دراسات أمنيةدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا(MENA)دراسات سياسية

خطاب قائد الأركان الأخير و مسألة الهوية

منذ أن صدر خطاب قائد الأركان الأخير و قامت الدنيا و لم تقعد على مسألة الهوية و انهالت الشتائم و الاتهامات من كل حدب و صوب على قيادة الأركان و توالت التحليلات السياسية التي طبعتها إما عاطفة الغضب من جهة أو عاطفة الوطنية الجامحة من جهة أخرى إلّا أن التحليل الموضوعي يستدعي التجرد من العاطفة قدر الإمكان و التعامل مع المعطيات الميدانية للاقتراب من الحقيقة، و بداية نطرح التساؤل التالي:
– لماذا يصدر قائد الأركان خطابا يغضب الشارع في وقت بدأت تتنامى شعبيته و بدأ الناس يبدون رضاهم عنه خاصة بعد سجن الوزيرين الأسبقين عبد المالك سلال و أحمد أويحيى ؟
– هل يريد الذي كتب الخطاب أو أوحى به الإيقاع بالقايد صالح بإثارة الجنود الأمازيغ، النخبة و الشارع؟ أم انّ هناك معطيات قد غابت عنا يجب البحث عنها للوصول إلى إجابات منطقية؟
مع مرور الأيام يتضح أن هذا الحراك لا ينفصل عن وضع دولي و عالمي شامل، و ناهيك عن محاربة الفساد الذي استشرى في البلاد يبدو أن الوضع أكثر عمقا و اشد خطورة تزامنا مع الوضع الكردي و الاضطرابات في الخليج العربي و الأزمة الليبية و هذا ما يحيلنا مباشرة أو يذكرنا برجل يدعى “رالف بيترز” Ralph Peters عسكري امريكي سابق و محلل سياسي و لعل من أشهر اصداراته عن الشرق الأوسط ما يعرف ب”حدود الدم” les frontières du sang، و هي أفكار تكميلية لتصور الشرق الأوسط الكبير و صدرت سنة 2006 و يشرح الرجل كيف أن الحدود الحالية في الشرق الأوسط هي حدود ظالمة و تحتكر الثروات و تحرم الشعوب لذلك فهو يقترح على الإدارة الأمريكية تغييرها بدءا بالعراق حيث يجب انشاء دولة الأكراد حول حقول النفط تضم اكراد سوريا و العراق و تركيا وايران، كما يقترح القضاء على نظام آل سعود والدولة السعودية و تحويل مكة و المدينة الى “فاتيكان المسلمين” برئاسة جماعية دورية يتمكن من خلالها المسلمون من تطوير دينهم بعيدا عن الجمود حسب رايه و تاتي في مرتبة أخرى شمال افريقيا حيث جاء من بعده نخبة متخصصة في الموضوع و خاصة الاقدام السوداء من أصول يهودية على رأسهم جاك اتالي و برنارد هنري ليفي لاقتراح انشاء كيان تامزغا الذي يجمع أمازيغ شمال افريقيا بدول ذات طابع علماني تكون أكثر مرونة في التعامل مع المعتقدات الغربية.
– لبلورة هذه الاستراتيجية سيتم الاعتماد على الأقليات حيث تروج لأفكار الضحية و الاستبداد و التهميش من طرف الأنظمة الحالية و استثمارها للوصول غلى غاية تفجير الأوضاع و الانفصال حيث سترى النخبة في مرحلة ما أنه لا وجود لحل إلا في تكوين دولة جديدة منفصلة ستنطلق من عمق الصحراء الجزائرية و تشكل حزاما موازيا للشمال يشمل صحراء ليبيا و الجزائر و يمتد الى المغرب وصولا الى حدود المالي و التشاد.
– يبدو أن الحراك الحالي لا ينفصل عن هذه النظرية و لعلها في قلبه، و لا نستثني أن هناك رغبة في تحسين الأوضاع السياسية و الاجتماعية للمواطنين و تنظيف الساحة السياسية لكن من الناحية الاستراتيجية و الأمنية يمكن تصور التالي:
– كل الاعتقالات التي تمت في بداية الأمر كان لاصحابها علاقة مباشرة مع المشروع البربري لكن اللافت للانتباه هو البدأ من الذراع المالي و الاقتصادي و هذا ينبء عن ذكاء شديد حيث لو كانت التهم سياسية لتفجرت الأوضاع داخليا و لتوصلنا لحرب أهلية لا محالة، لكن الفساد المالي خدم القضية من حيث لا يدري و شكّل غطاءا قانونيا و أخلاقيا لا غبار عليه.
– انتقلت الاعتقالات للشق السياسي و كان قد صرّح قائد الأركان في خطاب له نهاية شهر مارس انّ المتآمرون لهم علاقة بقضية الهوية و اثارة الفتن، و جاء بعدها مباشرة اعتقال الجنرال المتقاعد محمد مدين و السعيد بوتفليقة بتهم محاولة الانقلاب على قائد الأركان التي تبدو من خلال ما سبق تهم ظاهرية حتى تبدو و كأنها تصفية حسابات شخصية للابتعاد عن الحساسية الجهوية أو العرقية.
– بعد تحييد الأذرع المالية و السياسية و أقطاب الاجهزة الامنية اللذين كانوا على علاقة بهذا المشروع جاء الدور على القاعدة النضالية خاصة داخل الأجهزة الأمنية و على رأسها مؤسسة الجيش حيث يتوجب معرفة المناضلين الأكثر حماسا و متطرفي قضية الهوية و من يعلو عندهم صوت الهوية الفئوية على صوت الوطن الواحد و الجامع و لم يكن ممكنا التعرف عليهم إلا من خلال استثارتهم عاطفيا و ذلك بالمس لما أصبح يعرف برمز الهوية الأمازيغية المتمثل في الراية.
– ثارت ثائرة الشعب برمته خوفا من الوقوع في المواجهات بين العناصر الأمنية و المتظاهرين الحاملين للراية المحظورة فتوحدت القاعدة الشعبية و جزء من الهدف قد تم بلوغه في توحيد كلمة الشعب، أما الشق الأمني بخصوص العناصر المتطرفة فلا معلومات لدينا فيما يخصه.
– لو صحّ هذا التحليل لاتضح أن قائد الأركان قد قبل للتعرض للتهجم الشديد من طرف المناوئين كأي عسكري في مهمته يرضى بالتضحية في سبيل هدف أسمى.
– لو صحّت هذه النظرة و صحّ هذا التحليل لاطماننّا على مستقبل الحراك و هذه الثورة الرائعة و على وحدة الوطن و الشعب و نأمل في أن يتم استثمار ما تم اكتسابه في سبيل تنمية الوطن و المحافظة عليه و قطع الطريق عن المتربصين المستثمرين في المآسي لتحقيق مصالحهم الاقتصادية و الايديولوجية.

Hakima Khedim

 

الوسوم

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock