خطة البحث:(ملاحظة: البحث مقسم على عدة صفحات من 1 الى 10 في أسفل الموضوع)

   المقدمة

   محور الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة
   الاتحاد السوفيتي قوة عظمى في هيكل النظام الدولي
   الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة
   محور التحولات التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي
  التحولات الداخلية والخارجية في عهد جورباتشوف
   تدهور قوة الاتحاد السوفيتي وأسباب الانهيار
   محور انهيار الاتحاد السوفيتي والإنذار الأمريكي
   انهيار الاتحاد السوفيتي وانعكاساته على التنافس
   تداعيات الانهيار والانفراد الأمريكي
   محور انعكاسات الانهيار على الصراع العربي الإسرائيلي
   الاتحاد السوفيتي وعلاقته بأطراف الصراع
   انعكاسات الانهيار على طرفي الصراع العربي ـ الإسرائيلي
 أطراف الصراع العربي ـ الإسرائيلي مع الجمهوريات المستقلة
   المصادر والمراجع

   مقدمة: كانت نهاية الإمبراطورية الروسية وإعلان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ثورة غيرت النظام العالمي، وكذلك نهاية الاتحاد السوفيتي وانهياره وإعلان رابطة الدول المستقلة ثورة جديدة تغير في الخريطة السياسية للعالم. فبينما قادت الثورة الأولى عام 1917 إلى نظام انقسم العالم بشأنه، فقد أدت الثورة الثانية عام 1991 إلى وضع يحتار العالم في أمره. حيث يصعب فهم أسباب الثورة الثانية ما لم نتعرف نتائج الثورة الأولى، إذ أن هناك علاقة سببية بين عواقب ثورة 1917 ودوافع ثورة 1991.

  هكذا استمر الاتحاد السوفيتي رسمياً منذ عام 1917 وحتى عام 1991، وكان الإعلان الرسمي عن نهايته بصفته اتحاداً ودولة عظمى قد سبقها إرهاصات مباشرة وغير مباشرة، بدأت، بوادرها منذ وفاة الرئيس ليونيد بريجنيف عام 1982، وتصاعد الأحداث سريعاً بعد تولى الرئيس ميخائيل جورباتشوف حكم البلاد عام 1985.

       كان الاتحاد السوفيتي، في معظم فتراته، حليفاً سياسياً للعالم العربي ومصدراً من المصادر الأساسية لتمويله بمختلف السلع الإستراتيجية خاصة الأسلحة، كذلك كانت المعادلة الدولية على قدر كبير من التوازن، حيث كان النظام الدولي يتميز بالثنائية القطبية، ومن ثم يمكن القول: إن العالم العربي قد خسر حليفاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً قوياً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ومن الواضح أن هذا الانهيار قد قضى على النظام الدولي القديم، الذي قام على التوازن بين قوتين عظميين تتزعمان معسكرين متضادين، حكمته قواعد الحرب الباردة وضوابطها. وقد قضى هذا الانهيار على الشكل السابق للقارة الأوروبية، وخرجت أوروبا الشرقية تنفض عن كاهلها غبار الانهيار، وتعيد صياغة مجتمعاتها واقتصادياتها، للحاق بأوروبا الغربية الأكثر تقدماً، بدلاً من الصراع والعداء معها، فضلاً عن إعادة توحيد ألمانيا وما تحمله من فرص واحتمالات عديدة، والتفكك السلمي لتشيكوسلوفاكيا، ثم انتقال عدوى التفكك تجاه الاتحاد اليوغسلافي وتصاعد الصراعات العسكرية نتيجة هذا التفكك.

