننا لا ننتمى للأمة العربية، لأننا أمازيغ عرّب الإسلام بعضنا! بالطبع هو تصريح يجمع الجهل التاريخي والواقعي، فضلا عن الاستراتيجي . فضلا عن مؤشره الدال على بذل رشوة التموقع السياسي لمن تعتقد أن يكونوا سادة الجمهورية الثانية .

 

Print Friendly, PDF & Email
blank