بقلم : أميرة أحمد حرزلي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة باجي مختار، عنابة ـ الجزائر

  • المركز الديمقراطي العربي

مــقــدمــة:

    منذ ما يقارب الشهرين عن غيابه عن نشر الشاشة وأنظار الشعب بداعي المرض، أطل أمس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من مكان إقامته في ألمانيا، عبر فيديو نشره موقعه على “توتير” يطمئن الشعب الجزائري على صحته وقد حمد الله عز وجل على سلامته بعد ابتلائه بفيروس” كورونا”، الرئيس لخص في مقطع الفيديو القصير أوضاع البلاد والخارج، مشيرا إلى متابعته اليومية بل خلال كل ساعة مستجدات البلاد والإقليم مؤكدا على أن الجزائر قوية ولن تتزعزع وسيواصل بناء الجزائر الجديدة.

حسب متابعين للشأن الجزائري الداخلي خطاب الرئيس عبد المجيد تبون أمس جاء متأخرا مقارنة مع السيل الكبير للشائعات المغرضة التي طالت صحته وحياته ومستقبله السياسي على رأس الدولة، فعلى المستوى الداخلي ارتفعت أصوات سياسية تنادى بتفعيل مادة الشغور الرئاسي، أما على المستوى الخارجي انتشرت أخبار وتقارير وفيديوهات مفبركة تفيد بوفاة الرئيس تبون في محاولة منها لإعادة البلاد إلى العهد السابق، ومنه نطرح الإشكالية التالية:

كيف يمكن قراءة خطاب الرئيس عبد المجيد تبون من ناحية الشكل والمضمون وأبعاده الداخلية والخارجية؟، وكيف استقبلته التشكيلات السياسية والشعب الجزائري؟

  1. توقيت الخطاب الرئيس عبد المجيد تبون:

تأتي كلمة الرئيس عبد المجيد تبون التي تعد اول ظهور بعد غياب لما يقارب الشهرين من الزمن، في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وجيوسياسية حساسة ودقيقة داخليا وخارجيا، فعلى المستوى الداخلي تتزامن كلمة الرئيس مع الذكرى الأولى لإنتخابه ومن خلالها أراد أن يجدد العهد على استكمال كل المشاريع المسطرة، كما الكلمة تأتي في ظروف تتسم بالركوض السياسي الذي خلفه غيابه عن الساحة السياسية والإعلامية الداخلية أخرج أبواقا من الأحزاب السياسية تنادي بضرورة تطبيق المادة 102 وإعلان الشغور الرئاسي، بالإضافة إلى ذلك ساهم الاعلام الغربي والذباب الإلكتروني بتشويه صورة الجزائر عبر القنوات الأجنبية والمواقع الالكترونية بنشر أخبارا كاذبة ومغرضة حول وفاة الرئيس هدفها الإساءة لأمن واستقرار البلاد والـتأثير على معنويات الشعب الجزائري.

على المستوى الخارجي تأتي كلمة عبد المجيد تبون في سياق البرلمان الأوروبي وانتقاده غير الموضوعي لحقوق الانسان في الجزائر عبر وثيقة أصدرها في 26 من نوفمبر الماضي، والتي اعبرتها الجزائر تدخلا سافرا في شؤونها الداخلية وردت عليها بالمثل عبر غرفتي البرلمان مجلس الأمة و المجلس الشعبي الوطني و انزعاج شعبي ومنظماتي واضح ازاءها،  زاد عليها التوترات غير المسبوقة التي يشهدها المغرب العربي والتطورات العسكرية في الصحراء الغربية لاسيما الاعتداء العسكري للمغرب على متظاهرين سلميين في منطقة الكركرات في إقليم الصحراء الغربية في 13 نوفمبر الفارط، وما زاد الطين بلى تطبيع المغرب الرسمي مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية في 10 ديسمبر الفائت ما يجعل الحدود الجزائرية الغربية مستنفرة في حالة طوارئ وفي تماس مباشر مع دولة صديقة للكيان الصهيوني، فالخطاب إذن هدفها طمأنة الشعب الجزائري حول صحة الرئيس، وعدم الاستماع إلى الأخبار الكاذبة غير الصحيحة و الالتفاف على مؤسسات الدولة الدستورية لاسيما مؤسسة الجيش الشعبي الوطني ضد كل المخاطر والتحديات التي تواجهها الجزائر إقليميا ودوليا.