       غير أن أكثر مشاهد الانهيار إثارة وخطورة كان، انهيار الدولة السوفيتية ذاتها وتفككها، فقد فاق هذا الانهيار في حجمه وعمقه وسرعته، كافة توقعات الباحثين وتحليلات المحللين، بمن فيهم من كان أكثرهم رفضاً للاتحاد السوفيتي. ولا تكمن خطورة هذا الحدث في تفكك قوة عظمى إلى عدد من الدول المستقلة ذات السيادة فقط، وإنما تكمن في انهيار الإيديولوجية[1] اللاحمة لهذا البناء، أي الأيديولوجية الماركسية ـ اللينينية، وليس المقصود هنا هو انهيار الفكر الاشتراكي أو اختفائه عموماً أو الماركسي خصوصاً، فهذا الفكر جزء لا يتجزأ من تراث الإنسانية، كان ولا يزال له إسهامه المميز في دفع وترقيه الفكر الإنساني كله، وله جوانب ضعفه، وأيضاً جوانب قوته. ولكن ما انهار هو تلك الصيغة الأيديولوجية المحددة التي يصب فيها هذا الفكر، وانطوت على نقد المجتمع الرأسمالي، وتصور مثل أعلى بديل له وهو المجتمع الشيوعي، وآليات الانتقال إليه. وما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق، لم يعن أن تطبيقاً خاطئاً للأيديولوجية قد فشل، ولكنه يعني بالأساس أن العناصر الأساسية لتلك الأيديولوجية هي التي ثبت فشلها وخطؤها. ولذلك لم يكن غريباً أن يكون الانهيار الذي وقع في الاتحاد السوفيتي مركزاً لزلزال شديد هّز مواقع وأفكار كثيرة في كافة أنحاء العالم، واستلزم مراجعه شاملة لمنظومة كاملة من الأفكار والمفاهيم والتطبيقات.

       والواقع أن سقوط الاتحاد السوفيتي وانهياره، بوصفه انهيار الإمبراطورية، ليس ظاهرة فريدة في التاريخ الحديث أو الوسيط أو القديم، فليس تهاوى الشيوعية السوفيتية جديداً في دورات التاريخ، فقد حكم التاريخ بالموت على النظم التي أضحت عائقاً أمام التقدم، وانهيار الشمولية السوفيتية قد سبقه تداعى الشمولية النازية والفاشية، والهزيمة في الحرب الباردة تبدو نتيجة منطقية بأن استخدام القوة غير العسكرية بمقدوره تحقيق أهداف الحرب بوسائل أخرى، إن هدم دعائم النظام القديم ـ وخاصة الجهاز الدولي الشمولي ـ في عهد ميخائيل جورباتشوف، قد عجّل بانهيار القوة العظمى السوفيتية.

       إن سرعة انهيار الإمبراطورية والشيوعية والشمولية في الاتحاد السوفيتي، تم على نحو لم تتوقعه أكثر التنبؤات الأيديولوجية تفاؤلاً، كما أن تداعيات الانهيار لا سابق لها من حيث شمولها للجوانب الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية وغيرها، مما يبرز التأريخ به بداية لتشكيل نظام عالمي جديد.

الاتحاد السوفيتي والحرب الباردة

       بدت خريطة العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، مختلفة تمام الاختلاف عنها قبل الحـرب، فقد أخذت قيادة العالم الرأسمالي تنتقل شيئاً فشيئاً من يد فرنسا وبريطانيا إلى يد الولايات المتحدة الأمريكية. إذ فقدت فرنسا مركزها؛ نتيجة سقوطها أولاً تحت الاحتلال الألماني أثناء الحرب، وفشلها ثانياً في الاحتفاظ بإمبراطوريتها بعد الحرب، كما حدث في الهند الصينية، أما بريطانيا فقد تصدرت في أعقاب الحرب، الصراع ضد الاتحاد السوفيتي، ولكنها لم تلبث أن عجزت عن تحمل أعباء الصراع اقتصادياً، ثم أشهرت إفلاسها في فبراير 1947، حيث أعلنت عجزها عن تحمل نفقات التزاماتها في أوروبا. ومن ثم أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان، في الشهر التالي، استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لتحمل هذه الالتزامات جزءاً من سياسة المحافظة على استعداد شعوب العالم الحر ضد التهديد الشيوعي. ومنذ ذلك الحين انتقلت المبادرة في الشؤون الغربية إلى يد الولايات المتحدة الأمريكية بصفة مطلقة، وأعلن جورج مارشال وزير الخارجية الأمريكية مشروعه الذي هدف إلى إنقاذ الاقتصاد الأوروبي من الانهيار.

