تأتي تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون، بخصوص الجزائر، على أبواب الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية، ومحاولات ماكرون تحقيق انتصارات سياسية خارجية بينما يغازل اليمين العنصري في الداخل.

قررت فرنسا خفض نسبة عدد التأشيرات الممنوحة لكل من الجزائريين، المغاربة والتوانسة، بـ50٪، في سابقة من نوعها، على حد تعبير الناطق الرسمي للحكومة الفرنسية غابريال عطال. لقد نفذت الحكومة الفرنسية تهديدها بخصوص تخفيض منح التأشيرات إلى النصف حسب تصريح هذا الأخير، بسبب عرقلة المصالح القنصلية لكل من الجزائر، المغرب وتونس في إصدار التصاريح القنصلية للتنقل(Laissés-passer consulaires) للرعايا المطرودين من فرنسا والذين صدرت في حقهم قرارات إجبارية بمغادرة التراب الفرنسي (OQTF)، فدون التصريح القنصلي للتنقل لن تستطيع السلطات الفرنسية طرد هؤلاء الرعايا، محل قرارات بالإبعاد والذين تم احتجازهم في ما يسمى بمراكز الحجز الإداري (CRA).

دائما على حد تعبير الناطق الرسمي للحكومة الفرنسية، فإن فرنسا أجرت مفاوضات مع هذه البلدان منذ 2018، لتسهيل تنفيذ قرارات إجبارية بمغادرة التراب الفرنسي، طبقا للمعاهدات والمواثيق الثنائية والدولية، ولكن هذه البلدان تستمر في رفض إصدار مثل هذه التصاريح إلا قلة قليلة،ما يعيق تطبيق القرارات الفرنسية في عقر دارها.

منطقيا، تعد هذه الدول أهم مناطق الانطلاق للهجرة السرية في نظر السلطات الفرنسية والأوربية، وبالتالي فالشبكة المغربية والشبكة التونسية من أهم شبكات الهجرة نحو إسبانيا وإيطاليا كمناطق عبور للوصول إلى فرنسا، ولكن هناك أسباب أخرى مستترة تتعلق بالمشاكل العالقة على المستوى الديبلوماسي والأمني والتي لا تظهر للعيان، وتتحول قضية التأشيرات محل مساومة والتي قد لا تروق لهذه الدول.

يجب أن نحاول فهم هذا الموضوع على أساس تصور البلدين. فرنسا تعتبر الحركى كمواطنين فرنسيين، أدوا واجبهم تجاه الأمة الفرنسية، وتراهم الجزائر خونة تعاملوا مع العدو في أحلك الظروف، وما اقترفوه ذنب لا يغتفر، والاحتفاء بهم في هذه الظروف قبيل 6 أشهر عن تنظيم الانتخابات الرئاسية، هي محاولة لاستعطاف الوعاء الانتخابي لهذه الفئة.

وفي سياق اشتداد التنافس على الرئاسيات، تبدو الأطراف السياسية الفاعلة أنها تخوض حملة انتخابية قبل الموعد، فحزب ماكرون يريد استقطاب الناخبين اليمينيين الذين لم يصوتوا لمارين لوبان في الانتخابات السابقة، ومثل هذا السلوك تقوم به الكثير من التيارات السياسية قبيل المواعيد الانتخابية.

لقد أخذ اليمين المتطرف يتمدد في أوساط الرأي العام بشكل مخيف، إذا عدنا 15 سنة إلى الوراء كانت فكرة وصول اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في فرنسا تثير السخرية، ولكن أضحت نفس الفكرة تقض مضجع الدولة العميقة في فرنسا وتخيف النخب الفكرية والسياسية، التي لا تريد لليمين المتطرف الوصول إلى قصر الإيليزي.

تعيش فرنسا في هذه الأيام حملة انتخابية استباقية، وكل الوسائل متاحة لاستعطاف الناخب الفرنسي واستقطاب الأوعية الانتخابية، التي قد تتجه نحو الممانعة أو الانتخاب العقاب. ففي الانتخابات الإقليمية والجهوية السابقة، فقد اليمين المتطرف الكثير من الأصوات، ولعل هذه الفئات التي أصيبت بخيبة أمل جراء التجربة السياسية للتجمع الوطني (الجبهة الوطنية) التي لم تحسن تسيير مجالس الجماعات المحلية، أضحت هدفا للكثير من الأطراف السياسية ومنها تيار الرئيس ماكرون. ولهذا السبب يحاول استمالتهم عبر تبني بعض قضاياهم، ومنها فرض سياسة هجرة متشددة، الاهتمام بالهوية الفرنسية، بلورة سياسة أمنية أكثر صرامة تجاه ما يعتبرونه محاولات انفصالية والإسلام السياسي، والاهتمام أكثر بفئة الحركى.

لقد أيقنت دوائر الدولة العميقة أن مارين لوبان، زعيمة الحزب اليميني المتطرف التجمع الوطني، أضحت قاب قوسين أو أدنى من اعتلاء كرسي الرئاسة في الانتخابات المقررة في 2022، فسارعت وسائل الإعلام إلى التشهير بشخصيات متطرفة مناوئة لها، ومن أهمها المثقف المتطرف إيريك زمور، الذي فتحت له كل الوسائل الإعلامية الثقيلة أبوابها، ما أدى إلى تقهقر مارين لوبان في سبر الآراء بـ10 نقاط، والهدف من ذلك هو تشتيت الوعاء الانتخابي لليمين المتطرف، أو على الأكثر جلب أصواتهم لصالح مرشح الإجماع المحتمل وهو ماكرون.

لقد تيقنت فرنسا أن العالم يتغير بسرعة فائقة، وغير قادرة على استيعاب كل هذه التغيرات، فالمنافسون كثر، ولعل ما يحدث في جارتنا مالي أهم دليل على ذلك من خلال الاكتساح الروسي، وتصاعد الدور الصيني في إفريقيا الشرقية والقرن الإفريقي، ومحاولات تركيا العودة إلى محيطها الطبيعي، ألا وهو البحر الأبيض المتوسط، من البوابة الاقتصادية.

وفيما يخص توقيع كل من الولايات المتحد الأمريكية، بريطانيا وأستراليا على معاهدة الدفاع (AUKUS) اعتبرت فرنسا هذه المعاهدة محاولة لعزلها في المحيط الهادئ، رغم أنها لديها حدود إقليمية مع أستراليا من خلال كاليدونيا الجديدة، جزيرة الرينيون وجزر واليس وفوتونا. رغم كل هذه الحدود تقصى فرنسا من لعب دور استراتيجي في المحيط الهادي.

* فيصل إزدارن، باحث جزائري في علم الاجتماع السياسي وقضايا الهجرة، مقيم بفرنسا.