  1. شكل خطاب الرئيس عبد المجيد تبون:

ظهر الرئيس من محل إقامته في ألمانيا جالسا بشكل معتدل على كرسي وأمامه الكاميرا بلباس غير رسمي، تبون ظهر متعبا وشاحب الوجه جراء تعرضه لفيروس “كورونا”، خطاب الرئيس لم يكن طويلا إذ لم تتعدى مدة الفيديو دقيقتين وعشرون ثانية، حيث تناول فيه الأساسيات في الداخل والخارج، وكانت أفكاره متسلسلة ابتداء من يحي جميع مواطني دولته والحمد الله على ما ابتلاه من مرض، تناول الأوضاع السياسية و الاقتصادية للدولة و ركز على الجانب الاجتماعي الذي يخص المناطق المهمشة و المواطن البسيط، ثم تتطرق إلى الأوضع التي تمر بها المنطقة و التي لم يكن مفاجئ بالنسبة له وكانت منتظرة ثم عرج على أن الجزائر ستبقى قوية لن تتزعزع ويجب التمسك بمؤسسات الدولة.

كلمة الرئيس تبون كان خارجا عن المألوف وما اعتاد عليه شعبه الظهور عليه، لم يكن في مقر الرئاسة أو في قصر الحكومة محاطا بوسائل الاعلام الوطنية، حيث فضل أيبثها في شكل فيديو ونشره على شكل تغريدة على حسابه في “تويتر”، بمعنى آخر الرئيس فضل التعامل بدبلوماسية تويتر على شاكلة كبار قادة العالم (ترامب، بوتين…).

  1. مضمون خطاب عبد المجيد تبون:

ــ استكمال المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المبرمجةكلمة الرئيس عبد المجيد تبون جاءت لتلفت نظر لشعب لتابعة الرئيس كل ما تعيشه الجزائر من مشاكل و نقائص في كافة المجالات رغم ابتعاده عن ارض الوطن، ومنه فهو يدعو لاستكمال المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المبرمجة، فعلى المستوى السياسي أسدى الرئيس تعليماته لإعداد قانون الانتخابات في ظرف خمسة عشرة يوما، و بخصوص الحالة الوبائية و بحسب متابعته أشار الرئيس إلى تراجع عدد الإصابات بفيروس “كورونا” ، أما فيما يتعلق بالجانب التنموي ، فالرئيس أوصى بتنفيذ كل التوصيات المتعلقة بتنمية “مناطق الظل” ، ولن تكون هناك ضرائب جديدة على المواطنين وكذلك البرامج الاقتصادية المبرمجة فهي تطبق.

ــ أبعاد كلمة الرئيس نحو التهديدات الخارجية: فما حصل مؤخرا في المنطقة على المستوى السياسي من تطورات عسكرية والتطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني كان متوقعا ولم يكن مفاجئا بالنسبة له أو للجزائريين والجزائر ستبقى دائما قوية وواقفة بمؤسساتها وبجيشها الباسل.

ــ موعد العودة إلى الجزائر: لم يحدد الرئيس في خطابه أمس تاريخا محددا لعودته للبلاد واكتفى بأن العودة إلى أرض الوطن قريبة، بالنظر على وتيرة تعافيه التي تستلزم ثلاث أسابيع على الأقل.

  1. موقف الأحزاب السياسية والرأي العام الشعبي من خطاب الرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون:

إجماع كبير وترحيب واسع بين الأوساط الحزبية الجزائرية على اختلافها بعد خطاب الرئيس تبون صوتا وصورة من محل إقامته في ألمانيا والتي طمأن فيها الجزائريين عن وضعه الصحي بعد إصابته بفيروس “كورونا”، حيث أن ظهور الرئيس تبون ــ الذي كان مؤخرا ـ زاد من رقعة الشائعات التي انتشرت مؤخرا، وهو ما وضع حدا للجدل الدائر حول صحته وأسكتت كل أصوات النشاز التي تنادي بتطبيق المادة 102.