       وقد ساعد على صعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا المركز في قيادة العالم الرأسمالي، امتلاكها القوة النووية وحدها دون آية دولة رأسمالية أخرى. فقد وضعها هذا السلاح في موضع الحامي للعالم الرأسمالي من الخطر الشيوعي. وكان الخوف من الاتحاد السوفيتي يجتاح الولايات المتحدة الأمريكية، التي بنت سياستها في ذلك الحين على ما عرف باسم سياسة الاحتواء، التي أسهم في إعدادها جورج كينان أكبر الخبراء الأمريكيين في الشؤون السوفيتية في ذلك الوقت.

       أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ نجمه يتصاعد قوة ونفوذاً وبصورة مطردة في سماء النظام العالمي، منذ نهاية الحرب الثانية، حيث أخذ يتربع خلال فترة الستينيات على قمة النظام العالمي ليصبح إحدى القوتين العظميين المنفردتين بالهيمنة على المجتمع الدولي ومقدراته حرباً أو سلماً.

       نجحت النظم الشيوعية، خلال سنوات قوتها، في أن تدخل في تنافس مع الغرب، خاصة من الناحية العسكرية، وناصرت حركات التحرر، كما حدث في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، كما أنها أقلقت الغرب وأدت إلى هزيمته في فيتنام، وأصبحت لها قوة نووية تقف لتنافس الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي من خلال تكتل عسكري يتمثل في حلف وارسو. والواقع أن الاتحاد السوفيتي، كان يمثل حجر الزاوية في الحفاظ على التوازن الإستراتيجي الدولي، من خلال وقوفه مع دول العالم الثالث ومساندة قضايا التحرر في العالم.

الاتحاد السوفيتي قوة عظمى في هيكل النظام الدولي

خلفية تاريخية لنشأة الاتحاد السوفيتي:

       كانت مدينة كييف مركز الدولة الروسية القديمة، حيث تأسست في القرن التاسع الميلادي بعد تطور امتد لعدة قرون من خلال اتحادات سياسية وعسكرية اتسمت بالطابع القبلي والإقليمي، ثم ارتقت إلى دويلات صغيرة كانت أكبرها إمارتي كييف ونوفاجور دسكايا، ثم تكونت الدولة الروسية المستقلة على أساس اتحاد الدويلات والإمارات في فترة صراع الشعوب السلافية الشرقية ضد البيزنطيين وغيرهم من أجل الاستقلال.

       وفي نهاية القرن العاشر بلغت دولة كييف مستوى عالياً من التطور السياسي والاقتصادي، كما اتسعت مساحتها وامتدت من منطقة البلطيق إلى جبال الأورال، حيث تنوع تركيبها العرقي وشمل السلاف وغيرهم من الشعوب.

       هذا وقد ارتبطت تجارة نوفاجور دسكايا وبعض مدن شمال روسيا وغربها بسياسة استعمارية تجاه سكان الشمال من البلطيق، وبذلك اتسعت الحدود الشمالية والشرقية لإمارة نوفاجور دسكايا، واستمرت الدولة الروسية الأولى ـ روسيا كييف ـ حتى القرن الثاني عشر الميلادي، حيث انهارت بعد أن انفصل عنها أكبر الإمارات ـ مثل نوفاجور دسكايا ـ سياسياً واقتصادياً، وقد ساعد على ذلك بدائية وسائل المواصلات والاتصالات.

       وخلال الفترة من القرن الثاني عشر الميلادي إلى القرن الخامس عشر الميلادي، استمر تفتت الدول الروسية الأولى روسيا كييف، وفي عام 1480 تحررت من الاستعمار التتاري الذي استمر مائة وخمسين عاماً، حيث تمكن إيفان الثالث عام 1462– 1505 من إخضاع جميع أراضي روسيا إلى سيطرة أمراء موسكو.

       وفي عام 1547 أعلن ايفان الرابع الملقب باسم ايفان الرهيب، تنصيب نفسه قيصراً على روسيا، لتظهر وتتوسع الإمبراطورية الروسية القيصرية في القرن السابع عشر الميلادي، وأصبحت موسكو عاصمة روسيا بصفتها المركز الاقتصادي التجاري الأكبر، كما تعاظمت الممتلكات الإقليمية لها.

       وخلال فترة إيفان جروزني[1] عام 1553 – 1584، استمرت عملية التوسع الاستعماري الإقليمي. وفي عام 1654 تم ضم أوكرانيا وإخضاع ممالك كازان واستراخان، كما امتد التوسع إلى آسيا الوسطى وما وراء القوقاز والشرق الأدنى، وعندما تولى بطرس الأكبر عام 1689، أباح استخدام الفلاحين في منازل الإقطاعيين، وحرَّم عليهم مغادرة الأرض بدون إذن كتابي من سادتهم، حيث يتعرض من يخالف ذلك لعقوبة تصل إلى الإعدام.

       وفي مطلع القرن الثامن عشر الميلادي كانت حدود الإمبراطورية القيصرية قد بلغت المحيط الهادي، مما سهل عملية الاستيطان الروسي واسع النطاق في الشرق الأقصى، حيث ضمت روسيا كل من أنجوشيا، وشمال شرقي أوستيا عام 1770. وأعقب ذلك ضم الشيشان إلى روسيا في عام 1781، وجورجيا وجنوب شرقي أوستيا عام 1783، وداغستان وما جاورها عام 1831. كما اعترفت تركيا في معاهدة عام 1700 بأن أزوف تعتبر قسماً من روسيا.

       كما أدت معاهدة 1774 بين روسيا وتركيا إلى فتح الطريق لتوسيع الإمبراطورية الروسية في شمال القوقاز بنهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، حينما ضم بطرس الأكبر كل من دربنت، وباكو، ورشت، وقسم كبير من جيليانا، وكلها مناطق فارسية تقع شمال غرب إيران بالقرب من بحر قزوين.

       وفي عام 1825 ألحق شمال أذربيجان بروسيا وبقى جنوبها خاضعاً لإيران، وفي عام 1828 تم ضم شرق أرمينيا إلى الإمبراطورية الروسية، أما شرق مولدافيا ـ بيساربيا ـ فقد تم ضمها إلى الإمبراطورية الروسية في عام 1812.

       وفي نهاية القرن الثامن عشر ونتيجة لضعف الأرستقراطية الإقطاعية في أوروبا، استطاعت روسيا اختراق الحدود الغربية وسحقت المقاومة البولندية، ولم تقف أمامها أية قوة لتوسعها في أوروبا الوسطى.

       ولكن سرعان ما توالت الضربات التي أصابت الإمبراطورية الروسية على مدى ستين عاماً، حيث أغلق في وجهها الطريق إلى القسطنطينية، وفقدت سيطرتها على الشعوب السلافية في البلقان على يد إنجلترا ثم ألمانيا وبمساعدة النمسا. وفي عام 1905 هزمتها اليابان وأوقفت كل توسع لها في اتجاه منشوريا وكوريا.