جبهة التحرير الوطني مرتاحة لظهور الرئيس وشفائه: عبر أكبر الأحزاب السياسية تمثيلا في البرلمان على لسان أمنه العام أبو الفضل بعجي عن ارتياحه لظهور الرئيس وشفائه، في انتظار عودته إلى أهله وشعبه ووطنه.

حركة البناء الوطني ظهور الرئيس ضوع حدا للمشككين وهو حاجة وطنية: تفاعلت الحركة في بيان لها مع كلمة رئيس الجمهورية، حيث عبرت الحركة عن ارتياحها العميق بكلمة الرئيس، وجاء في البيان ” ظهور رئيس الجمهورية وضع حدا للمشككين والمغرضين الذين تعودوا التشكيك في كل مسعى وطني مهما كان”، وأضافت الحركة ” ظهور الرئيس كان حاجة وطنية في وقت تتعرض فيه الجزائر لتهديدات كبرى على حدودها ولحملة أجنبية مسعورة وغير مسبوقة تقودها الأطراف الحاقدة والتي تريد النيل من استقرارها وسيادتها”.

جبهة المستقبل إطلالة الرئيس وتوجهاته جاءت في وقتها نظرا للظروف الراهنة التي تعرفها البلاد: تلقت الجبهة خبر “إطلالة رئيس الجمهورية باطمئنان كبير عليه وعلى الشعب الجزائري الذي طمأنه من خلالها على صحته وتعافيه من مرضه”، وتابعت في بيانها أنها مرتاحة لتوجيهات وتوصيات الرئيس لمؤسسات الجمهورية في آفق العودة قريبا لممارسة مهامه ومسؤولياته الجسيمة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد، وما تعرفه الساحة الدولية والإقليمية من تداعيات”.

حركة مجتمع السلم خطاب الرئيس يخفف التوتر يفتح الحوار والتوافق: رحبت أكبر الأحزاب السياسية الإسلامية المعارضة في البلاد بخطاب الرئيس الفائز، مؤكدة أنه “خطاب جامع يساعد على تخفيف التوتر ويفتح آفاق الحوار والتوافق”.

التجمع الوطني الديمقراطي يتمنى عودة الرئيس لاستكمال مسار بناء الدولة: من جهته عبر حزب التجمع الوطني الديمقراطي ثاني أكبر الأحزاب السياسية تمثيلا في البرلمان، على لسان أمنيه العام الطيب زيتوني عن سعادته ككل الجزائريين بكلمة الرئيس تبون وارتياحه وأعضاء حزبه لتعافي الرئيس، معربا عن تمنياته بعودته السريعة لاستئناف مهامه ومواصلة بناء الجزائر الجديدة في ظل الوضع الدولي المتأزم”.

حزب الشعب الجزائر يدعو إلى ضرورة الالتفاف على مؤسسات الدولة: دعا الحزب إلى ضرورة الالتفاف على مؤسسات الدولة الدستورية للتصدي لكل المحاولات الرامية إلى زعزعة أمن واستقرار الوطن.

كذلك عبر عموم الشعب الجزائري ورواد مواقع التواصل الاجتماعي عن فرحتهم العارمة بظهور الرئيس تبون صوة وصورة، ووقد نشر المواطنون على حسابتهم الشخصية منشورات وصور للرئيس والعلم الجزائري، متمنين له الشفاء العاجل ودوام الأمن والاستقرار للبلاد.

خـاتـمــة:

    رغم أن خطاب الرئيس الجزائري كان مؤخرا نسبيا مقارنة بالسيل الكبير للإشاعات المغرضة، ولكنه أتى في وقت جد حساس ودقيق، لإسكات جميع المحاولات الضارة والمهددة لاستقرار الجزائر داخليا وخارجيا، ومنه فإن الخطاب يهدف إلى توحيد الجبهة الداخلية شعبا و حكومة واستكمال جميع البرامج السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المبرمجة في برنامج عبد المجيد تبون لبناء الجزائر الجديدة من جهة، والالتفاف على المؤسسات السياسية والعسكرية الشرعية ودعمها ضد التهديدات الخارجية مهما كانت طبيعتها والقادمة من أطراف أوروبية ومن الحدود الغربية للبلاد لاسيما مع حملات التطبيع العلنية المتسارعة.