       وجاء انهيار الحكم القيصري في روسيا فجأة، بعد أن ظلت صخرة عاتية من الحكم المطلق، استعصت على كافة قوى التحرر التي نشأت في أوروبا الغربية. وقبل سقوط القيصرية بفترة قصيرة، شهدت روسيا حركات تمثلت في مظاهرات تجوب الشوارع، ثم انقلبت إلى ثورة ناجحة في فبراير 1917 حين رفض جنود حامية تيروجراد ـ عاصمة روسيا حينئذ ـ إطلاق النار على المتظاهرين، بل وانضموا إليهم . وكانت هذه الثورة من الأهمية بمكان بما لم يسبقها إليه غيرها من الثورات التي عرفها التاريخ، ومن ثم برزت على السطح ثورة البلشفيك الشيوعيين ـ الثورة البلشفية ـ في أكتوبر 1917، وتخلى القيصر نيقولا الثاني عن العرش في 15 مارس 1917، ومن أشهر زعمائها لينين الذي كان يعيش في زيوريخ، وجوزيف ستالين الذي كان منفياً في سيبيريا. وكان البلشفيك أقلية ضئيلة في مجلس مندوبي العمال، الذي أصبح هيئة قوية صاحبة سلطان بعد سقوط القيصرية، وسمى النظام الجديد بالنظام السوفيتي، لأنه استمد أسس قوته من مجالس جديدة للعمال والفلاحين والجنود، سميت مجالس السوفيت.

       وبعد سقوط القيصرية كان هناك اتفاق على أمر واحد، وهو أن روسيا يجب أن تتحرر، ونشأت حكومة مؤقتة برنامجها العفو الشامل عن الجرائم السياسية والدينية، وحرية القول، وحرية الصحافة والاجتماع، وإلغاء كل تفرقة بسبب الدين أو القومية، والإعداد لتشكيل جمعية تأسيسية بالاقتراع السري العام المباشر تتولى وضع الدستور وتشكيل الحكومة.

       أعلن النظام الجديد بقيادة لينين، دكتاتورية البروليتاريا[2]، وتأميم الأرض ووسائل الإنتاج والمصارف والسكك الحديدية، كما أعلن عن تأسيس أول دولة اشتراكية في العالم سميت جمهوريات روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية في 10 يوليه 1918.

       وأعلنت سلطة الثورة حق تقرير المصير لشعوب المستعمرات وأشباه المستعمرات، لتختار بين الاستقلال والاتحاد الفيدرالي مع الدولة المركزية،أي مع جمهورية روسيا السوفيتية الاشتراكية،وفضلت شعوب المستعمرات الاختيار الثاني، فأخذت تنضم تباعاً إلى الاتحاد الفيدرالي الذي تغيّر اسمه بالتالي؛ إلى اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، الذي ضم 15 جمهورية وعُرف اختصاراً باسم الاتحاد السوفيتي.

       وفي مارس 1918، أبرمت معاهدة برست ـ ليتوفسك للسلام مع ألمانيا لالتقاط الأنفاس، والتفرغ للشؤون الداخلية، ورغم ذلك استمرت الحرب الأهلية والتدخل الأجنبي حتى عام 1922، حينما انضمت جمهوريات سوفيتية أخرى، بموجب معاهدات جديدة، مكونة بذلك اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية الذي اتخذ أول دستور له في يوليه 1923.

       وخلال سبعين عاماً بعد الثورة البلشفية، أقامت روسيا واحدة من أقوى الدول في العالم، لتحل محل الإمبراطورية الروسية المتخلفة، حيث تميزت بقوى إنتاج ضخمة، وقدرة فكرية جبارة، وثقافة رفيعة ومجتمع فريد يضم ما يزيد على مائة أمة وقومية، وهذه الدولة العظمى المسماة اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، التي امتدت من النصف الشرقي للقارة الأوروبية حتى المحيط الهادي وبحر اليابان داخل القارة الآسيوية، واحتلت مساحة قدرها 8 مليون و595 ألف و987 ميلاً مربعاً.

       في 2 ديسمبر 1922 كان الاتحاد يتكون من أربع جمهوريات هي:

  1. جمهورية روسيا السوفيتية الفيدرالية.
  2. جمهورية أوكرانيا السوفيتية الاشتراكية.
  3. جمهورية روسيا البيضاء السوفيتية الاشتراكية.
  4. جمهورية عبر القوقاز السوفيتية الاشتراكية.

       أي أن التكوين الأصلي كان تضم ثلاث جمهوريات أوروبية ثم جمهورية عبر القوقاز التي تمثل آسيا. وبعد مضي نحو عام، بدأ منح الجمهوريات الأسيوية ذات التكوين المجتمعي الإسلامي، شخصيتها السياسية الكاملة على أساس قومي وهي: أوزبكستان وتركمانستان عام 1923، وطاجيكستان عام 1929، وكازاخستان وقيرقيزستان عام 1936، وجورجيا، وأرمينيا، وأذربيجان في ديسمبر عام 1936، ثم انضمت إلى هذه الجمهوريات الإحدى عشرة، في أواخر الحرب العالمية، كل من: إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، ومولدافيا[3]. ليصبح إجمالي الجمهوريات التي يتكون منها الاتحاد السوفيتي خمس عشرة جمهورية. (انظر خريطة جمهوريات الاتحاد السوفيتي)

ظروف التطبيق الاشتراكي وسماته المميزة:

       قامت الثورة الماركسية عام 1917 بقيادة لينين في بلد زراعي متخلف صناعياً، ولاشك أن قيام الثورة كان يتعارض مع أفكار كارل ماركس في الحتمية التاريخية، فلم تكن تلقائية بل كانت حرباً أهلية، مما يعني أن لينين كان لا يؤمن إيماناً كاملاً بأفكار كارل ماركس، الذي دعا إلى تحرك الأمور المتفاقمة حتى تتم الثورة تلقائياً. ولهذا انقسم الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، في ذلك الوقت، إلى أغلبية تؤمن بالعنف الثوري، يمثلها البلشفيك ويتزعمها لينين، وأخرى أقليّة تؤمن بالثورة البيضاء.

       بدأ لينين التطبيق الماركسي خلال الفترة من 1917–1924 بإخلاص وحماس، فنزع ملكية وسائل الإنتاج جميعها، مع احتكار الدولة الكامل للتجارة الخارجية. ونظراً للضعف الشديد في الجهاز الإداري للدولة، وعدم قدرته على إدارة الأموال، فقد هبط الإنتاج، فأعلن لينين نظاماً جديداً للسياسة الاقتصادية، معترفاً بفشل سياسته الأولى، واكتفى بتأميم المشروعات الأساسية وإعادة بقية المشروعات إلى أصحابها؛ لتخفيف الحمل على النواحي الإدارية في الدولة، كما سمح بقيام مشروعات مختلطة ينشئها الأفراد وتساهم فيها الدولة بالنصف وترك المشروعات الصغيرة للأفراد، كما تخلى عن الاستيلاء على المحاصيل الزراعية بدون مقابل، وقدم الائتمان المصرفي للفلاحين؛ مما استطاع معه النهوض بالبلاد.

تميز التطبيق الاشتراكي بطابعين هامين:

الأول: شدة صلابة الزعماء مع الجمود في تطبيق الاشتراكية، فالإنسان في نظرهم إما اشتراكي، أو رأسمالي خائن، فالاشتراكية لا تعني منع استغلال الإنسان للإنسان فحسب، وتعني الوصول إلى ذلك بتحريم الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإلغاء حق المبادرة للأفراد، وبالتالي تأميم كافة وسائل للإنتاج.

الثاني: السعي إلى العالمية بالعمل على تكوين أحزاب شيوعية في سائر بلاد العالم، وقد فرض السوفيت على الأحزاب الشيوعية في مختلف بلاد العالم مفهومهم عن الماركسية اللينينية نفسه والجمود نفسه، وبالتالي التبعية المطلقة، وأصبحت روسيا وطن الاشتراكية الأم، وبمقتضى ذلك فإن كل فرد أو حزب أو دولة ماركسية في العالم ملزم بالدفاع عن مصالح موسكو، والامتثال لأوامر الحزب الشيوعي السوفيتي، حتى ولو كان ضد مصالح وطنه.

منظمات الحركة الشيوعية العالمية وتطورها:

       من أبرز المنظمات الشيوعية العالمية الكومنترن[4]، وتكونت في الاتحاد السوفيتي في مارس 1919، وبدأت نشاطها عقب المؤتمر الشيوعي الدولي الأول، حيث تركزت قراراته على مساندة الأحزاب الشيوعية القائمة فعلاً، والعمل على إقامة أحزاب شيوعية في العالم كله، وتأييد الثورات في أي مكان في العالم، مع إخضاع جميع الأحزاب الشيوعية الموجودة أو التي قد تتكون في المستقبل إلى الكومنترن. واستمر الكومنترن في نشاطه حتى عام 1943، حيث ألغاه جوزيف ستالين صورياً لمهادنة الشعوب الأخرى.

       ومن المنظمات الأخرى الكومنفورم[5] التي أعلن الاتحاد السوفيتي عن قيامها منظمة عالمية عام 1947 بهدف إنشاء منظمات وجمعيات علنية تهدف إلى نشر مبادئ الشيوعية، ومن أهم منظماتها: مجلس السلام العالمي، والاتحاد العالمي لنقابات العمال، والاتحاد الدولي للنساء، والاتحاد الدولي للعلماء، والاتحاد الدولي للأطباء.

       وفي عام 1956 أُلغي الكومنفورم، وحلّت محّله سياسة التعايش السلمي مع البلاد التي تختلف أنظمتها مع النظام الشيوعي، على أن نشر الشيوعية استمر عن طريق المنظمات الشيوعية العالمية العلنية، وتعدّ توصياتها تعليمات لكل الأحزاب الشيوعية في العالم.

انتقال السلطة في الاتحاد السوفيتي.

       يتوقف حكم القادة الشيوعيين على عمرهم ومدى نجاحهم في تطبيق سياسة الحزب الشيوعي بكفاءة، وافتقرت السياسة الشيوعية إلى نظام مؤسس لنقل السلطة في القمة؛ مما أوجد أزمات شديدة للخلافة على القمة، وكان الاتحاد السوفيتي يشهد، مع وفاة كل أمين عام للحزب الشيوعي، صراعات حادة، قد تتواصل عدة سنوات وإن لم تكن بارزة للعيان. (انظر ملحق جمهوريات الاتحاد السوفيتي “سابقا”)

الاتحاد السوفيتي والنظام الشيوعي:

       استمر النظام السوفيتي الشمولي طوال سبعين عاماً في سحق كل الجهود الرامية لتأسيس منظمات مستقلة ورفضها، والدليل على ذلك أنه في السنوات التي تلت عهد ستالين، خلال فترات حكم كل من نيكيتا خروشوف، وليونيد بريجنيف، ويوري أندروبوف، وقسطنطين تشيرنينكو، زاد عدد السجناء السياسيين من غير الروس، ومنذ عام 1920 وحتى منتصف الثمانينيات كانت عمليات قمع المعارضين تجرى على قدم وساق، إما عن طريق شبكة التجسس الداخلية المعروفة باسم كي جي بي K.G.P، وخطوط المعلومات الخاصة بها، أو عن طريق وزارة الداخلية، من خلال ميليشياتها النظامية، وقوة الوحدة الخاصة السادسة، التي كان أفرادها يتسلحون بالعصي المطاطية والكلاب الشرسة. وكان من شأن هذا النظام أن يجعل تأجير مكان للاجتماعات، أو تصوير وثيقة خاصة بمنظمة من المنظمات المستقلة أو طبعها بدون تصديق رسمي، ضرباً من ضروب المستحيل. ولعشرات السنين أسهم غياب الصحافة الحرة في إضعاف الحياة المستقلة بالاتحاد السوفيتي.

       وفيما يقرب من خمسة وسبعين عاماً، لم يستطع الشعب السوفيتي التعبير عن رأيه لدرجة أن هذه السلبية جعلت خبراء الغرب يصرحون بأن الشعب السوفيتي فقد كل مبادئ الماضي وقيمه. وقد نتجت عن ذلك شخصية جديدة سهلة الانقياد، تشكلت بفعل النظام الشمولي والقمع الجماعي، فنجد أقوى المعارضين السوفيت وأشهرهم لم يستطيعوا التعبير عن رأيهم.

اضغط على الصورة